Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Al-An'am 6:121–123
6:121Page 143
وَلَا تَأۡكُلُواْ مِمَّا لَمۡ يُذۡكَرِ ٱسۡمُ ٱللَّهِ عَلَيۡهِ وَإِنَّهُۥ لَفِسۡقٞۗ وَإِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰٓ أَوۡلِيَآئِهِمۡ لِيُجَٰدِلُوكُمۡۖ وَإِنۡ أَطَعۡتُمُوهُمۡ إِنَّكُمۡ لَمُشۡرِكُونَ ١٢١
And do not eat of that upon which the name of Allāh has not been mentioned, for indeed, it is grave disobedience. And indeed do the devils inspire their allies [among men] to dispute with you. And if you were to obey them, indeed, you would be associators [of others with Him].1
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وإنَّهُ لَفِسْقٌ وإنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إلى أوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكم وإنْ أطَعْتُمُوهم إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾
صفحة ١٣٨
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ يَحِلُّ أكْلُ ما ذُبِحَ عَلى اسْمِ اللَّهِ، ذَكَرَ بَعْدَهُ تَحْرِيمَ ما لَمْ يُذْكَرْ عَلَيْهِ اسْمُ اللَّهِ، ويَدْخُلْ فِيهِ المَيْتَةُ، ويَدْخُلْ فِيهِ ما ذُبِحَ عَلى ذِكْرِ الأصْنامِ، والمَقْصُودُ مِنهُ إبْطالُ ما ذَكَرَهُ المُشْرِكُونَ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: نُقِلَ عَنْ عَطاءٍ أنَّهُ قالَ: كُلُّ ما لَمْ يُذْكَرْ عَلَيْهِ اسْمُ اللَّهِ مِن طَعامٍ أوْ شَرابٍ، فَهو حَرامٌ، تَمَسُّكًا بِعُمُومِ هَذِهِ الآيَةِ. وأمّا سائِرُ الفُقَهاءِ فَإنَّهم أجْمَعُوا عَلى تَخْصِيصِ هَذا العُمُومِ بِالذَّبْحِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَقالَ مالِكٌ: كُلُّ ذَبْحٍ لَمْ يُذْكَرْ عَلَيْهِ اسْمُ اللَّهِ فَهو حَرامٌ، سَواءٌ تُرِكَ ذَلِكَ الذِّكْرُ عَمْدًا أوْ نِسْيانًا. وهو قَوْلُ ابْنِ سِيرِينَ وطائِفَةٍ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: إنْ تُرِكَ الذِّكْرُ عَمْدًا حَرُمَ، وإنْ تُرِكَ نِسْيانًا حَلَّ.
وقالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: يَحِلُّ مَتْرُوكُ التَّسْمِيَةِ سَواءٌ تُرِكَ عَمْدًا أوْ خَطَأً إذا كانَ الذّابِحُ أهْلًا لِلذَّبْحِ، وقَدْ ذَكَرْنا هَذِهِ المَسْألَةَ عَلى الِاسْتِقْصاءِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿إلّا ما ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ، قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: هَذا النَّهْيُ مَخْصُوصٌ بِما إذا ذُبِحَ عَلى اسْمِ النُّصُبِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ وأجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّهُ لا يُفَسِّقُ أكْلَ ذَبِيحَةِ المُسْلِمِ الَّذِي تَرَكَ التَّسْمِيَةَ.
وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إلى أوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ﴾ وهَذِهِ المُناظَرَةُ إنَّما كانَتْ في مَسْألَةِ المَيْتَةِ، رُوِيَ أنَّ ناسًا مِنَ المُشْرِكِينَ قالُوا لِلْمُسْلِمِينَ: ما يَقْتُلُهُ الصَّقْرُ والكَلْبُ تَأْكُلُونَهُ، وما يَقْتُلُهُ اللَّهُ فَلا تَأْكُلُونَهُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهم قالُوا: تَأْكُلُونَ ما تَقْتُلُونَهُ ولا تَأْكُلُونَ ما يَقْتُلُهُ اللَّهُ، فَهَذِهِ المُناظَرَةُ مَخْصُوصَةٌ بِأكْلِ المَيْتَةِ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ أطَعْتُمُوهم إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾ وهَذا مَخْصُوصٌ بِما ذُبِحَ عَلى اسْمِ النُّصُبِ، يَعْنِي لَوْ رَضِيتُمْ بِهَذِهِ الذَّبِيحَةِ الَّتِي ذُبِحَتْ عَلى اسْمِ إلَهِيَّةِ الأوْثانِ، فَقَدْ رَضِيتُمْ بِإلَهِيَّتِها وذَلِكَ يُوجِبُ الشِّرْكَ. قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: فَأوَّلُ الآيَةِ وإنْ كانَ عامًّا بِحَسَبِ الصِّيغَةِ، إلّا أنَّ آخِرَها لَمّا حَصَلَتْ فِيهِ هَذِهِ القُيُودُ الثَّلاثَةُ عَلِمْنا أنَّ المُرادَ مِن ذَلِكَ العُمُومِ هو هَذا الخُصُوصُ، ومِمّا يُؤَكِّدُ هَذا المَعْنى هو أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ولا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وإنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ فَقَدْ صارَ هَذا النَّهْيُ مَخْصُوصًا بِما إذا كانَ هَذا الأمْرُ فِسْقًا، ثُمَّ طَلَبْنا في كِتابِ اللَّهِ تَعالى أنَّهُ مَتى يَصِيرُ فِسْقًا ؟ فَرَأيْنا هَذا الفِسْقَ مُفَسَّرًا في آيَةٍ أُخْرى، وهو قَوْلُهُ: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلّا أنْ يَكُونَ مَيْتَةً أوْ دَمًا مَسْفُوحًا أوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإنَّهُ رِجْسٌ أوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥] فَصارَ الفِسْقُ في هَذِهِ الآيَةِ مُفَسَّرًا بِما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وإنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ مَخْصُوصًا بِما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ.
والمَقامُ الثّانِي: أنْ نَتْرُكَ التَّمَسُّكَ بِهَذِهِ المُخَصِّصاتِ، لَكِنْ نَقُولُ لِمَ قُلْتُمْ إنَّهُ لَمْ يُوجَدْ ذِكْرُ اللَّهِ هاهُنا ؟ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«ذِكْرُ اللَّهِ مَعَ المُسْلِمِ سَواءٌ قالَ أوْ لَمْ يَقُلْ» “، ويُحْمَلْ هَذا الذِّكْرُ عَلى ذِكْرِ القَلْبِ.
والمَقامُ الثّالِثُ: وهو أنْ نَقُولَ: هَبْ أنَّ هَذا الدَّلِيلَ يُوجِبُ الحُرْمَةَ إلّا أنَّ سائِرَ الدَّلائِلِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ المَسْألَةِ تُوجِبُ الحِلَّ، ومَتى تَعارَضَتْ وجَبَ أنْ يَكُونَ الرّاجِحُ هو الحِلَّ؛ لِأنَّ الأصْلَ في المَأْكُولاتِ الحِلُّ، وأيْضًا يَدُلُّ عَلَيْهِ جَمِيعُ العُمُوماتِ المُقْتَضِيَةِ لِحِلِّ الأكْلِ والِانْتِفاعِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] وقَوْلِهِ: ﴿كُلُوا واشْرَبُوا﴾ [البقرة: ٦٠] لِأنَّهُ مُسْتَطابٌ بِحَسَبِ الحِسِّ فَوَجَبَ أنْ يَحِلَّ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ﴾ ولِأنَّهُ مالٌ لِأنَّ الطَّبْعَ يَمِيلُ إلَيْهِ، فَوَجَبَ أنْ لا يُحَرَّمَ لِما رُوِيَ عَنْ
صفحة ١٣٩
النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ «نَهى عَنْ إضاعَةِ المالِ»، فَهَذا تَقْرِيرُ الكَلامِ في هَذِهِ المَسْألَةِ ومَعَ ذَلِكَ فَنَقُولُ: الأوْلى بِالمُسْلِمِ أنْ يَحْتَرِزَ عَنْهُ لِأنَّ ظاهِرَ هَذا النَّصِّ قَوِيٌّ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ إلى ماذا يَعُودُ ؟ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ (لا تَأْكُلُوا) يَدُلُّ عَلى الأكْلِ؛ لِأنَّ الفِعْلَ يَدُلُّ عَلى المَصْدَرِ، فَهَذا الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى هَذا المَصْدَرِ. والثّانِي: كَأنَّهُ جَعَلَ ما لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ في نَفْسِهِ فِسْقًا، عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إلى أوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنَ الشَّياطِينِ هاهُنا إبْلِيسُ وجُنُودُهُ، وسْوَسُوا إلى أوْلِيائِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ لِيُجادِلُوا مُحَمَّدًا ﷺ وأصْحابَهُ في أكْلِ المَيْتَةِ. والثّانِي: قالَ عِكْرِمَةُ: وإنَّ الشَّياطِينَ، يَعْنِي مَرَدَةَ المَجُوسِ، لَيُوحُونَ إلى أوْلِيائِهِمْ مِن مُشْرِكِي قُرَيْشٍ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا نَزَلْ تَحْرِيمُ المَيْتَةِ سَمِعَهُ المَجُوسُ مِن أهْلِ فارِسَ، فَكَتَبُوا إلى قُرَيْشٍ، وكانَتْ بَيْنَهم مُكاتَبَةٌ، أنَّ مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ يَزْعُمُونَ أنَّهم يَتَّبِعُونَ أمْرَ اللَّهِ، ثُمَّ يَزْعُمُونَ أنَّ ما يَذْبَحُونَهُ حَلالٌ وما يَذْبَحُهُ اللَّهُ حَرامٌ. فَوَقَعَ في أنْفُسِ ناسٍ مِنَ المُسْلِمِينَ مِن ذَلِكَ شَيْءٌ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وإنْ أطَعْتُمُوهُمْ﴾ يَعْنِي في اسْتِحْلالِ المَيْتَةِ ﴿إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنْ كُلَّ مَن أهَلَّ شَيْئًا مِمّا حَرَّمَ اللَّهُ تَعالى، أوْ حَرَّمَ شَيْئًا مِمّا أحَلَّ اللَّهُ تَعالى فَهو مُشْرِكٌ، وإنَّما سُمِّيَ مُشْرِكًا لِأنَّهُ أثْبَتَ حاكِمًا سِوى اللَّهِ تَعالى، وهَذا هو الشِّرْكُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الكَعْبِيُّ: الآيَةُ حُجَّةٌ عَلى أنَّ الإيمانَ اسْمٌ لِجَمِيعِ الطّاعاتِ وإنْ كانَ مَعْناهُ في اللُّغَةِ التَّصْدِيقَ، كَما جَعَلَ تَعالى الشِّرْكَ اسْمًا لِكُلِّ ما كانَ مُخالِفًا لِلَّهِ تَعالى، وإنْ كانَ في اللُّغَةِ مُخْتَصًّا بِمَن يَعْتَقِدُ أنَّ لِلَّهِ شَرِيكًا، بِدَلِيلِ أنَّهُ تَعالى سَمّى طاعَةَ المُؤْمِنِينَ لِلْمُشْرِكِينَ في إباحَةِ المَيْتَةِ شِرْكًا.
ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الشِّرْكِ هاهُنا اعْتِقادَ أنَّ اللَّهَ تَعالى شَرِيكًا في الحُكْمِ والتَّكْلِيفِ ؟ وبِهَذا التَّقْدِيرِ يَرْجِعُ مَعْنى هَذا الشِّرْكِ إلى الِاعْتِقادِ فَقَطْ.
6:122Page 143
أَوَمَن كَانَ مَيۡتٗا فَأَحۡيَيۡنَٰهُ وَجَعَلۡنَا لَهُۥ نُورٗا يَمۡشِي بِهِۦ فِي ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُۥ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ لَيۡسَ بِخَارِجٖ مِّنۡهَاۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلۡكَٰفِرِينَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٢٢
And is one who was dead and We gave him life and made for him light by which to walk among the people like one who is in darkness, never to emerge therefrom? Thus it has been made pleasing to the disbelievers that which they were doing.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ في النّاسِ كَمَن مَثَلُهُ في الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنها كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ في الآيَةِ الأُولى أنَّ المُشْرِكِينَ يُجادِلُونَ المُؤْمِنِينَ في دِينِ اللَّهِ ذَكَرَ مَثَلًا يَدُلُّ عَلى حالِ المُؤْمِنِ المُهْتَدِي، وعَلى حالِ الكافِرِ الضّالِّ، فَبَيَّنَ أنَّ المُؤْمِنَ المُهْتَدِيَ بِمَنزِلَةِ مَن كانَ مَيْتًا، فَجُعِلَ حَيًّا بَعْدَ ذَلِكَ وأُعْطِيَ نُورًا يَهْتَدِي بِهِ في مَصالِحِهِ، وأنَّ الكافِرَ بِمَنزِلَةِ مَن هو في ظُلُماتٍ مُنْغَمِسٌ فِيها لا خَلاصَ لَهُ مِنها، فَيَكُونُ مُتَحَيِّرًا عَلى الدَّوامِ.
صفحة ١٤٠
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وعِنْدَ هَذا عادَتْ مَسْألَةُ الجَبْرِ والقَدَرِ، فَقالَ أصْحابُنا: ذَلِكَ المُزَيِّنُ هو اللَّهُ تَعالى، ودَلِيلُهُ ما سَبَقَ ذِكْرُهُ مِن أنَّ الفِعْلَ يَتَوَقَّفُ عَلى حُصُولِ الدّاعِي، وحُصُولُهُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى، والدّاعِي عِبارَةٌ عَنْ عِلْمٍ أوِ اعْتِقادٍ أوْ ظَنٍّ بِاشْتِمالِ ذَلِكَ الفِعْلِ عَلى نَفْعٍ زائِدٍ وصَلاحٍ راجِحٍ، فَهَذا الدّاعِي لا مَعْنى لَهُ إلّا هَذا التَّزْيِينُ، فَإذا كانَ مُوجِدُ هَذا الدّاعِي هو اللَّهَ تَعالى كانَ المُزَيِّنُ لا مَحالَةَ هو اللَّهُ تَعالى، وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: ذَلِكَ المُزَيِّنُ هو الشَّيْطانُ، وحَكَوْا عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: زَيَّنَهُ لَهم - واللَّهِ - الشَّيْطانُ. واعْلَمْ أنَّ هَذا في غايَةِ الضَّعْفِ لِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: الدَّلِيلُ القاطِعُ الَّذِي ذَكَرْناهُ.
والثّانِي: أنَّ هَذا المَثَلَ مَذْكُورٌ لِيَمِيزَ اللَّهُ حالَ المُسْلِمِ مِنَ الكافِرِ فَيَدْخُلُ فِيهِ الشَّيْطانُ. فَإنْ كانَ إقْدامُ ذَلِكَ الشَّيْطانِ عَلى ذَلِكَ الكُفْرِ لِشَيْطانٍ آخَرَ، لَزِمَ الذَّهابُ إلى مُزَيِّنٍ آخَرَ إلى غَيْرِ النِّهايَةِ. وإلّا فَلا بُدَّ مِن مُزَيِّنٍ آخَرَ سِوى الشَّيْطانِ.
الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى صَرَّحَ بِأنَّ ذَلِكَ المُزَيِّنَ لَيْسَ إلّا هو فِيما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ وما بَعْدَها، أمّا قَبْلَها فَقَوْلُهُ: ﴿ولا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ وأمّا بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ فَقَوْلُهُ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ أكابِرَ مُجْرِمِيها﴾ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ﴾ قَرَأ نافِعٌ ”مَيِّتًا“ مُشَدَّدًا، والباقُونَ مُخَفَّفًا قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: المَيْتُ مُخَفَّفًا تَخْفِيفُ مَيِّتٍ، ومَعْناهُما واحِدٌ ثُقِّلَ أوْ خُفِّفَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ أهْلُ المَعانِي: قَدْ وصَفَ الكُفّارَ بِأنَّهم أمْواتٌ في قَوْلِهِ: ﴿أمْواتٌ غَيْرُ أحْياءٍ وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل: ٢١] وأيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿لِيُنْذِرَ مَن كانَ حَيًّا﴾ [يس: ٧٠] وفي قَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ [النمل: ٨٠] وفي قَوْلِهِ: ﴿وما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ﴾ [فاطر: ١٩] ﴿وما يَسْتَوِي الأحْياءُ ولا الأمْواتُ﴾ [فاطر: ٢٢] فَلَمّا جُعِلَ الكُفْرُ مَوْتًا والكافِرُ مَيِّتًا، جُعِلَ الهُدى حَياةً والمُهْتَدِي حَيًّا، وإنَّما جُعِلَ الكُفْرُ مَوْتًا لِأنَّهُ جَهْلٌ، والجَهْلُ يُوجِبُ الحَيْرَةَ والوَقْفَةَ، فَهو كالمَوْتِ الَّذِي يُوجِبُ السُّكُونَ، وأيْضًا المَيِّتُ لا يَهْتَدِي إلى شَيْءٍ، والجاهِلُ كَذَلِكَ، والهُدى عِلْمٌ وبَصَرٌ، والعِلْمُ والبَصَرُ سَبَبٌ لِحُصُولِ الرُّشْدِ والفَوْزِ بِالنَّجاةِ، وقَوْلُهُ: ﴿وجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ في النّاسِ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ (فَأحْيَيْناهُ) فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ هَذا النُّورُ مُغايِرًا لِتِلْكَ الحَياةِ والَّذِي يَخْطُرُ بِالبالِ والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى أنَّ الأرْواحَ البَشَرِيَّةَ لَها أرْبَعُ مَراتِبَ في المَعْرِفَةِ. فَأوَّلُها: كَوْنُها مُسْتَعِدَّةً لِقَبُولِ هَذِهِ المَعارِفِ، وذَلِكَ الِاسْتِعْدادُ الأصْلِيُّ يَخْتَلِفُ في الأرْواحِ، فَرُبَّما كانَتِ الرُّوحُ مَوْصُوفَةً بِاسْتِعْدادٍ كامِلٍ قَوِيٍّ شَرِيفٍ، ورُبَّما كانَ ذَلِكَ الِاسْتِعْدادُ قَلِيلًا ضَعِيفًا ويَكُونُ صاحِبُهُ بَلِيدًا ناقِصًا.
والمَرْتَبَةُ الثّانِيَةُ: أنْ يُحَصِّلَ لَها العُلُومَ الكُلِّيَّةَ الأوَّلِيَّةَ، وهي المُسَمّاةُ بِالعَقْلِ.
والمَرْتَبَةُ الثّالِثَةُ: أنْ يُحاوِلَ ذَلِكَ الإنْسانُ تَرْكِيبَ تِلْكَ البَدِيهِيّاتِ، ويَتَوَصَّلَ بِتَرْكِيبِها إلى تَعَرُّفِ المَجْهُولاتِ الكَسْبِيَّةِ، إلّا أنَّ تِلْكَ المَعارِفَ رُبَّما لا تَكُونُ حاضِرَةً بِالفِعْلِ، ولَكِنَّها تَكُونُ بِحَيْثُ مَتى شاءَ صاحِبُها اسْتِرْجاعَها واسْتِحْضارَها، يَقْدِرُ عَلَيْهِ.
والمَرْتَبَةُ الرّابِعَةُ: أنْ تَكُونَ تِلْكَ المَعارِفُ القُدُسِيَّةُ والجَلايا الرُّوحانِيَّةُ حاضِرَةً بِالفِعْلِ، ويَكُونُ جَوْهَرُ ذَلِكَ الرُّوحِ مُشْرِقًا بِتِلْكَ المَعارِفِ مُسْتَضِيئًا بِها مُسْتَكْمَلًا بِظُهُورِها فِيهِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ:
صفحة ١٤١
المَرْتَبَةُ الأُولى: وهي حُصُولُ الِاسْتِعْدادِ فَقَطْ، هي المُسَمّاةُ بِالمَوْتِ.
والمَرْتَبَةُ الثّانِيَةُ: وهي أنْ تَحْصُلَ العُلُومُ البَدِيهِيَّةُ الكُلِّيَّةُ فِيهِ فَهي المُشارُ إلَيْها بِقَوْلِهِ: (فَأحْيَيْناهُ) .
والمَرْتَبَةُ الثّالِثَةُ: وهي تَرْكِيبُ البَدِيهِيّاتِ حَتّى يُتَوَصَّلَ بِتَرْكِيباتِها إلى تَعَرُّفِ المَجْهُولاتِ النَّظَرِيَّةِ، فَهي المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا لَهُ نُورًا﴾ .
والمَرْتَبَةُ الرّابِعَةُ: وهي قَوْلُهُ: ﴿يَمْشِي بِهِ في النّاسِ﴾ إشارَةٌ إلى كَوْنِهِ مُسْتَحْضِرًا لِتِلْكَ الجَلايا القُدُسِيَّةِ ناظِرًا إلَيْها، وعِنْدَ هَذا تَتِمُّ دَرَجاتُ سِعاداتِ النَّفْسِ الإنْسانِيَّةِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ أيْضًا الحَياةُ عِبارَةٌ عَنِ الِاسْتِعْدادِ القائِمِ بِجَوْهَرِ الرُّوحِ، والنُّورُ عِبارَةٌ عَنْ إيصالِ نُورِ الوَحْيِ والتَّنْزِيلِ بِهِ. فَإنَّهُ لا بُدَّ في الإبْصارِ مِن أمْرَيْنِ: مِن سَلامَةِ الحاسَّةِ، ومِن طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَكَذَلِكَ البَصِيرَةُ لا بُدَّ فِيها مِن أمْرَيْنِ: مِن سَلامَةِ حاسَّةِ العَقْلِ، ومِن طُلُوعِ نُورِ الوَحْيِ والتَّنْزِيلِ، فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ المُفَسِّرُونَ: المُرادُ بِهَذا النُّورِ، القُرْآنُ. ومِنهم مَن قالَ: هو نُورُ الدِّينِ، ومِنهم مَن قالَ: هو نُورُ الحِكْمَةِ، والأقْوالُ بِأسْرِها مُتَقارِبَةٌ، والتَّحْقِيقُ ما ذَكَرْناهُ. وأمّا مَثَلُ الكافِرِ فَهو كَمَن ﴿فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنها﴾ وفي قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ بِخارِجٍ مِنها﴾ دَقِيقَةٌ عَقْلِيَّةٌ، وهي أنَّ الشَّيْءَ إذا دامَ حُصُولُهُ مَعَ الشَّيْءِ صارَ كالأمْرِ الذّاتِيِّ والصِّفَةِ اللّازِمَةِ لَهُ. فَإذا دامَ كَوْنُ الكافِرِ في ظُلُماتِ الجَهْلِ والأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ صارَتْ تِلْكَ الظُّلُماتُ كالصِّفَةِ الذّاتِيَّةِ اللّازِمَةِ لَهُ بِعُسْرِ إزالَتِها عَنْهُ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِن هَذِهِ الحالَةِ. وأيْضًا الواقِفُ في الظُّلُماتِ يَبْقى مُتَحَيِّرًا لا يَهْتَدِي إلى وجْهِ صَلاحِهِ فَيَسْتَوْلِي عَلَيْهِ الخَوْفُ والفَزَعُ، والعَجْزُ والوُقُوفُ.
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ هَذَيْنِ المَثَلَيْنِ المَذْكُورَيْنِ هَلْ هُما مَخْصُوصانِ بِإنْسانَيْنِ مُعَيَّنَيْنِ أوْ عامّانِ في كُلِّ مُؤْمِنٍ وكافِرٍ. فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ خاصٌّ بِإنْسانَيْنِ عَلى التَّعْيِينِ، ثُمَّ فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ أبا جَهْلٍ رَمى النَّبِيَّ ﷺ بِفَرْثٍ وحَمْزَةُ يَوْمَئِذٍ لَمْ يُؤْمِن، فَأُخْبِرَ حَمْزَةُ بِذَلِكَ عِنْدَ قُدُومِهِ مِن صَيْدٍ لَهُ والقَوْسُ بِيَدِهِ، فَعَمَدَ إلى أبِي جَهْلٍ وتَوَخّاهُ بِالقَوْسِ، وجَعَلَ يَضْرِبُ رَأْسَهُ، فَقالَ لَهُ أبُو جَهْلٍ: أما تَرى ما جاءَ بِهِ ؟ سَفَّهَ عُقُولَنا، وسَبَّ آلِهَتِنا، فَقالَ حَمْزَةُ: أنْتُمْ أسْفَهُ النّاسِ، تَعْبُدُونَ الحِجارَةَ مِن دُونِ اللَّهِ، أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وأنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولَهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
والرِّوايَةُ الثّانِيَةُ: قالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في النَّبِيِّ ﷺ وأبِي جَهْلٍ وذَلِكَ أنَّهُ قالَ: زاحَمَنا بَنُو عَبْدِ مَنافٍ في الشَّرَفِ، حَتّى إذا صِرْنا كَفَرَسَيْ رِهانٍ، قالُوا مِنّا نَبِيٌّ يُوحى إلَيْهِ. واللَّهِ لا نُؤْمِنُ بِهِ، إلّا أنْ يَأْتِيَنا وحْيٌ كَما يَأْتِيهِ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
والرِّوايَةُ الثّالِثَةُ: قالَ عِكْرِمَةُ والكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ في عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ وأبِي جَهْلٍ.
والرِّوايَةُ الرّابِعَةُ: قالَ الضَّحّاكُ: نَزَلَتْ في عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ وأبِي جَهْلٍ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ عامَّةٌ في حَقِّ جَمِيعِ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ، وهَذا هو الحَقُّ؛ لِأنَّ المَعْنى إذا كانَ حاصِلًا في الكُلِّ، كانَ التَّخْصِيصُ مَحْضَ التَّحَكُّمِ، وأيْضًا قَدْ ذَكَرْنا أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ نَزَلَتْ دَفْعَةً واحِدَةً، فالقَوْلُ بِأنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ المُعَيَّنَةِ، كَذا وكَذا مُشْكِلٌ، إلّا إذا قِيلَ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: إنَّ مُرادَ اللَّهِ تَعالى مِن هَذِهِ الآيَةِ العامَّةِ فُلانٌ بِعَيْنِهِ.
صفحة ١٤٢
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: هَذِهِ الآيَةُ مِن أقْوى الدَّلائِلِ أيْضًا عَلى أنَّ الكُفْرَ والإيمانَ مِنَ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: (فَأحْيَيْناهُ) وقَوْلَهُ: ﴿وجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ في النّاسِ﴾ قَدْ بَيَّنّا أنَّهُ كِنايَةٌ عَنِ المَعْرِفَةِ والهُدى، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ هَذِهِ الأُمُورِ إنَّما تَحْصُلُ مِنَ اللَّهِ تَعالى وبِإذْنِهِ، والدَّلائِلُ العَقْلِيَّةُ ساعَدَتْ عَلى صِحَّتِهِ، وهو دَلِيلُ الدّاعِي عَلى ما لَخَّصْناهُ، وأيْضًا إنَّ عاقِلًا لا يَخْتارُ الجَهْلَ والكُفْرَ لِنَفْسِهِ، فَمِنَ المُحالِ أنْ يَخْتارَ الإنْسانُ جَعْلَ نَفْسِهِ جاهِلًا كافِرًا، فَلَمّا قَصَدَ تَحْصِيلَ الإيمانِ والمَعْرِفَةِ، ولَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ، وإنَّما حَصَلَ ضِدُّهُ وهو الكُفْرُ والجَهْلُ، عَلِمْنا أنَّ ذَلِكَ حَصَلَ بِإيجادِ غَيْرِهِ.
فَإنْ قالُوا إنَّما اخْتارَهُ لِاعْتِقادِهِ في ذَلِكَ الجَهْلِ أنَّهُ عِلْمٌ.
قُلْنا: فَحاصِلُ هَذا الكَلامِ أنَّهُ إنَّما اخْتارَ هَذا الجَهْلَ لِسابِقَةِ جَهْلٍ آخَرَ، فَإنْ كانَ الكَلامُ في ذَلِكَ الجَهْلِ السّابِقِ كَما في المَسْبُوقِ لَزِمَ الذَّهابُ إلى غَيْرِ النِّهايَةِ، وإلّا فَوَجَبَ الِانْتِهاءُ إلى جَهْلٍ يَحْصُلُ فِيهِ لِإيجادِهِ وتَكْوِينِهِ، وهو المَطْلُوبُ.
6:123Page 143
وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَا فِي كُلِّ قَرۡيَةٍ أَكَٰبِرَ مُجۡرِمِيهَا لِيَمۡكُرُواْ فِيهَاۖ وَمَا يَمۡكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمۡ وَمَا يَشۡعُرُونَ ١٢٣
And thus We have placed within every city the greatest of its criminals to conspire therein. But they conspire not except against themselves, and they perceive [it] not.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ أكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها وما يَمْكُرُونَ إلّا بِأنْفُسِهِمْ وما يَشْعُرُونَ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ”الكافُ“ في قَوْلِهِ: (وكَذَلِكَ) يُوجِبُ التَّشْبِيهَ، وفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: وكَما جَعَلْنا في مَكَّةَ صَنادِيدَها لِيَمْكُرُوا فِيها، كَذَلِكَ جَعَلْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ أكابِرَ مُجْرِمِيها. الثّانِي: أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، أيْ كَما زَيَّنا لِلْكافِرِينَ أعْمالَهم، كَذَلِكَ جَعَلْنا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الأكابِرُ جَمْعُ الأكْبَرِ الَّذِي هو اسْمٌ، والآيَةُ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ تَقْدِيرُهُ: جَعَلْنا مُجْرِمِيها أكابِرَ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الأكابِرُ مُضافَةً، فَإنَّهُ لا يَتِمُّ المَعْنى، ويَحْتاجُ إلى إضْمارِ المَفْعُولِ الثّانِي لِلْجَعْلِ، لِأنَّكَ إذا قُلْتَ: جَعَلْتُ زَيْدًا، وسَكَتَّ، لَمْ يُفِدِ الكَلامُ حَتّى تَقُولَ رَئِيسًا أوْ ذَلِيلًا أوْ ما أشْبَهَ ذَلِكَ، لِاقْتِضاءِ الجَعْلِ مَفْعُولَيْنِ؛ ولِأنَّكَ إذا أضَفْتَ الأكابِرَ، فَقَدْ أضَفْتَ الصِّفَةَ إلى المَوْصُوفِ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: صارَ تَقْدِيرُ الآيَةِ: جَعَلْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ مُجْرِمِيها أكابِرَ لِيَمْكُرُوا فِيها، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّهُ تَعالى إنَّما جَعَلَهم بِهَذِهِ الصِّفَةِ؛ لِأنَّهُ أرادَ مِنهم أنْ يَمْكُرُوا بِالنّاسِ، فَهَذا أيْضًا يَدُلُّ عَلى أنَّ الخَيْرَ والشَّرَّ بِإرادَةِ اللَّهِ تَعالى.
أجابَ الجُبّائِيُّ عَنْهُ: بِأنَّ حَمْلَ هَذِهِ اللّامِ عَلى لامِ العاقِبَةِ. وذَكَرَ غَيْرُهُ أنَّهُ تَعالى لَمّا لَمْ يَمْنَعُهم عَنِ المَكْرِ صارَ شَبِيهًا بِما إذا أرادَ ذَلِكَ، فَجاءَ الكَلامُ عَلى سَبِيلِ التَّشْبِيهِ، وهَذا السُّؤالُ مَعَ جَوابِهِ قَدْ تَكَرَّرَ مِرارًا خارِجَةً عَنِ الحَدِّ والحَصْرِ.
صفحة ١٤٣
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: إنَّما جَعَلَ المُجْرِمِينَ أكابِرَ؛ لِأنَّهم لِأجْلِ رِياسَتِهِمْ أقْدَرُ عَلى الغَدْرِ والمَكْرِ وتَرْوِيجِ الأباطِيلِ عَلى النّاسِ مِن غَيْرِهِمْ؛ ولِأنَّ كَثْرَةَ المالِ وقُوَّةَ الجاهِ تَحْمِلُ الإنْسانَ عَلى المُبالَغَةِ في حِفْظِهِما، وذَلِكَ الحِفْظُ لا يَتِمُّ إلّا بِجَمِيعِ الأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ مِنَ الغَدْرِ والمَكْرِ، والكَذِبِ، والغِيبَةِ، والنَّمِيمَةِ، والأيْمانِ الكاذِبَةِ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ لِلْمالِ والجاهِ عَيْبٌ سِوى أنَّ اللَّهَ تَعالى حَكَمَ بِأنَّهُ إنَّما وصَفَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ الذَّمِيمَةِ مَن كانَ لَهُ مالٌ وجاهٌ، لَكَفى ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى خَساسَةِ المالِ والجاهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما يَمْكُرُونَ إلّا بِأنْفُسِهِمْ وما يَشْعُرُونَ﴾ والمُرادُ مِنهُ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى، وهي قَوْلُهُ: ﴿ولا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلّا بِأهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣] وقَدْ ذَكَرْنا حَقِيقَةَ ذَلِكَ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: لا شَكَّ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما يَمْكُرُونَ إلّا بِأنْفُسِهِمْ وما يَشْعُرُونَ﴾ مَذْكُورٌ في مَعْرِضِ التَّهْدِيدِ والزَّجْرِ، فَلَوْ كانَ ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أرادَ مِنهم أنْ يَمْكُرُوا بِالنّاسِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالرَّحِيمِ الكَرِيمِ الحَكِيمِ الحَلِيمِ أنْ يُرِيدَ مِنهُمُ المَكْرَ، ويَخْلُقَ فِيهِمُ المَكْرَ، ثُمَّ يُهَدِّدُهم عَلَيْهِ ويُعاقِبُهم أشَدَّ العِقابِ عَلَيْهِ ؟ واعْلَمْ أنَّ مُعارَضَةَ هَذا الكَلامِ بِالوُجُوهِ المَشْهُورَةِ قَدْ ذَكَرْناها مِرارًا.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences