Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Ar-Rahman 55:39–49
55:39–40Page 532
فَيَوۡمَئِذٖ لَّا يُسۡـَٔلُ عَن ذَنۢبِهِۦٓ إِنسٞ وَلَا جَآنّٞ ٣٩
Then on that Day none will be asked about his sin among men or jinn.1
فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٤٠
So which of the favors of your Lord would you deny?
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: لا يَسْألُهُ أحَدٌ عَنْ ذَنْبِهِ، فَلا يُقالُ لَهُ: أنْتَ المُذْنِبُ أوْ غَيْرُكَ، ولا يُقالُ: مَنِ المُذْنِبُ مِنكم، بَلْ يَعْرِفُونَهُ بِسَوادِ وُجُوهِهِمْ وغَيْرِهِ، وعَلى هَذا فالضَّمِيرُ في ذَنْبِهِ عائِدٌ إلى مُضْمَرٍ مُفَسَّرٍ بِما بَعْدَهُ، وتَقْدِيرُهُ لا يُسْألُ إنْسٌ عَنْ ذَنْبِهِ ولا جانٌّ يُسْألُ، أيْ عَنْ ذَنْبِهِ.
وثانِيهِما: مَعْناهُ قَرِيبٌ مِنَ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنعام: ١٦٤] كَأنَّهُ يَقُولُ: لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ مُذْنِبٌ إنْسٌ ولا جانٌّ. وفِيهِ إشْكالٌ لَفْظِيٌّ، لِأنَّ الضَّمِيرَ في ذَنْبِهِ إنْ عادَ إلى أمْرٍ قَبْلَهُ يَلْزَمُ اسْتِحالَةُ ما ذَكَرْتَ مِنَ المَعْنى بَلْ يَلْزَمُ فَسادُ المَعْنى رَأْسًا لِأنَّكَ إذا قُلْتَ: لا يُسْألُ مَسْئُولٌ واحِدٌ أوْ إنْسِيٌّ مَثَلًا عَنْ ذَنْبِهِ، فَقَوْلُكَ بَعْدُ ”إنْسٌ“ ”ولا جانٌّ“، يَقْتَضِي تَعَلُّقَ فِعْلٍ بِفاعِلَيْنِ وإنَّهُ مُحالٌ، والجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ لا يَفْرِضَ عائِدًا وإنَّما يُجْعَلُ بِمَعْنى المُظْهَرِ لا غَيْرُ، ويُجْعَلُ عَنْ ذَنْبِهِ كَأنَّهُ قالَ: عَنْ ذَنْبِ مُذْنِبٍ.
ثانِيهِما: وهو أدَقُّ وبِالقَبُولِ أحَقُّ أنْ يُجْعَلَ ما يَعُودُ إلَيْهِ الضَّمِيرُ قَبْلَ الفِعْلِ فَيُقالُ: تَقْدِيرُهُ فالمُذْنِبُ يَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ، وفِيهِ مَسائِلُ لَفْظِيَّةٌ ومَعْنَوِيَّةٌ:
المَسْألَةُ الأُولى اللَّفْظِيَّةُ: الفاءُ لِلتَّعْقِيبِ، وأنَّهُ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ زَمانِيًّا كَأنَّهُ يَقُولُ: فَإذا انْشَقَّتِ السَّماءُ يَقَعُ العَذابُ، فَيَوْمَ وُقُوعِهِ لا يُسْألُ، وبَيْنَ الأحْوالِ فاصِلٌ زَمانِيٌّ غَيْرُ مُتَراخٍ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ عَقْلِيًّا كَأنَّهُ يَقُولُ: يَقَعُ العَذابُ فَلا يَتَأخَّرُ تَعَلُّقُهُ بِهِمْ مِقْدارَ ما يُسْألُونَ عَنْ ذَنْبِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أرادَ التَّرْتِيبَ الكَلامِيَّ كَأنَّهُ يَقُولُ: تَهْرَبُونَ بِالخُرُوجِ مِن أقْطارِ السَّماواتِ، وأقُولُ لا تَمْتَنِعُونَ عِنْدَ انْشِقاقِ السَّماءِ، فَأقُولُ: لا تُمْهَلُونَ مِقْدارَ ما تُسْألُونَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ما المُرادُ مِنَ السُّؤالِ ؟ نَقُولُ: المَشْهُورُ ما ذَكَرْنا أنَّهم لا يُقالُ لَهم: مَنِ المُذْنِبُ مِنكم، وهو عَلى هَذا سُؤالُ اسْتِعْلامٍ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي سُؤالُ تَوْبِيخٍ أيْ لا يُقالُ لَهُ: لِمَ أذْنَبَ المُذْنِبُ ؟ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ سُؤالَ مَوْهِبَةٍ وشَفاعَةٍ كَما يَقُولُ القائِلُ: أسْألُكَ ذَنْبَ فُلانٍ، أيْ أطْلُبُ مِنكَ عَفْوَهُ، فَإنْ قِيلَ: هَذا فاسِدٌ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ السُّؤالَ إذا عُدِّيَ بِعَنْ لا يَكُونُ إلّا بِمَعْنى الِاسْتِعْلامِ أوِ التَّوْبِيخِ. وإذا كانَ بِمَعْنى الِاسْتِعْطاءِ يُعَدّى بِنَفْسِهِ إلى مَفْعُولَيْنِ، فَيُقالُ: نَسْألُكَ العَفْوَ والعافِيَةَ.
ثانِيها: الكَلامُ لا يَحْتَمِلُ تَقْدِيرًا ولا يُمْكِنُ تَقْدِيرُهُ بِحَيْثُ يُطابِقُ الكَلامَ، لِأنَّ المَعْنى يَصِيرُ كَأنَّهُ يَقُولُ: لا يُسْألُ واحِدٌ ذَنْبَ أحَدٍ، بَلْ أحَدٌ لا يُسْألُ ذَنْبَ نَفْسِهِ.
ثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ﴾ لا يُناسِبُ ذَلِكَ.
نَقُولُ: أمّا الجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: فَهو أنَّ السُّؤالَ رُبَّما يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ غَيْرَ أنَّهُ عِنْدَ الِاسْتِعْلامِ يُحْذَفُ الثّانِي ويُؤْتى بِما يَتَعَلَّقُ بِهِ، يُقالُ: سَألْتُهُ عَنْ كَذا أيْ سَألْتُهُ الإخْبارَ عَنْ كَذا فَيَحْذِفُ الإخْبارَ ويَكْتَفِي بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ، وهو الجارُّ والمَجْرُورُ. فَيَكُونُ المَعْنى: طَلَبْتُ مِنهُ أنْ يُخْبِرَنِي عَنْ كَذا.
وعَنِ الثّانِي: أنَّ التَّقْدِيرَ لا يُسْألُ إنْسٌ ذَنْبَهُ ولا جانٌّ، والضَّمِيرُ يَكُونُ عائِدًا إلى المُضْمَرِ لَفْظًا لا مَعْنًى، كَما تَقُولُ: قَتَلُوا أنْفُسَهم، فالضَّمِيرُ في أنْفُسِهِمْ عائِدٌ إلى ما في قَوْلِكَ: قَتَلُوا لَفْظًا لا مَعْنًى لِأنَّ ما في قَتَلُوا ضَمِيرُ الفاعِلِ، وفي أنْفُسِهِمْ ضَمِيرُ المَفْعُولِ، إذِ الواحِدُ لا يَقْتُلُ نَفْسَهُ وإنَّما المُرادُ كُلُّ واحِدٍ قَتَلَ واحِدًا غَيْرَهُ، فَكَذَلِكَ [ كُلُّ ] إنْسٍ لا يُسْألُ [ عَنْ ] ذَنْبِهِ أيْ ذَنْبِ إنْسٍ غَيْرِهِ، ومَعْنى الكَلامِ لا يُقالُ لِأحَدٍ اعْفُ عَنْ فُلانٍ، لِبَيانِ أنْ لا مَسْئُولَ في ذَلِكَ الوَقْتِ مِنَ الإنْسِ والجِنِّ، وإنَّما كُلُّهم سائِلُونَ اللَّهَ، واللَّهُ
صفحة ١٠٥
تَعالى حِينَئِذٍ هو المَسْئُولُ.
وأمّا المَعْنَوِيَّةُ: فالأوْلى: كَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَ هَذا وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٩٢] وبَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقِفُوهم إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ ؟ نَقُولُ: عَلى الوَجْهِ المَشْهُورِ جَوابانِ:
أحَدُهُما: أنَّ لِلْآخِرَةِ مَواطِنَ. فَلا يُسْألُ في مَوْطِنٍ، ويُسْألُ في مَوْطِنٍ.
وثانِيهِما: وهو أحْسَنُ لا يُسْألُ عَنْ فِعْلِهِ أحَدٌ مِنكم، ولَكِنْ يُسْألُ بِقَوْلِهِ: لِمَ فَعَلَ الفاعِلُ فَلا يُسْألُ سُؤالَ اسْتِعْلامٍ، بَلْ يُسْألُ سُؤالَ تَوْبِيخٍ، وأمّا عَلى الوَجْهِ الثّانِي فَلا يَرِدُ السُّؤالُ، فَلا حاجَةَ إلى بَيانِ الجَمْعِ.
والثّانِيَةُ: ما الفائِدَةُ في بَيانِ عَدَمِ السُّؤالِ ؟ نَقُولُ: عَلى الوَجْهِ المَشْهُورِ فائِدَتُهُ التَّوْبِيخُ لَهم كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ﴾ ﴿تَرْهَقُها قَتَرَةٌ﴾ [عبس: ٤٠، ٤١] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ [آل عمران: ١٠٦] وعَلى الثّانِي بَيانُ أنْ لا يُؤْخَذَ مِنهم فِدْيَةٌ، فَيَكُونُ تَرْتِيبُ الآياتِ أحْسَنَ، لِأنَّ فِيها حِينَئِذٍ بَيانَ أنْ لا مَفَرَّ لَهم بِقَوْلِهِ: ﴿إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَنْفُذُوا﴾ ثُمَّ بَيانَ أنْ لا مانِعَ عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا تَنْتَصِرانِ﴾ ثُمَّ بَيانَ أنْ لا فِداءَ لَهم عَنْهم بِقَوْلِهِ: لا يُسْألُ، وعَلى الوَجْهِ الأخِيرِ، بَيانُ أنْ لا شَفِيعَ لَهم ولا راحِمَ. وفائِدَةٌ أُخْرى: وهو أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ العَذابَ في الدُّنْيا مُؤَخَّرٌ بِقَوْلِهِ: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾ بَيَّنَ أنَّهُ في الآخِرَةِ لا يُؤَخَّرُ بِقَدْرِ ما يُسْألُ. وفائِدَةٌ أُخْرى: وهو أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ لا مَفَرَّ لَهم بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَنْفُذُونَ﴾ ولا ناصِرَ لَهم يُخَلِّصُهم بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا تَنْتَصِرانِ﴾ بَيَّنَ أمْرًا آخَرَ، وهو أنْ يَقُولَ المُذْنِبُ: رُبَّما أنْجُو في ظِلِّ خُمُولٍ واشْتِباهِ حالٍ، فَقالَ: ولا يَخْفى أحَدٌ مِنَ المُذْنِبِينَ بِخِلافِ أمْرِ الدُّنْيا، فَإنَّ الشِّرْذِمَةَ القَلِيلَةَ رُبَّما تَنْجُو مِنَ العَذابِ العامِّ بِسَبَبِ خُمُولِهِمْ.
55:41–42Page 533
يُعۡرَفُ ٱلۡمُجۡرِمُونَ بِسِيمَٰهُمۡ فَيُؤۡخَذُ بِٱلنَّوَٰصِي وَٱلۡأَقۡدَامِ ٤١
The criminals will be known by their marks, and they will be seized by the forelocks and the feet.
فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٤٢
So which of the favors of your Lord would you deny?
وقالَ تَعالى: ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهم فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ اتِّصالُ الآياتِ بِما قَبْلَها عَلى الوَجْهِ المَشْهُورِ، ظاهِرٌ لا خَفاءَ فِيهِ، إذْ قَوْلُهُ: ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ﴾ كالتَّفْسِيرِ. وعَلى الوَجْهِ الثّانِي مِن أنَّ المَعْنى لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ غَيْرُهُ كَيْفَ قالَ: يُعْرَفُ ويُؤْخَذُ وعَلى قَوْلِنا: لا يُسْألُ سُؤالَ حَطٍّ وعَفْوٍ أيْضًا كَذَلِكَ، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: السِّيما كالضِّيزى وأصْلُهُ سَوْمى مِنَ السَّوْمَةِ وهو يَحْتَمِلُ وُجُوهًا.
أحَدُها: كَيٌّ عَلى جِباهِهِمْ، قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها في نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ﴾ [التوبة: ٣٥] .
ثانِيها: سَوادٌ كَما قالَ تَعالى: ﴿فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ [آل عمران: ١٠٦] وقالَ تَعالى: ﴿وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر: ٦٠] .
ثالِثُها: غَبَرَةٌ وقَتَرَةٌ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ما وجْهُ إفْرادِ ”يُؤْخَذُ“ مَعَ أنَّ ”المُجْرِمِينَ“ جَمْعٌ، وهُمُ المَأْخُوذُونَ ؟ نَقُولُ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ يُؤْخَذَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِالنَّواصِي﴾ كَما يَقُولُ القائِلُ: ذُهِبَ بِزَيْدٍ.
وثانِيهِما: أنْ يَتَعَلَّقَ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ يُؤْخَذُ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ، فَيُؤْخَذُونَ بِالنَّواصِي، فَإنْ قِيلَ كَيْفَ عُدِّيَ الأخْذُ بِالباءِ وهو يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ، قالَ تَعالى: ﴿لا يُؤْخَذُ مِنكم فِدْيَةٌ﴾ [الحديد: ١٥] وقالَ: ﴿خُذْها ولا تَخَفْ﴾ [طه: ٢١] نَقُولُ: الأخْذُ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ كَما بَيَّنْتَ، وبِالباءِ
صفحة ١٠٦
أيْضًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ولا بِرَأْسِي﴾ [طه: ٩٤] لَكِنْ في الِاسْتِعْمالِ تَدْقِيقٌ، وهو أنَّ المَأْخُوذَ إنْ كانَ مَقْصُودًا بِالأخْذِ تَوَجَّهَ الفِعْلُ نَحْوَهُ فَيَتَعَدّى إلَيْهِ مِن غَيْرِ حَرْفٍ، وإنْ كانَ المَقْصُودُ بِالأخْذِ غَيْرَ الشَّيْءِ المَأْخُوذِ حِسًّا تَعَدّى إلَيْهِ بِحَرْفٍ، لِأنَّهُ لَمّا لَمْ يَكُنْ مَقْصُودًا فَكَأنَّهُ لَيْسَ هو المَأْخُوذُ، وكَأنَّ الفِعْلَ لَمْ يَتَعَدَّ إلَيْهِ بِنَفْسِهِ، فَذَكَرَ الحَرْفَ، ويَدُلُّ عَلى ما ذَكَرْنا اسْتِعْمالُ القُرْآنِ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿خُذْها ولا تَخَفْ﴾ في العَصا، وقالَ تَعالى: ﴿ولْيَأْخُذُوا أسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] ﴿أخَذَ الألْواحَ﴾ [الأعراف: ١٥٤] إلى غَيْرِ ذَلِكَ، فَلَمّا كانَ ما ذُكِرَ هو المَقْصُودُ بِالأخْذِ عُدِّيَ الفِعْلُ إلَيْهِ مِن غَيْرِ حَرْفٍ، وقالَ تَعالى: ﴿لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ولا بِرَأْسِي﴾ وقالَ تَعالى: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ﴾ ويُقالُ: خُذْ بِيَدِي، وأخَذَ اللَّهُ بِيَدِكَ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَكُونُ المَقْصُودُ بِالأخْذِ غَيْرَ ما ذَكَرْنا، فَإنْ قِيلَ: ما الفائِدَةُ في تَوْجِيهِ الفِعْلِ إلى غَيْرِ ما تَوَجَّهَ إلَيْهِ الفِعْلُ الأوَّلُ، ولِمَ قالَ: ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهم فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي﴾ ؟ نَقُولُ فِيهِ بَيانُ نَكالِهِمْ وسُوءِ حالِهِمْ ونُبَيِّنُ هَذا بِتَقْدِيمِ مِثالٍ، وهو أنَّ القائِلَ إذا قالَ: ضُرِبَ زَيْدٌ فَقُتِلَ عَمْرٌو فَإنَّ المَفْعُولَ في بابِ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ قائِمٌ مَقامَ الفاعِلِ ومُشَبَّهٌ بِهِ؛ ولِهَذا أُعْرِبَ إعْرابُهُ فَلَوْ لَمْ يُوَجَّهْ يُؤْخَذْ إلى غَيْرِ ما وُجِّهَ إلَيْهِ يُعْرَفُ لَكانَ الأخْذُ فِعْلٌ مِن عَرَفَ، فَيَكُونُ كَأنَّهُ قالَ: يَعْرِفُ المُجْرِمِينَ عارِفٌ فَيَأْخُذُهم ذَلِكَ العارِفُ، لَكِنِ المُجْرِمُ يَعْرِفُهُ بِسِيماهُ كُلُّ أحَدٍ، ولا يَأْخُذُهُ كُلُّ مَن عَرَفَهُ بِسِيماهُ، بَلْ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ قَوْلُهُ: ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ﴾ المُرادُ يَعْرِفُهُمُ النّاسُ والمَلائِكَةُ الَّذِينَ يَحْتاجُونَ في مَعْرِفَتِهِمْ إلى عَلامَةٍ، أمّا كَتَبَةُ الأعْمالِ والمَلائِكَةُ الغِلاظُ الشِّدادُ فَيَعْرِفُونَهم كَما يَعْرِفُونَ أنْفُسَهم مِن غَيْرِ احْتِياجٍ إلى عَلامَةٍ، وبِالجُمْلَةِ فَقَوْلُهُ: يُعْرَفُ مَعْناهُ يَكُونُونَ مَعْرُوفِينَ عِنْدَ كُلِّ أحَدٍ، فَلَوْ قالَ: يُؤْخَذُونَ يَكُونُ كَأنَّهُ قالَ: فَيَكُونُونَ مَأْخُوذِينَ لِكُلِّ أحَدٍ، كَذَلِكَ إذا تَأمَّلْتَ في قَوْلِ القائِلِ: شُغِلْتُ فَضُرِبَ زَيْدٌ عَلِمْتَ عِنْدَ تَوْجِهِ التَّعْلِيقِ إلى مَفْعُولَيْنِ دَلِيلُ تَغايُرِ الشّاغِلِ والضّارِبِ لِأنَّهُ يُفْهَمُ مِنهُ أنِّي شَغَلَنِي شاغِلٌ فَضَرَبَ زَيْدًا ضارِبٌ، فالضّارِبُ غَيْرُ ذَلِكَ الشّاغِلِ، وإذا قُلْتَ: شُغِلَ زَيْدٌ فَضُرِبَ لا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ حَيْثُ تَوَجَّهَ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، وإنْ كانَ يَدُلُّ فَلا يَظْهَرُ مِثْلَ ما يَظْهَرُ عِنْدَ تَوَجُّهِهِ إلى مَفْعُولَيْنِ، أمّا بَيانُ النَّكالِ فَلِأنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي﴾ بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ الأخْذِ وجَعْلَها مَقْصُودَ الكَلامِ، ولَوْ قالَ: فَيُؤْخَذُونَ لَكانَ الكَلامُ يَتِمُّ عِنْدَهُ ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿بِالنَّواصِي﴾ فائِدَةً جاءَتْ بَعْدَ تَمامِ الكَلامِ فَلا يَكُونُ هو المَقْصُودُ، وأمّا إذا قالَ: فَيُؤْخَذُ، فَلا بُدَّ لَهُ مِن أمْرٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ فَيَنْتَظِرُ السّامِعُ وُجُودَ ذَلِكَ، فَإذا قالَ: ﴿بِالنَّواصِي﴾ يَكُونُ هَذا هو المَقْصُودُ، وفي كَيْفِيَّةِ الأخْذِ ظُهُورُ نَكالِهِمْ لِأنَّ في نَفْسِ الأخْذِ بِالنّاصِيَةِ إذْلالًا وإهانَةً، وكَذَلِكَ الأخْذُ بِالقَدَمِ، لا يُقالُ قَدْ ذَكَرْتَ أنَّ التَّعْدِيَةَ بِالباءِ إنَّما تَكُونُ حَيْثُ لا يَكُونُ المَأْخُوذُ مَقْصُودًا، والآنَ ذَكَرْتَ أنَّ الأخْذَ بِالنَّواصِي هو المَقْصُودُ لِأنّا نَقُولُ: لا تَنافِيَ بَيْنَهُما فَإنَّ الأخْذَ بِالنَّواصِي مَقْصُودُ الكَلامِ والنّاصِيَةُ ما أُخِذَتْ لِنَفْسِ كَوْنِها ناصِيَةً وإنَّما أُخِذَتْ لِيَصِيرَ صاحِبُها مَأْخُوذًا، وفَرْقٌ بَيْنَ مَقْصُودِ الكَلامِ وبَيْنَ الأخْذِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: يَجْمَعُ بَيْنَ ناصِيَتِهِمْ وقَدَمِهِمْ، وعَلى هَذا فَفِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّ ذَلِكَ قَدْ يَكُونُ مِن جانِبِ ظُهُورِهِمْ فَيَرْبِطُ بِنَواصِيهِمْ أقْدامَهم مِن جانِبِ الظَّهْرِ فَتَخْرُجُ صُدُورُهم نَتَأً.
والثّانِي: أنَّ ذَلِكَ مِن جانِبِ وُجُوهِهِمْ فَتَكُونُ رُءُوسُهم عَلى رُكَبِهِمْ ونَواصِيهِمْ في أصابِعِ أرْجُلِهِمْ مَرْبُوطَةً.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهم يُسْحَبُونَ سَحْبًا فَبَعْضُهم يُؤْخَذُ بِناصِيَتِهِ وبَعْضُهم يُجَرُّ بِرِجْلِهِ، والأوَّلُ أصَحُّ وأوْضَحُ.
55:43–45Page 533
هَٰذِهِۦ جَهَنَّمُ ٱلَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا ٱلۡمُجۡرِمُونَ ٤٣
This is Hell, which the criminals deny.
يَطُوفُونَ بَيۡنَهَا وَبَيۡنَ حَمِيمٍ ءَانٖ ٤٤
They will circulate between it and scalding water, heated [to the utmost degree].
فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٤٥
So which of the favors of your Lord would you deny?
صفحة ١٠٧
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِها المُجْرِمُونَ﴾
والمَشْهُورُ أنَّ هَهُنا إضْمارًا تَقْدِيرُهُ يُقالُ لَهم: هَذِهِ جَهَنَّمُ، وقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُهُ في مَواضِعَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: مَعْناهُ هَذِهِ صِفَةُ جَهَنَّمَ فَأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَ المُضافِ. ويَكُونُ ما تَقَدَّمَ هو المُشارُ إلَيْهِ، والأقْوى أنْ يُقالَ: الكَلامُ عِنْدَ النَّواصِي والأقْدامِ قَدْ تَمَّ، وقَوْلُهُ: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ﴾ لِقُرْبِها كَما يُقالُ هَذا زَيْدٌ قَدْ وصَلَ إذا قَرُبَ مَكانُهُ، فَكَأنَّهُ قالَ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِها المُجْرِمُونَ هَذِهِ قَرِيبَةٌ غَيْرُ بَعِيدَةٍ عَنْهم، ويُلائِمُهُ قَوْلُهُ: ﴿يُكَذِّبُ﴾ لِأنَّ الكَلامَ لَوْ كانَ بِإضْمارٍ يُقالُ، لَقالَ تَعالى لَهم: هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كَذَّبَ بِها المُجْرِمُونَ. لِأنَّ في هَذا الوَقْتِ لا يَبْقى مُكَذِّبٌ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يُضْمَرُ فِيهِ: كانَ يُكَذِّبُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ هو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كالمُهْلِ﴾ [الكهف: ٢٩] وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها أُعِيدُوا فِيها﴾ [السجدة: ٢٠] لِأنَّهم يَخْرُجُونَ فَيَسْتَغِيثُونَ فَيَظْهَرُ لَهم مِن بُعْدٍ شَيْءٌ مائِعٌ هو صَدِيدُهُمُ المَغْلِيُّ فَيَظُنُّونَهُ ماءٌ، فَيَرِدُونَ عَلَيْهِ كَما يَرِدُ العَطْشانُ فَيَقَعُونَ ويَشْرَبُونَ مِنهُ شُرْبَ الهِيمِ، فَيَجِدُونَهُ أشَدَّ حَرًّا فَيُقَطِّعُ أمْعاءَهم، كَما أنَّ العَطْشانَ إذا وصَلَ إلى ماءٍ مالِحٍ لا يَبْحَثُ عَنْهُ ولا يَذُوقُهُ، وإنَّما يَشْرَبُهُ عَبًّا فَيَحْرِقُ فُؤادَهُ ولا يُسَكِّنُ عَطَشَهُ. وقَوْلُهُ: ﴿حَمِيمٍ﴾ إشارَةٌ إلى ما فُعِلَ فِيهِ مِنَ الإغْلاءِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿آنٍ﴾ إشارَةٌ إلى ما قَبْلَهُ، وهو كَما يُقالُ: قَطَعْتُهُ فانْقَطَعَ فَكَأنَّهُ حَمَتْهُ النّارُ فَصارَ في غايَةِ السُّخُونَةِ، وآنَ الماءُ إذا انْتَهى في الحَرِّ نِهايَةً.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ وفِيهِ بَحْثٌ وهو أنَّ هَذِهِ الأُمُورَ لَيْسَتْ مِنَ الآلاءِ فَكَيْفَ قالَ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ﴾ ؟ نَقُولُ: الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: ما ذَكَرْناهُ. وثانِيهِما: أنَّ المُرادَ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما﴾ مِمّا أشَرْنا إلَيْهِ في أوَّلِ السُّورَةِ. ﴿تُكَذِّبانِ﴾ فَتَسْتَحِقّانِ هَذِهِ الأشْياءَ المَذْكُورَةَ مِنَ العَذابِ، وكَذَلِكَ نَقُولُ: في قَوْلِهِ: ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ هي الجِنانُ. ثُمَّ إنَّ تِلْكَ الآلاءَ لا تُرى، وهَذا ظاهِرٌ لِأنَّ الجِنانَ غَيْرُ مَرْئِيَّةٍ، وإنَّما حَصَلَ الإيمانُ بِها بِالغَيْبِ، فَلا يَحْسُنُ الِاسْتِفْهامُ بِمَعْنى الإنْكارِ مِثْلَ ما يَحْسُنُ الِاسْتِفْهامُ عَنْ هَيْئَةِ السَّماءِ والأرْضِ والنَّجْمِ والشَّجَرِ والشَّمْسِ والقَمَرِ وغَيْرِها مِمّا يُدْرَكُ ويُشاهَدُ، لَكِنَّ النّارَ والجَنَّةَ ذُكِرَتا لِلتَّرْهِيبِ والتَّرْغِيبِ كَما بَيَّنّا أنَّ المُرادَ فَبِأيِّهِما تُكَذِّبانِ فَتَسْتَحِقّانِ العَذابَ وتُحْرَمانِ الثَّوابَ.
55:46–49Page 533
وَلِمَنۡ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِۦ جَنَّتَانِ ٤٦
But for he who has feared the position of his Lord1 are two gardens -
فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٤٧
So which of the favors of your Lord would you deny? -
ذَوَاتَآ أَفۡنَانٖ ٤٨
Having [spreading] branches.
فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٤٩
So which of the favors of your Lord would you deny?
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ وفِيهِ لَطائِفُ: الأُولى: التَّعْرِيفُ في عَذابِ جَهَنَّمَ قالَ: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ﴾ والتَّنْكِيرُ في الثَّوابِ بِالجَنَّةِ إشارَةٌ إلى أنَّ كَثْرَةَ المَراتِبِ الَّتِي لا تُحَدُّ ونِعَمِهِ الَّتِي لا تُعَدُّ، ولْيُعْلَمْ أنَّ آخِرَ العَذابِ جَهَنَّمُ وأوَّلَ مَراتِبِ الثَّوابِ الجَنَّةُ، ثُمَّ بَعْدَها مَراتِبُ وزِياداتٌ. الثّانِيَةُ: قَدْ ذَكَرْنا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَذَكِّرْ بِالقُرْآنِ مَن يَخافُ وعِيدِ﴾ [ق: ٤٥] أنَّ الخَوْفَ خَشْيَةٌ سَبَبُها ذُلُّ الخاشِي، والخَشْيَةُ خَوْفٌ سَبَبُهُ عَظَمَةُ المَخْشِيِّ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ﴾ [فاطر: ٢٨] وقالَ تَعالى: ﴿لَوْ أنْزَلْنا هَذا القُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأيْتَهُ خاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِن خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٢١] أيْ لَوْ كانَ المُنَزَّلُ عَلَيْهِ العالِمَ بِالمُنَزَّلِ كالجَبَلِ العَظِيمِ في القُوَّةِ والِارْتِفاعِ لَتَصَدَّعَ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ لِعَظَمَتِهِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَخْشى النّاسَ واللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشاهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧] وإنَّما قُلْنا: إنَّ الخَشْيَةَ تَدُلُّ عَلى ما ذَكَرْنا؛ لِأنَّ الشَّيْخَ لِلسَّيِّدِ والرَّجُلِ الكَبِيرِ يَدُلُّ عَلى حُصُولِ مَعْنى العَظَمَةِ في (خ ش ي)، وقالَ تَعالى في الخَوْفِ: ﴿ولا تَخَفْ سَنُعِيدُها﴾
صفحة ١٠٨
[طه: ٢١] لَمّا كانَ الخَوْفُ يُضْعِفُ في مُوسى، وقالَ: ﴿لا تَخَفْ ولا تَحْزَنْ﴾ [العنكبوت: ٣٣] وقالَ: ﴿فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ﴾ [القصص: ٣٣] وقالَ: ﴿وإنِّي خِفْتُ المَوالِيَ مِن ورائِي﴾ [مريم: ٥] ويَدُلُّ عَلَيْهِ تَقالِيبُ (خ و ف) فَإنَّ قَوْلَكَ خَفِيَ قَرِيبٌ مِنهُ، والخافِي فِيهِ ضُعْفٌ، والأخْيَفُ يَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا، وإذا عُلِمَ هَذا فاللَّهُ تَعالى مَخُوفٌ ومَخْشِيٌّ، والعَبْدُ مِنَ اللَّهِ خائِفٌ وخاشٍ؛ لِأنَّهُ إذا نَظَرَ إلى نَفْسِهِ رَآها في غايَةِ الضَّعْفِ فَهو خائِفٌ، وإذا نَظَرَ إلى حَضْرَةِ اللَّهِ رَآها في غايَةِ العَظَمَةِ فَهو خاشٍ، لَكِنَّ دَرَجَةَ الخاشِي فَوْقَ دَرَجَةِ الخائِفِ، فَلِهَذا قالَ: ﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ﴾ جَعَلَهُ مُنْحَصِرًا فِيهِمْ لِأنَّهم وإنْ فَرَضُوا أنْفُسَهم عَلى غَيْرِ ما هم عَلَيْهِ، وقَدَّرُوا أنَّ اللَّهَ رَفَعَ عَنْهم جَمِيعَ ما هم فِيهِ مِنَ الحَوائِجِ لا يَتْرُكُونَ خَشْيَتَهُ، بَلْ تَزْدادُ خَشْيَتُهم، وأمّا الَّذِي يَخافُهُ مِن حَيْثُ إنَّهُ يُفْقِرُهُ أوْ يَسْلُبُ جاهَهُ، فَرُبَّما يَقِلُّ خَوْفُهُ إذا أمِنَ ذَلِكَ، فَلِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ وإذا كانَ هَذا لِلْخائِفِ فَما ظَنُّكَ بِالخاشِي ؟ الثّالِثَةُ: لَمّا ذَكَرَ الخَوْفَ ذَكَرَ المَقامَ، وعِنْدَ الخَشْيَةِ ذَكَرَ اسْمَهُ الكَرِيمَ فَقالَ: ﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ﴾ وقالَ: ﴿لَرَأيْتَهُ خاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِن خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٢١] وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «خَشْيَةُ اللَّهِ رَأْسُ كُلِّ حِكْمَةٍ» لِأنَّهُ يَعْرِفُ رَبَّهُ بِالعَظَمَةِ فَيَخْشاهُ. وفي مَقامِ رَبِّهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَقامُ رَبِّهِ أيِ المَقامُ الَّذِي يَقُومُ هو فِيهِ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ، وهو مَقامُ عِبادَتِهِ كَما يُقالُ: هَذا مَعْبَدُ اللَّهِ وهَذا مَعْبَدُ البارِي أيِ المَقامُ الَّذِي يَعْبُدُ اللَّهَ العَبْدُ فِيهِ. والثّانِي: مَقامُ رَبِّهِ المَوْضِعُ الَّذِي فِيهِ اللَّهُ قائِمٌ عَلى عِبادِهِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣] أيْ حافِظٌ ومُطَّلِعٌ أخْذًا مِنَ القائِمِ عَلى الشَّيْءِ حَقِيقَةً الحافِظِ لَهُ فَلا يَغِيبُ عَنْهُ، وقِيلَ: مَقامٌ مُقْحَمٌ يُقالُ: فُلانٌ يَخافُ جانِبَ فُلانٍ أيْ يَخافُ فُلانًا وعَلى هَذا الوَجْهِ يَظْهَرُ الفَرْقُ غايَةَ الظُّهُورِ بَيْنَ الخائِفِ والخاشِي، لِأنَّ الخائِفَ خافَ مَقامَ رَبِّهِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ فالخاشِي لَوْ قِيلَ لَهُ: افْعَلْ ما تُرِيدُ فَإنَّكَ لا تُحاسَبُ ولا تُسْألُ عَمّا تَفْعَلُ، لَما كانَ يُمْكِنُهُ أنْ يَأْتِيَ بِغَيْرِ التَّعْظِيمِ، والخائِفُ رُبَّما كانَ يُقْدِمُ عَلى مَلاذِّ نَفْسِهِ لَوْ رُفِعَ عَنْهُ القَلَمُ وكَيْفَ لا، ويُقالُ: خاصَّةُ اللَّهِ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ في شُغْلٍ شاغِلٍ عَنِ الأكْلِ والشُّرْبِ واقِفُونَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ سابِحُونَ في مُطالَعَةِ جَمالِهِ غائِصُونَ في بِحارِ جَلالِهِ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي قَرُبَ الخائِفُ مِنَ الخاشِي وبَيْنَهُما فَرْقٌ. الرّابِعَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿جَنَّتانِ﴾ وهَذِهِ اللَّطِيفَةُ نُبَيِّنُها بَعْدَما نَذْكُرُ ما قِيلَ في التَّثْنِيَةِ، قالَ بَعْضُهم: المُرادُ جَنَّةٌ واحِدَةٌ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ: ﴿ألْقِيا في جَهَنَّمَ﴾ [ق: ٢٤] وتَمَسَّكَ بِقَوْلِ القائِلِ:
ومَهْمَهَيْنِ سَرَتْ مَرَّتَيْنِ قَطَعْتُهُ بِالسَّهْمِ لا السَّهْمَيْنِ
فَقالَ: أرادَ مَهْمَهًا واحِدًا بِدَلِيلِ تَوْحِيدِ الضَّمِيرِ في قَطَعْتُهُ وهو باطِلٌ، لِأنَّ قَوْلَهُ بِالسَّهْمِ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مَهْمَهانِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَوْ كانَ مَهْمَهًا واحِدًا لَما كانُوا في قَطَعْتُهُ يَقْصِدُونَ جَدَلًا، بَلْ يَقْصِدُونَ التَّعَجُّبَ وهو إرادَتُهُ قَطْعَ مَهْمَهَيْنِ بِأُهْبَةٍ واحِدَةٍ وسَهْمٍ واحِدٍ وهو مِنَ العَزْمِ القَوِيِّ، وأمّا الضَّمِيرُ فَهو عائِدٌ إلى مَفْهُومٍ تَقْدِيرُهُ قَطَعْتُ كِلَيْهِما وهو لَفْظٌ مَقْصُورٌ مَعْناهُ التَّثْنِيَةُ ولَفْظُهُ لِلْواحِدِ، يُقالُ: كِلاهُما مَعْلُومٌ ومَجْهُولٌ، قالَ تَعالى: ﴿كِلْتا الجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها﴾ [الكهف: ٣٣] فَوَحَّدَ اللَّفْظَ ولا حاجَةَ هَهُنا إلى التَّعَسُّفِ، ولا مانِعَ مِن أنْ يُعْطِيَ اللَّهُ جَنَّتَيْنِ وجِنانًا عَدِيدَةً، وكَيْفَ وقَدْ قالَ بَعْدُ: ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ وقالَ فِيهِما. والثّانِي وهو الصَّحِيحُ أنَّهُما جَنَّتانِ وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُما جَنَّةٌ لِلْجِنِّ وجَنَّةٌ لِلْإنْسِ لِأنَّ المُرادَ هَذانِ النَّوْعانِ.
وثانِيهِما: جَنَّةٌ لِفِعْلِ الطّاعاتِ، وجَنَّةٌ لِتَرْكِ المَعاصِي لِأنَّ التَّكْلِيفَ بِهَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ.
وثالِثُها: جَنَّةٌ هي جَزاءٌ وجَنَّةٌ أُخْرى زِيادَةٌ عَلى الجَزاءِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: جَنَّتانِ جَنَّةٌ جِسْمِيَّةٌ والأُخْرى رُوحِيَّةٌ، فالجِسْمِيَّةُ في نَعِيمٍ والرُّوحِيَّةُ في رَوْحٍ فَكانَ كَما قالَ تَعالى: ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ وجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾
صفحة ١٠٩
[الواقعة: ٨٩] وذَلِكَ لِأنَّ الخائِفَ مِنَ المُقَرَّبِينَ، والمُقَرَّبُ في رَوْحٍ ورَيْحانٍ وجَنَّةِ نَعِيمٍ.
وأمّا اللَّطِيفَةُ: فَنَقُولُ: لَمّا قالَ تَعالى في حَقِّ المُجْرِمِ إنَّهُ يَطُوفُ بَيْنَ نارٍ وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ، وهُما نَوْعانِ ذَكَرَ لِغَيْرِهِ وهو الخائِفُ جَنَّتَيْنِ في مُقابَلَةِ ما ذَكَرَ في حَقِّ المُجْرِمِ، لَكِنَّهُ ذَكَرَ هُناكَ أنَّهم يَطُوفُونَ فَيُفارِقُونَ عَذابًا ويَقَعُونَ في الآخَرِ، ولَمْ يَقُلْ هَهُنا: يَطُوفُونَ بَيْنَ الجَنَّتَيْنِ بَلْ جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى مُلُوكًا وهم فِيها يُطافُ عَلَيْهِمْ ولا يُطافُ بِهِمُ احْتِرامًا لَهم وإكْرامًا في حَقِّهِمْ، وقَدْ ذَكَرْنا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ﴾ [محمد: ١٥] وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ﴾ [الحجر: ٤٥] أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ الجَنَّةَ والجَنّاتِ، فَهي لِاتِّصالِ أشْجارِها ومَساكِنِها وعَدَمِ وُقُوعِ الفاصِلِ بَيْنَهُما كَمَهامِّهِ وقِفارٍ صارَتْ كَجَنَّةٍ واحِدَةٍ، ولِسِعَتِها وتَنَوُّعِ أشْجارِها وكَثْرَةِ مَساكِنِها كَأنَّها جَنّاتٌ، ولِاشْتِمالِها عَلى ما تَلْتَذُّ بِهِ الرُّوحُ والجِسْمُ كَأنَّها جَنَّتانِ، فالكُلُّ عائِدٌ إلى صِفَةِ مَدْحٍ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences