Ar-RaziAl‑Waqi'ah · 56:20–24

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-Waqi'ah 56:20–24

56:20–21Page 535

وَفَٰكِهَةٖ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ ٢٠

And fruit of what they select

وَلَحۡمِ طَيۡرٖ مِّمَّا يَشۡتَهُونَ ٢١

And the meat of fowl, from whatever they desire.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وفاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ ﴿ولَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: ما وجْهُ الجَرِّ، والفاكِهَةُ لا يَطُوفُ بِها الوِلْدانُ والعَطْفُ يَقْتَضِي ذَلِكَ ؟ نَقُولُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّ الفاكِهَةَ واللَّحْمَ في الدُّنْيا يُطْلَبانِ في حالَتَيْنِ:

أحَدُهُما: حالَةُ الشُّرْبِ والأُخْرى حالُ عَدَمِهِ، فالفاكِهَةُ مِن رُءُوسِ الأشْجارِ تُؤْخَذُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿قُطُوفُها دانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ٢٣] وقالَ: ﴿وجَنى الجَنَّتَيْنِ دانٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وأمّا حالَةُ الشَّرابِ فَجازَ أنْ يَطُوفَ بِها الوِلْدانُ، فَيُناوِلُوهُمُ الفَواكِهَ الغَرِيبَةَ واللُّحُومَ العَجِيبَةَ لا لِلْأكْلِ بَلْ لِلْإكْرامِ، كَما يَضَعُ المُكْرِمُ لِلضَّيْفِ أنْواعَ الفَواكِهِ بِيَدِهِ عِنْدَهُ وإنْ

صفحة ١٣٤

كانَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مُشارِكًا لِلْآخَرِ في القُرْبِ مِنها.

والوَجْهُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ عَطْفًا في المَعْنى عَلى جَنّاتِ النَّعِيمِ، أيْ هُمُ المُقَرَّبُونَ في جَنّاتٍ وفاكِهَةٍ، ولَحْمٍ وحُورٍ، أيْ في هَذِهِ النِّعَمِ يَتَقَلَّبُونَ، والمَشْهُورُ أنَّهُ عَطْفٌ في اللَّفْظِ لِلْمُجاوَرَةِ لا في المَعْنى، وكَيْفَ لا يَجُوزُ هَذا، وقَدْ جازَ تَقَلَّدَ سَيْفًا ورُمْحًا.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَلْ في تَخْصِيصِ التَّخْيِيرِ بِالفاكِهَةِ والِاشْتِهاءِ بِاللَّحْمِ بَلاغَةٌ ؟ قُلْتُ: وكَيْفَ لا وفي كُلِّ حَرْفٍ مِن حُرُوفِ القُرْآنِ بَلاغَةٌ وفَصاحَةٌ، وإنْ كانَ لا يُحِيطُ بِها ذِهْنِيَ الكَلِيلُ، ولا يَصِلُ إلَيْها عِلْمِيَ القَلِيلُ، والَّذِي يَظْهَرُ لِي فِيهِ أنَّ اللَّحْمَ والفاكِهَةَ إذا حَضَرا عِنْدَ الجائِعِ تَمِيلُ نَفْسُهُ إلى اللَّحْمِ، وإذا حَضَرا عِنْدَ الشَّبْعانِ تَمِيلُ إلى الفاكِهَةِ، والجائِعُ مُشْتَهٍ والشَّبْعانُ غَيْرُ مُشْتَهٍ، وإنَّما هو مُخْتارٌ إنْ أرادَ أكَلَ، وإنْ لَمْ يُرِدْ لا يَأْكُلُ، ولا يُقالُ في الجائِعِ إنْ أرادَ أكَلَ؛ لِأنَّ ”إنْ“ لا تَدْخُلُ إلّا عَلى المَشْكُوكِ، إذا عُلِمَ هَذا ثَبَتَ أنَّ في الدُّنْيا اللَّحْمَ عِنْدَ المُشْتَهِي مُخْتارٌ، والفاكِهَةَ عِنْدَ غَيْرِ المُشْتَهِي مُخْتارَةٌ، وحِكايَةُ الجَنَّةِ عَلى ما يُفْهَمُ في الدُّنْيا فَخُصَّ اللَّحْمُ بِالِاشْتِهاءِ والفاكِهَةُ بِالِاخْتِيارِ، والتَّحْقِيقُ فِيهِ مِن حَيْثُ اللَّفْظُ أنَّ الِاخْتِيارَ هو أخْذُ الخَيْرِ مِن أمْرَيْنِ، والأمْرانِ اللَّذانِ يَقَعُ فِيهِما الِاخْتِيارُ في الظّاهِرِ لا يَكُونُ لِلْمُخْتارِ أوَّلًا مَيْلٌ إلى أحَدِهِما، ثُمَّ يَتَفَكَّرُ ويَتَرَوّى، ويَأْخُذُ ما يُغَلِّبُهُ نَظَرُهُ عَلى الآخَرِ فالتَّفَكُّهُ هو ما يَكُونُ عِنْدَ عَدَمِ الحاجَةِ، وأمّا إنِ اشْتَهى واحِدٌ فاكِهَةً بِعَيْنِها فاسْتَحْضَرَها وأكَلَها فَهو لَيْسَ بِمُتَفَكِّهٍ، وإنَّما هو دافِعُ حاجَةٍ، وأمّا فَواكِهُ الجَنَّةِ تَكُونُ أوَّلًا عِنْدَ أصْحابِ الجَنَّةِ مِن غَيْرِ سَبْقِ مَيْلٍ مِنهم إلَيْها، ثُمَّ يَتَفَكَّهُونَ بِها عَلى حَسَبِ اخْتِيارِهِمْ، وأمّا اللَّحْمُ فَتَمِيلُ أنْفُسُهم إلَيْهِ أدْنى مَيْلٍ فَيَحْضُرُ عِنْدَهم، ومَيْلُ النَّفْسِ إلى المَأْكُولِ شَهْوَةٌ، ويَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُطُوفُها دانِيَةٌ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿وجَنى الجَنَّتَيْنِ دانٍ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ ﴿لا مَقْطُوعَةٍ ولا مَمْنُوعَةٍ﴾ فَهو دَلِيلٌ عَلى أنَّها دائِمَةُ الحُضُورِ، وأمّا اللَّحْمُ فالمَرْوِيُّ أنَّ الطّائِرَ يَطِيرُ فَتَمِيلُ نَفْسُ المُؤْمِنِ إلى لَحْمِهِ فَيَنْزِلُ مَشْوِيًّا ومَقْلِيًّا عَلى حَسَبِ ما يَشْتَهِيهِ، فالحاصِلُ أنَّ الفاكِهَةَ تَحْضُرُ عِنْدَهم فَيَتَخَيَّرُ المُؤْمِنُ بَعْدَ الحُضُورِ واللَّحْمُ يَطْلُبُهُ المُؤْمِنُ وتَمِيلُ نَفْسُهُ إلَيْهِ أدْنى مَيْلٍ، وذَلِكَ لِأنَّ الفاكِهَةَ تَلَذُّ الأعْيُنُ بِحُضُورِها، واللَّحْمُ لا تَلَذُّ الأعْيُنُ بِحُضُورِهِ، ثُمَّ إنَّ في اللَّفْظِ لَطِيفَةً، وهي أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ ولَمْ يَقُلْ: مِمّا يَخْتارُونَ مَعَ قُرْبِ أحَدِهِما إلى الآخَرِ في المَعْنى، وهو أنَّ التَّخَيُّرَ مِن بابِ التَّكَلُّفِ فَكَأنَّهم يَأْخُذُونَ ما يَكُونُ في نِهايَةِ الكَمالِ، وهَذا لا يُوجَدُ إلّا مِمَّنْ لا يَكُونُ لَهُ حاجَةٌ ولا اضْطِرارٌ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ما الحِكْمَةُ في تَقْدِيمِ الفاكِهَةِ عَلى اللَّحْمِ ؟ نَقُولُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: العادَةُ في الدُّنْيا التَّقْدِيمُ لِلْفَواكِهِ في الأكْلِ والجَنَّةُ وُضِعَتْ بِما عُلِمَ في الدُّنْيا مِنَ الأوْصافِ وعَلى ما عُلِمَ فِيها، ولا سِيَّما عادَةُ أهْلِ الشُّرْبِ، وكَأنَّ المَقْصُودَ بَيانُ حالِ شُرْبِ أهْلِ الجَنَّةِ.

وثانِيها: الحِكْمَةُ في الدُّنْيا تَقْتَضِي أكْلَ الفاكِهَةِ أوَّلًا؛ لِأنَّها ألْطَفُ وأسْرَعُ انْحِدارًا وأقَلُّ حاجَةً إلى المُكْثِ الطَّوِيلِ في المَعِدَةِ لِلْهَضْمِ، ولِأنَّ الفاكِهَةَ تُحَرِّكُ الشَّهْوَةَ لِلْأكْلِ واللَّحْمُ يَدْفَعُها.

وثالِثُها: يَخْرُجُ مِمّا ذَكَرْنا جَوابًا خَلا عَنْ لَفْظِ التَّخْيِيرِ والِاشْتِهاءِ، هو أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ الفاكِهَةَ دائِمَةُ الحُضُورِ والوُجُودِ، واللَّحْمَ يُشْتَهى ويَحْضُرُ عِنْدَ الِاشْتِهاءِ دَلَّ هَذا عَلى عَدَمِ الجُوعِ؛ لِأنَّ الجائِعَ حاجَتُهُ إلى اللَّحْمِ أكْثَرُ مِنَ اخْتِيارِهِ اللَّحْمَ فَقالَ: ﴿وفاكِهَةٍ﴾ لِأنَّ الحالَ في الجَنَّةِ يُشْبِهُ حالَ الشَّبْعانِ في الدُّنْيا فَيَمِيلُ إلى الفاكِهَةِ أكْثَرَ فَقَدَّمَها، وهَذا الوَجْهُ أصَحُّ؛ لِأنَّ مِنَ الفَواكِهِ ما لا يُؤْكَلُ إلّا بَعْدَ الطَّعامِ، فَلا يَصِحُّ الأوَّلُ جَوابًا في الكُلِّ.

56:22–23Page 535

وَحُورٌ عِينٞ ٢٢

And [for them are] fair women with large, [beautiful] eyes,

كَأَمۡثَٰلِ ٱللُّؤۡلُوِٕ ٱلۡمَكۡنُونِ ٢٣

The likenesses of pearls well-protected,

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وحُورٌ عِينٌ﴾ ﴿كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ .

وفِيها قِراءاتٌ: الأُولى: الرَّفْعُ وهو المَشْهُورُ، ويَكُونُ عَطْفًا عَلى ”وِلْدانٌ“، فَإنْ قِيلَ قالَ قَبْلَهُ: ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾ [الرحمن: ٧٢] إشارَةً إلى كَوْنِها مُخَدَّرَةً ومَسْتُورَةً، فَكَيْفَ يَصِحُّ قَوْلُكَ: إنَّهُ عَطْفٌ عَلى ”وِلْدانٌ“ ؟ نَقُولُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: وهو المَشْهُورُ أنْ نَقُولَ: هو عَطْفٌ عَلَيْهِمْ في اللَّفْظِ لا في المَعْنى، أوْ في المَعْنى عَلى التَّقْدِيرِ والمَفْهُومِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ﴾ مَعْناهُ لَهم وِلْدانٌ كَما قالَ تَعالى: ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ﴾ فَيَكُونُ: ﴿وحُورٌ عِينٌ﴾ بِمَعْنى ولَهم حُورٌ عِينٌ.

وثانِيهِما: وهو أنْ يُقالَ: لَيْسَتِ الحُورُ مُنْحَصِراتٍ في جِنْسٍ، بَلْ لِأهْلِ الجَنَّةِ: ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ﴾ في حَظائِرَ مُعَظَّماتٌ ولَهُنَّ جَوارٍوَخَوادِمُ، وحُورٌ تَطُوفُ مَعَ الوِلْدانِ السُّقاةِ فَيَكُونُ كَأنَّهُ قالَ: يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ ونِساءٌ. الثّانِيَةُ: الجَرُّ عَطْفًا عَلى أكْوابٍ وأبارِيقَ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يُطافُ بِهِنَّ عَلَيْهِمْ ؟ نَقُولُ: الجَوابُ سَبَقَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ولَحْمِ طَيْرٍ﴾ أوْ عَطْفًا عَلى: ﴿جَنّاتِ﴾ أيْ: ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ ﴿وحُورٌ﴾ وقُرِئَ ”حُورًا عِينًا“ بِالنَّصْبِ، ولَعَلَّ الحاصِلَ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ عَلى غَيْرِ العَطْفِ بِمَعْنى العَطْفِ لَكِنَّ هَذا القارِئَ لا بُدَّ لَهُ مِن تَقْدِيرِ ناصِبٍ فَيَقُولُ: يُؤْتَوْنَ حُورًا فَيُقالُ: قَدْ رافِعًا، فَقالَ: ولَهم حُورٌ عِينٌ فَلا يَلْزَمُ الخُرُوجُ عَنْ مُوافَقَةِ العاطِفِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ فِيهِ مَباحِثُ:

الأوَّلُ: الكافُ لِلتَّشْبِيهِ، والمِثْلُ حَقِيقَةٌ فِيهِ، فَلَوْ قالَ: أمْثالُ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ لَمْ يَكُنْ إلى الكافِ حاجَةٌ، فَما وجْهُ الجَمْعِ بَيْنَ كَلِمَتَيِ التَّشْبِيهِ ؟ نَقُولُ: الجَوابُ المَشْهُورُ أنَّ كَلِمَتَيِ التَّشْبِيهِ يُفِيدانِ التَّأْكِيدَ والزِّيادَةَ في التَّشْبِيهِ، فَإنْ قِيلَ: لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ لا يُفِيدانِ ما يُفِيدُ أحَدُهُما؛ لِأنَّكَ إنْ قُلْتَ مَثَلًا: هو كاللُّؤْلُؤَةِ لِلْمُشَبَّهِ، دُونَ المُشَبَّهِ بِهِ في الأمْرِ الَّذِي لِأجْلِهِ التَّشْبِيهُ ؟ نَقُولُ: التَّحْقِيقُ فِيهِ، هو أنَّ الشَّيْءَ إذا كانَ لَهُ مَثَلٌ فَهو مِثْلُهُ، فَإذا قُلْتَ: هو مِثْلُ القَمَرِ لا يَكُونُ في المُبالَغَةِ مِثْلَ قَوْلِكَ هو قَمَرٌ وكَذَلِكَ قَوْلُنا: هو كالأسَدِ، وهو أسَدٌ، فَإذا قُلْتَ: كَمِثْلِ اللُّؤْلُؤِ كَأنَّكَ قُلْتَ: مِثْلُ اللُّؤْلُؤِ، وقَوْلُكَ: هو اللُّؤْلُؤُ أبْلَغُ مِن قَوْلِكَ: هو كاللُّؤْلُؤِ، وهَذا البَحْثُ يُفِيدُنا هَهُنا، ولا يُفِيدُنا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] لِأنَّ النَّفْيَ في مُقابَلَةِ الإثْباتِ، ولا يُفْهَمُ مَعْنى النَّفْيِ مِنَ الكَلامِ ما لَمْ يُفْهَمْ مَعْنى الإثْباتِ الَّذِي يُقابِلُهُ، فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ في مُقابَلَةِ قَوْلِ مَن يَقُولُ: كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، فَنَفى ما أثْبَتَهُ لَكِنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ إذا لَمْ نَقُلْ بِزِيادَةِ الكافِ هو أنَّ مِثْلَ مِثْلِهِ شَيْءٌ، وهَذا كَلامٌ يَدُلُّ عَلى أنَّ لَهُ مِثْلًا، ثُمَّ إنَّ لِمِثْلِهِ مِثْلًا، فَإذا قُلْنا: لَيْسَ كَذَلِكَ كانَ رَدًّا عَلَيْهِ، والرَّدُّ عَلَيْهِ صَحِيحٌ، بَقِيَ أنْ يُقالَ: إنَّ الرّادَّ عَلى مَن يُثْبِتُ أُمُورًا لا يَكُونُ نافِيًا لِكُلِّ ما أثْبَتَهُ، فَإذا قالَ قائِلٌ: زَيْدٌ عالِمٌ جَيِّدٌ، ثُمَّ قِيلَ رَدًّا عَلَيْهِ: لَيْسَ زَيْدٌ عالِمًا جَيِّدًا لا يَلْزَمُ مِن هَذا أنْ يَكُونَ نافِيًا لِكَوْنِهِ عالِمًا، فَمَن يَقُولُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ بِمَعْنى لَيْسَ مِثْلَ مِثْلِهِ شَيْءٌ لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ نافِيًا لِمِثْلِهِ، بَلْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ نافِيًا لِمِثْلِ المِثْلِ، فَلا يَكُونُ الرّادُّ أيْضًا مُوَحِّدًا فَيُخْرِجُ الكَلامَ عَنْ إفادَةِ التَّوْحِيدِ، فَنَقُولُ: يَكُونُ مُفِيدًا لِلتَّوْحِيدِ؛ لِأنّا إذا قُلْنا: لَيْسَ مِثْلَ مِثْلِهِ شَيْءٌ لَزِمَ أنْ لا يَكُونَ لَهُ مِثْلٌ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ لَهُ مِثْلٌ لَكانَ هو مِثْلَ مِثْلِهِ، وهو شَيْءٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٩] فَإنَّ حَقِيقَةَ الشَّيْءِ هو المَوْجُودُ فَيَكُونُ مِثْلَ مِثْلِهِ شَيْءٌ وهو مَنفِيٌّ بِقَوْلِنا: لَيْسَ مِثْلَ مِثْلِهِ

صفحة ١٣٦

شَيْءٌ، فَعُلِمَ أنَّ الكَلامَ لا يَخْرُجُ عَنْ إفادَةِ التَّوْحِيدِ، فَعُلِمَ أنَّ الحَمْلَ عَلى الحَقِيقَةِ يُفِيدُ في الكَلامِ مُبالِغَةً في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَأمْثالِ﴾ وأمّا عَدَمُ الحَمْلِ عَلَيْها في قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ فَهو أوْجَزُ فَتُجْعَلُ الكافُ زائِدَةً لِئَلّا يَلْزَمَ التَّعْطِيلُ، وهو نَفْيُ الإلَهِ، نَقُولُ: فِيهِ فائِدَةٌ، وهو أنْ يَكُونَ ذَلِكَ نَفْيًا مَعَ الإشارَةِ إلى وجْهِ الدَّلِيلِ عَلى النَّفْيِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى واجِبُ الوُجُودِ، وقَدْ وافَقَنا مَن قالَ بِالشَّرِيكِ، ولا يُخالِفُنا إلّا المُعَطِّلُ، وذَلِكَ إثْباتُهُ ظاهِرٌ، وإذا كانَ هو واجِبَ الوُجُودِ فَلَوْ كانَ لَهُ مِثْلٌ لَخَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ واجِبَ الوُجُودِ؛ لِأنَّهُ مَعَ مِثْلِهِ تَعادَلا في الحَقِيقَةِ، وإلّا لَما كانَ ذَلِكَ مِثْلَهُ وقَدْ تَعَدَّدَ فَلا بُدَّ مِنَ انْضِمامِ مُمَيِّزٍ إلَيْهِ بِهِ يَتَمَيَّزُ عَنْ مِثْلِهِ، فَلَوْ كانَ مُرَكَّبًا فَلا يَكُونُ واجِبًا؛ لِأنَّ كُلَّ مُرَكَّبٍ مُمْكِنٌ، فَلَوْ كانَ لَهُ مِثْلٌ لَما كانَ هو هو، فَيَلْزَمُ مِن إثْباتِ المِثْلِ لَهُ نَفْيُهُ، فَقَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ إذا حَمَلْناهُ أنَّهُ لَيْسَ مِثْلَ مِثْلِهِ شَيْءٌ، ويَكُونُ في مُقابَلَتِهِ قَوْلُ الكافِرِ: مِثْلُ مِثْلِهِ شَيْءٌ فَيَكُونُ مُثْبِتًا لِكَوْنِهِ مِثْلَ مِثْلِهِ، ويَكُونُ مِثْلُهُ يَخْرُجُ عَنْ حَقِيقَةِ نَفْسِهِ ومِنهُ لا يَبْقى واجِبَ الوُجُودِ فَذِكْرُ المِثْلَيْنِ لَفْظًا يُفِيدُ التَّوْحِيدَ مَعَ الإشارَةِ إلى وجْهِ الدَّلِيلِ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ المُشْرِكِ، ولَوْ قُلْنا: لَيْسَ مِثْلَهُ شَيْءٌ يَكُونُ نَفْيًا مِن غَيْرِ إشارَةٍ إلى دَلِيلٍ، والتَّحْقِيقُ فِيهِ أنّا نَقُولُ في نَفْيِ المِثْلِ رَدًّا عَلى المُشْرِكِ: لا مِثْلَ لِلَّهِ، ثُمَّ نَسْتَدِلُّ عَلَيْهِ ونَقُولُ: لَوْ كانَ لَهُ مِثْلٌ لَكانَ هو مِثْلًا لِذَلِكَ المِثْلِ فَيَكُونُ مُمْكِنًا مُحْتاجًا فَلا يَكُونُ إلَهًا، ولَوْ كانَ لَهُ مِثْلٌ لَما كانَ اللَّهُ إلَهًا واجِبَ الوُجُودِ؛ لِأنَّ عِنْدَ فَرْضِ مِثْلٍ لَهُ يُشارِكُهُ بِشَيْءٍ ويُنافِيهِ بِشَيْءٍ، فَيَلْزَمُ تَرْكُهُ فَلَوْ كانَ لَهُ مِثْلٌ لَخَرَجَ عَنْ حَقِيقَةِ كَوْنِهِ إلَهًا فَإثْباتُ الشَّرِيكِ يُفْضِي إلى نَفْيِ الإلَهِ فَقَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ تَوْحِيدٌ بِالدَّلِيلِ ولَيْسَ مِثْلَهُ شَيْءٌ تَوْحِيدٌ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، وشَيْءٌ مِن هَذا رَأيْتُهُ في كَلامِ الإمامِ فَخْرِ الدِّينِ الرّازِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ بَعْدَما فَرَغْتُ مِن كِتابَةِ هَذا مِمّا وافَقَ خاطِرِي خاطِرَهُ عَلى أنِّي مُعْتَرِفٌ بِأنِّي أصَبْتُ مِنهُ فَوائِدَ لا أُحْصِيها، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ إشارَةٌ إلى غايَةِ صَفائِهِنَّ أيِ اللُّؤْلُؤِ الَّذِي لَمْ يُغَيِّرْ لَوْنَهُ الشَّمْسُ والهَواءُ.

56:24Page 535

جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٢٤

As reward for what they used to do.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ .

وفِي نَصْبِهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ وهو ظاهِرٌ تَقْدِيرُهُ: فَعَلَ بِهِمْ هَذا لِيَقَعَ جَزاءً ولِيُجْزَوْنَ بِأعْمالِهِمْ، وعَلى هَذا فِيهِ لَطِيفَةٌ: وهي أنْ نَقُولَ: المَعْنى أنَّ هَذا كُلَّهُ جَزاءُ عَمَلِكم وأمّا الزِّيادَةُ فَلا يُدْرِكُها أحَدٌ مِنكم،

وثانِيهِما: أنَّهُ مَصْدَرٌ؛ لِأنَّ الدَّلِيلَ عَلى أنَّ كُلَّ ما يَفْعَلُهُ اللَّهُ فَهو جَزاءٌ فَكَأنَّهُ قالَ: تُجْزَوْنَ جَزاءً، وقَوْلُهُ: ﴿بِما كانُوا﴾ قَدْ ذَكَرْنا فائِدَتَهُ في سُورَةِ الطُّورِ وهي أنَّهُ تَعالى قالَ في حَقِّ المُؤْمِنِينَ: ﴿فَيُنَبِّئُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وفي حَقِّ الكافِرِينَ: ﴿إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [التحريم: ٧] إشارَةً إلى أنَّ العَذابَ عَيْنُ جَزاءِ ما فَعَلُوا فَلا زِيادَةَ عَلَيْهِمْ، والثَّوابَ ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فَلا يُعْطِيهِمُ اللَّهُ عَيْنَ عَمَلِهِمْ، بَلْ يُعْطِيهِمْ بِسَبَبِ عَمَلِهِمْ ما يُعْطِيهِمْ، والكافِرُ يُعْطِيهِ عَيْنَ ما فَعَلَ، فَيَكُونُ فِيهِ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها﴾ [الأنعام: ١٦٠] وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: أُصُولِيَّةٌ ذَكَرَها الإمامُ فَخْرُ الدِّينِ رَحِمَهُ اللَّهُ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ، ونَحْنُ نَذْكُرُ بَعْضَها

صفحة ١٣٧

فالأُولى: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنْ يُقالَ: الثَّوابُ عَلى اللَّهِ واجِبٌ؛ لِأنَّ الجَزاءَ لا يَجُوزُ المُطالَبَةُ بِهِ، وقَدْ أجابَ عَنْهُ الإمامُ فَخْرُ الدِّينِ رَحِمَهُ اللَّهُ بِأجْوِبَةٍ كَثِيرَةٍ، وأظُنُّ بِهِ أنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ ما أقُولُهُ فِيهِ وهو ما ذَكَرُوهُ. ولَوْ صَحَّ لَما كانَ في الوَعْدِ بِهَذِهِ الأشْياءِ فائِدَةٌ، وذَلِكَ لِأنَّ العَقْلَ إذا حَكَمَ بِأنَّ تَرْكَ الجَزاءِ قَبِيحٌ وعُلِمَ بِالعَقْلِ أنَّ القَبِيحَ مِنَ اللَّهِ لا يُوجَدُ، عُلِمَ أنَّ اللَّهَ يُعْطِي هَذِهِ الأشْياءَ لِأنَّها أجْزِيَةٌ، وإيصالُ الجَزاءِ واجِبٌ، وأمّا إذا قُلْنا بِمَذْهَبِنا تَكُونُ الآياتُ مُفِيدَةً مُبَشِّرَةً؛ لِأنَّ البِشارَةَ لا تَكُونُ إلّا بِالخَيْرِ عَنْ أمْرٍ غَيْرِ مَعْلُومٍ، لا يُقالُ: الجَزاءُ كانَ واجِبًا عَلى اللَّهِ وأمّا الخَبَرُ بِهَذِهِ الأشْياءِ فَلا يَذْكُرُها مُبَشِّرًا، لِأنّا نَقُولُ: إذا وجَبَ نَفْسُ الجَزاءِ فَما أعْطانا اللَّهُ تَعالى مِنَ النِّعَمِ في الدُّنْيا جَزاءً فَثَوابُ الآخِرَةِ لا يَكُونُ إلّا تَفَضُّلًا مِنهُ، غايَةُ ما في البابِ أنَّهُ تَعالى كَمَّلَ النِّعْمَةَ بِقَوْلِهِ: هَذا جَزاؤُكم، أيْ جَعَلْتُهُ لَكم جَزاءً، ولَمْ يَكُنْ مُتَعَيِّنًا ولا واجِبًا، كَما أنَّ الكَرِيمَ إذا أعْطى مَن جاءَ بِشَيْءٍ يَسِيرٍ شَيْئًا كَثِيرًا، فَيَظُنُّ أنَّهُ يُودِعُهُ إيداعًا أوْ يَأْمُرُهُ بِحَمْلِهِ إلى مَوْضِعٍ، فَيَقُولُ لَهُ: هَذا لَكَ فَيَفْرَحُ، ثُمَّ إنَّهُ يَقُولُ: هَذا إنْعامٌ عَظِيمٌ يُوجِبُ عَلَيَّ خِدْمَةً كَثِيرَةً، فَيَقُولُ لَهُ هَذا جَزاءُ ما أتَيْتَ بِهِ، ولا أطْلُبُ مِنكَ عَلى هَذا خِدْمَةً، فَإنْ أتَيْتَ بِخِدْمَةٍ فَلَها ثَوابٌ جَدِيدٌ، فَيَكُونُ هَذا غايَةَ الفَضْلِ، وعِنْدَ هَذا نَقُولُ: هَذا كُلُّهُ إذا كانَ الآتِي غَيْرَ العَبْدِ، وأمّا إذا فَعَلَ العَبْدُ ما أوْجَبَ عَلَيْهِ سَيِّدُهُ لا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ أجْرًا، ولا سِيَّما إذا أتى بِما أمَرَ بِهِ عَلى نَوْعِ اخْتِلالٍ، فَما ظَنُّكَ بِحالِنا مَعَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، مَعَ أنَّ السَّيِّدَ لا يَمْلِكُ مِن عَبْدِهِ إلّا البِنْيَةَ، واللَّهُ تَعالى يَمْلِكُ مِنّا أنْفُسَنا وأجْسامَنا، ثُمَّ إنَّكَ إذا تَفَكَّرْتَ في مَذْهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ تَجِدُهم قَدْ حَقَّقُوا مَعْنى العُبُودِيَّةِ غايَةَ التَّحْقِيقِ، واعْتَرَفُوا أنَّهم عَبِيدٌ لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا ولا يَجِبُ لِلْعَبْدِ عَلى السَّيِّدِ دَيْنٌ، والمُعْتَزِلَةُ لَمْ يُحَقِّقُوا العُبُودِيَّةَ، وجَعَلُوا بَيْنَهم وبَيْنَ اللَّهِ مُعامَلَةً تُوجِبُ مُطالَبَةً، ونَرْجُو أنْ يُحَقِّقَ اللَّهُ تَعالى مَعَنا المالِكِيَّةَ غايَةَ التَّحْقِيقِ، ويَدْفَعَ حاجاتِنا الأصْلِيَّةَ ويُطَهِّرَ أعْمالَنا، كَما أنَّ السَّيِّدَ يَدْفَعُ حاجَةَ عَبْدِهِ بِإطْعامِهِ وكُسْوَتِهِ، ويُطَهِّرُ صَوْمَهُ بِزَكاةِ فِطْرِهِ، وإذا جَنى جِنايَةً لَمْ يُمَكِّنِ المَجْنِيَّ عَلَيْهِ مِنهُ، بَلْ يَخْتارُ فِداءَهُ ويُخَلِّصُ رَقَبَتَهُ مِنَ الجِنايَةِ، كَذَلِكَ يَدْفَعُ اللَّهُ حاجاتِنا في الآخِرَةِ، وأهَمُّ الحاجاتِ أنْ يَرْحَمَنا ويَعْفُوَ عَنّا، ويَتَغَمَّدَنا بِالمَغْفِرَةِ والرِّضْوانِ، حَيْثُ مَنَعَ غَيْرَهُ عَنْ تَمَلُّكِ رِقابِنا بِاخْتِيارِ الفِداءِ عَنّا، وأرْجُو أنْ لا يَفْعَلَ مَعَ إخْوانِنا المُعْتَزِلَةِ ما يَفْعَلُهُ المُتَعامِلانِ في المُحاسَبَةِ بِالنَّقِيرِ والقِطْمِيرِ، والمُطالَبَةِ بِما يَفْضُلُ لِأحَدِهِما مِنَ القَلِيلِ والكَثِيرِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالُوا: لَوْ كانَ في الآخِرَةِ رُؤْيَةٌ لَكانَتْ جَزاءً، وقَدْ حَصَرَ اللَّهُ الجَزاءَ فِيما ذَكَرَ والجَوابُ عَنْهُ: أنْ نَقُولَ: لِمَ قُلْتُمْ: إنَّها لَوْ كانَتْ تَكُونُ جَزاءً، بَلْ تَكُونُ فَضْلًا مِنهُ فَوْقَ الجَزاءِ، وهَبْ أنَّها تَكُونُ جَزاءً، ولَكِنْ لِمَ قُلْتُمْ: إنَّ ذِكْرَ الجَزاءِ حَصْرٌ وإنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ مَن قالَ لِغَيْرِهِ: أعْطَيْتُكَ كَذا جَزاءً عَلى عَمَلٍ لا يُنافِي قَوْلَهُ: وأعْطَيْتُكَ شَيْئًا آخَرَ فَوْقَهُ أيْضًا جَزاءً عَلَيْهِ، وهَبْ أنَّهُ حَصْرٌ، لَكِنْ لِمَ قُلْتُمْ: إنَّ القُرْبَةَ لا تَدُلُّ عَلى الرُّؤْيَةِ، فَإنْ قِيلَ: قالَ في حَقِّ المَلائِكَةِ: ﴿ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ﴾، ولَمْ يَلْزَمْ مِن قُرْبِهِمُ الرُّؤْيَةُ، نَقُولُ: أجَبْنا أنَّ قُرْبَهم مِثْلُ قُرْبِ مَن يَكُونُ عِنْدَ المَلِكِ لِقَضاءِ الأشْغالِ، فَيَكُونُ عَلَيْهِ التَّكْلِيفُ والوُقُوفُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِالبابِ تَخْرُجُ أوامِرُهُ عَلَيْهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦] وقُرْبُ المُؤْمِنِ قُرْبُ المُنَعَّمِ مِنَ المَلِكِ، وهو الَّذِي لا يَكُونُ إلّا لِلْمُكالَمَةِ والمُجالَسَةِ في الدُّنْيا، لَكِنَّ المُقَرَّبَ المُكَلَّفَ لَيْسَ كُلَّما يَرُوحُ إلى بابِ المَلِكِ يَدْخُلُ عَلَيْهِ وأمّا المُنَعَّمُ لا يَذْهَبُ إلَيْهِ إلّا ويَدْخُلُ عَلَيْهِ فَظَهَرَ الفَرْقُ.

والَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى الرُّؤْيَةِ هو أنَّ اللَّهَ تَعالى في سُورَةِ المُطَفِّفِينَ ذَكَرَ الأبْرارَ والفُجّارَ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ في حَقِّ الفُجّارِ: ﴿إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ .

صفحة ١٣٨

[المطففين: ١٥]، وقالَ في الأبْرارِ: ﴿يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ٢٨] ولَمْ يَذْكُرْ في مُقابَلَةِ ”المَحْجُوبُونَ“ ما يَدُلُّ عَلى مُخالَفَةِ حالِ الأبْرارِ حالَ الفُجّارِ في الحِجابِ والقُرْبِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين: ١٨] وإنْ كانَ دَلِيلًا عَلى القُرْبِ وعُلُوِّ المَنزِلَةِ لَكِنَّهُ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ: ﴿لَفِي سِجِّينٍ﴾ [المطففين: ٧] فَقَوْلُهُ تَعالى في حَقِّهِمْ: ﴿يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ﴾ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وسَقاهم رَبُّهم شَرابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١] يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ القُرْبُ الَّذِي يَكُونُ لِجُلَساءِ المَلِكِ عِنْدَ المَلِكِ، وقَوْلُهُ في حَقِّ المَلائِكَةِ في تِلْكَ السُّورَةِ: ﴿يَشْهَدُهُ المُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ٢١] يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ القُرْبُ الَّذِي يَكُونُ لِلْكِتابِ والحِسابِ عِنْدَ المَلِكِ لِما أنَّهُ في الدُّنْيا يَحْسُدُ أحَدُهُما الآخَرَ، فَإنَّ الكاتِبَ إنْ كانَ قُرْبُهُ مِنَ المَلِكِ بِسَبَبِ الخِدْمَةِ لا يَخْتارُ قُرْبَ الكِتابِ والحِسابِ، بَلْ قُرْبَ النَّدِيمِ، ثُمَّ إنَّهُ بَيْنَ ذَلِكَ النَّوْعِ مِنَ القُرْبِ وبَيْنَ القُرْبِ الَّذِي بِسَبَبِ الكِتابَةِ ما يَحْمِلُهُ عَلى أنْ يَخْتارَ غَيْرَهُ، وفي سُورَةِ المُطَفِّفِينَ قَوْلُهُ: ﴿لَمَحْجُوبُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُقَرَّبِينَ غَيْرُ مَحْجُوبِينَ عَنِ النَّظَرِ إلى اللَّهِ تَعالى، ويَنْبَغِي أنْ لا يُنْظَرَ إلى اللَّهِ قَوْلُنا: جُلَساءُ المَلِكِ في ظاهِرِ النَّظَرِ الَّذِي يَقْتَضِي في نَظَرِ القَوْمِ الجِهَةَ وإلى القُرْبِ الَّذِي يَفْهَمُ العامِّيُّ مِنهُ المَكانَ إلّا بِنَظَرِ العُلَماءِ الأخْبارِ الحُكَماءِ الأخْيارِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالُوا: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ العَمَلَ عَمَلُهم وحاصِلٌ بِفِعْلِهِمْ، نَقُولُ: لا نِزاعَ في أنَّ العَمَلَ في الحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ وُضِعَ لِلْفِعْلِ والمَجْنُونَ لِلَّذِي لا عَقْلَ لَهُ والعاقِلَ لِلَّذِي بَلَغَ الكَمالَ فِيهِ، وذَلِكَ لَيْسَ إلّا بِوَضْعِ اللُّغَةِ لِما يُدْرَكُ بِالحِسِّ، وكُلُّ أحَدٍ يَرى الحَرَكَةَ مِنَ الجِسْمَيْنِ فَيَقُولُ: تَحَرَّكَ وسَكَنَ عَلى سَبِيلِ الحَقِيقَةِ، كَما يَقُولُ: تَدُورُ الرَّحا ويَصْعَدُ الحَجَرُ، وإنَّما الكَلامُ في القُدْرَةِ الَّتِي بِها الفِعْلُ في المَحَلِّ المَرْئِيِّ، وذَلِكَ خارِجٌ عَنْ وضْعِ اللُّغَةِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском