Ar-RaziAl‑An'am · 6:33–37

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-An'am 6:33–37

6:33Page 131

قَدۡ نَعۡلَمُ إِنَّهُۥ لَيَحۡزُنُكَ ٱلَّذِي يَقُولُونَۖ فَإِنَّهُمۡ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ يَجۡحَدُونَ ٣٣

We know that you, [O Muḥammad], are saddened by what they say. And indeed, they do not call you untruthful, but it is the verses of Allāh that the wrongdoers reject.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ ولَكِنَّ الظّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ طَوائِفَ الكُفّارِ كانُوا فِرَقًا كَثِيرِينَ:

فَمِنهم مَن يُنْكِرُ نُبُوَّتَهُ؛ لِأنَّهُ كانَ يُنْكِرُ رِسالَةَ البَشَرِ ويَقُولُ: يَجِبُ أنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ مِن جِنْسِ المَلائِكَةِ. وقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ شُبْهَةَ هَؤُلاءِ وأجابَ عَنْها.

ومِنهم مَن يَقُولُ: إنَّ مُحَمَّدًا يُخْبِرُنا بِالحَشْرِ والنَّشْرِ بَعْدَ المَوْتِ وذَلِكَ مُحالٌ. وكانُوا يَسْتَدِلُّونَ بِامْتِناعِ الحَشْرِ والنَّشْرِ عَلى الطَّعْنِ في رِسالَتِهِ. وقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ وأجابَ عَنْهُ بِالوُجُوهِ الكَثِيرَةِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها.

ومِنهم مَن كانَ يُشافِهُهُ بِالسَّفاهَةِ وذِكْرِ ما لا يَنْبَغِي مِنَ القَوْلِ وهو الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ.

واخْتَلَفُوا في أنَّ ذَلِكَ المُحْزِنَ ما هو ؟

فَقِيلَ: كانُوا يَقُولُونَ إنَّهُ ساحِرٌ وشاعِرٌ وكاهِنٌ ومَجْنُونٌ وهو قَوْلُ الحَسَنِ.

وقِيلَ: إنَّهم كانُوا يُصَرِّحُونَ بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ ولا يَقْبَلُونَ دِينَهُ وشَرِيعَتَهُ.

وقِيلَ: كانُوا يَنْسُبُونَهُ إلى الكَذِبِ والِافْتِعالِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ نافِعٌ: ”لَيُحْزِنُكَ“ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ والباقُونَ بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الزّايِ، وهُما لُغَتانِ، يُقالُ: حَزَنَنِي كَذا وأحْزَنَنِي.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ نافِعٌ والكِسائِيُّ ”فَإنَّهم لا يُكْذِبُونَكَ“ خَفِيفَةً والباقُونَ يُكَذِّبُونَكَ مُشَدَّدَةً وفي هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ أنَّ بَيْنَهُما فَرْقًا ظاهِرًا ثُمَّ ذَكَرُوا في تَقْرِيرِ الفَرْقِ وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: كانَ الكِسائِيُّ يَقْرَأُ بِالتَّخْفِيفِ، ويَحْتَجُّ بِأنَّ العَرَبَ تَقُولُ كَذَبْتَ الرَّجُلَ إذا نَسَبْتَهُ إلى الكَذِبِ وإلى صُنْعِهِ الأباطِيلَ مِنَ القَوْلِ، وأكْذَبْتَهُ إذا أخْبَرْتَ أنَّ الَّذِي يُحَدِّثُ بِهِ كَذِبٌ وإنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِافْتِعالِهِ وصُنْعِهِ.

قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى كَذَبْتُهُ قُلْتُ لَهُ: كَذَبْتَ، ومَعْنى أكْذَبْتُهُ أنَّ الَّذِي أتى بِهِ كَذِبٌ في نَفْسِهِ مِن غَيْرِ ادِّعاءٍ أنَّ ذَلِكَ القائِلَ تَكَلَّفَ ذَلِكَ الكَذِبَ وأتى بِهِ عَلى سَبِيلِ الِافْتِعالِ والقَصْدِ فَكَأنَّ القَوْمَ كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ السَّلامُ ما ذَكَرَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِافْتِعالِ والتَّرْوِيجِ بَلْ تَخَيَّلَ صِحَّةَ تِلْكَ النُّبُوَّةِ وتِلْكَ الرِّسالَةِ، إلّا أنَّ ذَلِكَ الَّذِي تَخَيَّلَهُ فَهو في نَفْسِهِ باطِلٌ.

والفَرْقُ الثّانِي: قالَ أبُو عَلِيٍّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى: ﴿لا يُكَذِّبُونَكَ﴾ أيْ لا يُصادِفُونَكَ كاذِبًا لِأنَّهم يَعْرِفُونَكَ بِالصِّدْقِ والأمانَةِ، كَما يُقالُ: أحْمَدْتُ الرَّجُلَ إذا أصَبْتَهُ مَحْمُودًا فَأحْبَبْتَهُ، وأحْسَنْتُ مَحْمَدَتَهُ إذا صادَفْتَهُ عَلى هَذِهِ الأحْوالِ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ: قالَ أبُو عَلِيٍّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى القِراءَتَيْنِ واحِدًا؛ لِأنَّ مَعْنى التَّفْعِيلِ النِّسْبَةُ إلى الكَذِبِ بِأنْ يَقُولَ لَهُ: كَذَبْتَ، كَما تَقُولُ: ذَنَّبْتُهُ وفَسَّقْتُهُ وخَطَّأْتُهُ، أيْ قُلْتُ لَهُ: فَعَلْتَ هَذِهِ الأشْياءَ، وسَقَّيْتُهُ ورَعَّيْتُهُ أيْ قُلْتُ لَهُ: سَقاكَ اللَّهُ ورَعاكَ، وقَدْ جاءَ في هَذا المَعْنى أفَعَلْتُهُ، قالُوا: أسْقَيْتُهُ. أيْ قُلْتُ لَهُ: سَقاكَ اللَّهُ. قالَ ذُو الرُّمَّةِ:

صفحة ١٦٩

وأسْقَيْتُهُ حَتّى كادَ مِمّا أبُثُّهُ تُكَلِّمُنِي أحْجارُهُ ومَلاعِبُهْ

أيْ أنْسُبُهُ إلى السُّقْيا بِأنْ أقُولَ: سَقاكَ اللَّهُ. فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ مَعْنى القِراءَتَيْنِ واحِدًا، إلّا أنَّ فَعَّلْتُ إذا أرادُوا أنْ يَنْسُبُوهُ إلى أمْرٍ أكْثَرُ مِن أفْعَلْتُ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّهم لا يُكَذِّبُونَ مُحَمَّدًا ﷺ ولَكِنَّهم يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ واخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّةِ الجَمْعِ بَيْنَ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ عَلى وُجُوهٍ:

الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ القَوْمَ ما كانُوا يُكَذِّبُونَهُ في السِّرِّ ولَكِنَّهم كانُوا يُكَذِّبُونَهُ في العَلانِيَةِ ويَجْحَدُونَ القُرْآنَ والنُّبُوَّةَ. ثُمَّ ذَكَرُوا لِتَصْحِيحِ هَذا الوَجْهِ رِواياتٍ:

إحْداها: أنَّ الحارِثَ بْنَ عامِرٍ مِن قُرَيْشٍ قالَ: يا مُحَمَّدُ واللَّهِ ما كَذَبْتَنا قَطُّ ولَكِنّا إنِ اتَّبَعْناكَ نُتَخَطَّفْ مِن أرْضِنا فَنَحْنُ لا نُؤْمِنُ بِكَ لِهَذا السَّبَبِ.

وثانِيها: رُوِيَ أنَّ الأخْنَسَ بْنَ شَرِيقٍ قالَ لِأبِي جَهْلٍ: يا أبا الحَكَمِ أخْبِرْنِي عَنْ مُحَمَّدٍ أصادِقٌ هو أمْ كاذِبٌ فَإنَّهُ لَيْسَ عِنْدَنا أحَدٌ غَيْرَنا ؟ فَقالَ لَهُ: واللَّهِ إنَّ مُحَمَّدًا لَصادِقٌ وما كَذَبَ قَطُّ ؟ ولَكِنْ إذا ذَهَبَ بَنُو قُصَيٍّ بِاللِّواءِ والسِّقايَةِ والحِجابَةِ والنُّبُوَّةِ فَماذا يَكُونُ لِسائِرِ قُرَيْشٍ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: مَعْنى الآيَةِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ أنَّ القَوْمَ لا يُكَذِّبُونَكَ بِقُلُوبِهِمْ ولَكِنَّهم يَجْحَدُونَ نُبُوَّتَكَ بِألْسِنَتِهِمْ وظاهِرِ قَوْلِهِمْ، وهَذا غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى في قِصَّةِ مُوسى: ﴿وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهم ظُلْمًا وعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤] .

الوَجْهُ الثّانِي: في تَأْوِيلِ الآيَةِ أنَّهم لا يَقُولُونَ إنَّكَ أنْتَ كَذّابٌ؛ لِأنَّهم جَرَّبُوكَ الدَّهْرَ الطَّوِيلَ والزَّمانَ المَدِيدَ وما وجَدُوا مِنكَ كَذِبًا البَتَّةَ، وسَمَّوْكَ بِالأمِينِ، فَلا يَقُولُونَ فِيكَ إنَّكَ كاذِبٌ ولَكِنْ جَحَدُوا صِحَّةَ نُبُوَّتِكَ ورِسالَتِكَ، إمّا لِأنَّهُمُ اعْتَقَدُوا أنَّ مُحَمَّدًا عَرَضَ لَهُ نَوْعُ خَبَلٍ ونُقْصانٍ، فَلِأجْلِهِ تَخَيَّلَ مِن نَفْسِهِ كَوْنَهُ رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ، وبِهَذا التَّقْدِيرِ: لا يَنْسُبُونَهُ إلى الكَذِبِ أوْ لِأنَّهم قالُوا: إنَّهُ ما كَذَبَ في سائِرِ الأُمُورِ، بَلْ هو أمِينٌ في كُلِّها إلّا في هَذا الوَجْهِ الواحِدِ.

الوَجْهُ الثّالِثُ في التَّأْوِيلِ: أنَّهُ لَمّا ظَهَرَتِ المُعْجِزاتُ القاهِرَةُ عَلى وفْقِ دَعْواهُ، ثُمَّ إنَّ القَوْمَ أصَرُّوا عَلى التَّكْذِيبِ فاللَّهُ تَعالى قالَ لَهُ: إنَّ القَوْمَ ما كَذَّبُوكَ، وإنَّما كَذَّبُونِي، ونَظِيرُهُ أنَّ رَجُلًا إذا أهانَ عَبْدًا لِرَجُلٍ آخَرَ، فَقالَ هَذا الآخَرُ: أيُّها العَبْدُ إنَّهُ ما أهانَكَ، وإنَّما أهانَنِي؛ ولَيْسَ المَقْصُودُ مِنهُ نَفْيَ الإهانَةِ عَنْهُ بَلِ المَقْصُودُ تَعْظِيمُ الأمْرِ وتَفْخِيمُ الشَّأْنِ. وتَقْرِيرُهُ: أنَّ إهانَةَ ذَلِكَ العَبْدِ جارِيَةٌ مَجْرى إهانَتِهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠] .

والوَجْهُ الرّابِعُ: في التَّأْوِيلِ وهو كَلامٌ خَطَرَ بِالبالِ، هو أنْ يُقالَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ﴾ أيْ لا يَخُصُّونَكَ بِهَذا التَّكْذِيبِ بَلْ يُنْكِرُونَ دَلالَةَ المُعْجِزَةِ عَلى الصِّدْقِ مُطْلَقًا، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ الظّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ والمُرادُ أنَّهم يَقُولُونَ في كُلِّ مُعْجِزَةٍ إنَّها سِحْرٌ، ويُنْكِرُونَ دَلالَةَ المُعْجِزَةِ عَلى الصِّدْقِ عَلى الإطْلاقِ فَكانَ التَّقْدِيرُ: إنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ عَلى التَّعْيِينِ بَلِ القَوْمُ يُكَذِّبُونَ جَمِيعَ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

6:34Page 131

وَلَقَدۡ كُذِّبَتۡ رُسُلٞ مِّن قَبۡلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَىٰ مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّىٰٓ أَتَىٰهُمۡ نَصۡرُنَاۚ وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَٰتِ ٱللَّهِۚ وَلَقَدۡ جَآءَكَ مِن نَّبَإِيْ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٣٤

And certainly were messengers denied before you, but they were patient over the denial, and they were harmed until Our victory came to them. And none can alter the words [i.e., decrees] of Allāh. And there has certainly come to you some information about the [previous] messengers.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وأُوذُوا حَتّى أتاهم نَصْرُنا ولا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ولَقَدْ جاءَكَ مِن نَبَإ المُرْسَلِينَ﴾

فِي الآيَةِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أزالَ الحُزْنَ عَنْ قَلْبِ رَسُولِهِ في الآيَةِ الأُولى بِأنْ بَيَّنَ أنَّ تَكْذِيبَهُ يَجْرِي مَجْرى تَكْذِيبِ اللَّهِ تَعالى فَذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ طَرِيقًا آخَرَ في إزالَةِ الحُزْنِ عَنْ قَلْبِهِ، وذَلِكَ بِأنْ بَيَّنَ أنَّ سائِرَ الأُمَمِ عامَلُوا أنْبِياءَهم بِمِثْلِ هَذِهِ المُعامَلَةِ، وأنَّ أُولَئِكَ الأنْبِياءَ صَبَرُوا عَلى تَكْذِيبِهِمْ وإيذائِهِمْ حَتّى أتاهُمُ النَّصْرُ والفَتْحُ والظَّفَرُ فَأنْتَ أوْلى بِالتِزامِ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ لِأنَّكَ مَبْعُوثٌ إلى جَمِيعِ العالَمِينَ، فاصْبِرْ كَما صَبَرُوا تَظْفَرْ كَما ظَفِرُوا. ثُمَّ أكَّدَ وقَوّى تَعالى هَذا الوَعْدَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ﴾ يَعْنِي أنَّ وعْدَهُ إيّاكَ بِالنَّصْرِ حَقٌّ وصِدْقٌ، ولا يُمْكِنُ تَطَرُّقُ الخُلْفِ والتَّبْدِيلِ إلَيْهِ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٧١] وقَوْلُهُ: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] وبِالجُمْلَةِ فالخُلْفُ في كَلامِ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ وقَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ جاءَكَ مِن نَبَإ المُرْسَلِينَ﴾ أيْ خَبَرُهم في القُرْآنِ كَيْفَ أنْجَيْناهم ودَمَّرْنا قَوْمَهم. قالَ الأخْفَشُ: ”مِن“ هَهُنا صِلَةٌ، كَما تَقُولُ أصابَنا مِن مَطَرٍ. وقالَ غَيْرُهُ: لا يَجُوزُ ذَلِكَ لِأنَّها لا تُزادُ في الواجِبِ، وإنَّما تُزادُ مَعَ النَّفْيِ كَما تَقُولُ: ما أتانِي مِن أحَدٍ، وهي هَهُنا لِلتَّبْعِيضِ، فَإنَّ الواصِلَ إلى الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ قَصَصُ بَعْضِ الأنْبِياءِ لا قَصَصُ كُلِّهِمْ كَما قالَ تَعالى: ﴿مِنهم مَن قَصَصْنا عَلَيْكَ ومِنهم مَن لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر: ٧٨] وفاعِلُ: ”جاءَ“ مُضْمَرٌ أُضْمِرَ لِدَلالَةِ المَذْكُورِ عَلَيْهِ، وتَقْدِيرُهُ: ولَقَدْ جاءَكَ نَبَأٌ مِن نَبَأِ المُرْسَلِينَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ﴾ يَدُلُّ عَلى قَوْلِنا في خَلْقِ الأفْعالِ؛ لِأنَّ كُلَّ ما أخْبَرَ اللَّهُ عَنْ وُقُوعِهِ، فَذَلِكَ الخَبَرُ مُمْتَنِعُ التَّغَيُّرِ، وإذا امْتَنَعَ تَطْرَّقَ التَّغَيُّرُ إلى ذَلِكَ الخَبَرِ امْتَنَعَ تَطَرُّقُ التَّغَيُّرِ إلى المُخْبَرِ عَنْهُ. فَإذا أخْبَرَ اللَّهُ عَنْ بَعْضِهِمْ بِأنَّهُ يَمُوتُ عَلى الكُفْرِ كانَ تَرْكُ الكُفْرِ مِنهُ مُحالًا. فَكانَ تَكْلِيفُهُ بِالإيمانِ تَكْلِيفًا بِما لا يُطاقُ. واللَّهُ أعْلَمُ.

6:35Page 131

وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيۡكَ إِعۡرَاضُهُمۡ فَإِنِ ٱسۡتَطَعۡتَ أَن تَبۡتَغِيَ نَفَقٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ أَوۡ سُلَّمٗا فِي ٱلسَّمَآءِ فَتَأۡتِيَهُم بِـَٔايَةٖۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَمَعَهُمۡ عَلَى ٱلۡهُدَىٰۚ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡجَٰهِلِينَ ٣٥

And if their evasion is difficult for you, then if you are able to seek a tunnel into the earth or a stairway into the sky to bring them a sign, [then do so]. But if Allāh had willed, He would have united them upon guidance. So never be of the ignorant.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إعْراضُهم فَإنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا في الأرْضِ أوْ سُلَّمًا في السَّماءِ فَتَأْتِيَهم بِآيَةٍ ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهم عَلى الهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الجاهِلِينَ﴾

صفحة ١٧١

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: «أنَّ الحارِثَ بْنَ عامِرِ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنافٍ أتى النَّبِيَّ ﷺ في نَفَرٍ مِن قُرَيْشٍ، فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ ائْتِنا بِآيَةٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ كَما كانَتِ الأنْبِياءُ تَفْعَلُ فَإنّا نُصَدِّقُ بِكَ، فَأبى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَهم بِها فَأعْرَضُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، والمَعْنى: وإنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إعْراضُهم عَنِ الإيمانِ بِكَ وصِحَّةِ القُرْآنِ، فَإنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا في الأرْضِ أوْ سُلَّمًا في السَّماءِ فافْعَلْ.

فالجَوابُ مَحْذُوفٌ، وحَسُنَ هَذا الحَذْفُ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ في النُّفُوسِ. والنَّفَقُ سَرَبٌ في الأرْضِ لَهُ مَخْلَصٌ إلى مَكانٍ آخَرَ، ومِنهُ نافِقاءُ اليَرْبُوعِ لِأنَّ اليَرْبُوعَ يَثْقُبُ الأرْضَ إلى العُقْرِ، ثُمَّ يَصْعَدُ مِن ذَلِكَ العُقْرِ إلى وجْهِ الأرْضِ مِن جانِبٍ آخَرَ، فَكَأنَّهُ يَنْفُقُ الأرْضَ نَفْقًا، أيْ يَجْعَلُ لَهُ مَنفَذًا مِن جانِبٍ آخَرَ. ومِنهُ أيْضًا سُمِّيَ المُنافِقُ مُنافِقًا لِأنَّهُ يُضْمِرُ غَيْرَ ما يُظْهِرُ كالنّافِقاءِ الَّذِي يَتَّخِذُهُ اليَرْبُوعُ، وأمّا السُّلَّمُ فَهو مُشْتَقٌّ مِنَ السَّلامَةِ، وهو الشَّيْءُ الَّذِي يُسَلِّمُكَ إلى مَصْعَدِكَ، والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ أنْ يَقْطَعَ الرَّسُولُ طَمَعَهُ عَنْ إيمانِهِمْ، وأنْ لا يَتَأذّى بِسَبَبِ إعْراضِهِمْ عَنِ الإيمانِ وإقْبالِهِمْ عَلى الكُفْرِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهم عَلى الهُدى﴾ تَقْدِيرُهُ: ولَوْ شاءَ اللَّهُ هُداهم لَجَمَعَهم عَلى الهُدى وحَيْثُما جَمَعَهم عَلى الهُدى، وجَبَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ ما شاءَ هُداهم، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يُرِيدُ الإيمانَ مِنَ الكافِرِ بَلْ يُرِيدُ إبْقاءَهُ عَلى الكُفْرِ، والَّذِي يُقَرِّبُ هَذا الظّاهِرَ أنَّ قُدْرَةَ الكافِرِ عَلى الكُفْرِ إمّا أنْ تَكُونَ صالِحَةً لِلْإيمانِ، أوْ غَيْرَ صالِحَةٍ لَهُ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ صالِحَةً لَهُ فالقُدْرَةُ عَلى الكُفْرِ مُسْتَلْزِمَةٌ لِلْكُفْرِ، وغَيْرُ صالِحَةٍ لِلْإيمانِ، فَخالِقُ هَذِهِ القُدْرَةِ يَكُونُ قَدْ أرادَ هَذا الكُفْرَ مِنهُ لا مَحالَةَ، وأمّا إنْ كانَتْ هَذِهِ القُدْرَةُ، كَما أنَّها صَلَحَتْ لِلْكُفْرِ فَهي أيْضًا صالِحَةٌ لِلْإيمانِ، فَلَمّا اسْتَوَتْ نِسْبَةُ القُدْرَةِ إلى الطَّرَفَيْنِ امْتَنَعَ رُجْحانُ أحَدِ الطَّرَفَيْنِ عَلى الآخَرِ، إلّا لِداعِيَةٍ مُرَجِّحَةٍ، وحُصُولُ تِلْكَ الدّاعِيَةِ لَيْسَ مِنَ العَبْدِ، وإلّا وقَعَ التَّسَلْسُلُ، فَثَبَتَ أنَّ خالِقَ تِلْكَ الدّاعِيَةِ هو اللَّهُ تَعالى، وثَبَتَ أنَّ مَجْمُوعَ القُدْرَةِ مَعَ الدّاعِيَةِ الحاصِلَةِ مُوجِبٌ لِلْفِعْلِ، فَثَبَتَ أنَّ خالِقَ مَجْمُوعِ تِلْكَ القُدْرَةِ مَعَ تِلْكَ الدّاعِيَةِ المُسْتَلْزِمَةِ لِذَلِكَ الكُفْرِ مُرِيدٌ لِذَلِكَ الكُفْرِ، وغَيْرُ مُرِيدٍ لِذَلِكَ الإيمانِ. فَهَذا البُرْهانُ اليَقِينِيُّ قَوِيٌّ ظاهِرٌ بِهَذِهِ الآيَةِ، ولا بَيانَ أقْوى مِن أنْ يَتَطابَقَ البُرْهانُ مَعَ ظاهِرِ القُرْآنِ. قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: المُرادُ لَوْ شاءَ اللَّهُ أنْ يُلْجِئَهم إلى الإيمانِ لِجَمَعَهم عَلَيْهِ. قالَ القاضِي: والإلْجاءُ هو أنْ يُعْلِمَهم أنَّهم لَوْ حاوَلُوا غَيْرَ الإيمانِ لَمَنَعَهم مِنهُ، وحِينَئِذٍ يَمْتَنِعُونَ مِن فِعْلِ شَيْءٍ غَيْرِ الإيمانِ. ومِثالُهُ: أنَّ أحَدَنا لَوْ حَصَلَ بِحَضْرَةِ السُّلْطانِ وحَضَرَ هُناكَ مِن حَشَمِهِ الجَمْعُ العَظِيمُ، وهَذا الرَّجُلُ عَلِمَ أنَّهُ لَوْ هَمَّ بِقَتْلِ السُّلْطانِ لَقَتَلُوهُ في الحالِ، فَإنَّ هَذا العِلْمَ يَصِيرُ مانِعًا لَهُ مِن قَصْدِ قَتْلِ ذَلِكَ السُّلْطانِ، ويَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِكَوْنِهِ مَلْجَأً إلى تَرْكِ ذَلِكَ الفِعْلِ فَكَذا هَهُنا.

إذا عَرَفْتَ الإلْجاءَ فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى إنَّما تَرَكَ فِعْلَ هَذا الإلْجاءِ لِأنَّ ذَلِكَ يُزِيلُ تَكْلِيفَهم فَيَكُونُ ما يَقَعُ مِنهم كَأنْ لَمْ يَقَعْ، وإنَّما أرادَ تَعالى أنْ يَنْتَفِعُوا بِما يَخْتارُونَهُ مِن قِبَلِ أنْفُسِهِمْ مِن جِهَةِ الوَصْلَةِ إلى الثَّوابِ، وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا اخْتِيارًا.

والجَوابُ: أنَّهُ تَعالى أرادَ مِنهُمُ الإقْدامَ عَلى الإيمانِ حالَ كَوْنِ الدّاعِي إلى الإيمانِ وإلى الكُفْرِ عَلى

صفحة ١٧٢

السَّوِيَّةِ أوْ حالَ حُصُولِ هَذا الرُّجْحانِ. والأوَّلُ تَكْلِيفُ ما لا يُطاقُ، لِأنَّ الأمْرَ بِتَحْصِيلِ الرُّجْحانِ حالَ حُصُولِ الِاسْتِواءِ، تَكْلِيفٌ بِالجَمْعِ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ وهو مُحالٌ، وإنْ كانَ الثّانِيَ فالطَّرَفُ الرّاجِحُ يَكُونُ واجِبَ الوُقُوعِ، والطَّرَفُ المَرْجُوحُ يَكُونُ مُمْتَنِعَ الوُقُوعِ، وكُلُّ هَذِهِ الأقْسامِ تُنافِي ما ذَكَرُوهُ مِنَ المُكْنَةِ والِاخْتِيارِ، فَسَقَطَ قَوْلُهم بِالكُلِّيَّةِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى في آخِرِ الآيَةِ: ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ نَهْيٌ لَهُ عَنْ هَذِهِ الحالَةِ، وهَذا النَّهْيُ لا يَقْتَضِي إقْدامَهُ عَلى مَثَلِ هَذِهِ الحالَةِ كَما أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ﴾ [الأحزاب: ٤٨] لا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ﷺ أطاعَهم وقَبِلَ دِينَهم، والمَقْصُودُ أنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يَشْتَدَّ تَحَسُّرُكَ عَلى تَكْذِيبِهِمْ، ولا يَجُوزَ أنْ تَجْزَعَ مِن إعْراضِهِمْ عَنْكَ فَإنَّكَ لَوْ فَعَلْتَ ذَلِكَ قَرُبَ حالُكَ مِن حالِ الجاهِلِ، والمَقْصُودُ مِن تَغْلِيظِ الخِطابِ التَّبْعِيدُ والزَّجْرُ لَهُ عَنْ مِثْلِ هَذِهِ الحالَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

6:36Page 132

۞ إِنَّمَا يَسۡتَجِيبُ ٱلَّذِينَ يَسۡمَعُونَۘ وَٱلۡمَوۡتَىٰ يَبۡعَثُهُمُ ٱللَّهُ ثُمَّ إِلَيۡهِ يُرۡجَعُونَ ٣٦

Only those who hear will respond. But the dead1 - Allāh will resurrect them; then to Him they will be returned.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ والمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ السَّبَبَ في كَوْنِهِمْ بِحَيْثُ لا يَقْبَلُونَ الإيمانَ ولا يَتْرُكُونَ الكُفْرَ فَقالَ: ﴿إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ يَعْنِي أنَّ الَّذِينَ تَحْرِصُ عَلى أنْ يُصَدِّقُوكَ بِمَنزِلَةِ المَوْتى الَّذِينَ لا يَسْمَعُونَ، وإنَّما يَسْتَجِيبُ مَن يَسْمَعُ، كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ [النمل: ٨٠] قالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى: الفَرْقُ بَيْنَ يَسْتَجِيبُ ويُجِيبُ، أنَّ ”يَسْتَجِيبُ“ في قَبُولِهِ لِما دُعِيَ إلَيْهِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ يُجِيبُ لِأنَّهُ قَدْ يُجِيبُ بِالمُخالَفَةِ كَقَوْلِ القائِلِ: أتُوافِقُ في هَذا المَذْهَبِ أمْ تُخالِفُ ؟ فَيَقُولُ المُجِيبُ: أُخالِفُ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿والمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ مَثَلٌ لِقُدْرَتِهِ عَلى إلْجائِهِمْ إلى الِاسْتِجابَةِ والمُرادُ: أنَّهُ تَعالى هو القادِرُ عَلى أنْ يَبْعَثَ المَوْتى مِنَ القُبُورِ يَوْمَ القِيامَةِ ثُمَّ إلَيْهِ يُرْجَعُونَ لِلْجَزاءِ، فَكَذَلِكَ هَهُنا أنَّهُ تَعالى هو القادِرُ عَلى إحْياءِ قُلُوبِ هَؤُلاءِ الكُفّارِ بِحَياةِ الإيمانِ وأنْتَ لا تَقْدِرُ عَلَيْهِ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المَعْنى: وهَؤُلاءِ المَوْتى يَعْنِي الكَفَرَةَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إلَيْهِ يُرْجَعُونَ، فَحِينَئِذٍ يَسْمَعُونَ، وأمّا قَبْلَ ذَلِكَ فَلا سَبِيلَ إلى اسْتِماعِهِمْ، وقُرِئَ ”يَرْجِعُونَ“ بِفَتْحِ الياءِ. وأقُولُ: لا شَكَّ أنَّ الجَسَدَ الخالِيَ عَنِ الرُّوحِ يَظْهَرُ مِنهُ النَّتَنُ والصَّدِيدُ والقَيْحُ وأنْواعُ العُفُوناتِ، وأصْلَحُ أحْوالِهِ أنْ يُدْفَنَ تَحْتَ التُّرابِ، وأيْضًا الرُّوحُ الخالِيَةُ عَنِ العَقْلِ يَكُونُ صاحِبُها مَجْنُونًا يَسْتَوْجِبُ القَيْدَ والحَبْسَ، والعَقْلُ بِالنِّسْبَةِ إلى الرُّوحِ كالرُّوحِ بِالنِّسْبَةِ إلى الجَسَدِ، وأيْضًا العَقْلُ بِدُونِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى وصِفاتِهِ وطاعَتِهِ كالضّائِعِ الباطِلِ، فَنِسْبَةُ التَّوْحِيدِ والمَعْرِفَةِ إلى العَقْلِ كَنِسْبَةِ العَقْلِ إلى الرُّوحِ، ونِسْبَةِ الرَّوْحِ إلى الجَسَدِ فَمَعْرِفَةُ اللَّهِ ومَحَبَّتُهُ رُوحُ رُوحِ الرُّوحِ فالنَّفْسُ الخالِيَةُ عَنْ هَذِهِ المَعْرِفَةِ تَكُونُ بِصِفَةِ الأمْواتِ، فَلِهَذا السَّبَبِ وصَفَ اللَّهُ أُولَئِكَ الكُفّارَ المُصِرِّينَ بِأنَّهُمُ المَوْتى. واللَّهُ أعْلَمُ.

6:37Page 132

وَقَالُواْ لَوۡلَا نُزِّلَ عَلَيۡهِ ءَايَةٞ مِّن رَّبِّهِۦۚ قُلۡ إِنَّ ٱللَّهَ قَادِرٌ عَلَىٰٓ أَن يُنَزِّلَ ءَايَةٗ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٣٧

And they say, "Why has a sign not been sent down to him from his Lord?" Say, "Indeed, Allāh is Able to send down a sign, but most of them do not know."

صفحة ١٧٣

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ قُلْ إنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أنْ يُنَزِّلَ آيَةً ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذا النَّوْعُ الرّابِعُ مِن شُبُهاتِ مُنْكِرِي نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وذَلِكَ لِأنَّهم قالُوا: لَوْ كانَ رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ فَهَلّا أنْزَلَ عَلَيْهِ آيَةً قاهِرَةً ومُعْجِزَةً باهِرَةً !

ويُرْوى أنَّ بَعْضَ المُلْحِدَةِ طَعَنَ [ في كَوْنِ مُحَمَّدٍ ﷺ أتى بِمُعْجِزَةٍ ] فَقالَ: لَوْ كانَ مُحَمَّدٌ ﷺ قَدْ أتى بِآيَةٍ مُعْجِزَةٍ لَما صَحَّ أنْ يَقُولَ أُولَئِكَ الكُفّارُ: ﴿لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ﴾ ولَما قالَ: ﴿وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ .

والجَوابُ عَنْهُ: أنَّ القُرْآنَ مُعْجِزَةٌ قاهِرَةٌ وبَيِّنَةٌ باهِرَةٌ، بِدَلِيلِ أنَّهُ ﷺ تَحَدّاهم بِهِ فَعَجَزُوا عَنْ مُعارَضَتِهِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مُعْجِزًا.

بَقِيَ أنْ يُقالَ: فَإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَكَيْفَ قالُوا: ﴿لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ ؟

فَنَقُولُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:

الوَجْهُ الأوَّلُ: لَعَلَّ القَوْمَ طَعَنُوا في كَوْنِ القُرْآنِ مُعْجِزًا عَلى سَبِيلِ اللَّجاجِ والعِنادِ، وقالُوا: إنَّهُ مِن جِنْسِ الكُتُبِ، والكِتابُ لا يَكُونُ مِن جِنْسِ المُعْجِزاتِ، كَما في التَّوْراةِ والزَّبُورِ والإنْجِيلِ، ولِأجْلِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ طَلَبُوا المُعْجِزَةَ.

والوَجْهُ الثّانِي: أنَّهم طَلَبُوا مُعْجِزاتٍ قاهِرَةً مِن جِنْسِ مُعْجِزاتِ سائِرِ الأنْبِياءِ مِثْلَ فَلْقِ البَحْرِ وإظْلالِ الجَبَلِ وإحْياءِ المَوْتى.

والوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّهم طَلَبُوا مَزِيدَ الآياتِ والمُعْجِزاتِ عَلى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ واللَّجاجِ مِثْلَ إنْزالِ المَلائِكَةِ وإسْقاطِ السَّماءِ كِسَفًا وسائِرِ ما حَكاهُ عَنِ الكافِرِينَ.

والوَجْهُ الرّابِعُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ ما حَكاهُ اللَّهُ تَعالى عَنْ بَعْضِهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] فَكُلُّ هَذِهِ الوُجُوهِ مِمّا يَحْتَمِلُها لَفْظُ الآيَةِ.

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أجابَ عَنْ سُؤالِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أنْ يُنَزِّلَ آيَةً﴾ يَعْنِي أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى إيجادِ ما طَلَبْتُمُوهُ وتَحْصِيلِ ما اقْتَرَحْتُمُوهُ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ واخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِ هَذِهِ الكَلِمَةِ عَلى وُجُوهٍ:

الوَجْهُ الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ تَعالى لَمّا أنْزَلَ آيَةً باهِرَةً ومُعْجِزَةً قاهِرَةً وهي القُرْآنُ كانَ طَلَبُ الزِّيادَةِ جارِيًا مَجْرى التَّحَكُّمِ والتَّعَنُّتِ الباطِلِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ لَهُ الحُكْمُ والأمْرُ فَإنْ شاءَ فَعَلَ وإنْ شاءَ لَمْ يَفْعَلْ، فَإنَّ فاعِلِيَّتَهُ لا تَكُونُ إلّا بِحَسَبِ مَحْضِ المَشِيئَةِ عَلى قَوْلِ أهْلِ السُّنَّةِ، أوْ عَلى وفْقِ المَصْلَحَةِ عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَإنَّها لا تَكُونُ عَلى وفْقِ اقْتِراحاتِ النّاسِ ومُطالَباتِهِمْ، فَإنْ شاءَ أجابَهم إلَيْها، وإنْ شاءَ لَمْ يُجِبْهم إلَيْها.

والوَجْهُ الثّانِي: هو أنَّهُ لَمّا ظَهَرَتِ المُعْجِزَةُ القاهِرَةُ والدَّلالَةُ الباهِرَةُ الكافِيَةُ لَمْ يَبْقَ لَهم عُذْرٌ ولا عِلَّةٌ، فَبَعْدَ ذَلِكَ لَوْ أجابَهُمُ اللَّهُ تَعالى في ذَلِكَ الِاقْتِراحِ فَلَعَلَّهم يَقْتَرِحُونَ اقْتِراحًا ثانِيًا، وثالِثًا، ورابِعًا، وهَكَذا إلى ما

صفحة ١٧٤

لا غايَةَ لَهُ، وذَلِكَ يُفْضِي إلى أنْ لا يَسْتَقِرَّ الدَّلِيلُ ولا تَتِمَّ الحُجَّةُ، فَوَجَبَ في أوَّلِ الأمْرِ سَدُّ هَذا البابِ والِاكْتِفاءُ بِما سَبَقَ مِنَ المُعْجِزَةِ القاهِرَةِ والدَّلالَةِ الباهِرَةِ.

والوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى لَوْ أعْطاهم ما طَلَبُوهُ مِنَ المُعْجِزاتِ القاهِرَةِ، فَلَوْ لَمْ يُؤْمِنُوا عِنْدَ ظُهُورِها لاسْتَحَقُّوا عَذابَ الِاسْتِئْصالِ، فاقْتَضَتْ رَحْمَةُ اللَّهِ صَوْنَهم عَنْ هَذا البَلاءِ فَما أعْطاهم هَذا المَطْلُوبَ رَحْمَةً مِنهُ تَعالى عَلَيْهِمْ، وإنْ كانُوا لا يَعْلَمُونَ كَيْفِيَّةَ هَذِهِ الرَّحْمَةِ، فَلِهَذا المَعْنى قالَ: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ .

والوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّهُ تَعالى عَلِمَ مِنهم أنَّهم إنَّما يَطْلُبُونَ هَذِهِ المُعْجِزاتِ لا لِطَلَبِ الفائِدَةِ بَلْ لِأجْلِ العِنادِ والتَّعَصُّبِ وعَلِمَ أنَّهُ تَعالى لَوْ أعْطاهم مَطْلُوبَهم فَهم لا يُؤْمِنُونَ، فَلِهَذا السَّبَبِ ما أعْطاهم مَطْلُوبَهم لِعِلْمِهِ تَعالى أنَّهُ لا فائِدَةَ في ذَلِكَ، فالمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ هو أنَّ القَوْمَ لا يَعْلَمُونَ أنَّهم لَمّا طَلَبُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ والتَّعَصُّبِ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُعْطِيهِمْ مَطْلُوبَهم، ولَوْ كانُوا عالِمِينَ عاقِلِينَ لَطَلَبُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ طَلَبِ الفائِدَةِ، وحِينَئِذٍ كانَ اللَّهُ تَعالى يُعْطِيهِمْ ذَلِكَ المَطْلُوبَ عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском