Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Al-An'am 6:115–120
6:115Page 142
وَتَمَّتۡ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدۡقٗا وَعَدۡلٗاۚ لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَٰتِهِۦۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ١١٥
And the word of your Lord has been fulfilled in truth and in justice. None can alter His words, and He is the Hearing, the Knowing.
قُوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وهو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾
وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ﴿وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ بِغَيْرِ ألِفٍ عَلى الواحِدِ، والباقُونَ (كَلِماتُ) عَلى الجَمْعِ، قالَ أهْلُ المَعانِي: الكَلِمَةُ والكَلِماتُ، مَعْناهُما ما جاءَ مِن وعْدٍ ووَعِيدٍ وثَوابٍ وعِقابٍ، فَلا تَبْدِيلَ فِيهِ ولا تَغْيِيرَ لَهُ كَما قالَ: ﴿ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ﴾ [ق: ٢٩] فَمَن قَرَأ ”كَلِماتُ“ بِالجَمْعِ قالَ: لِأنَّ مَعْناهُ الجَمْعُ، فَوَجَبَ أنْ يُجْمَعَ في اللَّفْظِ، ومَن قَرَأ عَلى الوَحْدَةِ فَلِأنَّهم قالُوا: الكَلِمَةُ قَدْ يُرادُ بِها الكَلِماتُ الكَثِيرَةُ إذا كانَتْ مَضْبُوطَةً بِضابِطٍ واحِدٍ، كَقَوْلِهِمْ: قالَ زُهَيْرٌ في كَلِمَتِهِ: يَعْنِي قَصِيدَتَهُ، وقالَ قُسٌّ في كَلِمَتِهِ، أيْ خُطْبَتِهِ، فَكَذَلِكَ مَجْمُوعُ القُرْآنِ كَلِمَةٌ واحِدَةٌ في كَوْنِهِ حَقًّا وصِدْقًا ومُعْجِزًا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ تَعَلُّقَ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في الآيَةِ السّابِقَةِ أنَّ القُرْآنَ مُعْجِزٌ، فَذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ، والمُرادُ بِالكَلِمَةِ القُرْآنُ أيْ تَمَّ القُرْآنُ في كَوْنِهِ مُعْجِزًا دالًّا عَلى صِدْقِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَوْلُهُ: ﴿صِدْقًا وعَدْلًا﴾ أيْ تَمَّتْ تَمامًا صِدْقًا وعَدْلًا، وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: ﴿صِدْقًا وعَدْلًا﴾ مَصْدَرانِ يُنْصَبانِ عَلى الحالِ مِنَ الكَلِمَةِ تَقْدِيرُهُ: صادِقَةً عادِلَةً، فَهَذا وجْهُ تَعَلُّقِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ كَلِمَةَ اللَّهِ تَعالى مَوْصُوفَةٌ بِصِفاتٍ كَثِيرَةٍ.
فالصِّفَةُ الأُولى: كَوْنُها تامَّةً وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ وفي تَفْسِيرِ هَذا التَّمامِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: ما ذَكَرْنا أنَّها كافِيَةٌ وافِيَةٌ بِكَوْنِها مُعْجِزَةً دالَّةً عَلى صِدْقِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
والثّانِي: أنَّها كافِيَةٌ في بَيانِ ما يَحْتاجُ المُكَلَّفُونَ إلَيْهِ إلى قِيامِ القِيامَةِ عَمَلًا وعِلْمًا.
والثّالِثُ: أنَّ حُكْمَ اللَّهِ تَعالى هو الَّذِي حَصَلَ في الأزَلِ، ولا يَحْدُثُ بَعْدَ ذَلِكَ شَيْءٌ، فَذَلِكَ الَّذِي حَصَلَ في الأزَلِ هو التَّمامُ، والزِّيادَةُ عَلَيْهِ مُمْتَنِعَةٌ، وهَذا الوَجْهُ هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ ﷺ: ”«جَفَّ القَلَمُ بِما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ» “ .
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: مِن صِفاتِ كَلِمَةِ اللَّهِ كَوْنُها صِدْقًا، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ الكَذِبَ نَقْصٌ والنَّقْصُ عَلى اللَّهِ مُحالٌ، ولا يَجُوزُ إثْباتُ أنَّ الكَذِبَ عَلى اللَّهِ مُحالٌ بِالدَّلائِلِ السَّمْعِيَّةِ؛ لِأنَّ صِحَّةَ الدَّلائِلِ السَّمْعِيَّةِ مَوْقُوفَةٌ عَلى أنَّ الكَذِبَ عَلى اللَّهِ مُحالٌ، فَلَوْ أثْبَتْنا امْتِناعَ الكَذِبِ عَلى اللَّهِ بِالدَّلائِلِ السَّمْعِيَّةِ لَزِمَ الدَّوْرُ وهو باطِلٌ. واعْلَمْ
صفحة ١٣٢
أنَّ هَذا الكَلامَ كَما يَدُلُّ عَلى أنَّ الخُلْفَ في وعْدِ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ. فَهو أيْضًا يَدُلُّ عَلى أنَّ الخُلْفَ في وعِيدِهِ مُحالٌ بِخِلافِ ما قالَهُ الواحِدِيُّ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِدًا فِيها﴾ أنَّ الخُلْفَ في وعِيدِ اللَّهِ جائِزٌ، وذَلِكَ لِأنَّ وعْدَ اللَّهِ ووَعِيدَهُ كَلِمَةُ اللَّهِ، فَلَمّا دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ كَلِمَةَ اللَّهِ يَجِبُ كَوْنُها مَوْصُوفَةً بِالصِّدْقِ عَلى أنَّ الخُلْفَ كَما أنَّهُ مُمْتَنِعٌ في الوَعْدِ فَكَذَلِكَ مُمْتَنِعٌ في الوَعِيدِ.
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ مِن صِفاتِ كَلِماتِ اللَّهِ: كَوْنُها عَدْلًا وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ كُلَّ ما حَصَلَ في القُرْآنِ نَوْعانِ، الخَبَرُ والتَّكْلِيفُ. أمّا الخَبَرُ فالمُرادُ كُلُّ ما أخْبَرَ اللَّهُ عَنْ وُجُودِهِ أوْ عَنْ عَدَمِهِ ويَدْخُلُ فِيهِ الخَبَرُ عَنْ وُجُودِ ذاتِ اللَّهِ تَعالى وعَنْ حُصُولِ صِفاتِهِ أعْنِي كَوْنَهُ تَعالى عالِمًا قادِرًا سَمِيعًا بَصِيرًا، ويَدْخُلُ فِيهِ الإخْبارُ عَنْ صِفاتِ التَّقْدِيسِ والتَّنْزِيهِ كَقَوْلِهِ: ﴿لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص: ٣] وكَقَوْلِهِ: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥] ويَدْخُلُ فِيهِ الخَبَرُ عَنْ أقْسامِ أفْعالِ اللَّهِ، وكَيْفِيَّةُ تَدْبِيرِهِ لِمَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ وعالَمَيِ الأرْواحِ والأجْسامِ، ويَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ أمْرٍ عَنْ أحْكامِ اللَّهِ تَعالى في الوَعْدِ والوَعِيدِ والثَّوابِ والعِقابِ، ويَدْخُلُ فِيهِ الخَبَرُ عَنْ أحْوالِ المُتَقَدِّمِينَ، والخَبَرُ عَنِ الغُيُوبِ المُسْتَقْبَلَةِ، فَكُلُّ هَذِهِ الأقْسامِ داخِلَةٌ تَحْتَ الخَبَرِ، وأمّا التَّكْلِيفُ فَيَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ أمْرٍ ونَهْيٍ تَوَجَّهَ مِنهُ سُبْحانَهُ عَلى عَبْدِهِ سَواءٌ كانَ ذَلِكَ العَبْدُ مَلَكًا أوْ بَشَرًا أوْ جِنِّيًّا أوْ شَيْطانًا، وسَواءٌ كانَ ذَلِكَ في شَرْعِنا أوْ في شَرائِعِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ المُتَقَدِّمِينَ، أوْ في شَرائِعِ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ الَّذِينَ هم سُكّانُ السَّماواتِ والجَنَّةِ والنّارِ والعَرْشِ وما وراءَهُ مِمّا لا يَعْلَمُ أحْوالَهم إلّا اللَّهُ تَعالى.
وإذا عَرَفْتَ انْحِصارَ مَباحِثِ القُرْآنِ في هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ فَنَقُولُ: قالَ تَعالى: ﴿وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا﴾ إنْ كانَ مِن بابِ الخَبَرِ ”وعَدْلًا“ إنْ كانَ مِن بابِ التَّكالِيفِ، وهَذا ضَبْطٌ في غايَةِ الحُسْنِ.
والقَوْلُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ”وعَدْلًا“: أنَّ كُلَّ ما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مِن وعْدٍ ووَعِيدٍ وثَوابٍ وعِقابٍ فَهو صِدْقٌ؛ لِأنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ واقِعًا، وهو بَعْدَ وُقُوعِهِ عَدْلٌ لِأنَّ أفْعالَهُ مُنَزَّهَةٌ عَنْ أنْ تَكُونَ مَوْصُوفَةً بِصِفَةِ الظُّلْمِيَّةِ.
الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: مِن صِفاتِ كَلِمَةِ اللَّهِ قَوْلُهُ: ﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنا بَيَّنّا أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ أنَّها تامَّةٌ في كَوْنِها مُعْجِزَةً دالَّةً عَلى صِدْقِ مُحَمَّدٍ ﷺ .
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ﴾ والمَعْنى أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ يُلْقُونَ الشُّبَهاتِ في كَوْنِها دالَّةً عَلى صِدْقِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلّا أنَّ تِلْكَ الشُّبَهاتِ لا تَأْثِيرَ لَها في هَذِهِ الدَّلائِلِ الَّتِي لا تَقْبَلُ التَّبْدِيلَ البَتَّةَ؛ لِأنَّ تِلْكَ الدَّلالَةَ ظاهِرَةٌ باقِيَةٌ جَلِيَّةٌ قَوِيَّةٌ لا تَزُولُ بِسَبَبِ تُرَّهاتِ الكُفّارِ وشُبُهاتِ أُولَئِكَ الجُهّالِ.
والوَجْهُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّها تَبْقى مَصُونَةً عَنِ التَّحْرِيفِ والتَّغْيِيرِ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] .
والوَجْهُ الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّها مَصُونَةٌ عَنِ التَّناقُضِ كَما قالَ: ﴿ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] .
والوَجْهُ الرّابِعُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ أحْكامَ اللَّهِ تَعالى لا تَقْبَلُ التَّبْدِيلَ والزَّوالَ؛ لِأنَّها أزَلِيَّةٌ والأزَلِيُّ لا يَزُولُ.
واعْلَمْ أنَّ هَذا الوَجْهَ أحَدُ الأُصُولِ القَوِيَّةِ في إثْباتِ الجَبْرِ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا حَكَمَ عَلى زَيْدٍ بِالسَّعادَةِ وعَلى
صفحة ١٣٣
عَمْرٍو بِالشَّقاوَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وهُوَ﴾ يَلْزَمُ امْتِناعُ أنْ يَنْقَلِبَ السَّعِيدُ شَقِيًّا، وأنْ يَنْقَلِبَ الشَّقِيُّ سَعِيدًا، فالسَّعِيدُ مَن سَعِدَ في بَطْنِ أُمِّهِ، والشَّقِيُّ مَن شَقِيَ في بَطْنِ أُمِّهِ.
6:116–117Page 142
وَإِن تُطِعۡ أَكۡثَرَ مَن فِي ٱلۡأَرۡضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنۡ هُمۡ إِلَّا يَخۡرُصُونَ ١١٦
And if you obey most of those upon the earth, they will mislead you from the way of Allāh. They follow not except assumption, and they are not but misjudging.1
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِۦۖ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُهۡتَدِينَ ١١٧
Indeed, your Lord is most knowing of who strays from His way, and He is most knowing of the [rightly] guided.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ تُطِعْ أكْثَرَ مَن في الأرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ وإنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وهو أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أجابَ عَنْ شُبُهاتِ الكُفّارِ ثُمَّ بَيَّنَ بِالدَّلِيلِ صِحَّةَ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَيَّنَ أنَّ بَعْدَ زَوالِ الشُّبْهَةِ وظُهُورِ الحُجَّةِ لا يَنْبَغِي أنْ يَلْتَفِتَ العاقِلُ إلى كَلِماتِ الجُهّالِ، ولا يَنْبَغِي أنْ يَتَشَوَّشَ بِسَبَبِ كَلِماتِهِمُ الفاسِدَةِ فَقالَ: ﴿وإنْ تُطِعْ أكْثَرَ مَن في الأرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ أكْثَرَ أهْلِ الأرْضِ كانُوا ضُلّالًا؛ لِأنَّ الإضْلالَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مَسْبُوقًا بِالضَّلالِ. واعْلَمْ أنَّ حُصُولَ هَذا الضَّلالِ والإضْلالِ لا يَخْرُجُ عَنْ أحَدِ أُمُورٍ ثَلاثَةٍ:
أوَّلُها: المَباحِثُ المُتَعَلِّقَةُ بِالإلَهِيّاتِ فَإنَّ الحَقَّ فِيها واحِدٌ، وأمّا الباطِلُ فَفِيهِ كَثْرَةٌ، ومِنها القَوْلُ بِالشِّرْكِ أمّا كَما تَقُولُهُ الزَّنادِقَةُ وهو الَّذِي أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ﴾ [الأنعام: ١٠٠] وإمّا كَما يَقُولُهُ عَبَدَةُ الكَواكِبِ. وإمّا كَما يَقُولُهُ عَبَدَةُ الأصْنامِ.
وثانِيها: المَباحِثُ المُتَعَلِّقَةُ بِالنُّبُوّاتِ. إمّا كَما يَقُولُهُ مَن يُنْكِرُ النُّبُوَّةَ مُطْلَقًا أوْ كَما يَقُولُهُ مَن يُنْكِرُ النَّشْرَ. أوْ كَما يَقُولُهُ مَن يُنْكِرُ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ . ويَدْخُلُ في هَذا البابِ المَباحِثُ المُتَعَلِّقَةُ بِالمَعادِ.
وثالِثُها: المَباحِثُ المُتَعَلِّقَةُ بِالأحْكامِ، وهي كَثِيرَةٌ، فَإنَّ الكُفّارَ كانُوا يُحَرِّمُونَ البَحائِرَ والسَّوائِبَ والوَصائِلَ ويُحَلِّلُونَ المَيْتَةَ، فَقالَ تَعالى: ﴿وإنْ تُطِعْ أكْثَرَ مَن في الأرْضِ﴾ فِيما يَعْتَقِدُونَهُ مِنَ الحُكْمِ عَلى الباطِلِ بِأنَّهُ حَقٌّ، وعَلى الحَقِّ بِأنَّهُ باطِلٌ ﴿يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، أيْ عَنِ الطَّرِيقِ والمَنهَجِ الصِّدْقِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ وإنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: المُرادُ أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ الَّذِينَ يُنازِعُونَكَ في دِينِكَ ومَذْهَبِكَ غَيْرُ قاطِعِينَ بِصِحَّةِ مَذاهِبِهِمْ، بَلْ لا يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ وهم خَرّاصُونَ كَذّابُونَ في ادِّعاءِ القَطْعِ، وكَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ يَقُولُونَ: المُرادُ مِن ذَلِكَ الظَّنِّ رُجُوعُهم في إثْباتِ مَذاهِبِهِمْ إلى تَقْلِيدِ أسْلافِهِمْ لا إلى تَعْلِيلٍ أصْلًا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: تَمَسَّكَ نُفاةُ القِياسِ بِهَذِهِ الآيَةِ. فَقالُوا: رَأيْنا أنَّ اللَّهَ تَعالى بالَغَ في ذَمِّ الكُفّارِ في كَثِيرٍ مِن آياتِ القُرْآنِ بِسَبَبِ كَوْنِهِمْ مُتَّبِعِينَ لِلظَّنِّ، والشَّيْءُ الَّذِي يَجْعَلُهُ اللَّهُ تَعالى مُوجِبًا لِذَمِّ الكُفّارِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ في أقْصى مَراتِبِ الذَّمِّ، والعَمَلُ بِالقِياسِ يُوجِبُ اتِّباعَ الظَّنِّ، فَوَجَبَ كَوْنُهُ مَذْمُومًا مُحَرَّمًا، لا يُقالُ: لَمّا ورَدَ الدَّلِيلُ القاطِعُ بِكَوْنِهِ حُجَّةً كانَ العَمَلُ بِهِ عَمَلًا بِدَلِيلٍ مَقْطُوعٍ لا بِدَلِيلٍ مَظْنُونٍ؛ لِأنّا نَقُولُ: هَذا مَدْفُوعٌ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ ذَلِكَ الدَّلِيلَ القاطِعَ إمّا أنْ يَكُونَ عَقْلِيًّا، وإمّا أنْ يَكُونَ سَمْعِيًّا، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّ العَقْلَ لا مَجالَ لَهُ
صفحة ١٣٤
فِي أنَّ العَمَلَ بِالقِياسِ جائِزٌ أوْ غَيْرُ جائِزٍ، لا سِيَّما عِنْدَ مَن يُنْكِرُ تَحْسِينَ العَقْلِ وتَقْبِيحَهُ.
والثّانِي: أيْضًا باطِلٌ لِأنَّ الدَّلِيلَ السَّمْعِيَّ إنَّما يَكُونُ قاطِعًا لَوْ كانَ مُتَواتِرًا وكانَتْ ألْفاظُهُ غَيْرَ مُحْتَمِلَةٍ لِوَجْهٍ آخَرَ سِوى هَذا المَعْنى الواحِدِ، ولَوْ حَصَلَ مِثْلُ هَذا الدَّلِيلِ لَعَلِمَ النّاسُ بِالضَّرُورَةِ كَوْنَ القِياسِ حُجَّةً، ولارْتَفَعَ الخِلافُ فِيهِ بَيْنَ الأُمَّةِ، فَحَيْثُ لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ عَلِمْنا أنَّ الدَّلِيلَ القاطِعَ عَلى صِحَّةِ القِياسِ مَفْقُودٌ.
الثّانِي: هَبْ أنَّهُ وُجِدَ الدَّلِيلُ القاطِعُ عَلى أنَّ القِياسَ حُجَّةٌ، إلّا أنَّ مَعَ ذَلِكَ لا يَتِمُّ العَمَلُ بِالقِياسِ إلّا مَعَ اتِّباعِ الظَّنِّ، وبَيانُهُ أنَّ التَّمَسُّكَ بِالقِياسِ مَبْنِيٌّ عَلى مَقامَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ الحُكْمَ في مَحَلِّ الوِفاقِ مُعَلَّلٌ بِكَذا.
والثّانِي: أنَّ ذَلِكَ المَعْنى حاصِلٌ في مَحَلِّ الخِلافِ، فَهَذانِ المَقامانِ إنْ كانا مَعْلُومَيْنِ عَلى سَبِيلِ القَطْعِ واليَقِينِ فَهَذا ما لا خِلافَ فِيهِ بَيْنَ العُقَلاءِ في صِحَّتِهِ وإنْ كانَ مَجْمُوعُهُما أوْ كانَ أحَدُهُما ظَنِّيًّا فَحِينَئِذٍ لا يَتِمُّ العَمَلُ بِهَذا القِياسِ إلّا بِمُتابَعَةِ الظَّنِّ، وحِينَئِذٍ يَنْدَرِجُ تَحْتَ النَّصِّ الدّالِّ عَلى أنَّ مُتابَعَةَ الظَّنِّ مَذْمُومَةٌ.
والجَوابُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: الظَّنُّ عِبارَةٌ عَنِ الِاعْتِقادِ الرّاجِحِ إذا لَمْ يَسْتَنِدْ إلى أمارَةٍ وهو مِثْلُ اعْتِقادِ الكُفّارِ أمّا إذا كانَ الِاعْتِقادُ الرّاجِحُ مُسْتَنِدًا إلى أمارَةٍ، فَهَذا الِاعْتِقادُ لا يُسَمّى ظَنًّا. وبِهَذا الطَّرِيقِ سَقَطَ هَذا الِاسْتِدْلالُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وهو أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: في تَفْسِيرِهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّكَ بَعْدَ ما عَرَفْتَ أنَّ الحَقَّ ما هو، وأنَّ الباطِلَ ما هو، فَلا تَكُنْ في قَيْدِهِمْ بَلْ فَوِّضْ أمْرَهم إلى خالِقِهِمْ؛ لِأنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِأنَّ المُهْتَدِيَ مَن هو ؟ والضّالَّ مَن هو ؟ فَيُجازِي كُلَّ واحِدٍ بِما يَلِيقُ بِعَمَلِهِ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارِ وإنْ أظْهَرُوا مِن أنْفُسِهِمُ ادِّعاءَ الجَزْمِ واليَقِينِ فَهم كاذِبُونَ، واللَّهُ تَعالى عالِمٌ بِأحْوالِ قُلُوبِهِمْ وبَواطِنِهِمْ، ومُطَّلِعٌ عَلى كَوْنِهِمْ مُتَحَيِّرِينَ في سَبِيلِ الضَّلالِ تائِهِينَ في أوْدِيَةِ الجَهْلِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وهو أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: قالَ بَعْضُهم ”أعْلَمُ“ هاهُنا بِمَعْنى يَعْلَمُ والتَّقْدِيرُ: إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وهو أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ.
قُلْنا: لا شَكَّ أنَّ حُصُولَ التَّفاوُتِ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ. إلّا أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا اللَّفْظِ أنَّ العِنايَةَ بِإظْهارِ هِدايَةِ المُهْتَدِينَ فَوْقَ العِنايَةِ بِإظْهارِ ضَلالِ الضّالِّينَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لِأنْفُسِكم وإنْ أسَأْتُمْ فَلَها﴾ [الإسراء: ٧] فَذَكَرَ الإحْسانَ مَرَّتَيْنِ والإساءَةَ مَرَّةً واحِدَةً.
والثّانِي: أنَّ مَوْضِعَ ”مَن“ رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، ولَفْظُها لَفْظُ الِاسْتِفْهامِ، والمَعْنى إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ أيُّ النّاسِ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ ”قالَ“ وهَذا مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِنَعْلَمَ أيُّ الحِزْبَيْنِ أحْصى﴾ [الكهف: ١٢] وهَذا قَوْلُ: المُبَرِّدِ والزَّجّاجِ والكِسائِيِّ والفَرّاءِ.
6:118Page 142
فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسۡمُ ٱللَّهِ عَلَيۡهِ إِن كُنتُم بِـَٔايَٰتِهِۦ مُؤۡمِنِينَ ١١٨
So eat of that [meat] upon which the name of Allāh has been mentioned,1 if you are believers in His verses [i.e., revealed law].
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾
فِي الآيَةِ مَباحِثُ نَذْكُرُها في مَعْرِضِ السُّؤالِ والجَوابِ.
صفحة ١٣٥
السُّؤالُ الأوَّلُ: ”الفاءُ“ في قَوْلِهِ: ﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ يَقْتَضِي تَعَلُّقًا بِما تَقَدَّمَ، فَما ذَلِكَ الشَّيْءُ ؟
والجَوابُ: قَوْلُهُ: (فَكُلُوا) مُسَبَّبٌ عَنْ إنْكارِ اتِّباعِ المُضِلِّينَ الَّذِينَ يُحَلِّلُونَ الحَرامَ ويُحَرِّمُونَ الحَلالَ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ لِلْمُسْلِمِينَ: إنَّكم تَزْعُمُونَ أنَّكم تَعْبُدُونَ اللَّهَ فَما قَتَلَهُ اللَّهُ أحَقُّ أنْ تَأْكُلُوهُ مِمّا قَتَلْتُمُوهُ أنْتُمْ. فَقالَ اللَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ: إنْ كُنْتُمْ مُتَحَقِّقِينَ بِالإيمانِ فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وهو المُذَكّى بِبَسْمِ اللَّهِ.
السُّؤالُ الثّانِي: القَوْمُ كانُوا يُبِيحُونَ أكْلَ ما ذُبِحَ عَلى اسْمِ اللَّهِ ولا يُنازِعُونَ فِيهِ، وإنَّما النِّزاعُ في أنَّهم أيْضًا كانُوا يُبِيحُونَ أكْلَ المَيْتَةِ، والمُسْلِمُونَ كانُوا يُحَرِّمُونَها، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ وُرُودُ الأمْرِ بِإباحَةِ ما ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ عَبَثًا لِأنَّهُ يَقْتَضِي إثْباتَ الحُكْمِ في المُتَّفَقِ عَلَيْهِ وتَرْكَ الحُكْمِ في المُخْتَلَفِ فِيهِ.
والجَوابُ: فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: لَعَلَّ القَوْمَ كانُوا يُحَرِّمُونَ أكْلَ المُذَكّاةِ ويُبِيحُونَ أكْلَ المَيْتَةِ، فاللَّهُ تَعالى رَدَّ عَلَيْهِمْ في الأمْرَيْنِ، فَحَكَمَ بِحِلِّ المُذَكّاةِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ وبِتَحْرِيمِ المَيْتَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ .
الثّانِي: أنْ نَحْمِلَ قَوْلَهُ: ﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ عَلى أنَّ المُرادَ اجْعَلُوا أكْلَكم مَقْصُورًا عَلى ما ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ المَعْنى عَلى هَذا الوَجْهِ تَحْرِيمَ أكْلِ المَيْتَةِ فَقَطْ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ صِيغَةُ الأمْرِ، وهي لِلْإباحَةِ. وهَذِهِ الإباحَةُ حاصِلَةٌ في حَقِّ المُؤْمِنِ وغَيْرِ المُؤْمِنِ، وكَلِمَةُ ”إنْ“ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ تُفِيدُ الِاشْتِراطَ.
والجَوابُ: التَّقْدِيرُ لِيَكُنْ أكْلُكم مَقْصُورًا عَلى ما ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ والمُرادُ أنَّهُ لَوْ حَكَمَ بِإباحَةِ أكْلِ المَيْتَةِ لَقَدَحَ ذَلِكَ في كَوْنِهِ مُؤْمِنًا.
6:119Page 143
وَمَا لَكُمۡ أَلَّا تَأۡكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسۡمُ ٱللَّهِ عَلَيۡهِ وَقَدۡ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيۡكُمۡ إِلَّا مَا ٱضۡطُرِرۡتُمۡ إِلَيۡهِۗ وَإِنَّ كَثِيرٗا لَّيُضِلُّونَ بِأَهۡوَآئِهِم بِغَيۡرِ عِلۡمٍۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُعۡتَدِينَ ١١٩
And why should you not eat of that upon which the name of Allāh has been mentioned while He has explained in detail to you what He has forbidden you, excepting that to which you are compelled.1 And indeed do many lead [others] astray through their [own] inclinations without knowledge. Indeed, your Lord - He is most knowing of the transgressors.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما لَكم ألّا تَأْكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وقَدْ فَصَّلَ لَكم ما حَرَّمَ عَلَيْكم إلّا ما اضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ وإنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِالمُعْتَدِينَ﴾
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ﴿وقَدْ فَصَّلَ لَكم ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ بِالفَتْحِ في الحَرْفَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وأبُو عَمْرٍو بِالضَّمِّ في الحَرْفَيْنِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ”فَصَّلَ“ بِالفَتْحِ و”وحُرِّمَ“ بِالضَّمِّ، فَمَن قَرَأ بِالفَتْحِ في الحَرْفَيْنِ فَقَدِ احْتَجَّ بِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَمَسَّكَ في فَتْحِ قَوْلِهِ: ”فَصَّلَ“ بِقَوْلِهِ: ﴿قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ﴾ وفي فَتْحِ قَوْلِهِ: ”حَرَّمَ“ بِقَوْلِهِ: ﴿أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١] .
والوَجْهُ الثّانِي: التَّمَسُّكُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وقَدْ فَصَّلَ لَكم ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ
صفحة ١٣٦
الفِعْلُ مُسْنَدًا إلى الفاعِلِ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ تَعالى، وأمّا الَّذِينَ قَرَءُوا بِالضَّمِّ في الحَرْفَيْنِ، فَحُجَّتُهم قَوْلُهُ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَّمُ﴾ وقَوْلُهُ: (حُرِّمَتْ) تَفْصِيلٌ لِما أُجْمِلَ في هَذِهِ الآيَةِ، فَلَمّا وجَبَ في التَّفْصِيلِ أنْ يُقالَ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ بِفِعْلِ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ وجَبَ في الإجْمالِ كَذَلِكَ وهو قَوْلُهُ: ﴿ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ ولَمّا ثَبَتَ وُجُوبُ ”حُرِّمَ“ بِضَمِّ الحاءِ فَكَذَلِكَ يَجِبُ ”فُصِّلَ“ بِضَمِّ الفاءِ؛ لِأنَّ هَذا المُفَصَّلَ هو ذَلِكَ المُحَرَّمُ المُجْمَلُ بِعَيْنِهِ. وأيْضًا فَإنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وهُوَ الَّذِي أنْزَلَ إلَيْكُمُ الكِتابَ مُفَصَّلًا﴾ وقَوْلُهُ: ”مُفَصَّلًا“ يَدُلُّ عَلى ”فَصَّلَ“ . وأمّا مَن قَرَأ ”فَصَّلَ“ بِالفَتْحِ وحُرِّمَ بِالضَّمِّ فَحُجَّتُهُ في قَوْلِهِ: ”فَصَّلَ“ قَوْلُهُ: ﴿قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ﴾ وفي قَوْلِهِ: ”حُرِّمَ“ قَوْلُهُ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وقَدْ فَصَّلَ لَكم ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ قالُوا: المُرادُ مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى في أوَّلِ سُورَةِ المائِدَةِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَّمُ ولَحْمُ الخِنْزِيرِ﴾ وفِيهِ إشْكالٌ: وهو أنَّ سُورَةَ الأنْعامِ مَكِّيَّةٌ وسُورَةَ المائِدَةِ مَدَنِيَّةٌ، وهي آخِرُ ما أنْزَلَ اللَّهُ بِالمَدِينَةِ. وقَوْلُهُ: (وقَدْ فَصَّلَ) يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ ذَلِكَ المُفَصَّلُ مُقَدَّمًا عَلى هَذا المُجْمَلِ، والمَدَنِيُّ مُتَأخِّرٌ عَنِ المَكِّيِّ، والمُتَأخِّرُ يَمْتَنِعُ كَوْنُهُ مُتَقَدِّمًا. بَلِ الأوْلى أنْ يُقالَ: المُرادُ قَوْلُهُ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام: ١٤٥] . وهَذِهِ الآيَةُ وإنْ كانَتْ مَذْكُورَةً بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ بِقَلِيلٍ إلّا أنَّ هَذا القَدْرَ مِنَ التَّأْخِيرِ لا يَمْنَعُ أنْ يَكُونَ هو المُرادَ واللَّهُ أعْلَمُ. وقَوْلُهُ: ﴿إلّا ما اضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ﴾ أيْ دَعَتْكُمُ الضَّرُورَةُ إلى أكْلِهِ بِسَبَبِ شِدَّةِ المَجاعَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وإنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأهْوائِهِمْ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ”لَيَضِلُّونِ“ بِفَتْحِ الياءِ وكَذَلِكَ في يُونُسَ ”رَبَّنا لِيَضِلُّوا“ وفي إبْراهِيمَ ”لِيَضِلُّوا“ وفي الحَجِّ ”ثانِيَ عِطْفِهِ لِيَضِلَّ“ وفي لُقْمانَ ”لَهْوَ الحَدِيثِ لِيَضِلَّ“ وفي الزُّمَرِ ”أنْدادًا لِيَضِلَّ“ وقَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ جَمِيعَ ذَلِكَ بِضَمِّ الياءِ. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ هاهُنا وفي يُونُسَ بِفَتْحِ الياءِ، وفي سائِرِ المَواضِعِ بِالضَّمِّ، فَمَن قَرَأ بِالفَتْحِ أشارَ إلى كَوْنِهِ ضالًّا، ومَن قَرَأ بِالضَّمِّ أشارَ إلى كَوْنِهِ مُضِلًّا. قالَ: وهَذا أقْوى في الذَّمِّ لِأنَّ كُلَّ مُضِلٍّ فَإنَّهُ يَجِبُ كَوْنُهُ ضالًّا، وقَدْ يَكُونُ ضالًّا ولا يَكُونُ مُضِلًّا، فالمُضِلُّ أكْثَرُ اسْتِحْقاقًا لِلذَّمِّ مِنَ الضّالِّ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ”لَيُضِلُّونِ“ قِيلَ إنَّهُ عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ، فَمَن دُونَهُ مِنَ المُشْرِكِينَ. لِأنَّهُ أوَّلُ مَن غَيَّرَ دِينَ إسْماعِيلَ واتَّخَذَ البَحائِرَ والسَّوائِبَ وأكَلَ المَيْتَةَ. وقَوْلُهُ: (بِغَيْرِ عِلْمٍ) يُرِيدُ أنَّ عَمْرَو بْنَ لُحَيٍّ أقْدَمَ عَلى هَذِهِ المَذاهِبِ عَنِ الجَهالَةِ الصِّرْفَةِ والضَّلالَةِ المَحْضَةِ. وقالَ الزَّجّاجُ: المُرادُ مِنهُ الَّذِينَ يُحَلِّلُونَ المَيْتَةَ ويُناظِرُونَكم في إحْلالِها، ويَحْتَجُّونَ عَلَيْها بِقَوْلِهِمْ لَمّا حَلَّ ما تَذْبَحُونَهُ أنْتُمْ فَبِأنْ يَحِلَّ ما يَذْبَحُهُ اللَّهُ أوْلى. وكَذَلِكَ كُلُّ ما يَضِلُّونَ فِيهِ مِن عِبادَةِ الأوْثانِ والطَّعْنِ في نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَإنَّما يَتَّبِعُونَ فِيهِ الهَوى والشَّهْوَةَ، ولا بَصِيرَةَ عِنْدَهم ولا عِلْمَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ القَوْلَ في الدِّينِ بِمُجَرَّدِ التَّقْلِيدِ حَرامٌ؛ لِأنَّ القَوْلَ بِالتَّقْلِيدِ قَوْلٌ بِمَحْضِ الهَوى والشَّهْوَةِ، والآيَةُ دَلَّتْ عَلى أنَّ ذَلِكَ حَرامٌ.
قالَ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِالمُعْتَدِينَ﴾ والمُرادُ مِنهُ أنَّهُ هو العالِمُ بِما في قُلُوبِهِمْ وضَمائِرِهِمْ مِنَ
صفحة ١٣٧
التَّعَدِّي وطَلَبِ نُصْرَةِ الباطِلِ والسَّعْيِ في إخْفاءِ الحَقِّ، وإذا كانَ عالِمًا بِأحْوالِهِمْ وكانَ قادِرًا عَلى مُجازاتِهِمْ فَهو تَعالى يُجازِيهِمْ عَلَيْها، والمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الكَلِمَةِ التَّهْدِيدُ والتَّخْوِيفُ. واللَّهُ أعْلَمُ.
6:120Page 143
وَذَرُواْ ظَٰهِرَ ٱلۡإِثۡمِ وَبَاطِنَهُۥٓۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡسِبُونَ ٱلۡإِثۡمَ سَيُجۡزَوۡنَ بِمَا كَانُواْ يَقۡتَرِفُونَ ١٢٠
And leave [i.e., desist from] what is apparent of sin and what is concealed thereof. Indeed, those who earn [blame for] sin will be recompensed for that which they used to commit.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وذَرُوا ظاهِرَ الإثْمِ وباطِنَهُ إنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ فَصَّلَ المُحَرَّماتِ أتْبَعَهُ بِما يُوجِبُ تَرْكَها بِالكُلِّيَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿وذَرُوا ظاهِرَ الإثْمِ وباطِنَهُ﴾ والمُرادُ مِنَ الإثْمِ ما يُوجِبُ الإثْمَ، وذَكَرُوا في ظاهِرِ الإثْمِ وباطِنِهِ وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ ﴿ظاهِرَ الإثْمِ﴾ الإعْلانُ بِالزِّنا (وباطِنَهُ) الِاسْتِسْرارُ بِهِ. قالَ الضَّحّاكُ: كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَرَوْنَ الزِّنا حَلالًا ما كانَ سِرًّا، فَحَرَّمَ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الآيَةِ السِّرَّ مِنهُ والعَلانِيَةَ.
الثّانِي: أنَّ هَذا النَّهْيَ عامٌّ في جَمِيعِ المُحَرَّماتِ وهو الأصَحُّ؛ لِأنَّ تَخْصِيصَ اللَّفْظِ العامِّ بِصُورَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ غَيْرُ جائِزٍ، ثُمَّ قِيلَ: المُرادُ ما أعْلَنْتُمْ وما أسْرَرْتُمْ، وقِيلَ: ما عَمِلْتُمْ وما نَوَيْتُمْ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: يُرِيدُ وذَرُوا الإثْمَ مِن جَمِيعِ جِهاتِهِ كَما تَقُولُ: ما أخَذْتُ مِن هَذا المالِ قَلِيلًا ولا كَثِيرًا، تُرِيدُ ما أخَذْتُ مِنهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وقالَ آخَرُونَ: مَعْنى الآيَةِ النَّهْيُ عَنِ الإثْمِ مَعَ بَيانِ أنَّهُ لا يَخْرُجُ مِن كَوْنِهِ إثْمًا بِسَبَبِ إخْفائِهِ وكِتْمانِهِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وذَرُوا ظاهِرَ الإثْمِ﴾ النَّهْيُ عَنِ الإقْدامِ عَلى الإثْمِ، ثُمَّ قالَ: (وباطِنَهُ) لِيَظْهَرَ بِذَلِكَ أنَّ الدّاعِيَ لَهُ إلى تَرْكِ ذَلِكَ الإثْمِ خَوْفُ اللَّهِ لا خَوْفُ النّاسِ. وقالَ آخَرُونَ: ﴿ظاهِرَ الإثْمِ﴾ أفْعالُ الجَوارِحِ (وباطِنَهُ) أفْعالُ القُلُوبِ مِنَ الكِبْرِ والحَسَدِ والعُجْبِ وإرادَةِ السَّوْءِ لِلْمُسْلِمِينَ، ويَدْخُلُ فِيهِ الِاعْتِقادُ والعَزْمُ والنَّظَرُ والظَّنُّ والتَّمَنِّي واللَّوْمُ عَلى الخَيْراتِ، وبِهَذا يَظْهَرُ فَسادُ قَوْلِ مَن يَقُولُ: إنَّ ما يُوجَدُ في القَلْبِ لا يُؤاخَذُ بِهِ إذا لَمْ يَقْتَرِنْ بِهِ عَمَلٌ فَإنَّهُ تَعالى نَهى عَنْ كُلِّ هَذِهِ الأقْسامِ بِهَذِهِ الآيَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ﴾ ومَعْنى الِاقْتِرافِ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. وظاهِرُ النَّصِّ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يُعاقَبَ المُذْنِبُ، إلّا أنَّ المُسْلِمِينَ أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ إذا تابَ لَمْ يُعاقَبْ، وأصْحابُنا زادُوا شَرْطًا ثانِيًا، وهو أنَّهُ تَعالى قَدْ يَعْفُو عَنِ المُذْنِبِ فَيَتْرُكُ عِقابَهُ كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences