Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Al-Waqi'ah 56:10–19
56:10–11Page 534
وَٱلسَّٰبِقُونَ ٱلسَّٰبِقُونَ ١٠
And the forerunners, the forerunners1 -
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلۡمُقَرَّبُونَ ١١
Those are the ones brought near [to Allāh]
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في إعْرابِهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: ﴿والسّابِقُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى ”أصْحابِ المَيْمَنَةِ“ وعِنْدَهُ تَمَّ الكَلامُ، وقَوْلُهُ: ﴿السّابِقُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ جُمْلَةٌ واحِدَةٌ، والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ جُمْلَةٌ واحِدَةٌ، كَما يَقُولُ القائِلُ: أنْتَ أنْتَ. وكَما قالَ الشّاعِرُ:
أنا أبُو النَّجْمِ وشِعْرِي شِعْرِي
وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ لِشُهْرَةِ أمْرِ المُبْتَدَأِ بِما هو عَلَيْهِ فَلا حاجَةَ إلى الخَبَرِ عَنْهُ، وهو مُرادُ الشّاعِرِ وهو المَشْهُورُ عِنْدَ النُّحاةِ. والثّانِي: لِلْإشارَةِ إلى أنَّ في المُبْتَدَأِ ما لا يُحِيطُ العِلْمُ بِهِ ولا يُخْبَرُ عَنْهُ ولا يُعْرَفُ مِنهُ إلّا نَفْسُ المُبْتَدَأِ، وهو كَما يَقُولُ القائِلُ لِغَيْرِهِ: أخْبِرْنِي عَنْ حالِ المَلِكِ. فَيَقُولُ: لا أعْرِفُ مِنَ المَلِكِ إلّا أنَّهُ
صفحة ١٢٨
مَلِكٌ. فَقَوْلُهُ: ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ أيْ لا يُمْكِنُ الإخْبارُ عَنْهم إلّا بِنَفْسِهِمْ، فَإنَّ حالَهم وما هم عَلَيْهِ فَوْقَ أنْ يُحِيطَ بِهِ عِلْمُ البَشَرِ، (وهَهُنا لَطِيفَةٌ): وهي أنَّهُ في أصْحابِ المَيْمَنَةِ قالَ: ﴿ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ بِالِاسْتِفْهامِ وإنْ كانَ لِلْإعْجازِ، لَكِنْ جَعْلَهم مَوْرِدَ الِاسْتِفْهامِ، وهَهُنا لَمْ يَقُلْ: والسّابِقُونَ ما السّابِقُونَ؛ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ الَّذِي لِلْإعْجازِ يُورَدُ عَلى مُدَّعِي العِلْمَ فَيُقالُ لَهُ: إنْ كُنْتَ تَعَلَمُ فَبَيَّنَ الكَلامَ، وأمّا إذا كانَ يَعْتَرِفُ بِالجَهْلِ فَلا يُقالُ لَهُ: كَذَبْتَ ولا يُقالُ: كَيْفَ كَذا، وما الجَوابُ عَنْ ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ في: ﴿والسّابِقُونَ﴾ ما جَعَلَهم بِحَيْثُ يَدَّعُونَ، فَيُورَدُ عَلَيْهِمُ الِاسْتِفْهامُ فَيُبَيِّنُ عَجْزَهم، بَلْ بَنى الأمْرَ عَلى أنَّهم مُعْتَرِفُونَ في الِابْتِداءِ بِالعَجْزِ، وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ كَقَوْلِ العالِمِ لِمَن سَألَ عَنْ مَسْألَةٍ مُعْضِلَةٍ وهو يَعْلَمُ أنَّهُ لا يَفْهَمُها وإنْ كانَ أبانَها غايَةَ الإبانَةِ أنَّ الأمْرَ فِيها عَلى ما هو عَلَيْهِ ولا يَشْتَغِلُ بِالبَيانِ. وثالِثُها: هو أنَّ ”السّابِقُونَ“ ثانِيًا تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ: ﴿والسّابِقُونَ﴾ والوَجْهُ الأوْسَطُ هو الأعْدَلُ الأصَحُّ، وعَلى الوَجْهِ الأوْسَطِ قَوْلٌ آخَرُ: وهو أنَّ المُرادَ مِنهُ أنَّ السّابِقِينَ إلى الخَيْراتِ في الدُّنْيا هُمُ السّابِقُونَ إلى الجَنَّةِ في العُقْبى.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ يَقْتَضِي الحَصْرَ فَيَنْبَغِي أنْ لا يَكُونَ غَيْرُهم مُقَرَّبًا، وقَدْ قالَ في حَقِّ المَلائِكَةِ إنَّهم مُقَرَّبُونَ، نَقُولُ: ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ مِنَ الأزْواجِ الثَّلاثَةِ، فَإنْ قِيلَ: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ لَيْسُوا مِنَ المُقَرَّبِينَ، نَقُولُ: لِلتَّقْرِيبِ دَرَجاتٌ ﴿والسّابِقُونَ﴾ في غايَةِ القُرْبِ، ولا حَدَّ هُناكَ، ويَحْتَمِلُ وجْهًا آخَرَ، وهو أنْ يُقالَ: المُرادُ السّابِقُونَ مُقَرَّبُونَ مِنَ الجَنّاتِ حالَ كَوْنِ أصْحابِ اليَمِينِ مُتَوَجِّهِينَ إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ؛ لِأنَّهُ بِمِقْدارِ ما يُحاسَبُ المُؤْمِنُ حِسابًا يَسِيرًا ويُؤْتى كِتابَهُ بِيَمِينِهِ، يَكُونُ السّابِقُونَ قَدْ قَرُبُوا مِنَ المَنزِلِ، أوْ قَرَّبَهم إلى اللَّهِ في الجَنَّةِ، وأصَحابُ اليَمِينِ بَعْدُ مُتَوَجِّهُونَ إلى ما وصَلَ إلَيْهِ المُقَرَّبُونَ، ثُمَّ إنَّ السَّيْرَ والِارْتِفاعَ لا يَنْقَطِعُ، فَإنَّ السَّيْرَ في اللَّهِ لا انْقِطاعَ لَهُ، والِارْتِفاعَ لا نِهايَةَ لَهُ، فَكُلَّما تَقَرَّبَ أصْحابُ اليَمِينِ مِن دَرَجَةِ السّابِقِ، يَكُونُ قَدِ انْتَقَلَ هو إلى مَوْضِعٍ أعْلى مِنهُ، فَأُولَئِكَ هُمُ المُقَرَّبُونَ في جَنّاتِ النَّعِيمِ، في أعْلى عِلِّيِّينَ حالَ وُصُولِ أصْحابِ اليَمِينِ إلى الحُورِ العِينِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: بَعْدَ بَيانِ أقْسامِ الأزْواجِ لَمْ يَعُدْ إلى بَيانِ حالِهِمْ عَلى تَرْتِيبِ ذِكْرِهِمْ، بَلْ بَيَّنَ حالَ السّابِقِينَ مَعَ أنَّهُ أخَّرَهم، وأخَّرَ ذِكْرَ أصْحابِ الشِّمالِ مَعَ أنَّهُ قَدَّمَهم أوَّلًا في الذِّكْرِ عَلى السّابِقِينَ، نَقُولُ: قَدْ بَيَّنّا أنَّ عِنْدَ ذِكْرِ الواقِعَةِ قَدَّمَ مَن يَنْفَعُهُ ذِكْرُ الأهْوالِ، وأخَّرَ مَن لا يَخْتَلِفُ حالُهُ بِالخَوْفِ والرَّجاءِ، وأمّا عِنْدَ البَيانِ فَذَكَرَ السّابِقَ لِفَضِيلَتِهِ وفَضِيلَةِ حالِهِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾
وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: عَرَّفَ النَّعِيمَ بِاللّامِ هَهُنا وقالَ في آخِرِ السُّورَةِ: ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ وجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة: ٨٩] بِدُونِ اللّامِ، والمَذْكُورُ في آخِرِ السُّورَةِ هو واحِدٌ مِنَ السّابِقِينَ فَلَهُ جَنَّةٌ مِن هَذِهِ الجَنّاتِ وهَذِهِ مُعَرَّفَةٌ بِالإضافَةِ إلى المَعْرِفَةِ، وتِلْكَ غَيْرُ مُعَرَّفَةٍ فَما الفَرْقُ بَيْنَهُما ؟ فَنَقُولُ: الفَرْقُ لَفْظِيٌّ ومَعْنَوِيٌّ: فاللَّفْظِيُّ هو أنَّ السّابِقِينَ مُعَرَّفُونَ بِاللّامِ المُسْتَغْرِقَةِ لِجِنْسِهِمْ، فَجَعَلَ مَوْضِعَ المُعَرَّفَيْنِ مُعَرَّفًا، وأمّا هُناكَ فَهو غَيْرُ مُعَرَّفٍ، لِأنَّ قَوْلَهُ: إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ أيْ إنْ كانَ فَرْدًا مِنهم فَجَعَلَ مَوْضِعَهُ غَيْرَ مُعَرَّفٍ مَعَ جَوازِ أنْ يَكُونَ الشَّخْصُ مُعَرَّفًا
صفحة ١٢٩
ومَوْضِعُهُ غَيْرُ مُعَرَّفٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ [الذاريات: ١٥] و﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَهَرٍ﴾ [القمر: ٥٤] وبِالعَكْسِ أيْضًا، وأمّا المَعْنَوِيُّ: فَنَقُولُ: عِنْدَ ذِكْرِ الجَمْعِ جَمَعَ الجَنّاتِ في سائِرِ المَواضِعِ فَقالَ تَعالى: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ﴾ وقالَ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ ﴿فِي جَنّاتِ﴾ لَكِنِ السّابِقُونَ نَوْعٌ مِنَ المُتَّقِينَ، وفي المُتَّقِينَ غَيْرُ السّابِقِينَ أيْضًا، ثُمَّ إنَّ السّابِقِينَ لَهم مَنازِلُ لَيْسَ فَوْقَها مَنازِلُ، فَهي صارَتْ مَعْرُوفَةً لِكَوْنِها في غايَةِ العُلُوِّ، أوْ لِأنَّها لا أحَدَ فَوْقَها، وأمّا باقِي المُتَّقِينَ فَلِكُلِّ واحِدٍ مَرْتَبَةٌ، وفَوْقَها مَرْتَبَةٌ فَهم في جَنّاتٍ مُتَناسِبَةٍ في المَنزِلَةِ لا يَجْمَعُها صُقْعٌ واحِدٌ لِاخْتِلافِ مَنازِلِهِمْ، وجَنّاتُ السّابِقِينَ عَلى حَدٍّ واحِدٍ في أعْلى عِلِّيِّينَ يَعْرِفُها كُلُّ أحَدٍ، وأمّا الواحِدُ مِنهم فَإنَّ مَنزِلَتَهُ بَيْنَ المَنازِلِ، ولا يَعْرِفُ كُلُّ أحَدٍ أنَّهُ لِفُلانٍ السّابِقِ فَلَمْ يَعْرِفْها، وأمّا مَنازِلُهم فَيَعْرِفُها كُلُّ أحَدٍ، ويَعْلَمُ أنَّها لِلسّابِقِينَ، ولَمْ يَعْرِفِ الَّذِي لِلْمُتَّقِينَ عَلى وجْهِ كَذا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إضافَةُ الجَنَّةِ إلى النَّعِيمِ مِن أيِّ الأنْواعِ ؟ نَقُولُ: إضافَةُ المَكانِ إلى ما يَقَعُ في المَكانِ، يُقالُ: دارُ الضِّيافَةِ، ودارُ الدَّعْوَةِ، ودارُ العَدْلِ، فَكَذَلِكَ جَنَّةُ النَّعِيمِ، وفائِدَتُها أنَّ الجَنَّةَ في الدُّنْيا قَدْ تَكُونُ لِلنَّعِيمِ، وقَدْ تَكُونُ لِلِاشْتِغالِ والتَّعَيُّشِ بِأثْمانِ ثِمارِها، بِخِلافِ الجَنَّةِ في الآخِرَةِ فَإنَّها لِلنَّعِيمِ لا غَيْرُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾، يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا واحِدًا، أمّا الأوَّلُ فَتَقْدِيرُهُ: أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ كائِنُونَ في جَنّاتٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿ذُو العَرْشِ المَجِيدُ﴾ ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ [البروج: ١٦]، وأمّا الثّانِي فَتَقْدِيرُهُ:هُمُ المُقَرَّبُونَ في الجَنّاتِ مِنَ اللَّهِ كَما يُقالُ: هو المُخْتارُ عِنْدَ المَلِكِ في هَذِهِ البَلْدَةِ، وعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ فائِدَتُهُ بَيانُ تَنْعِيمِ جِسْمِهِمْ، وكَرامَةِ نَفْسِهِمْ فَهم مُقَرَّبُونَ عِنْدَ اللَّهِ، فَهم في غايَةِ اللَّذَّةِ وفي جَنّاتٍ، فَجِسْمُهم في غايَةِ النَّعِيمِ، بِخِلافِ المُقَرَّبِينَ عِنْدَ المُلُوكِ، فَإنَّهم يَلْتَذُّونَ بِالقُرْبِ لَكِنْ لا يَكُونُ لِجِسْمِهِمْ راحَةٌ، بَلْ يَكُونُونَ في تَعَبٍ مِنَ الوُقُوفِ وقَضاءِ الأشْغالِ، ولِهَذا قالَ: ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ ولَمْ يَقْتَصِرْ عَلى جَنّاتٍ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي فائِدَتُهُ التَّمْيِيزُ عَنِ المَلائِكَةِ، فَإنَّ المُقَرَّبِينَ في يَوْمِنا هَذا في السَّماواتِ هُمُ المَلائِكَةُ، والسّابِقُونَ المُقَرَّبُونَ في الجَنَّةِ فَيَكُونُ المُقَرَّبُونَ في غَيْرِها هُمُ المَلائِكَةُ، وفِيهِ لَطِيفَةٌ: وهي أنَّ قُرْبَ المَلائِكَةِ قُرْبُ الخَواصِّ عِنْدَ المَلِكِ الَّذِينَ هم لِلْأشْغالِ، فَهم لَيْسُوا في نَعِيمٍ، وإنْ كانُوا في لَذَّةٍ عَظِيمَةٍ ولا يَزالُونَ مُشْفِقِينَ قائِمِينَ بِبابِ اللَّهِ يَرِدُ عَلَيْهِمُ الأمْرُ ولا يَرْتَفِعُ عَنْهُمُ التَّكْلِيفُ، والسّابِقُونَ لَهم قُرْبٌ عِنْدِ اللَّهِ، كَما يَكُونُ لِجُلَساءِ المُلُوكِ، فَهم لا يَكُونُ بِيَدِهِمْ شُغْلٌ ولا يَرِدُ عَلَيْهِمْ أمْرٌ، فَيَلْتَذُّونَ بِالقُرْبِ، ويَتَنَعَّمُونَ بِالرّاحَةِ.
56:13–14Page 534
ثُلَّةٞ مِّنَ ٱلۡأَوَّلِينَ ١٣
A [large] company of the former peoples
وَقَلِيلٞ مِّنَ ٱلۡأٓخِرِينَ ١٤
And a few of the later peoples,
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ وهَذا خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَدْ ذَكَرْتُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ جُمْلَةٌ، وإنَّما كانَ الخَبَرُ عَيْنَ المُبْتَدَأِ لِظُهُورِ حالِهِمْ أوْ لِخَفاءِ أمْرِهِمْ عَلى غَيْرِهِمْ، فَكَيْفَ جاءَ خَبَرٌ بَعْدَهُ ؟ نَقُولُ: ذَلِكَ المَقْصُودُ قَدْ أفادَ ذِكْرَ خَبَرٍ آخَرَ لِمَقْصُودٍ آخَرَ، كَما أنَّ واحِدًا يَقُولُ: زَيْدٌ لا يَخْفى عَلَيْكَ حالُهُ إشارَةً إلى كَوْنِهِ مِنَ المَشْهُورِينَ ثُمَّ يَشْرَعُ في حالٍ يَخْفى عَلى السّامِعِ، مَعَ أنَّهُ قالَ: لا يَخْفى؛ لِأنَّ ذَلِكَ كانَ لِبَيانِ كَوْنِهِ لَيْسَ مِنَ الغُرَباءِ كَذَلِكَ هَهُنا قالَ: ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ لِبَيانِ عَظَمَتِهِمْ ثُمَّ ذَكَرَ حالَ عَدَدِهِمْ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿الأوَّلِينَ﴾ مَن هم ؟ نَقُولُ: المَشْهُورُ أنَّهم مَن كانَ قَبْلَ نَبِيِّنا ﷺ وإنَّما قالَ: ﴿ثُلَّةٌ﴾ والثُّلَّةُ
صفحة ١٣٠
الجَماعَةُ العَظِيمَةُ؛ لِأنَّ مَن قَبْلَ نَبِيِّنا مِنَ الرُّسُلِ والأنْبِياءِ مَن كانَ مِن كِبارِ أصْحابِهِمْ إذا جُمِعُوا يَكُونُونَ أكْثَرَ بِكَثِيرٍ مِنَ السّابِقِينَ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وعَلى هَذا قِيلَ: إنَّ الصَّحابَةَ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ صَعُبَ عَلَيْهِمْ قِلَّتُهم، فَنَزَلَ بَعْدَهُ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ وهَذا في غايَةِ الضَّعْفِ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ عَدَدَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ إذا كانَ في ذَلِكَ الزَّمانِ بَلْ إلى آخِرِ الزَّمانِ، بِالنِّسْبَةِ إلى مَن مَضى في غايَةِ القِلَّةِ، فَماذا كانَ عَلَيْهِمْ مِن إنْعامِ اللَّهِ عَلى خَلْقٍ كَثِيرٍ مِنَ الأوَّلِينَ، وما هَذا إلّا خُلْفٌ غَيْرُ جائِزٍ.
وثانِيها: أنَّ هَذا كالنَّسْخِ في الأخْبارِ وأنَّهُ في غايَةِ البُعْدِ.
ثالِثُها: ما ورَدَ بَعْدَها لا يَرْفَعُ هَذا؛ لِأنَّ الثُّلَّةَ مِنَ الأوَّلِينَ هُنا في السّابِقِينَ مِنَ الأوَّلِينَ وهَذا ظاهِرٌ؛ لِأنَّ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ كَثُرُوا ورَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعالى فَعَفا عَنْهم أُمُورًا لَمْ تُعْفَ عَنْ غَيْرِهِمْ، وجَعَلَ لِلنَّبِي ﷺ الشَّفاعَةَ فَكَثُرَ عَدَدُ النّاجِينَ وهم أصْحابُ اليَمِينِ، وأمّا مَن لَمْ يَأْثَمْ ولَمْ يَرْتَكِبِ الكَبِيرَةَ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَهم في غايَةِ القِلَّةِ وهُمُ السّابِقُونَ.
ورابِعُها: هَذا تَوَهُّمٌ وكانَ يَنْبَغِي أنْ يَفْرَحُوا بِهَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ دَخَلَ فِيهِمُ الأوَّلُ مِنَ الرُّسُلِ والأنْبِياءِ، ولا نَبِيَّ بَعْدَ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَإذا جَعَلَ قَلِيلًا مِن أُمَّتِهِ مَعَ الرُّسُلِ والأنْبِياءِ والأوْلِياءِ الَّذِينَ كانُوا في دَرَجَةٍ واحِدَةٍ، يَكُونُ ذَلِكَ إنْعامًا في حَقِّهِمْ ولَعَلَّهُ إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «عُلَماءُ أُمَّتِي كَأنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ» . الوَجْهُ الثّانِي: المُرادُ مِنهُ: ﴿والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ﴾ [التوبة: ١٠٠] فَإنَّ أكْثَرَهم لَهُمُ الدَّرَجَةُ العُلْيا، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنكم مَن أنْفَقَ﴾ [الحديد: ١٠] الآيَةَ. ﴿وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ الَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِن خَلْفِهِمْ، وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ يَكُونُ خِطابًا مَعَ المَوْجُودِينَ وقْتَ التَّنْزِيلِ، ولا يَكُونُ فِيهِ بَيانُ الأوَّلِينَ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَ نَبِيِّنا عَلَيْهِ السَّلامُ، وهَذا ظاهِرٌ فَإنَّ الخِطابَ لا يَتَعَلَّقُ إلّا بِالمَوْجُودِينَ مِن حَيْثُ اللَّفْظُ، ويَدْخُلُ فِيهِ غَيْرُهم بِالدَّلِيلِ. الوَجْهُ الثّالِثُ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ بِأنْفُسِهِمْ ﴿وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ: ﴿واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهُمْ﴾ فالمُؤْمِنُونَ وذُرِّيّاتُهم إنْ كانُوا مِن أصْحابِ اليَمِينِ فَهم في الكَثْرَةِ سَواءٌ؛ لِأنَّ كُلَّ صَبِيٍّ ماتَ وأحَدُ أبَوَيْهِ مُؤْمِنٌ فَهو مِن أصْحابِ اليَمِينِ، وأمّا إنْ كانُوا مِنَ المُؤْمِنِينَ السّابِقِينَ، فَقَلَّما يُدْرِكُ ولَدُهم دَرَجَةَ السّابِقِينَ وكَثِيرًا ما يَكُونُ ولَدُ المُؤْمِنِ أحْسَنَ حالًا مِنَ الأبِ لِتَقْصِيرٍ في أبِيهِ ومَعْصِيَةٍ لَمْ تُوجَدْ في الِابْنِ الصَّغِيرِ وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿الآخِرِينَ﴾ المُرادُ مِنهُ الآخِرُونَ التّابِعُونَ مِنَ الصِّغارِ.
56:15–17Page 534
عَلَىٰ سُرُرٖ مَّوۡضُونَةٖ ١٥
On thrones woven [with ornament],
مُّتَّكِـِٔينَ عَلَيۡهَا مُتَقَٰبِلِينَ ١٦
Reclining on them, facing each other.
يَطُوفُ عَلَيۡهِمۡ وِلۡدَٰنٞ مُّخَلَّدُونَ ١٧
There will circulate among them young boys made eternal
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ﴾ .
والمَوْضُونَةُ هي المَنسُوجَةُ القَوِيَّةُ اللُّحْمَةِ والسَّدى، ومِنهُ يُقالُ لِلدِّرْعِ المَنسُوجَةِ: مَوْضُونَةٌ، والوَضِينُ هو الحَبْلُ العَرِيضُ الَّذِي يَكُونُ مِنهُ الحَزْمُ لِقُوَّةِ سُداهُ ولُحْمَتِهِ، والسُّرُرُ الَّتِي تَكُونُ لِلْمُلُوكِ يَكُونُ لَها قَوائِمُ مِن شَيْءٍ صُلْبٍ ويَكُونُ مَجْلِسُهم عَلَيْها مَعْمُولًا بِحَرِيرٍ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ أنْعَمُ مِنَ الخَشَبِ وما يُشْبِهُهُ في الصَّلابَةِ وهَذِهِ السُّرُرُ قَوائِمُها مِنَ الجَواهِرِ النَّفِيسَةِ، وأرْضُها مِنَ الذَّهَبِ المَمْدُودِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها﴾ لِلتَّأْكِيدِ، والمَعْنى أنَّهم كائِنُونَ عَلى سُرُرٍ مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ، فَفائِدَةُ التَّأْكِيدِ هو أنْ لا يُظَنَّ أنَّهم كائِنُونَ عَلى سُرُرٍ مُتَّكِئِينَ عَلى غَيْرِها، كَما يَكُونُ حالُ مَن يَكُونُ عَلى كُرْسِيٍّ صَغِيرٍ لا يَسَعُهُ لِلِاتِّكاءِ فَيُوضَعُ تَحْتَهُ شَيْءٌ آخَرُ لِلِاتِّكاءِ عَلَيْهِ، فَلَمّا قالَ: عَلى سُرُرٍ مُتَّكِئِينَ عَلَيْها دَلَّ هَذا عَلى أنَّ اسْتِقْرارَهم واتِّكاءَهم جَمِيعًا عَلى سُرُرٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُتَقابِلِينَ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ أحَدًا لا يَسْتَدْبِرُ أحَدًا.
وثانِيهِما: أنَّ أحَدًا مِنَ
صفحة ١٣١
السّابِقِينَ لا يَرى غَيْرَهُ فَوْقَهُ، وهَذا أقْرَبُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿مُتَقابِلِينَ﴾ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ يَحْتاجُ إلى أنْ يُقالَ: مُتَقابِلِينَ مَعْناهُ أنَّ كُلَّ أحَدٍ يُقابِلُ أحَدًا في زَمانٍ واحِدٍ، ولا يُفْهَمُ هَذا إلّا فِيما لا يَكُونُ فِيهِ اخْتِلافُ جِهاتٍ، وعَلى هَذا فَيَكُونُ مَعْنى الكَلامِ أنَّهم أرْواحٌ لَيْسَ لَهم أدْبارٌ وظُهُورٌ، فَيَكُونُ المُرادُ مِنَ السّابِقِينَ هُمُ الَّذِينَ أجْسامُهم أرْواحٌ نُورانِيَّةٌ، جَمِيعُ جِهاتِهِمْ وجْهٌ كالنُّورِ الَّذِي يُقابِلُ كُلَّ شَيْءٍ ولا يَسْتَدْبِرُ أحَدًا، والوَجْهُ الأوَّلُ أقْرَبُ إلى أوْصافِ المَكانِيّاتِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ .
والوِلْدانُ جَمْعُ الوَلِيدِ، وهو في الأصْلِ فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ وهو المَوْلُودُ لَكِنْ غَلَبَ عَلى الصِّغارِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ كَوْنِهِمْ مَوْلُودِينَ، والدَّلِيلُ أنَّهم قالُوا لِلْجارِيَةِ الصَّغِيرَةِ: ولِيدَةٌ، ولَوْ نَظَرُوا إلى الأصْلِ لَجَرَّدُوها عَنِ الهاءِ كالقَتِيلِ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: في الوِلْدانِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ عَلى الأصْلِ وهم صِغارُ المُؤْمِنِينَ وهو ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ صِغارَ المُؤْمِنِينَ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّهُ يُلْحِقُهم بِآبائِهِمْ، ومِنَ النّاسِ المُؤْمِنِينَ الصّالِحِينَ مَن لا ولَدَ لَهُ فَلا يَجُوزُ أنْ يَخْدِمَ ولَدُ المُؤْمِنِ مُؤْمِنًا غَيْرَهُ، فَيَلْزَمُ إمّا أنْ يَكُونَ لَهُمُ اخْتِصاصٌ بِبَعْضِ الصّالِحِينَ وأنْ لا يَكُونَ لِمَن لا يَكُونُ لَهُ ولَدٌ مَن يَطُوفُ عَلَيْهِ مِنَ الوِلْدانِ، وإمّا أنْ يَكُونَ ولَدُ الآخَرِ يَخْدِمُ غَيْرَ أبِيهِ وفِيهِ مَنقَصَةٌ بِالأبِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ قِيلَ: هم صِغارُ الكُفّارِ وهو أقْرَبُ مِنَ الأوَّلِ إذْ لَيْسَ فِيهِ ما ذَكَرْنا مِنَ المَفْسَدَةِ.
والثّانِي: أنَّهُ عَلى الِاسْتِعْمالِ الَّذِي لَمْ يُلْحَظْ فِيهِ الأصْلُ وهو إرادَةُ الصِّغارِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ كَوْنِهِمْ مَوْلُودِينَ، وهو حِينَئِذٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ﴾ [الطور: ٢٤] وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُخَلَّدُونَ﴾ وجْهانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ مِنَ الخُلُودِ والدَّوامِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَظْهَرُ وجْهانِ آخَرانِ:
أحَدُهُما: أنَّهم مُخَلَّدُونَ ولا مَوْتَ لَهم ولا فَناءَ.
وثانِيهِما: لا يَتَغَيَّرُونَ عَنْ حالِهِمْ ويَبْقَوْنَ صِغارًا دائِمًا لا يَكْبَرُونَ ولا يَلْتَحُونَ.
والوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ مِنَ الخَلَدَةِ وهو القُرْطُ بِمَعْنى في آذانِهِمْ حَلَقٌ، والأوَّلُ أظْهَرُ وألْيَقُ.
56:18Page 535
بِأَكۡوَابٖ وَأَبَارِيقَ وَكَأۡسٖ مِّن مَّعِينٖ ١٨
With vessels, pitchers and a cup [of wine] from a flowing spring -
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بِأكْوابٍ وأبارِيقَ وكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ .
أوانِي الخَمْرِ تَكُونُ في المَجالِسِ، وفي الكُوبِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ مِن جِنْسِ الأقْداحِ وهو قَدَحٌ كَبِيرٌ.
وثانِيهِما: مِن جِنْسِ الكِيزانِ ولا عُرْوَةَ لَهُ ولا خُرْطُومَ والإبْرِيقُ لَهُ عُرْوَةٌ وخُرْطُومٌ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ما الفَرْقُ بَيْنَ الأكْوابِ والأبارِيقِ والكَأْسِ حَيْثُ ذَكَرَ الأكْوابَ والأبارِيقَ بِلَفْظِ الجَمِيعِ، والكَأْسَ بِلَفْظِ الواحِدِ، ولَمْ يَقُلْ: وكُئُوسٍ ؟ نَقُولُ: هو عَلى عادَةِ العَرَبِ في الشُّرْبِ يَكُونُ عِنْدَهم أوانٍ كَثِيرَةٌ فِيها الخَمْرُ مُعَدَّةٌ مَوْضُوعَةٌ عِنْدَهم، وأمّا الكَأْسُ فَهو القَدَحُ الَّذِي يُشْرَبُ بِهِ الخَمْرُ إذا كانَ فِيهِ الخَمْرُ ولا يَشْرَبُ واحِدٌ في زَمانٍ واحِدٍ إلّا مِن كَأْسٍ واحِدٍ، وأمّا أوانِي الخَمْرِ المَمْلُوءَةُ مِنها في زَمانٍ واحِدٍ فَتُوجَدُ كَثِيرًا، فَإنْ قِيلَ: الطَّوافُ بِالكَأْسِ عَلى عادَةِ أهْلِ الدُّنْيا وأمّا الطَّوافُ بِالأكْوابِ والأبارِيقِ فَغَيْرُ مُعْتادٍ فَما الفائِدَةُ فِيهِ ؟ نَقُولُ: عَدَمُ الطَّوافِ بِها في الدُّنْيا لِدَفْعِ المَشَقَّةِ عَنِ الطّائِفِ لِثِقَلِها، وإلّا فَهي مُحْتاجٌ إلَيْها بِدَلِيلِ أنَّهُ عِنْدَ الفَراغِ يَرْجِعُ إلى المَوْضِعِ الَّذِي هو فِيهِ، وأمّا في الآخِرَةِ فالآنِيَةُ تَدُورُ بِنَفْسِها والوَلِيدُ مَعَها إكْرامًا لا لِلْحَمْلِ، وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ مِن حَيْثُ اللُّغَةُ، وهو أنَّ الكَأْسَ إناءٌ فِيهِ شَرابٌ فَيَدْخُلُ في مَفْهُومِهِ المَشْرُوبُ، والإبْرِيقُ آنِيَةٌ لا يُشْتَرَطُ في
صفحة ١٣٢
إطْلاقِ اسْمِ الإبْرِيقِ عَلَيْها أنْ يَكُونَ فِيها شَرابٌ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: الإناءُ المَمْلُوءُ الِاعْتِبارُ لِما فِيهِ لا لِلْإناءِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فاعْتِبارُ الكَأْسِ بِما فِيهِ لَكِنْ فِيهِ مَشْرُوبٌ مِن جِنْسٍ واحِدٍ وهو المُعْتَبَرُ، والجِنْسُ لا يُجْمَعُ إلّا عِنْدَ تَنَوُّعِهِ فَلا يُقالُ لِلْأرْغِفَةِ مِن جِنْسٍ واحِدٍ: أخْبازٌ، وإنَّما يُقالُ: أخْبازٌ عِنْدَما يَكُونُ بَعْضُها أسْوَدَ وبَعْضُها أبْيَضَ، وكَذَلِكَ اللُّحُومُ يُقالُ عِنْدَ تَنَوُّعِ الحَيَواناتِ الَّتِي مِنها اللُّحُومُ ولا يُقالُ لِلْقِطْعَتَيْنِ مِنَ اللَّحْمِ: لَحْمانِ، وأمّا الأشْياءُ المُصَنَّفَةُ فَتُجْمَعُ، فالأقْداحُ وإنْ كانَتْ كَبِيرَةً لَكِنَّها لَمّا مُلِئَتْ خَمْرًا مِن جِنْسٍ واحِدٍ لَمْ يَجُزْ أنْ يُقالَ لَها: خُمُورٌ، فَلَمْ يَقُلْ: كُئُوسٌ وإلّا لَكانَ ذَلِكَ تَرْجِيحًا لِلظُّرُوفِ؛ لِأنَّ الكَأْسَ مِن حَيْثُ إنَّها شَرابٌ مِن جِنْسٍ واحِدٍ لا يُجْمَعُ واحِدٌ فَيُتْرَكُ الجَمْعُ تَرْجِيحًا لِجانِبِ المَظْرُوفِ بِخِلافِ الإبْرِيقِ، فَإنَّ المُعْتَبَرَ فِيهِ الإناءُ فَحَسْبُ، وعَلى هَذا يَتَبَيَّنُ بَلاغَةُ القُرْآنِ حَيْثُ لَمْ يَرِدْ فِيهِ لَفْظُ الكُئُوسِ إذْ كانَ ما فِيها نَوْعٌ واحِدٌ مِنَ الخَمْرِ، وهَذا بَحْثٌ عَزِيزٌ في اللُّغَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في تَأْخِيرِ الكَأْسِ تَرْتِيبٌ حَسَنٌ، فَكَذَلِكَ في تَقْدِيمِ الأكْوابِ إذا كانَ الكُوبُ مِنهُ يُصَبُّ الشَّرابُ في الإبْرِيقِ ومِنَ الإبْرِيقِ الكَأْسُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ﴿مِن مَعِينٍ﴾ بَيانُ ما في الكَأْسِ أوْ بَيانُ ما في الأكْوابِ والأبارِيقِ، نَقُولُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الكُلُّ مِن مَعِينٍ والأوَّلُ أظْهَرُ بِالوَضْعِ، والثّانِي لَيْسَ كَذَلِكَ، فَلَمّا قالَ: ﴿وكَأْسٍ﴾ فَكَأنَّهُ قالَ: ومَشْرُوبٍ، وكَأنَّ السّامِعَ مُحْتاجًا إلى مَعْرِفَةِ المَشْرُوبِ، وأمّا الإبْرِيقُ فَدَلالَتُهُ عَلى المَشْرُوبِ لَيْسَ بِالوَضْعِ، وأمّا المَعْنى فَلِأنَّ كَوْنَ الكُلِّ مَلْآنًا هو الحَقُّ، ولِأنَّ الطَّوافَ بِالفارِغِ لا يَلِيقُ فَكانَ الظّاهِرُ بَيانَ ما في الكُلِّ، ومِمّا يُؤَيِّدُ الأوَّلَ هو أنَّهُ تَعالى عِنْدَ ذِكْرِ الأوانِي ذَكَرَ جِنْسَها لا نَوْعَ ما فِيها فَقالَ تَعالى: ﴿ويُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِن فِضَّةٍ وأكْوابٍ﴾ [الإنسان: ١٥] الآيَةَ، وعِنْدَ ذِكْرِ الكَأْسِ بَيَّنَ ما فِيها فَقالَ: ﴿وكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ فَيُحْتَمَلُ أنَّ الطَّوافَ بِالأبارِيقِ، وإنْ كانَتْ فارِغَةً، لِلزِّينَةِ والتَّجَمُّلِ وفي الآخِرَةِ تَكُونُ لِلْإكْرامِ والتَّنَعُّمِ لا غَيْرُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ما مَعْنى المَعِينِ ؟ قُلْنا: ذَكَرْنا في سُورَةِ الصّافّاتِ أنَّهُ فَعِيلٌ أوْ مَفْعُولٌ ومَضى فِيهِ خِلافٌ، فَإنْ قُلْنا: فَعِيلٌ فَهو مِن مَعِينِ الماءِ إذا جَرى، وإنْ قُلْنا: مَفْعُولٌ فَهو مِن عانَهُ إذا شَخَّصَهُ بِعَيْنِهِ ومَيَّزَهُ، والأوَّلُ أصَحُّ وأظْهَرُ؛ لِأنَّ المَعْيُونَ يُوهِمُ بِأنَّهُ مَعْيُوبٌ؛ لِأنَّ قَوْلَ القائِلِ: عانَنِي فُلانٌ مَعْناهُ ضَرَّنِي إذا أصابَتْنِي عَيْنُهُ، ولِأنَّ الوَصْفَ بِالمَفْعُولِ لا فائِدَةَ فِيهِ، وأمّا الجَرَيانُ في المَشْرُوبِ فَهو إنْ كانَ في الماءِ فَهو صِفَةُ مَدْحٍ وإنْ كانَ في غَيْرِهِ فَهو أمْرٌ عَجِيبٌ لا يُوجَدُ في الدُّنْيا، فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْهارٌ مِن خَمْرٍ﴾ [محمد: ١٥] .
56:19Page 535
لَّا يُصَدَّعُونَ عَنۡهَا وَلَا يُنزِفُونَ ١٩
No headache will they have therefrom, nor will they be intoxicated -
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها ولا يُنْزِفُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ﴿لا يُصَدَّعُونَ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: لا يُصِيبُهم مِنها صُداعٌ، يُقالُ: صَدَّعَنِي فُلانٌ أيْ أوْرَثَنِي الصُّداعَ.
والثّانِي: لا يُنْزِفُونَ عَنْها ولا يُنْفِدُونَها مِنَ الصَّدْعِ، والظّاهِرُ أنَّ أصْلَ الصُّداعِ مِنهُ، وذَلِكَ لِأنَّ الألَمَ الَّذِي في الرَّأْسِ يَكُونُ في أكْثَرِ الأمْرِ بِخِلْطٍ ورِيحٍ في أغْشِيَةِ الدِّماغِ فَيُؤْلِمُهُ، فَيَكُونُ الَّذِي بِهِ صُداعٌ كَأنَّهُ يَتَطَرَّقُ في غِشاءِ دِماغِهِ.
صفحة ١٣٣
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنْ كانَ المُرادُ نَفْيَ الصُّداعِ فَكَيْفَ يَحْسُنُ عَنْها مَعَ أنَّ المُسْتَعْمَلَ في السَّبَبِ كَلِمَةُ مِن، فَيُقالُ: مَرِضَ مِن كَذا. وفي المُفارَقَةِ يُقالُ: عَنْ، فَيُقالُ: بَرِئَ عَنِ المَرَضِ. نَقُولُ: الجَوابُ هو أنَّ السَّبَبَ الَّذِي يُثْبِتُ أمْرًا في شَيْءٍ كَأنَّهُ يَنْفَصِلُ عَنْهُ شَيْءٌ ويُثْبِتُ في مَكانِهِ فِعْلَهُ، فَهُناكَ أمْرانِ ونَظَرانِ إذا نَظَرْتَ إلى المَحَلِّ ورَأيْتَ فِيهِ شَيْئًا تَقُولُ: هَذا مِن ماذا ؟ أيِ ابْتِداءُ وجُودِهِ مِن أيِّ شَيْءٍ فَيَقَعُ نَظَرُكَ عَلى السَّبَبِ. فَتَقُولُ: هَذا مِن هَذا أيِ ابْتِداءُ وجُودِهِ مِنهُ، وإذا نَظَرْتَ إلى جانِبِ المُسَبِّبِ تَرى الأمْرَ الَّذِي صَدَرَ عَنْهُ كَأنَّهُ فارَقَهُ والتَصَقَ بِالمَحَلِّ، ولِهَذا لا يُمْكِنُ أنْ يُوجَدَ ذَلِكَ مَرَّةً أُخْرى، والسَّبَبُ كَأنَّهُ كانَ فِيهِ وانْتَقَلَ عَنْهُ في أكْثَرِ الأمْرِ، فَهَهُنا يَكُونُ الأمْرانِ مِنَ الأجْسامِ والأُمُورِ الَّتِي لَها قُرْبٌ وبُعْدٌ، إذا عُلِمَ هَذا فَنَقُولُ: المُرادُ هَهُنا بَيانُ خَمْرِ الآخِرَةِ في نَفْسِها وبَيانُ ما عَلَيْها، فالنَّظَرُ وقَعَ عَلَيْها لا عَلى الشّارِبِينَ، ولَوْ كانَ المَقْصُودُ أنَّهم لا يُصَدَّعُونَ عَنْها لِوَصْفٍ مِنهم لَما كانَ مَدْحًا لَها، وأمّا إذا قالَ: هي لا تُصَدِّعُ لِأمْرٍ فِيها يَكُونُ مَدْحًا لَها فَلَمّا وقَعَ النَّظَرُ عَلَيْها قالَ: عَنْها، وأمّا إذا كُنْتَ تَصِفُ رَجُلًا بِكَثْرَةِ الشُّرْبِ وقُوَّتِهِ عَلَيْهِ، فَإنَّكَ تَقُولُ في حَقِّهِ: هو لا يُصَدَّعُ مِن كَذا مِنَ الخَمْرِ، فَإذا وصَفْتَ الخَمْرَ تَقُولُ: هَذِهِ لا يُصَدَّعُ عَنْها أحَدٌ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يُنْزِفُونَ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في الصّافّاتِ والَّذِي يَحْسُنُ ذِكْرُهُ هُنا أنْ نَقُولَ: إنْ كانَ مَعْنى ﴿ولا يُنْزِفُونَ﴾ لا يَسْكَرُونَ، فَنَقُولُ: إمّا أنْ نَقُولَ مَعْنى: ﴿لا يُصَدَّعُونَ﴾ أنَّهم لا يُصِيبُهُمُ الصُّداعُ، وإمّا أنَّهم لا يَفْقِدُونَ، فَإنْ قُلْنا بِالقَوْلِ الأوَّلِ فالتَّرْتِيبُ في غايَةِ الحُسْنِ؛ لِأنَّهُ عَلى طَرِيقَةِ الِارْتِقاءِ، فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لا يُصَدَّعُونَ﴾ مَعْناهُ لا يُصِيبُهُمُ الصُّداعُ لَكِنَّ هَذا لا يَنْفِي السُّكْرَ فَقالَ بَعْدَهُ ولا يُورِثُ السُّكْرَ، كَقَوْلِ القائِلِ: لَيْسَ فِيهِ مَفْسَدَةٌ كَثِيرَةٌ، ثُمَّ يَقُولُ: ولا قَلِيلَةٌ، تَتْمِيمًا لِلْبَيانِ، ولَوْ عَكَسْتَ التَّرْتِيبَ لا يَكُونُ حَسَنًا، وإنْ قُلْنا: ﴿ولا يُنْزِفُونَ﴾ لا يَفْقِدُونَ فالتَّرْتِيبُ أيْضًا كَذَلِكَ؛ لِأنَّ قَوْلَنا: ﴿لا يُصَدَّعُونَ﴾ أيْ لا يَفْقِدُونَهُ، ومَعَ كَثْرَتِهِ ودَوامِ شُرْبِهِ لا يَسْكَرُونَ، فَإنَّ عَدَمَ السُّكْرِ لِنَفادِ الشَّرابِ لَيْسَ بِعَجَبٍ، لَكِنَّ عَدَمَ سُكْرِهِمْ مَعَ أنَّهم مُسْتَدِيمُونَ لِلشَّرابِ عَجِيبٌ وإنْ قُلْنا: ﴿ولا يُنْزِفُونَ﴾ بِمَعْنى لا يَنْفَدُ شَرابُهم كَما بَيَّنّا هُناكَ. فَنَقُولُ: أيْضًا إنْ كانَ ﴿لا يُصَدَّعُونَ﴾ بِمَعْنى لا يُصِيبُهم صُداعٌ فالتَّرْتِيبُ في غايَةِ الحُسْنِ، وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا يُصَدَّعُونَ﴾ لا يَكُونُ بَيانَ أمْرٍ عَجِيبٍ إنْ كانَ شَرابُهم قَلِيلًا فَقالَ: ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها﴾ مَعَ أنَّهم لا يَفْقِدُونَ الشَّرابَ ولا يَنْزِفُونَ الشَّرابَ، وإنْ كانَ بِمَعْنى لا يَنْزِفُونَ عَنْها فالتَّرْتِيبُ حَسَنٌ؛ لِأنَّ مَعْناهُ لا يَنْزِفُونَ عَنْها بِمَعْنى لا يَخْرُجُونَ عَمّا هم فِيهِ ولا يُؤْخَذُ مِنهم ما أُعْطُوا مِنَ الشَّرابِ، ثُمَّ إذا أفْنَوْها بِالشَّرابِ يُعْطَوْنَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences