Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Al-Waqi'ah 56:44–55
56:44–48Page 535
لَّا بَارِدٖ وَلَا كَرِيمٍ ٤٤
Neither cool nor beneficial.
إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَبۡلَ ذَٰلِكَ مُتۡرَفِينَ ٤٥
Indeed they were, before that, indulging in affluence,
وَكَانُواْ يُصِرُّونَ عَلَى ٱلۡحِنثِ ٱلۡعَظِيمِ ٤٦
And they used to persist in the great violation,1
وَكَانُواْ يَقُولُونَ أَئِذَا مِتۡنَا وَكُنَّا تُرَابٗا وَعِظَٰمًا أَءِنَّا لَمَبۡعُوثُونَ ٤٧
And they used to say, "When we die and become dust and bones, are we indeed to be resurrected?
أَوَءَابَآؤُنَا ٱلۡأَوَّلُونَ ٤٨
And our forefathers [as well]?"
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَرَمُ الظِّلِّ نَفْعُهُ المَلْهُوفَ، ودَفْعُهُ أذى الحَرِّ عَنْهُ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ البارِدُ والكَرِيمُ بِمَعْنًى واحِدٍ، والأقْرَبُ أنْ يُقالَ: فائِدَةُ الظِّلِّ أمْرانِ: أحَدُهُما دَفْعُ الحَرِّ، والآخَرُ كَوْنُ الإنْسانِ فِيهِ مُكْرَمًا، وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ في البَرْدِ يَقْصِدُ عَيْنَ الشَّمْسِ لِيَتَدَفَّأ بِحَرِّها إذا كانَ قَلِيلَ الثِّيابِ، فَإذا كانَ مِنَ المُكْرَمِينَ يَكُونُ أبَدًا في مَكانٍ يَدْفَعُ الحَرَّ والبَرْدَ عَنْ نَفْسِهِ في الظِّلِّ، أمّا الحَرُّ فَظاهِرٌ،
صفحة ١٤٨
وأمّا البَرْدُ فَيَدْفَعُهُ بِإدْفاءِ المَوْضِعِ بِإيقادِ ما يُدْفِئُهُ، فَيَكُونُ الظِّلُّ في الحَرِّ مَطْلُوبًا لِلْبَرْدِ فَيُطْلَبُ لِكَوْنِهِ بارِدًا، وفي البَرْدِ يُطْلَبُ لِكَوْنِهِ ذا كَرامَةٍ لا لِبَرْدٍ يَكُونُ في الظِّلِّ فَقالَ: ﴿لا بارِدٍ﴾ يُطْلَبُ لِبَرْدِهِ، ولا ذِي كَرامَةٍ قَدْ أُعِدَّ لِلْجُلُوسِ فِيهِ، وذَلِكَ لِأنَّ المَواضِعَ الَّتِي يَقَعُ عَلَيْها ظِلٌّ كالمَواضِعِ الَّتِي تَحْتَ أشْجارٍ وأمامَ الجِدارِ يُتَّخَذُ مِنها مَقاعِدُ فَتَصِيرُ تِلْكَ المَقاعِدُ مَحْفُوظَةً عَنِ القاذُوراتِ، وباقِي المَواضِعِ تَصِيرُ مَزابِلَ، ثُمَّ إذا وقَعَتِ الشَّمْسُ في بَعْضِ الأوْقاتِ عَلَيْها تُطْلَبُ لِنَظافَتِها، وكَوْنِها مُعَدَّةً لِلْجُلُوسِ، فَتَكُونُ مَطْلُوبَةً في مِثْلِ هَذا الوَقْتِ لِأجْلِ كَرامَتِها لا لِبَرْدِها، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ يَحْتَمِلُ هَذا، ويَحْتَمِلُ أنْ يُقالَ: إنَّ الظِّلَّ يُطْلَبُ لِأمْرٍ يَرْجِعُ إلى الحِسِّ، أوْ لِأمْرٍ يَرْجِعُ إلى العَقْلِ، فالَّذِي يَرْجِعُ إلى الحِسِّ هو بَرْدُهُ، والَّذِي يَرْجِعُ إلى العَقْلِ أنْ يَكُونَ الرُّجُوعُ إلَيْهِ كَرامَةً، وهَذا لا بَرْدَ لَهُ ولا كَرامَةَ فِيهِ، وهَذا هو المُرادُ بِما نَقَلَهُ الواحِدِيُّ عَنِ الفَرّاءِ: أنَّ العَرَبَ تُتْبِعُ كُلَّ مَنفِيٍّ بِكَرِيمٍ إذا كانَ المَنفِيُّ أكْرَمَ فَيُقالُ: هَذِهِ الدّارُ لَيْسَتْ بِواسِعَةٍ ولا كَرِيمَةٍ، والتَّحْقِيقُ فِيهِ ما ذَكَرْنا أنَّ وصْفَ الكَمالِ إمّا حِسِّيٌّ، وإمّا عَقْلِيٌّ، والحِسِّيُّ يُصَرَّحُ بِلَفْظِهِ، وأمّا العَقْلِيُّ فَلِخَفائِهِ عَنِ الحِسِّ يُشارُ إلَيْهِ بِلَفْظٍ جامِعٍ؛ لِأنَّ الكَرامَةَ، والكَرامَةُ عِنْدَ العَرَبِ مِن أشْهَرِ أوْصافِ المَدْحِ، ونَفْيُهُما نَفْيُ وصْفِ الكَمالِ العَقْلِيِّ، فَيَصِيرُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ مَعْناهُ لا مَدْحَ فِيهِ أصْلًا لا حِسًّا ولا عَقْلًا.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ ﴿وكانُوا يُصِرُّونَ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ﴾ ﴿وكانُوا يَقُولُونَ أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ وفي الآياتِ لَطائِفُ، نَذْكُرُها في مَسائِلَ:
المَسْألَةُ الأُولى: ما الحِكْمَةُ في بَيانِ سَبَبِ كَوْنِهِمْ في العَذابِ مَعَ أنَّهُ تَعالى لَمْ يَذْكُرْ سَبَبَ كَوْنِ أصْحابِ اليَمِينِ في النَّعِيمِ، ولَمْ يَقُلْ: إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ شاكِرِينَ مُذْعِنِينَ ؟ فَنَقُولُ: قَدْ ذَكَرْنا مِرارًا أنَّ اللَّهَ تَعالى عِنْدَ إيصالِ الثَّوابِ لا يَذْكُرُ أعْمالَ العِبادِ الصّالِحَةَ، وعِنْدَ إيصالِ العِقابِ يَذْكُرُ أعْمالَ المُسِيئِينَ؛ لِأنَّ الثَّوابَ فَضْلٌ والعِقابَ عَدْلٌ، والفَضْلُ سَواءٌ ذُكِرَ سَبَبُهُ أوْ لَمْ يُذْكَرْ لا يُتَوَهَّمُ في المُتَفَضِّلِ بِهِ نَقْصٌ وظُلْمٌ، وأمّا العَدْلُ فَإنْ لَمْ يُعْلَمْ سَبَبُ العِقابِ، يُظَنُّ أنَّ هُناكَ ظُلْمًا فَقالَ: هم فِيها بِسَبَبِ تَرَفِهِمْ، والَّذِي يُؤَيِّدُ هَذِهِ اللَّطِيفَةَ أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ في حَقِّ السّابِقِينَ: ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الواقعة: ٢٤] ولَمْ يَقُلْ: في حَقِّ أصْحابِ اليَمِينِ، ذَلِكَ لِأنّا أشَرْنا أنَّ أصْحابَ اليَمِينِ هُمُ النّاجُونَ بِالفَضْلِ العَظِيمِ، وسَنُبَيِّنُ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَلامٌ لَكَ﴾ [الواقعة: ٩١] وإذا كانَ كَذَلِكَ فالفَضْلُ في حَقِّهِمْ مُتَمَحِّضٌ فَقالَ: هَذِهِ النِّعَمُ لَكم، ولَمْ يَقُلْ جَزاءً؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ”جَزاءً“ في مِثْلِ هَذا المَوْضِعِ، وهو مَوْضِعُ العَفْوِ عَنْهم، لا يُثِيبُ لَهم سُرُورًا بِخِلافِ مَن كَثُرَتْ حَسَناتُهُ، فَيُقالُ لَهُ: نِعْمَ ما فَعَلْتَ خُذْ هَذا لَكَ جَزاءً.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: جُعِلَ السَّبَبَ كَوْنُهم مُتْرَفِينَ ولَيْسَ كُلُّ مَن هو مِن أصْحابِ الشِّمالِ يَكُونُ مُتْرَفًا فَإنَّ فِيهِمْ مَن يَكُونُ فَقِيرًا ؟ نَقُولُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ لَيْسَ بِذَمٍّ، فَإنَّ المُتْرَفَ هو الَّذِي جُعِلَ ذا تَرَفٍ أيْ نِعْمَةٍ، فَظاهِرُ ذَلِكَ لا يُوجِبُ ذَمًّا، لَكِنَّ ذَلِكَ يُبَيِّنُ قُبْحَ ما ذُكِرَ عَنْهم بَعْدَهُ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكانُوا يُصِرُّونَ﴾؛ لِأنَّ صُدُورَ الكُفْرانِ مِمَّنْ عَلَيْهِ غايَةُ الإنْعامِ أقْبَحُ القَبائِحِ فَقالَ: إنَّهم كانُوا مُتْرَفِينَ، ولَمْ يَشْكُرُوا نِعَمَ اللَّهِ بَلْ أصَرُّوا عَلى الذَّنْبِ وعَلى هَذا فَنَقُولُ: النِّعَمُ الَّتِي تَقْتَضِي شُكْرَ اللَّهِ وعِبادَتَهُ في كُلِّ أحَدٍ كَثِيرَةٌ فَإنَّ الخَلْقَ والرِّزْقَ وما يَحْتاجُ إلَيْهِ وتَتَوَقَّفُ مَصالِحُهُ عَلَيْهِ حاصِلٌ لِلْكُلِّ، غايَةُ ما في البابِ أنَّ حالَ النّاسِ في الإتْرافِ مُتَقارِبٌ، فَيُقالُ في حَقِّ البَعْضِ بِالنِّسْبَةِ إلى بَعْضٍ: إنَّهُ في ضُرٍّ، ولَوْ حَمَلَ نَفْسَهُ عَلى القَناعَةِ لَكانَ أغْنى
صفحة ١٤٩
الأغْنِياءِ وكَيْفَ لا والإنْسانُ إذا نَظَرَ إلى حالِهِ يَجِدُها مُفْتَقِرَةً إلى مَسْكَنٍ يَأْوِي إلَيْهِ ولِباسِ الحَرِّ والبَرْدِ وما يَسُدُّ جُوعَهُ مِنَ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ، وغَيْرِ هَذا مِنَ الفَضَلاتِ الَّتِي يَحْمِلُ عَلَيْها شُحُّ النَّفْسِ، ثُمَّ إنَّ أحَدًا لا يُغْلَبُ عَنْ تَحْصِيلِ مَسْكَنٍ بِاشْتِراءٍ أوِ اكْتِراءٍ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ فَلَيْسَ هو أعْجَزَ مِنَ الحَشَراتِ، لا تَفْقِدُ مُدَّخَلًا أوْ مَغارَةً، وأمّا اللِّباسُ فَلَوِ اقْتَنَعَ بِما يَدْفَعُ الضَّرُورَةَ كانَ يَكْفِيهِ في عُمُرِهِ لِباسٌ واحِدٌ، كُلَّما تَمَزَّقَ مِنهُ مَوْضِعٌ يَرْقَعُهُ مِن أيِّ شَيْءٍ كانَ، بَقِيَ أمْرُ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ، فَإذا نَظَرَ النّاظِرُ يَجِدُ كُلَّ أحَدٍ في جَمِيعِ الأحْوالِ غَيْرَ مَغْلُوبٍ عَنْ كِسْرَةِ خُبْزٍ وشَرْبَةِ ماءٍ، غَيْرَ أنَّ طَلَبَ الغِنى يُورِثُ الفَقْرَ فَيُرِيدُ الإنْسانُ بَيْتًا مُزَخْرَفًا ومَأْكُولًا طَيِّبًا، وغَيْرَ ذَلِكَ مِن أنْواعِ الدَّوابِّ والثِّيابِ، فَيَفْتَقِرُ إلى أنْ يَحْمِلَ المَشاقَّ، وطَلَبُ الغِنى يُورِثُ فَقْرَهُ، وارْتِيادُ الِارْتِفاعِ يَحُطُّ قَدْرَهُ، وبِالجُمْلَةِ شَهْوَةُ بَطْنِهِ وفَرْجِهِ تَكْسِرُ ظَهْرَهُ، عَلى أنَّنا نَقُولُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ لا شَكَّ أنَّ أهْلَ القُبُورِ لَمّا فَقَدُوا الأيْدِيَ الباطِشَةَ، والأعْيُنَ الباصِرَةَ، وبانَ لَهُمُ الحَقائِقُ، عَلِمُوا ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ بِالنِّسْبَةِ إلى تِلْكَ الحالَةِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ما الإصْرارُ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ ؟ نَقُولُ: الشِّرْكُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] وفِيها لَطِيفَةٌ وهي أنَّهُ أشارَ في الآياتِ الثَّلاثِ إلى الأُصُولِ الثَّلاثَةِ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ مِن حَيْثُ الِاسْتِعْمالُ يَدُلُّ عَلى ذَمِّهِمْ بِإنْكارِ الرُّسُلِ، إذِ المُتْرَفُ مُتَكَبِّرٌ بِسَبَبِ الغِنى فَيُنْكِرُ الرِّسالَةَ، والمُتْرَفُونَ كانُوا يَقُولُونَ: ﴿أبَشَرًا مِنّا واحِدًا نَتَّبِعُهُ﴾ [القمر: ٢٤] وقَوْلُهُ: ﴿يُصِرُّونَ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ﴾ إشارَةٌ إلى الشِّرْكِ ومُخالَفَةِ التَّوْحِيدِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكانُوا يَقُولُونَ أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا﴾ إشارَةٌ إلى إنْكارِ الحَشْرِ والنَّشْرِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكانُوا يُصِرُّونَ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ﴾ فِيهِ مُبالَغاتٌ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكانُوا يُصِرُّونَ﴾ وهو آكَدُ مِن قَوْلِ القائِلِ: إنَّهم قَبْلَ ذَلِكَ أصَرُّوا؛ لِأنَّ اجْتِماعَ لَفْظَيِ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ يَدُلُّ عَلى الِاسْتِمْرارِ؛ لِأنَّ قَوْلَنا: فُلانٌ كانَ يُحْسِنُ إلى النّاسِ، يُفِيدُ كَوْنَ ذَلِكَ عادَةً لَهُ.
ثانِيها: لَفْظُ الإصْرارِ فَإنَّ الإصْرارَ مُداوَمَةُ المَعْصِيَةِ والغُلُولِ، ولا يُقالُ: في الخَيْرِ أصَرَّ.
ثالِثُها: الحِنْثُ فَإنَّهُ فَوْقَ الذَّنْبِ فَإنَّ الحِنْثَ لا يَكادُ في اللُّغَةِ يَقَعُ عَلى الصَّغِيرَةِ والذَّنْبُ يَقَعُ عَلَيْها، وأمّا الحِنْثُ في اليَمِينِ فاسْتَعْمَلُوهُ؛ لِأنَّ نَفْسَ الكَذِبِ عِنْدَ العُقَلاءِ قَبِيحٌ، فَإنَّ مَصْلَحَةَ العالَمِ مَنُوطَةٌ بِالصِّدْقِ وإلّا لَمْ يَحْصُلْ لِأحَدٍ بِقَوْلِ أحَدٍ ثِقَةٌ فَلا يُبْنى عَلى كَلامِهِ مَصالِحُ، ولا يُجْتَنَبُ عَنْ مَفاسِدَ، ثُمَّ إنَّ الكَذِبَ لَمّا وُجِدَ في كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ لِأغْراضٍ فاسِدَةٍ أرادُوا تَوْكِيدَ الأمْرِ بِضَمِّ شَيْءٍ إلَيْهِ يَدْفَعُ تَوَهُّمَهُ، فَضَمُّوا إلَيْهِ الأيْمانَ ولا شَيْءَ فَوْقَها، فَإذا حَنِثَ لَمْ يَبْقَ أمْرٌ يُفِيدُ الثِّقَةَ فَيَلْزَمُ مِنهُ فَسادٌ فَوْقَ فَسادِ الزِّنا والشُّرْبِ، غَيْرَ أنَّ اليَمِينَ إذا كانَتْ عَلى أمْرٍ مُسْتَقْبَلٍ ورَأى الحالِفُ غَيْرَهُ جَوَّزَ الشَّرْعُ الحِنْثَ ولَمْ يُجَوِّزْهُ في الكَبِيرَةِ كالزِّنا والقَتْلِ لِكَثْرَةِ وُقُوعِ الأيْمانِ وقِلَّةِ وُقُوعِ القَتْلِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ الحِنْثَ هو الكَبِيرَةُ قَوْلُهم لِلْبالِغِ: بَلَغَ الحِنْثَ، أيْ بَلَغَ مَبْلَغًا بِحَيْثُ يَرْتَكِبُ الكَبِيرَةَ، وقَبْلَهُ ما كانَ يُنْفى عَنْهُ الصَّغِيرَةُ؛ لِأنَّ الوَلِيَّ مَأْمُورٌ بِالمُعاقَبَةِ عَلى إساءَةِ الأدَبِ وتَرْكِ الصَّلاةِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿العَظِيمِ﴾ هَذا يُفِيدُ أنَّ المُرادَ الشِّرْكُ، فَإنَّ هَذِهِ الأُمُورَ لا تَجْتَمِعُ في غَيْرِهِ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: كَيْفَ اشْتُهِرَ ﴿مِتْنا﴾ بِكَسْرِ المِيمِ مَعَ أنَّ اسْتِعْمالَ القُرْآنِ في المُسْتَقْبَلِ يَمُوتُ قالَ تَعالى عَنْ يَحْيى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ: ﴿ويَوْمَ أمُوتُ﴾ [مريم: ٣٣] ولَمْ يُقْرَأْ أماتُ عَلى وزْنِ أخافُ، وقالَ
صفحة ١٥٠
تَعالى: ﴿قُلْ مُوتُوا﴾ [آل عمران: ١١٩] ولَمْ يَقُلْ: ولا تَماتُوا كَما قالَ: ﴿ألّا تَخافُوا﴾ [فصلت: ٣٠] قُلْنا: فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ خالَفَتْ غَيْرَها، فَقِيلَ فِيها: أمُوتُ، والسَّماعُ مُقَدَّمٌ عَلى القِياسِ.
والثّانِي: ماتَ يَماتُ لُغَةٌ في ماتَ يَمُوتُ، فاسْتُعْمِلَ ما فِيها الكَسْرُ لِأنَّ الكَسْرَ في الماضِي يُوجَدُ أكْثَرَ الأمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: كَثْرَةُ يَفْعَلُ عَلى يَفْعُلُ.
وثانِيهِما: كَوْنُهُ عَلى فَعَلَ يَفْعَلُ، مِثْلُ خافَ يَخافُ، وفي مُسْتَقْبَلِها الضَّمُّ؛ لِأنَّهُ يُوجَدُ لِسَبَبَيْنِ:
أحَدُهُما: كَوْنُ الفِعْلِ عَلى فَعَلَ يَفْعُلُ، مِثْلُ طالَ يَطُولُ، فَإنَّ وصْفَهُ بِالتَّطْوِيلِ دُونَ الطّائِلِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مِن بابِ قَصَرَ يَقْصُرُ.
وثانِيهِما: كَوْنُهُ عَلى فَعِلَ يَفْعُلُ، تَقُولُ: فَعِلْتُ في الماضِي بِالكَسْرِ وفي المُسْتَقْبَلِ بِالضَّمِّ.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: كَيْفَ أتى بِاللّامِ المُؤَكِّدَةِ في قَوْلِهِ: ﴿لَمَبْعُوثُونَ﴾ مَعَ أنَّ المُرادَ هو النَّفْيُ وفي النَّفْيِ لا يُذْكَرُ في خَبَرِ إنَّ اللّامُ يُقالُ: إنَّ زَيْدًا لَيَجِيءُ وإنَّ زَيْدًا لا يَجِيءُ، فَلا تُذْكَرُ اللّامُ، وما مُرادُهم بِالِاسْتِفْهامِ إلّا الإنْكارَ بِمَعْنى إنّا لا نُبْعَثُ ؟ نَقُولُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: عِنْدَ إرادَةِ التَّصْرِيحِ بِالنَّفْيِ يُوجَدُ التَّصْرِيحُ بِالنَّفْيِ وصِيغَتُهُ.
ثانِيهِما: أنَّهم أرادُوا تَكْذِيبَ مَن يُخْبِرُ عَنِ البَعْثِ فَذَكَرُوا أنَّ المُخْبِرَ عَنْهُ يُبالِغُ في الإخْبارِ ونَحْنُ نَسْتَكْثِرُ مُبالَغَتَهُ وتَأْكِيدَهُ فَحَكَوْا كَلامَهم عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِفْهامِ بِمَعْنى الإنْكارِ، ثُمَّ إنَّهم أشارُوا في الإنْكارِ إلى أُمُورٍ اعْتَقَدُوها مُقَرَّرَةً لِصِحَّةِ إنْكارِهِمْ فَقالُوا أوَّلًا: ﴿أئِذا مِتْنا﴾ ولَمْ يَقْتَصِرُوا عَلَيْهِ بَلْ قالُوا بَعْدَهُ: ﴿وكُنّا تُرابًا وعِظامًا﴾ أيْ فَطالَ عَهْدُنا بَعْدَ كَوْنِنا أمْواتًا حَتّى صارَتِ اللُّحُومُ تُرابًا والعِظامُ رُفاتًا، ثُمَّ زادُوا وقالُوا: مَعَ هَذا يُقالُ لَنا: إنَّكم لَمَبْعُوثُونَ بِطَرِيقِ التَّأْكِيدِ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
أحَدُها: اسْتِعْمالُ كَلِمَةٍ إنَّ.
ثانِيها: إثْباتُ اللّامِ في خَبَرِها.
ثالِثُها: تَرْكُ صِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ، والإتْيانُ بِالمَفْعُولِ كَأنَّهُ كائِنٌ، فَقالُوا لَنا: إنَّكم لَمَبْعُوثُونَ ثُمَّ زادُوا وقالُوا: ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ يَعْنِي هَذا أبْعَدُ فَإنّا إذا كُنّا تُرابًا بَعْدَ مَوْتِنا والآباءُ حالُهم فَوْقَ حالِ العِظامِ الرُّفاتِ فَكَيْفَ يُمْكِنُ البَعْثُ ؟ وقَدْ بَيَّنّا في سُورَةِ والصّافّاتِ هَذا كُلَّهُ وقُلْنا: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ مَعْناهُ: أوْ يَقُولُوا: آباؤُنا الأوَّلُونَ، إشارَةً إلى أنَّهم في الإشْكالِ أعْظَمُ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أجابَهم ورَدَّ عَلَيْهِمْ في الجَوابِ في كُلِّ مُبالَغَةٍ بِمُبالَغَةٍ أُخْرى فَقالَ:
56:49–50Page 535
قُلۡ إِنَّ ٱلۡأَوَّلِينَ وَٱلۡأٓخِرِينَ ٤٩
Say, [O Muḥammad], "Indeed, the former and later peoples
لَمَجۡمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَٰتِ يَوۡمٖ مَّعۡلُومٖ ٥٠
Are to be gathered together for the appointment of a known Day."
﴿قُلْ إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ﴾ ﴿لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ الأمْرَ في غايَةِ الظُّهُورِ، وذَلِكَ أنَّ في الرِّسالَةِ أسْرارًا لا تُقالُ إلّا لِلْأبْرارِ، ومِن جُمْلَتِها تَعْيِينُ وقْتِ القِيامَةِ؛ لِأنَّ العَوامَّ لَوْ عَلِمُوا لاتَّكَلُوا والأنْبِياءُ رُبَّما اطَّلَعُوا عَلى عَلاماتِها أكْثَرَ مِمّا بَيَّنُوا ورُبَّما بَيَّنُوا لِلْأكابِرِ مِنَ الصَّحابَةِ عَلاماتٍ عَلى ما نُبَيِّنُ، فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أوَّلُها قَوْلُهُ: ﴿قُلْ﴾ يَعْنِي أنَّ هَذا مِن جُمْلَةِ الأُمُورِ الَّتِي بَلَغَتْ في الظُّهُورِ إلى حَدٍّ يَشْتَرِكُ فِيهِ العَوامُّ والخَواصُّ، فَقالَ: قُلْ قَوْلًا عامًّا وهَكَذا في كُلِّ مَوْضِعٍ، قالَ: قُلْ كانَ الأمْرُ ظاهِرًا، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] وقالَ: ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [فصلت: ٦] أيْ هَذا هو الظّاهِرُ مِن أمْرِ الرُّوحِ وغَيْرُهُ خَفِيٌّ.
ثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٤٩] بِتَقْدِيمِ الأوَّلِينَ عَلى الآخَرِينَ في جَوابِ قَوْلِهِمْ: ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ فَإنَّهم أخَّرُوا ذِكْرَ الآباءِ لِكَوْنِ الِاسْتِبْعادِ فِيهِمْ أكْثَرَ، فَقالَ إنَّ الأوَّلِينَ الَّذِينَ تَسْتَبْعِدُونَ بَعْثَهم وتُؤَخِّرُونَهم يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ في أمْرٍ مُقَدَّمٍ عَلى الآخِرِينَ، يَتَبَيَّنُ مِنهُ إثْباتُ حالِ مَن أخَّرْتُمُوهُ
صفحة ١٥١
مُسْتَبْعِدِينَ، إشارَةً إلى كَوْنِ الأمْرِ هَيِّنًا.
ثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَمَجْمُوعُونَ﴾ فَإنَّهم أنْكَرُوا قَوْلَهُ: ﴿لَمَبْعُوثُونَ﴾ فَقالَ: هو واقِعٌ مَعَ أمْرٍ زائِدٍ، وهو أنَّهم يُحْشَرُونَ ويُجْمَعُونَ في عَرْصَةِ الحِسابِ، وهَذا فَوْقَ البَعْثِ، فَإنَّ مَن بَقِيَ تَحْتَ التُّرابِ مُدَّةً طَوِيلَةً ثُمَّ حُشِرَ رُبَّما لا يَكُونُ لَهُ قُدْرَةٌ عَلى الحَرَكَةِ، وكَيْفَ لَوْ كانَ حَيًّا مَحْبُوسًا في قَبْرِهِ مُدَّةً لَتَعَذَّرَتْ عَلَيْهِ الحَرَكَةُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بِقُدْرَتِهِ يُحَرِّكُهُ بِأسْرَعِ حَرَكَةٍ ويَجْمَعُهُ بِأقْوى سَيْرٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَمَجْمُوعُونَ﴾ فَوْقَ قَوْلِ القائِلِ: مَجْمُوعُونَ كَما قُلْنا: إنَّ قَوْلَ القائِلِ: إنَّهُ يَمُوتُ في إفادَةِ التَّوْكِيدِ دُونَ قَوْلِهِ: إنَّهُ مَيِّتٌ.
رابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى يَجْمَعُهم في يَوْمٍ واحِدٍ مَعْلُومٍ، واجْتِماعُ عَدَدٍ مِنَ الأمْواتِ لا يَعْلَمُ عَدَدَهم إلّا اللَّهُ تَعالى في وقْتٍ واحِدٍ أعْجَبُ مِن نَفْسِ البَعْثِ وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ والصّافّاتِ: ﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ﴾ [الصافات: ١٩] أيْ أنْتُمْ تَسْتَبْعِدُونَ نَفْسَ البَعْثِ، والأعْجَبُ مِن هَذا أنَّهُ يَبْعَثُهم بِزَجْرَةٍ واحِدَةٍ أيْ صَيْحَةٍ واحِدَةٍ: ﴿فَإذا هم يَنْظُرُونَ﴾ أيْ يُبْعَثُونَ مَعَ زِيادَةِ أمْرٍ، وهو فَتْحُ أعْيُنِهِمْ ونَظَرُهم، بِخِلافِ مَن نَعَسَ فَإنَّهُ إذا انْتَبَهَ يَبْقى ساعَةً ثُمَّ يَنْظُرُ في الأشْياءِ، فَأمْرُ الإحْياءِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى أهْوَنُ مِن تَنْبِيهِ نائِمٍ. خامِسُها: حَرْفُ ﴿إلى﴾ أدَلُّ عَلى البَعْثِ مِنَ اللّامِ، ولْنَذْكُرْ هَذا في جَوابِ سُؤالٍ هو أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكم لِيَوْمِ الجَمْعِ﴾ [التغابن: ٩] وقالَ هُنا: ﴿لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ولَمْ يَقُلْ: لِمِيقاتِنا، وقالَ: ﴿ولَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا﴾ [الأعراف: ١٤٣] نَقُولُ: لَمّا كانَ ذِكْرُ الجَمْعِ جَوابًا لِلْمُنْكِرِينَ ذَكَرَ كَلِمَةَ ”إلى“ الدّالَّةِ عَلى التَّحَرُّكِ والِانْتِقالِ لِتَكُونَ أدَلَّ عَلى فِعْلٍ غَيْرِ البَعْثِ ولا يَجْمَعُ هُناكَ قالَ: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكم لِيَوْمِ﴾ ولا يُفْهَمُ النُّشُورُ مِن نَفْسِ الحَرْفِ وإنْ كانَ يُفْهَمُ مِنَ الكَلامِ، ولِهَذا قالَ هَهُنا: ﴿لَمَجْمُوعُونَ﴾ بِلَفْظِ التَّأْكِيدِ، وقالَ هُناكَ: ﴿يَجْمَعُكُمْ﴾ وقالَ هَهُنا: ﴿إلى مِيقاتِ﴾ وهو مَصِيرُ الوَقْتِ إلَيْهِ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا﴾ فَنَقُولُ: المَوْضِعُ هُناكَ لَمْ يَكُنْ مَطْلُوبَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وإنَّما كانَ مَطْلُوبُهُ الحُضُورَ؛ لِأنَّ مَن وُقِّتَ لَهُ وقْتٌ وعُيِّنَ لَهُ مَوْضِعٌ كانَتْ حَرَكَتُهُ في الحَقِيقَةِ لِأمْرٍ بِالتَّبَعِ إلى أمْرٍ وأمّا هُناكَ فالأمْرُ الأعْظَمُ الوُقُوفُ في مَوْضِعِهِ لا زَمانِهِ فَقالَ بِكَلِمَةٍ دَلالَتُها عَلى المَوْضِعِ والمَكانِ أظْهَرُ.
56:51–55Page 536
ثُمَّ إِنَّكُمۡ أَيُّهَا ٱلضَّآلُّونَ ٱلۡمُكَذِّبُونَ ٥١
Then indeed you, O those astray [who are] deniers,
لَأٓكِلُونَ مِن شَجَرٖ مِّن زَقُّومٖ ٥٢
Will be eating from trees of zaqqūm
فَمَالِـُٔونَ مِنۡهَا ٱلۡبُطُونَ ٥٣
And filling with it your bellies
فَشَٰرِبُونَ عَلَيۡهِ مِنَ ٱلۡحَمِيمِ ٥٤
And drinking on top of it from scalding water
فَشَٰرِبُونَ شُرۡبَ ٱلۡهِيمِ ٥٥
And will drink as the drinking of thirsty camels.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ إنَّكم أيُّها الضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ﴾ ﴿لَآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ﴾ ﴿فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الحَمِيمِ﴾ ﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ﴾ .
فِي تَفْسِيرِ الآياتِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الخِطابُ مَعَ مَن ؟ نَقُولُ: قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ مَعَ أهْلِ مَكَّةَ، والظّاهِرُ أنَّهُ عامٌّ مَعَ كُلِّ ضالٍّ مُكَذِّبٍ وقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُ هَذا في مَواضِعَ، وهو تَمامُ كَلامِ النَّبِيِّ ﷺ كَأنَّهُ تَعالى قالَ لِنَبِيِّهِ: قُلْ إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ ثُمَّ إنَّكم تُعَذَّبُونَ بِهَذِهِ الأنْواعِ مِنَ العَذابِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ هَهُنا: ﴿الضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ﴾ بِتَقْدِيمِ الضّالِّ وقالَ في آخِرِ السُّورَةِ: ﴿وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ﴾ [الواقعة: ٩٢] بِتَقْدِيمِ المُكَذِّبِينَ، فَهَلْ بَيْنَهُما فَرْقٌ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، وذَلِكَ أنَّ المُرادَ مِنَ الضّالِّينَ هَهُنا هُمُ الَّذِينَ صَدَرَ مِنهُمُ الإصْرارُ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ، فَضَلُّوا في سَبِيلِ اللَّهِ ولَمْ يَصِلُوا إلَيْهِ ولَمْ
صفحة ١٥٢
يُوَحِّدُوهُ، وذَلِكَ ضَلالٌ عَظِيمٌ، ثُمَّ كَذَّبُوا رُسُلَهُ وقالُوا: ﴿أئِذا مِتْنا﴾ فَكَذَّبُوا بِالحَشْرِ، فَقالَ: ﴿أيُّها الضّالُّونَ﴾ الَّذِينَ أشْرَكْتُمْ ﴿المُكَذِّبُونَ﴾ الَّذِينَ أنْكَرْتُمُ الحَشْرَ لَتَأْكُلُونَ ما تَكْرَهُونَ، وأمّا هُناكَ فَقالَ لَهم: أيُّها المُكَذِّبُونَ الَّذِينَ كَذَّبْتُمْ بِالحَشْرِ، ﴿الضّالُّونَ﴾ في طَرِيقِ الخَلاصِ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ إلى النَّعِيمِ، وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ وهو أنَّ الخِطابَ هُنا مَعَ الكُفّارِ فَقالَ: يا أيُّها الَّذِينَ ضَلَلْتُمْ أوَّلًا وكَذَّبْتُمْ ثانِيًا، والخِطابُ في آخِرِ السُّورَةِ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ يُبَيِّنُ لَهُ حالَ الأزْواجِ الثَّلاثَةِ. فَقالَ: المُقَرَّبُونَ في رَوْحٍ ورَيْحانٍ وجَنَّةِ نَعِيمٍ، وأصْحابُ اليَمِينِ في سَلامٍ، وأمّا المُكَذِّبُونَ الَّذِينَ كَذَّبُوا فَقَدْ ضَلُّوا فَقَدَّمَ تَكْذِيبَهم إشارَةً إلى كَرامَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ حَيْثُ بَيَّنَ أنَّ أقْوى سَبَبٍ في عِقابِهِمْ تَكْذِيبُهم والَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ الكَلامَ هُناكَ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ قَوْلُهُ: ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩١] .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ما الزَّقُّومُ ؟ نَقُولُ: قَدْ بَيَّنّاهُ في مَوْضِعٍ آخَرَ واخْتَلَفَ فِيهِ أقْوالُ النّاسِ ومَآلُ الأقْوالِ إلى كَوْنِ ذَلِكَ في الطَّعْمِ مُرًّا وفي اللَّمْسِ حارًّا، وفي الرّائِحَةِ مُنْتِنًا، وفي المَنظَرِ أسْوَدَ لا يَكادُ آكِلُهُ يُسِيغُهُ فَيُكْرَهُ عَلى ابْتِلاعِهِ، والتَّحْقِيقُ اللُّغَوِيُّ فِيهِ أنَّ الزَّقُّومَ لُغَيَّةٌ عَرَبِيَّةٌ دَلَّنا تَرْكِيبُهُ عَلى قُبْحِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ ”ز ق“ لَمْ يَجْتَمِعْ إلّا في مُهْمَلٍ أوْ في مَكْرُوهٍ مِنهُ مَزَقَ، ومِنهُ زَمَقَ شَعْرُهُ إذا نَتَفَهُ، ومِنهُ القَزْمُ لِلدَّناءَةِ، وأقْوى مِن هَذا أنَّ القافَ مَعَ كُلِّ حَرْفٍ مِنَ الحَرْفَيْنِ الباقِيَيْنِ يَدُلُّ عَلى المَكْرُوهِ في أكْثَرِ الأمْرِ، فالقافُ مَعَ المِيمِ قُمامَةٌ وقُمْقُمَةٌ، وبِالعَكْسِ مُقامِقٌ الغَلِيظُ الصَّوْتِ والقُمْقُمَةُ هو السُّورُ، وأمّا القافُ مَعَ الزّايِ فالزَّقُّ رَمْيُ الطّائِرِ بِذَرْقِهِ، والزَّقْزَقَةُ الخِفَّةُ، وبِالعَكْسِ القَزْنُوبُ، فَيَنْفِرُ الطَّبْعُ مِن تَرْكِيبِ الكَلِمَةِ مِن حُرُوفٍ اجْتِماعُها دَلِيلُ الكَراهَةِ والقُبْحِ، ثُمَّ قُرِنَ بِالأكْلِ فَدَلَّ عَلى أنَّهُ طَعامٌ ذُو غُصَّةٍ، وأمّا ما يُقالُ بِأنَّ العَرَبَ تَقُولُ: زَقَمْتَنِي بِمَعْنى أطْعَمْتَنِي الزُّبْدَ والعَسَلَ واللَّبَنَ، فَذَلِكَ لِلْمَجانَةِ كَقَوْلِهِمْ: أرْشَقَنِي بِثَوْبٍ حَسَنٍ، وأرْجَمَنِي بِكِيسٍ مِن ذَهَبٍ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن شَجَرٍ﴾ لِابْتِداءِ الغايَةِ أيْ تَناوُلُكم مِنهُ، وقَوْلُهُ: ﴿فَمالِئُونَ مِنها﴾ زِيادَةٌ في بَيانِ العَذابِ أيْ لا يُكْتَفى مِنكم بِنَفْسٍ كَما الأكْلُ يَكْتَفِي مَن يَأْكُلُ الشَّيْءَ لِتَحِلَّةِ القَسَمِ، بَلْ يُلْزَمُونَ بِأنْ تَمْلَئُوا مِنها البُطُونَ والهاءُ عائِدَةٌ إلى الشَّجَرَةِ، والبُطُونُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ مُقابَلَةَ الجَمْعِ بِالجَمْعِ أيْ يَمْلَأُ كُلُّ واحِدٍ مِنكم بَطْنَهُ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنكم يَمْلَأُ البُطُونَ، والبُطُونُ حِينَئِذٍ تَكُونُ بُطُونَ الأمْعاءِ، لِتَخَيُّلِ وصْفِ المِعى في باطِنِ الإنْسانِ لَهُ، كَيَأْكُلُ في سَبْعَةِ أمْعاءٍ، فَيَمْلَئُونَ بُطُونَ الأمْعاءِ وغَيْرِها، والأوَّلُ أظْهَرُ، والثّانِي أدْخَلُ في التَّعْذِيبِ والوَعِيدِ، قَوْلُهُ: ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ﴾ أيْ عَقِيبَ الأكْلِ تَجُرُّ مَرارَتُهُ وحَرارَتُهُ إلى شُرْبِ الماءِ فَيَشْرَبُونَ عَلى ذَلِكَ المَأْكُولِ وعَلى ذَلِكَ الزَّقُّومِ مِنَ الماءِ الحارِّ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ الحَمِيمِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ﴾ بَيانٌ أيْضًا لِزِيادَةِ العَذابِ أيْ لا يَكُونُ أمْرُكم أمْرَ مَن شَرِبَ ماءً حارًّا مُنْتِنًا فَيُمْسِكُ عَنْهُ بَلْ يَلْزَمُكم أنْ تَشْرَبُوا مِنهُ مِثْلَ ما تَشْرَبُ الهِيمُ وهي الجِمالُ الَّتِي أصابَها العَطَشُ فَتَشْرَبُ ولا تَرْوى، وهَذا البَيانُ في الشُّرْبِ لِزِيادَةِ العَذابِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَمالِئُونَ مِنها﴾ في الأكْلِ، فَإنْ قِيلَ: الأهْيَمُ إذا شَرِبَ الماءَ الكَثِيرَ يَضُرُّهُ ولَكِنْ في الحالِ يَلْتَذُّ بِهِ، فَهَلْ لِأهْلِ الجَحِيمِ مِن شُرْبِ الحَمِيمِ الحارِّ في النّارِ لَذَّةٌ ؟ قُلْنا: لا، وإنَّما ذَلِكَ لِبَيانِ زِيادَةِ العَذابِ، ووَجْهُهُ أنْ يُقالَ: يُلْزَمُونَ بِشُرْبِ الحَمِيمِ ولا يُكْتَفى مِنهم بِذَلِكَ الشُّرْبِ بَلْ يُلْزَمُونَ أنْ يَشْرَبُوا كَما يَشْرَبُ الجَمَلُ الأهْيَمُ الَّذِي بِهِ الهُيامُ، أوْ هم إذا شَرِبُوا تَزْدادُ حَرارَةُ الزَّقُّومِ في جَوْفِهِمْ فَيَظُنُّونَ أنَّهُ مِنَ الزَّقُّومِ لا مِنَ الحَمِيمِ فَيَشْرَبُونَ مِنهُ شَيْئًا كَثِيرًا بِناءً عَلى وهْمِ الرِّيِّ، والقَوْلُ في الهِيمِ كالقَوْلِ في البِيضِ، أصْلُهُ هُومٌ، وهَذا مِن هامَ يَهِيمُ كَأنَّهُ مِنَ العَطَشِ يَهِيمُ، والهُيامُ ذَلِكَ الدّاءُ الَّذِي يَجْعَلُهُ كالهائِمِ مِنَ العَطَشِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences