Ar-RaziAl‑An'am · 6:47–52

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-An'am 6:47–52

6:47Page 133

قُلۡ أَرَءَيۡتَكُمۡ إِنۡ أَتَىٰكُمۡ عَذَابُ ٱللَّهِ بَغۡتَةً أَوۡ جَهۡرَةً هَلۡ يُهۡلَكُ إِلَّا ٱلۡقَوۡمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٤٧

Say, "Have you considered: if the punishment of Allāh should come to you unexpectedly or manifestly,1 will any be destroyed but the wrongdoing people?"

اعْلَمْ أنَّ الدَّلِيلَ المُتَقَدِّمَ كانَ مُخْتَصًّا بِأخْذِ السَّمْعِ والبَصَرِ والقَلْبِ. وهَذا عامٌّ في جَمِيعِ أنْواعِ العَذابِ، والمَعْنى: أنَّهُ لا دافِعَ لِنَوْعٍ مِن أنْواعِ العَذابِ إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ، ولا مُحَصِّلَ لِخَيْرٍ مِنَ الخَيْراتِ إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ هو المَعْبُودُ بِجَمِيعِ أنْواعِ العِباداتِ لا غَيْرُهُ.

فَإنْ قِيلَ: ما المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿بَغْتَةً أوْ جَهْرَةً﴾ قُلْنا: العَذابُ الَّذِي يَجِيئُهم إمّا أنْ يَجِيئَهم مِن غَيْرِ سَبْقِ عَلامَةٍ تَدُلُّهم عَلى مَجِيءِ ذَلِكَ العَذابِ أوْ مَعَ سَبْقِ هَذِهِ العَلامَةِ. فالأوَّلُ هو البَغْتَةُ، والثّانِي هو الجَهْرَةُ. والأوَّلُ

صفحة ١٨٩

سَمّاهُ اللَّهُ تَعالى بِالبَغْتَةِ، لِأنَّهُ فاجَأهم بِها وسَمّى الثّانِيَ جَهْرَةً، لِأنَّ نَفْسَ العَذابِ وقَعَ بِهِمْ وقَدْ عَرَفُوهُ حَتّى لَوْ أمْكَنَهُمُ الِاحْتِرازُ عَنْهُ لَتَحَرَّزُوا مِنهُ.

وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: ﴿بَغْتَةً أوْ جَهْرَةً﴾ مَعْناهُ لَيْلًا أوْ نَهارًا. وقالَ القاضِي: يَجِبُ حَمْلُ هَذا الكَلامِ عَلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ لِأنَّهُ لَوْ جاءَهم ذَلِكَ العَذابُ لَيْلًا وقَدْ عايَنُوا مُقَدِّمَتَهُ، لَمْ يَكُنْ بَغْتَةً ولَوْ جاءَهم نَهارًا وهم لا يَشْعُرُونَ بِمُقَدِّمَتِهِ لَمْ يَكُنْ جَهْرَةً. فَأمّا إذا حَمَلْناهُ عَلى الوَجْهِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، اسْتَقامَ الكَلامُ.

فَإنْ قِيلَ: فَما المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿هَلْ يُهْلَكُ إلّا القَوْمُ الظّالِمُونَ﴾ مَعَ عِلْمِكم بِأنَّ العَذابَ إذا نَزَلَ لَمْ يَحْصُلْ فِيهِ التَّمْيِيزُ.

قُلْنا: إنَّ الهَلاكَ وإنْ عَمَّ الأبْرارَ والأشْرارَ في الظّاهِرِ، إلّا أنَّ الهَلاكَ في الحَقِيقَةِ مُخْتَصٌّ بِالظّالِمِينَ الشِّرِّيرِينَ، لِأنَّ الأخْيارَ يَسْتَوْجِبُونَ بِسَبَبِ نُزُولِ تِلْكَ المَضارِّ بِهِمْ أنْواعًا عَظِيمَةً مِنَ الثَّوابِ والدَّرَجاتِ الرَّفِيعَةِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، فَذاكَ وإنْ كانَ بَلاءً في الظّاهِرِ، إلّا أنَّهُ يُوجِبُ سَعاداتٍ عَظِيمَةً ؟

أمّا الظّالِمُونَ، فَإذا نَزَلَ البَلاءُ بِهِمْ فَقَدْ خَسِرُوا الدُّنْيا والآخِرَةَ مَعًا، فَلِذَلِكَ وصَفَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِكَوْنِهِمْ هالِكِينَ وذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ المُؤْمِنَ التَّقِيَّ النَّقِيَّ هو السَّعِيدُ، سَواءٌ كانَ في البَلاءِ أوْ في الآلاءِ والنَّعْماءِ وأنَّ الفاسِقَ الكافِرَ هو الشَّقِيُّ، كَيْفَ دارَتْ قَضِيَّتُهُ واخْتَلَفَتْ أحْوالُهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.

6:48–49Page 133

وَمَا نُرۡسِلُ ٱلۡمُرۡسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَۖ فَمَنۡ ءَامَنَ وَأَصۡلَحَ فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٤٨

And We send not the messengers except as bringers of good tidings and warners. So whoever believes and reforms - there will be no fear concerning them, nor will they grieve.

وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يَمَسُّهُمُ ٱلۡعَذَابُ بِمَا كَانُواْ يَفۡسُقُونَ ٤٩

But those who deny Our verses - the punishment will touch1 them for their defiant disobedience.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ إلّا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ فَمَن آمَنَ وأصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ العَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنِ الكُفّارِ فِيما تَقَدَّمَ أنَّهم قالُوا: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ [يونس: ٢٠] وذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في جَوابِهِمْ ما تَقَدَّمَ مِنَ الوُجُوهِ الكَثِيرَةِ ثُمَّ ذَكَرَ هَذِهِ الآيَةَ والمَقْصُودُ مِنها أنَّ الأنْبِياءَ والرُّسُلَ بُعِثُوا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ، ولا قُدْرَةَ لَهم عَلى إظْهارِ الآياتِ وإنْزالِ المُعْجِزاتِ، بَلْ ذاكَ مُفَوَّضٌ إلى مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى وكَلِمَتِهِ وحِكْمَتِهِ فَقالَ: ﴿وما نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ إلّا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ﴾ مُبَشِّرِينَ بِالثَّوابِ عَلى الطّاعاتِ، ومُنْذِرِينَ بِالعِقابِ عَلى المَعاصِي، فَمَن قَبِلَ قَوْلَهم وأتى بِالإيمانِ الَّذِي هو عَمَلُ القَلْبِ والإصْلاحِ الَّذِي هو عَمَلُ الجَسَدِ ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ العَذابُ﴾ ومَعْنى المَسِّ في اللُّغَةِ التِقاءُ الشَّيْئَيْنِ مِن غَيْرِ فَصْلٍ. قالَ القاضِي: إنَّهُ تَعالى عَلَّلَ عَذابَ الكُفّارِ بِكَوْنِهِمْ فاسِقِينَ، وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ كُلُّ فاسِقٍ كَذَلِكَ، فَيُقالُ لَهُ: هَذا مُعارَضٌ بِما أنَّهُ خَصَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ بِهَذا الوَعِيدِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مَن لَمْ يَكُنْ مُكَذِّبًا بِآياتِ اللَّهِ أنْ لا يَلْحَقَهُ الوَعِيدُ أصْلًا. وأيْضًا فَهَذا يَقْتَضِي كَوْنَ هَذا الوَعِيدِ مُعَلَّلًا بِفِسْقِهِمْ فَلِمَ قُلْتُمْ أنَّ فِسْقَ مَن عَرَفَ اللَّهَ وأقَرَّ بِالتَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ، مُساوٍ لِفِسْقِ مَن أنْكَرَ هَذِهِ الأشْياءَ ؟ واللَّهُ أعْلَمُ.

6:50Page 133

قُل لَّآ أَقُولُ لَكُمۡ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلَآ أَعۡلَمُ ٱلۡغَيۡبَ وَلَآ أَقُولُ لَكُمۡ إِنِّي مَلَكٌۖ إِنۡ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَيَّۚ قُلۡ هَلۡ يَسۡتَوِي ٱلۡأَعۡمَىٰ وَٱلۡبَصِيرُۚ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ ٥٠

Say, [O Muḥammad], "I do not tell you that I have the depositories [containing the provision] of Allāh or that I know the unseen, nor do I tell you that I am an angel. I only follow what is revealed to me." Say, "Is the blind equivalent to the seeing? Then will you not give thought?"

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ولا أعْلَمُ الغَيْبَ ولا أقُولُ لَكم إنِّي مَلَكٌ إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ أفَلا تَتَفَكَّرُونَ﴾

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ هَذا مِن بَقِيَّةِ الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ [الأنعام: ٣٧] فَقالَ اللَّهُ تَعالى قُلْ لِهَؤُلاءِ الأقْوامِ، إنَّما بُعِثْتُ مُبَشِّرًا ومُنْذِرًا، ولَيْسَ لِي أنْ أتَحَكَّمَ عَلى اللَّهِ تَعالى، وأمَرَهُ اللَّهُ تَعالى أنْ يَنْفِيَ عَنْ نَفْسِهِ أُمُورًا ثَلاثَةً:

أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿لا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ﴾ فاعْلَمْ أنَّ القَوْمَ كانُوا يَقُولُونَ لَهُ إنْ كُنْتَ رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ، فاطْلُبْ مِنَ اللَّهِ حَتّى يُوَسِّعَ عَلَيْنا مَنافِعَ الدُّنْيا وخَيْراتِها، ويَفْتَحْ عَلَيْنا أبْوابَ سَعادَتِها. فَقالَ تَعالى قُلْ لَهم إنِّي لا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ، فَهو تَعالى يُؤْتِي المُلْكَ مَن يَشاءُ ويُعِزُّ مَن يَشاءُ ويُذِلُّ مَن يَشاءُ بِيَدِهِ الخَيْرُ لا بِيَدِي والخَزائِنُ جَمْعُ خِزانَةٍ، وهو اسْمٌ لِلْمَكانِ الَّذِي يُخَزَّنُ فِيهِ الشَّيْءُ وخَزْنُ الشَّيْءِ إحْرازُهُ، بِحَيْثُ لا تَنالُهُ الأيْدِي.

وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿ولا أعْلَمُ الغَيْبَ﴾ ومَعْناهُ أنَّ القَوْمَ كانُوا يَقُولُونَ لَهُ إنْ كُنْتَ رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ فَلا بُدَّ وأنْ تُخْبِرَنا عَمّا يَقَعُ في المُسْتَقْبَلِ مِنَ المَصالِحِ والمَضارِّ، حَتّى نَسْتَعِدَّ لِتَحْصِيلِ تِلْكَ المَصالِحِ، ولِدَفْعِ تِلْكَ المَضارِّ. فَقالَ تَعالى: قُلْ إنِّي لا أعْلَمُ الغَيْبَ فَكَيْفَ تَطْلُبُونَ مِنِّي هَذِهِ المَطالِبَ ؟

والحاصِلُ أنَّهم كانُوا في المَقامِ الأوَّلِ يَطْلُبُونَ مِنهُ الأمْوالَ الكَثِيرَةَ والخَيْراتِ الواسِعَةَ، وفي المَقامِ الثّانِي كانُوا يَطْلُبُونَ مِنهُ الإخْبارَ عَنِ الغُيُوبِ، لِيَتَوَسَّلُوا بِمَعْرِفَةِ تِلْكَ الغُيُوبِ إلى الفَوْزِ بِالمَنافِعِ والِاجْتِنابِ عَنِ المَضارِّ والمَفاسِدِ. وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿ولا أقُولُ لَكم إنِّي مَلَكٌ﴾ ومَعْناهُ أنَّ القَوْمَ كانُوا يَقُولُونَ: ﴿مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ﴾ [الفرقان: ٧] ويَتَزَوَّجُ ويُخالِطُ النّاسَ. فَقالَ تَعالى: قُلْ لَهم إنِّي لَسْتُ مِنَ المَلائِكَةِ.

واعْلَمْ أنَّ النّاسَ اخْتَلَفُوا في أنَّهُ ما الفائِدَةُ في ذِكْرِ نَفْيِ هَذِهِ الأحْوالِ الثَّلاثَةِ ؟

فالقَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ أنْ يُظْهِرَ الرَّسُولُ مِن نَفْسِهِ التَّواضُعَ لِلَّهِ والخُضُوعَ لَهُ والِاعْتِرافَ بِعُبُودِيَّتِهِ، حَتّى لا يُعْتَقَدَ فِيهِ مِثْلُ اعْتِقادِ النَّصارى في المَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ القَوْمَ كانُوا يَقْتَرِحُونَ مِنهُ إظْهارَ المُعْجِزاتِ القاهِرَةِ القَوِيَّةِ، كَقَوْلِهِمْ ﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠] إلى آخِرِ الآيَةِ فَقالَ تَعالى في آخِرِ الآيَةِ ﴿قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إلّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٣] يَعْنِي لا أدَّعِي إلّا الرِّسالَةَ والنُّبُوَّةَ، وأمّا هَذِهِ الأُمُورُ الَّتِي طَلَبْتُمُوها، فَلا يُمْكِنُ تَحْصِيلُها إلّا بِقُدْرَةِ اللَّهِ، فَكانَ المَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ إظْهارَ العَجْزِ والضَّعْفِ وأنَّهُ لا يَسْتَقِلُّ بِتَحْصِيلِ هَذِهِ المُعْجِزاتِ الَّتِي طَلَبُوها مِنهُ.

صفحة ١٩١

والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿لا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ﴾ مَعْناهُ أنِّي لا أدَّعِي كَوْنِي مَوْصُوفًا بِالقُدْرَةِ اللّائِقَةِ بِالإلَهِ تَعالى. وقَوْلُهُ: ﴿ولا أعْلَمُ الغَيْبَ﴾ أيْ ولا أدَّعِي كَوْنِي مَوْصُوفًا بِعِلْمِ اللَّهِ تَعالى. وبِمَجْمُوعِ هَذَيْنِ الكَلامَيْنِ حَصَلَ أنَّهُ لا يَدَّعِي الإلَهِيَّةَ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿ولا أقُولُ لَكم إنِّي مَلَكٌ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهُ لَيْسَ بَعْدَ الإلَهِيَّةِ دَرَجَةٌ أعْلى حالًا مِنَ المَلائِكَةِ، فَصارَ حاصِلُ الكَلامِ كَأنَّهُ يَقُولُ لا أدَّعِي الإلَهِيَّةَ ولا أدَّعِي المَلَكِيَّةَ ولَكِنِّي أدَّعِي الرِّسالَةَ، وهَذا مَنصِبٌ لا يَمْتَنِعُ حُصُولُهُ لِلْبَشَرِ، فَكَيْفَ أطْبَقْتُمْ عَلى اسْتِنْكارِ قَوْلِي ودَفْعِ دَعْوايَ ؟

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الجُبّائِيُّ: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ المَلَكَ أفْضَلُ مِنَ الأنْبِياءِ، لِأنَّ مَعْنى الكَلامِ لا أدَّعِي مَنزِلَةً فَوْقَ مَنزِلَتِي ولَوْلا أنَّ المَلَكَ أفْضَلُ وإلّا لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ. قالَ القاضِي: إنْ كانَ الغَرَضُ بِما نَفى طَرِيقَةَ التَّواضُعِ؛ فالأقْرَبُ أنْ يَدُلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ المَلَكَ أفْضَلُ، وإنْ كانَ المُرادُ نَفْيَ قُدْرَتِهِ عَنْ أفْعالٍ لا يَقْوى عَلَيْها إلّا المَلائِكَةُ، لَمْ يَدُلْ عَلى كَوْنِهِمْ أفْضَلَ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ﴾ ظاهِرُهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَعْمَلُ إلّا بِالوَحْيِ وهو يَدُلُّ عَلى حُكْمَيْنِ.

الحُكْمُ الأوَّلُ:

أنَّ هَذا النَّصَّ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَحْكُمُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ في شَيْءٍ مِنَ الأحْكامِ وأنَّهُ ما كانَ يَجْتَهِدُ بَلْ جَمِيعُ أحْكامِهِ صادِرَةٌ عَنِ الوَحْيِ، ويَتَأكَّدُ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿وما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى﴾ ﴿إنْ هو إلّا وحْيٌ يُوحى﴾ [النجم: ٣، ٤] .

الحُكْمُ الثّانِي:

أنَّ نُفاةَ القِياسِ قالُوا: ثَبَتَ بِهَذا النَّصِّ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما كانَ يَعْمَلُ إلّا بِالوَحْيِ النّازِلِ عَلَيْهِ فَوَجَبَ أنْ لا يَجُوزَ لِأحَدٍ مِن أُمَّتِهِ أنْ يَعْمَلُوا إلّا بِالوَحْيِ النّازِلِ عَلَيْهِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: (فاتَّبِعُوهُ) [الأنعام: ١٥٣] وذَلِكَ يَنْفِي جَوازَ العَمَلِ بِالقِياسِ، ثُمَّ أكَّدَ هَذا الكَلامَ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ العَمَلَ بِغَيْرِ الوَحْيِ يَجْرِي مَجْرى عَمَلِ الأعْمى والعَمَلُ بِمُقْتَضى نُزُولِ الوَحْيِ يَجْرِي مَجْرى عَمَلِ البَصِيرِ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿أفَلا تَتَفَكَّرُونَ﴾ والمُرادُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ يَجِبُ عَلى العاقِلِ أنْ يَعْرِفَ الفَرْقَ بَيْنَ هَذَيْنِ البابَيْنِ وأنْ لا يَكُونَ غافِلًا عَنْ مَعْرِفَتِهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

6:51Page 133

وَأَنذِرۡ بِهِ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحۡشَرُوٓاْ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ لَيۡسَ لَهُم مِّن دُونِهِۦ وَلِيّٞ وَلَا شَفِيعٞ لَّعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ ٥١

And warn by it [i.e., the Qur’ān] those who fear that they will be gathered before their Lord - for them besides Him will be no protector and no intercessor - that they might become righteous.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْ يُحْشَرُوا إلى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهم مِن دُونِهِ ولِيٌّ ولا شَفِيعٌ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾

صفحة ١٩٢

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ الرُّسُلَ بِكَوْنِهِمْ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ، أمَرَ الرَّسُولَ في هَذِهِ الآيَةِ بِالإنْذارِ فَقالَ: ﴿وأنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْ يُحْشَرُوا﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: ”الإنْذارُ“ الإعْلامُ بِمَوْضِعِ المَخافَةِ وقَوْلُهُ: ”بِهِ“ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والزَّجّاجُ بِالقُرْآنِ. والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ ﴿إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ﴾ وقالَ الضَّحّاكُ: ﴿وأنْذِرْ بِهِ﴾ أيْ بِاللَّهِ، والأوَّلُ أوْلى، لِأنَّ الإنْذارَ والتَّخْوِيفَ إنَّما يَقَعُ بِالقَوْلِ وبِالكَلامِ لا بِذاتِ اللَّهِ تَعالى.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يَخافُونَ أنْ يُحْشَرُوا إلى رَبِّهِمْ﴾ فَفِيهِ أقْوالٌ:

الأوَّلُ: أنَّهُمُ الكافِرُونَ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم، وذَلِكَ لِأنَّهُ ﷺ كانَ يُخَوِّفُهم مِن عَذابِ الآخِرَةِ، وقَدْ كانَ بَعْضُهم يَتَأثَّرُ مِن ذَلِكَ التَّخْوِيفِ، ويَقَعُ في قَلْبِهِ أنَّهُ رُبَّما كانَ الَّذِي يَقُولُهُ مُحَمَّدٌ حَقًّا، فَثَبَتَ أنَّ هَذا الكَلامَ لائِقٌ بِهَؤُلاءِ، لا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلى المُؤْمِنِينَ لِأنَّ المُؤْمِنِينَ يَعْلَمُونَ أنَّهم يُحْشَرُونَ إلى رَبِّهِمْ، والعِلْمُ خِلافُ الخَوْفِ والظَّنِّ. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّهُ لا يَمْتَنِعُ أنْ يَدْخُلَ فِيهِ المُؤْمِنُونَ، لِأنَّهم وإنْ تَيَقَّنُوا الحَشْرَ فَلَمْ يَتَيَقَّنُوا العَذابَ الَّذِي يُخافُ مِنهُ، لِتَجْوِيزِهِمْ أنْ يَمُوتَ أحَدُهم عَلى الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ وتَجْوِيزِ أنْ لا يَمُوتُوا عَلى هَذِهِ الحالَةِ، فَلِهَذا السَّبَبِ كانُوا خائِفِينَ مِنَ الحَشْرِ، بِسَبَبِ أنَّهم كانُوا مُجَوِّزِينَ لِحُصُولِ العَذابِ وخائِفِينَ مِنهُ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنهُ المُؤْمِنُونَ؛ لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ يُقِرُّونَ بِصِحَّةِ الحَشْرِ والنَّشْرِ والبَعْثِ والقِيامَةِ فَهُمُ الَّذِينَ يَخافُونَ مِن عَذابِ ذَلِكَ اليَوْمِ.

والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّهُ يَتَناوَلُ الكُلَّ؛ لِأنَّهُ لا عاقِلَ إلّا وهو يَخافُ الحَشْرَ، سَواءٌ قَطَعَ بِحُصُولِهِ أوْ كانَ شاكًّا فِيهِ؛ لِأنَّهُ بِالِاتِّفاقِ غَيْرُ مَعْلُومِ البُطْلانِ بِالضَّرُورَةِ فَكانَ هَذا الخَوْفُ قائِمًا في حَقِّ الكُلِّ، ولِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مَبْعُوثًا إلى الكُلِّ، وكانَ مَأْمُورًا بِالتَّبْلِيغِ إلى الكُلِّ، وخُصَّ في هَذِهِ الآيَةِ الَّذِينَ يَخافُونَ الحَشْرَ، لِأنَّ انْتِفاعَهم بِذَلِكَ الإنْذارِ أكَمَلُ، بِسَبَبِ أنَّ خَوْفَهم يَحْمِلُهم عَلى إعْدادِ الزّادِ لِيَوْمِ المَعادِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُجَسِّمَةُ تَمَسَّكُوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ يُحْشَرُوا إلى رَبِّهِمْ﴾ وهَذا يَقْتَضِي كَوْنَ اللَّهِ تَعالى مُخْتَصًّا بِمَكانٍ وجِهَةٍ لِأنَّ كَلِمَةَ ”إلى“ لِانْتِهاءِ الغايَةِ.

والجَوابُ: المُرادُ إلى المَكانِ الَّذِي جَعَلَهُ رَبُّهم لِاجْتِماعِهِمْ ولِلْقَضاءِ عَلَيْهِمْ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ لَهم مِن دُونِهِ ولِيٌّ ولا شَفِيعٌ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَوْضِعُ ”لَيْسَ“ نَصْبٌ عَلى الحالِ كَأنَّهُ قِيلَ: مُتَخَلِّينَ مِن ولِيٍّ ولا شَفِيعٍ، والعامِلُ فِيهِ يَخافُونَ. ثُمَّ هَهُنا بَحْثٌ: وذَلِكَ لِأنَّهُ إنْ كانَ المُرادُ مِن ﴿الَّذِينَ يَخافُونَ أنْ يُحْشَرُوا إلى رَبِّهِمْ﴾ الكُفّارَ، فالكَلامُ ظاهِرٌ، لِأنَّهم لَيْسَ لَهم عِنْدَ اللَّهِ شُفَعاءُ، وذَلِكَ لِأنَّ اليَهُودَ والنَّصارى كانُوا يَقُولُونَ: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] واللَّهُ كَذَّبَهم فِيهِ وذَكَرَ أيْضًا في آيَةٍ أُخْرى فَقالَ ﴿ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ ولا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ [غافر: ١٨] وقالَ أيْضًا ﴿فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨] وإنْ كانَ المُرادُ المُسْلِمِينَ، فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ لَهم مِن دُونِهِ ولِيٌّ ولا شَفِيعٌ﴾ لا يُنافِي مَذْهَبَنا في إثْباتِ الشَّفاعَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ شَفاعَةَ المَلائِكَةِ والرُّسُلِ لِلْمُؤْمِنِينَ، إنَّما تَكُونُ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى لِقَوْلِهِ: ﴿مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلّا بِإذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] فَلَمّا كانَتْ تِلْكَ الشَّفاعَةُ بِإذْنِ اللَّهِ كانَتْ في الحَقِيقَةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى.

صفحة ١٩٣

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْناهُ وأنْذِرْهم لِكَيْ يَخافُوا في الدُّنْيا ويَنْتَهُوا عَنِ الكُفْرِ والمَعاصِي. قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أرادَ مِنَ الكُفّارِ التَّقْوى والطّاعَةَ، والكَلامُ عَلى هَذا النَّوْعِ مِنَ الِاسْتِدْلالِ قَدْ سَبَقَ مِرارًا.

6:52Page 133

وَلَا تَطۡرُدِ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ رَبَّهُم بِٱلۡغَدَوٰةِ وَٱلۡعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجۡهَهُۥۖ مَا عَلَيۡكَ مِنۡ حِسَابِهِم مِّن شَيۡءٖ وَمَا مِنۡ حِسَابِكَ عَلَيۡهِم مِّن شَيۡءٖ فَتَطۡرُدَهُمۡ فَتَكُونَ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٥٢

And do not send away those who call upon their Lord morning and afternoon, seeking His face [i.e., favor]. Not upon you is anything of their account and not upon them is anything of your account.1 So were you to send them away, you would [then] be of the wrongdoers.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ وما مِن حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهم فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ﴾

فِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: «مَرَّ المَلَأُ مِن قُرَيْشٍ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وعِنْدَهُ صُهَيْبٌ وخَبّابٌ وبِلالٌ وعَمّارٌ وغَيْرُهم مِن ضُعَفاءِ المُسْلِمِينَ، فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ أرَضِيتَ بِهَؤُلاءِ عَنْ قَوْمِكَ ؟ أفَنَحْنُ نَكُونُ تَبَعًا لِهَؤُلاءِ ؟ اطْرُدْهم عَنْ نَفْسِكَ، فَلَعَلَّكَ إنْ طَرَدْتَهُمُ اتَّبَعْناكَ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”ما أنا بِطارِدِ المُؤْمِنِينَ“ فَقالُوا: فَأقِمْهم عَنّا إذا جِئْنا، فَإذا أقَمْنا فَأقْعِدْهم مَعَكَ إنْ شِئْتَ، فَقالَ: ”نَعَمْ“ طَمَعًا في إيمانِهِمْ» . ورُوِيَ أنَّ عُمَرَ قالَ لَهُ: لَوْ فَعَلْتَ حَتّى نَنْظُرَ إلى ماذا يَصِيرُونَ، ثُمَّ ألَحُّوا وقالُوا لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ: اكْتُبْ لَنا بِذَلِكَ كِتابًا فَدَعا بِالصَّحِيفَةِ وبِعَلِيٍّ لِيَكْتُبَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَرَمى الصَّحِيفَةَ، واعْتَذَرَ عُمَرُ عَنْ مَقالَتِهِ، فَقالَ سَلْمانُ وخَبّابٌ: فِينا نَزَلَتْ، فَكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْعُدُ مَعَنا ونَدْنُو مِنهُ حَتّى تَمَسَّ رُكْبَتُنا رُكْبَتَهُ، وكانَ يَقُومُ عَنّا إذا أرادَ القِيامَ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ [الكهف: ٢٨] فَتَرَكَ القِيامَ عَنّا إلى أنْ نَقُومَ عَنْهُ وقالَ: ”«الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يُمِتْنِي حَتّى أمَرَنِي أنِ أصْبِرَ نَفْسِيَ مَعَ قَوْمٍ مِن أُمَّتِي مَعَكُمُ المَحْيا ومَعَكُمُ المَماتُ» “ .

* * *

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ الطّاعِنُونَ في عِصْمَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِهَذِهِ الآيَةِ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ طَرَدَهم واللَّهُ تَعالى نَهاهُ عَنْ ذَلِكَ الطَّرْدِ، فَكانَ ذَلِكَ الطَّرْدُ ذَنْبًا.

والثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فَتَطْرُدَهم فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ وقَدْ ثَبَتَ أنَّهُ طَرَدَهم، فَيَلْزَمُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ مِنَ الظّالِمِينَ.

والثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: ﴿وما أنا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [هود: ٢٩] ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أمَرَ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ السَّلامُ بِمُتابَعَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في جَمِيعِ الأعْمالِ الحَسَنَةِ، حَيْثُ قالَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠] فَبِهَذا الطَّرِيقِ وجَبَ عَلى مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ لا يَطْرُدَهم، فَلَمّا طَرَدَهم كانَ ذَلِكَ ذَنْبًا.

والرّابِعُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذِهِ الآيَةَ في سُورَةِ الكَهْفِ، فَزادَ فِيها فَقالَ: ﴿تُرِيدُ زِينَةَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [الكهف: ٢٨] ثُمَّ إنَّهُ تَعالى نَهاهُ عَنِ الِالتِفاتِ إلى زِينَةِ الحَياةِ الدُّنْيا في آيَةٍ أُخْرى فَقالَ: ﴿ولا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهم زَهْرَةَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [طه: ١٣١] فَلَمّا نُهِيَ عَنِ الِالتِفاتِ إلى زِينَةِ الدُّنْيا، ثُمَّ ذُكِرَ في تِلْكَ الآيَةِ أنَّهُ يُرِيدُ زِينَةَ الحَياةِ الدُّنْيا كانَ ذَلِكَ ذَنْبًا.

الخامِسُ: نُقِلَ أنَّ أُولَئِكَ الفُقَراءَ كُلَّما دَخَلُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ

صفحة ١٩٤

هَذِهِ الواقِعَةِ فَكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَقُولُ: «مَرْحَبًا بِمَن عاتَبَنِي رَبِّي فِيهِمْ» أوْ لَفْظٌ هَذا مَعْناهُ، وذَلِكَ يَدُلُّ أيْضًا عَلى الذَّنْبِ.

والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما طَرَدَهم لِأجْلِ الِاسْتِخْفافِ بِهِمْ والِاسْتِنْكافِ مِن فَقْرِهِمْ، وإنَّما عَيَّنَ لِجُلُوسِهِمْ وقْتًا مُعَيَّنًا سِوى الوَقْتِ الَّذِي كانَ يَحْضُرُ فِيهِ أكابِرُ قُرَيْشٍ، فَكانَ غَرَضُهُ مِنهُ التَّلَطُّفَ في إدْخالِهِمْ في الإسْلامِ، ولَعَلَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَقُولُ هَؤُلاءِ الفُقَراءُ مِنَ المُسْلِمِينَ لا يَفُوتُهم بِسَبَبِ هَذِهِ المُعامَلَةِ أمْرٌ مُهِمٌّ في الدُّنْيا وفي الدِّينِ، وهَؤُلاءِ الكُفّارُ فَإنَّهُ يَفُوتُهُمُ الدِّينُ والإسْلامُ فَكانَ تَرْجِيحُ هَذا الجانِبِ أوْلى. فَأقْصى ما يُقالُ إنَّ هَذا الِاجْتِهادَ وقَعَ خَطَأً إلّا أنَّ الخَطَأ في الِاجْتِهادِ مَغْفُورٌ. وأمّا قَوْلُهُ ثانِيًا: إنَّ طَرْدَهم يُوجِبُ كَوْنَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الظّالِمِينَ.

فَجَوابُهُ: أنَّ الظُّلْمَ عِبارَةٌ عَنْ وضْعِ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، والمَعْنى أنَّ أُولَئِكَ الضُّعَفاءَ الفُقَراءَ كانُوا يَسْتَحِقُّونَ التَّعْظِيمَ مِنَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإذا طَرَدَهم عَنْ ذَلِكَ المَجْلِسِ كانَ ذَلِكَ ظُلْمًا، إلّا أنَّهُ مِن بابِ تَرْكِ الأوْلى والأفْضَلِ لا مِن بابِ تَرْكِ الواجِباتِ، وكَذا الجَوابُ عَنْ سائِرِ الوُجُوهِ فَإنّا نَحْمِلُ كُلَّ هَذِهِ الوُجُوهِ عَلى تَرْكِ الأفْضَلِ والأكْمَلِ والأوْلى والأحْرى، واللَّهُ أعْلَمُ.

* * *

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ ”بِالغُدْوَةِ والعَشِيِّ“ بِالواوِ وضَمِّ الغَيْنِ وفي سُورَةِ الكَهْفِ مِثْلَهُ والباقُونَ بِالألِفِ وفَتْحِ الغَيْنِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ الوَجْهُ قِراءَةُ العامَّةِ بِالغَداةِ؛ لِأنَّها تُسْتَعْمَلُ نَكِرَةً فَأمْكَنَ تَعْرِيفُها بِإدْخالِ لامِ التَّعْرِيفِ عَلَيْها. فَأمّا ”غُدْوَةٌ“ فَمَعْرِفَةٌ وهو عَلَمٌ صِيغَ لَهُ، وإذا كانَ كَذَلِكَ، فَوَجَبَ أنْ يَمْتَنِعَ إدْخالُ لامِ التَّعْرِيفِ عَلَيْهِ، كَما يَمْتَنِعُ إدْخالُهُ عَلى سائِرِ المَعارِفِ. وكِتْبَةُ هَذِهِ الكَلِمَةِ بِالواوِ في المُصْحَفِ لا تَدُلُّ عَلى قَوْلِهِمْ، ألا تَرى أنَّهم كَتَبُوا ”الصَّلَوةَ“ بِالواوِ وهي ألِفٌ فَكَذا هَهُنا. قالَ سِيبَوَيْهِ ”غُدْوَةٌ وبُكْرَةٌ“ جُعِلَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما اسْمًا لِلْجِنْسِ كَما جَعَلُوا أمَّ حُبَيْنٍ اسْمًا لِدابَّةٍ مَعْرُوفَةٍ. قالَ: وزَعَمَ يُونُسُ عَنْ أبِي عَمْرٍو أنَّكَ إذا قُلْتَ: لَقِيتُهُ يَوْمًا مِنَ الأيّامِ غُدْوَةً أوْ بُكْرَةً وأنْتَ تُرِيدُ المَعْرِفَةَ لَمْ تُنَوِّنْ. فَهَذِهِ الأشْياءُ تُقَوِّي قِراءَةَ العامَّةِ، وأمّا وجْهُ قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ فَهو أنَّ سِيبَوَيْهِ قالَ: زَعَمَ الخَلِيلُ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُقالَ أتَيْتُكَ اليَوْمَ غُدْوَةً وبُكْرَةً فَجَعَلَهُما بِمَنزِلَةِ ”ضَحْوَةً“، واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ﴾ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنَ الدُّعاءِ الصَّلاةُ، يَعْنِي يَعْبُدُونَ رَبَّهم بِالصَّلاةِ المَكْتُوبَةِ، وهي صَلاةُ الصُّبْحِ وصَلاةُ العَصْرِ وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ ومُجاهِدٍ.

وقِيلَ: المُرادُ مِنَ الغَداةِ والعَشِيِّ طَرَفا النَّهارِ، وذَكَرَ هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ تَنْبِيهًا عَلى كَوْنِهِمْ مُواظِبِينَ عَلى الصَّلَواتِ الخَمْسِ.

والقَوْلُ الثّانِي: المُرادُ مِنَ الدُّعاءِ الذِّكْرُ قالَ إبْراهِيمُ: الدُّعاءُ هَهُنا هو الذِّكْرُ والمَعْنى يَذْكُرُونَ رَبَّهم طَرَفَيِ النَّهارِ.

* * *

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: المُجَسِّمَةُ تَمَسَّكُوا في إثْباتِ الأعْضاءِ لِلَّهِ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُونَ وجْهَهُ﴾ وسائِرُ الآياتِ المُناسِبَةِ لَهُ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿ويَبْقى وجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧] .

وجَوابُهُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ يَقْتَضِي الوِحْدانِيَّةَ التّامَّةَ، وذَلِكَ يُنافِي التَّرْكِيبَ مِنَ الأعْضاءِ

صفحة ١٩٥

والأجْزاءِ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ، وهو مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿يُرِيدُونَ وجْهَهُ﴾ المَعْنى يُرِيدُونَهُ إلّا أنَّهم يَذْكُرُونَ لَفْظَ الوَجْهِ لِلتَّعْظِيمِ، كَما يُقالُ هَذا وجْهُ الرَّأْيِ وهَذا وجْهُ الدَّلِيلِ.

والثّانِي: أنَّ مَن أحَبَّ ذاتًا أحَبَّ أنْ يَرى وجْهَهُ، فَرُؤْيَةُ الوَجْهِ مِن لَوازِمِ المَحَبَّةِ، فَلِهَذا السَّبَبِ جُعِلَ الوَجْهُ كِنايَةً عَنِ المَحَبَّةِ وطَلَبِ الرِّضا، وتَمامُ هَذا الكَلامِ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿ولِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] .

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ما عَلَيْكَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ وما مِن حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ اخْتَلَفُوا في أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ”حِسابِهِمْ“ وفي قَوْلِهِ: ”عَلَيْهِمْ“ إلى ماذا يَعُودُ ؟

والقَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ عائِدٌ إلى المُشْرِكِينَ، والمَعْنى ما عَلَيْكَ مِن حِسابِ المُشْرِكِينَ مِن شَيْءٍ ولا حِسابُكَ عَلى المُشْرِكِينَ وإنَّما اللَّهُ هو الَّذِي يُدَبِّرُ عَبِيدَهُ كَما يَشاءُ وأرادَ. والغَرَضُ مِن هَذا الكَلامِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَتَحَمَّلُ هَذا الِاقْتِراحَ مِن هَؤُلاءِ الكُفّارِ، فَلَعَلَّهم يَدْخُلُونَ في الإسْلامِ ويَتَخَلَّصُونَ مِن عِقابِ الكُفْرِ، فَقالَ تَعالى: لا تَكُنْ في قَيْدِ أنَّهم يَتَّقُونَ الكُفْرَ أمْ لا فَإنَّ اللَّهَ تَعالى هو الهادِي والمُدَبِّرُ.

القَوْلُ الثّانِي: أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ، وهُمُ الفُقَراءُ، وذَلِكَ أشْبَهُ بِالظّاهِرِ. والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ الكِنايَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَتَطْرُدَهم فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ عائِدَةٌ لا مَحالَةَ إلى هَؤُلاءِ الفُقَراءِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ سائِرُ الكِناياتِ عائِدَةً إلَيْهِمْ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَذَكَرُوا في قَوْلِهِ: ﴿ما عَلَيْكَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ قَوْلَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّ الكُفّارَ طَعَنُوا في إيمانِ أُولَئِكَ الفُقَراءِ، وقالُوا: يا مُحَمَّدُ إنَّهم إنَّما اجْتَمَعُوا عِنْدَكَ وقَبِلُوا دِينَكَ لِأنَّهم يَجِدُونَ بِهَذا السَّبَبِ مَأْكُولًا ومَلْبُوسًا عِنْدَكَ، وإلّا فَهِمَ فارِغُونَ عَنْ دِينِكَ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى إنْ كانَ الأمْرُ كَما يَقُولُونَ، فَما يَلْزَمُكَ إلّا اعْتِبارُ الظّاهِرِ وإنْ كانَ لَهم باطِنٌ غَيْرُ مَرْضِيٍّ عِنْدَ اللَّهِ، فَحِسابُهم عَلَيْهِ لازِمٌ لَهم، لا يَتَعَدّى إلَيْكَ، كَما أنَّ حِسابَكَ عَلَيْكَ لا يَتَعَدّى إلَيْهِمْ، كَقَوْلِهِ: ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنعام: ١٦٤] .

فَإنْ قِيلَ: أما كَفى قَوْلُهُ: ﴿ما عَلَيْكَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ حَتّى ضَمَّ إلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وما مِن حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِن شَيْءٍ﴾

قُلْنا: جُعِلَتِ الجُمْلَتانِ بِمَنزِلَةِ جُمْلَةٍ واحِدَةٍ قُصِدَ بِهِما مَعْنًى واحِدٌ وهو المَعْنى في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ ولا يَسْتَقِلُّ بِهَذا المَعْنى إلّا الجُمْلَتانِ جَمِيعًا، كَأنَّهُ قِيلَ لا تُؤاخَذُ أنْتَ ولا هم بِحِسابِ صاحِبِهِ.

القَوْلُ الثّانِي: ما عَلَيْكَ مِن حِسابِ رِزْقِهِمْ مِن شَيْءٍ فَتَمَلَّهم وتَطْرُدَهم، ولا حِسابُ رِزْقِكَ عَلَيْهِمْ، وإنَّما الرّازِقُ لَهم ولَكَ هو اللَّهُ تَعالى، فَدَعْهم يَكُونُوا عِنْدَكَ ولا تَطْرُدْهم.

واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ شَبِيهَةٌ بِقِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ إذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ: ﴿أنُؤْمِنُ لَكَ واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١١] فَأجابَهم نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ و﴿قالَ وما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنْ حِسابُهم إلّا عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ وعَنَوْا بِقَوْلِهِمْ: ”الأرْذَلُونَ“ الحاكَّةَ والمُحْتَرِفِينَ بِالحِرَفِ الخَسِيسَةِ، فَكَذَلِكَ هَهُنا. وقَوْلُهُ: ﴿فَتَطْرُدَهُمْ﴾ جَوابُ النَّفْيِ ومَعْناهُ، ما عَلَيْكَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهم، بِمَعْنى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ حِسابُهم حَتّى أنَّكَ لِأجْلِ ذَلِكَ الحِسابِ تَطْرُدُهم، وقَوْلُهُ: ﴿فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى

صفحة ١٩٦

قَوْلِهِ: ﴿فَتَطْرُدَهُمْ﴾ عَلى وجْهِ التَّسَبُّبِ لِأنَّ كَوْنَهُ ظالِمًا مَعْلُولُ طَرْدِهم ومُسَبَّبٌ لَهُ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: ﴿فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ لِنَفْسِكَ بِهَذا الطَّرْدِ.

الثّانِي: أنْ تَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ لَهم لِأنَّهم لَمّا اسْتَوْجَبُوا مَزِيدَ التَّقْرِيبِ والتَّرْحِيبِ كانَ طَرْدُهم ظُلْمًا لَهم، واللَّهُ أعْلَمُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском