Ar-RaziAl‑An'am · 6:94–95

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-An'am 6:94–95

6:94Page 139

وَلَقَدۡ جِئۡتُمُونَا فُرَٰدَىٰ كَمَا خَلَقۡنَٰكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةٖ وَتَرَكۡتُم مَّا خَوَّلۡنَٰكُمۡ وَرَآءَ ظُهُورِكُمۡۖ وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمۡ شُفَعَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ زَعَمۡتُمۡ أَنَّهُمۡ فِيكُمۡ شُرَكَٰٓؤُاْۚ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيۡنَكُمۡ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمۡ تَزۡعُمُونَ ٩٤

[It will be said to them], "And you have certainly come to Us alone [i.e., individually] as We created you the first time, and you have left whatever We bestowed upon you behind you. And We do not see with you your 'intercessors' which you claimed that they were among you associates [of Allāh]. It has [all] been severed between you,1 and lost from you is what you used to claim."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ وتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكم وراءَ ظُهُورِكم وما نَرى مَعَكم شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أنَّهم فِيكم شُرَكاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكم وضَلَّ عَنْكم ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ هَذا مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِ المَلائِكَةِ: ﴿أخْرِجُوا أنْفُسَكُمُ اليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ﴾ فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهم كَما يَقُولُونَ ذَلِكَ عَلى وجْهِ التَّوْبِيخِ، كَذَلِكَ يَقُولُونَ حِكايَةً عَنِ اللَّهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى﴾ فَيَكُونُ الكَلامُ أجْمَعُ حِكايَةً عَنْهم، وأنَّهم يُورِدُونَ ذَلِكَ عَلى هَؤُلاءِ الكُفّارِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قائِلُ هَذا القَوْلِ المَلائِكَةَ المُوَكَّلِينَ بِقَبْضِ أرْواحِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ القائِلُ هُمُ المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِعِقابِهِمْ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ قائِلَ هَذا القَوْلِ هو اللَّهُ تَعالى، ومَنشَأُ هَذا الِاخْتِلافِ أنَّ اللَّهَ تَعالى هَلْ يَتَكَلَّمُ مَعَ الكُفّارِ أوْ لا ؟ فَقَوْلُهُ تَعالى في صِفَةِ الكُفّارِ: (ولا يُكَلِّمُهُمُ) يُوجِبُ أنْ لا يَتَكَلَّمَ مَعَهم، وقَوْلُهُ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٩٢] وقَوْلُهُ: ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦] يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ تَعالى يَتَكَلَّمُ مَعَهم، فَلِهَذا السَّبَبِ وقَعَ هَذا الِاخْتِلافُ، والقَوْلُ الأوَّلُ أقْوى؛ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها، والعَطْفُ يُوجِبُ التَّشْرِيكَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿فُرادى﴾ لَفْظُ جَمْعٍ وفي واحِدِهِ قَوْلانِ:

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: فُرادى جَمْعُ فَرْدانَ، مِثْلُ سُكارى وسَكْرانَ، وكُسالى وكَسْلانَ.

وقالَ غَيْرُهُ: فُرادى جَمْعُ فَرِيدٍ، مِثْلُ رُدافى ورَدِيفٍ.

وقالَ الفَرّاءُ: فُرادى جَمْعٌ واحِدُهُ فَرْدٌ وفَرْدَةٌ وفَرِيدٌ وفَرْدانُ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى﴾ المُرادُ مِنهُ التَّقْرِيعُ والتَّوْبِيخُ، وذَلِكَ لِأنَّهم صَرَفُوا جَدَّهم وجُهْدَهم في الدُّنْيا إلى تَحْصِيلِ أمْرَيْنِ:

أحَدُهُما: تَحْصِيلُ المالِ والجاهِ.

والثّانِي: أنَّهم عَبَدُوا الأصْنامَ لِاعْتِقادِهِمْ أنَّها تَكُونُ شُفَعاءَ لَهم عِنْدَ اللَّهِ، ثُمَّ إنَّهم لَمّا ورَدُوا مَحْفِلَ القِيامَةِ لَمْ يَبْقَ مَعَهم شَيْءٌ مِن تِلْكَ الأمْوالِ، ولَمْ يَجِدُوا مِن تِلْكَ الأصْنامِ شَفاعَةً لَهم عِنْدَ اللَّهِ تَعالى فَبَقُوا فُرادى عَنْ كُلِّ ما حَصَّلُوهُ في الدُّنْيا وعَوَّلُوا عَلَيْهِ، بِخِلافِ أهْلِ الإيمانِ فَإنَّهم صَرَفُوا عُمْرَهم إلى تَحْصِيلِ المَعارِفِ الحَقَّةِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ، وتِلْكَ

صفحة ٧٢

المَعارِفُ والأعْمالُ الصّالِحَةُ بَقِيَتْ مَعَهم في قُبُورِهِمْ، وحَضَرَتْ مَعَهم في مَشْهَدِ القِيامَةِ، فَهم في الحَقِيقَةِ ما حَضَرُوا فُرادى، بَلْ حَضَرُوا مَعَ الزّادِ لِيَوْمِ المَعادِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ والكِسائِيِّ: (بَيْنَكم) بِالنَّصْبِ، والباقُونَ بِالرَّفْعِ، قالَ الزَّجّاجُ: الرَّفْعُ أجْوَدُ، ومَعْناهُ: لَقَدْ تَقَطَّعَ وصْلُكم، والنَّصْبُ جائِزٌ، والمَعْنى: لَقَدْ تَقَطَّعَ ما كُنْتُمْ فِيهِ مِنَ الشَّرِكَةِ بَيْنَكم.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: هَذا الِاسْمُ يُسْتَعْمَلُ عَلى ضَرْبَيْنِ:

أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ اسْمًا مُنْصَرِفًا كالِافْتِراقِ، والأجْوَدُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا، والمَرْفُوعُ في قِراءَةِ مَن قَرَأ: (بَيْنَكم) هو الَّذِي كانَ ظَرْفًا ثُمَّ اسْتُعْمِلَ اسْمًا، والدَّلِيلُ عَلى جَوازِ كَوْنِهِ اسْمًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ [فصلت: ٥] و﴿هَذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ﴾ [الكهف: ٧٨] فَلَمّا اسْتُعْمِلَ اسْمًا في هَذِهِ المَواضِعِ جازَ أنْ يُسْنَدَ إلَيْهِ الفِعْلُ الَّذِي هو ”تَقَطَّعَ“ في قَوْلِ مَن رَفَعَ. قالَ: ويَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا المَرْفُوعَ هو الَّذِي اسْتُعْمِلَ ظَرْفًا أنَّهُ لا يَخْلُو مِن أنْ يَكُونَ الَّذِي هو ظَرْفٌ اتَّسَعَ فِيهِ، أوْ يَكُونَ الَّذِي هو مَصْدَرٌ؛ والقِسْمُ الثّانِي باطِلٌ، وإلّا لَصارَ تَقْدِيرُ الآيَةِ: لَقَدْ تَقَطَّعَ افْتِراقُكم؛ وهَذا ضِدُّ المُرادِ؛ لِأنَّ المُرادَ مِنَ الآيَةِ، لَقَدْ تَقَطَّعَ وصْلُكم، وما كُنْتُمْ سالِفُونَ عَلَيْهِ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ جازَ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الوَصْلِ مَعَ أنَّ أصْلَهُ الِافْتِراقُ والتَّبايُنُ ؟ .

قُلْنا: هَذا اللَّفْظُ إنَّما يُسْتَعْمَلُ في الشَّيْئَيْنِ اللَّذَيْنِ بَيْنَهُما مُشارَكَةٌ ومُواصَلَةٌ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، كَقَوْلِهِمْ بَيْنِي وبَيْنَهُ شَرِكَةٌ، وبَيْنِي وبَيْنَهُ رَحِمٌ، فَلِهَذا السَّبَبِ حَسُنَ اسْتِعْمالُ هَذا اللَّفْظِ في مَعْنى الوَصْلَةِ فَقَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ مَعْناهُ لَقَدْ تَقَطَّعَ وصْلُكم. أمّا مَن قَرَأ ”لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكم“ بِالنَّصْبِ فَوَجْهُهُ أنَّهُ أضْمَرَ الفاعِلَ، والتَّقْدِيرُ: لَقَدْ تَقَطَّعَ وصْلُكم بَيْنَكم، وقالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّهم قالُوا: إذا كانَ غَدًا فَأْتِنِي. والتَّقْدِيرُ: إذا كانَ الرَّجاءُ أوِ البَلاءُ غَدًا فَأْتِنِي، فَأضْمَرَ لِدَلالَةِ الحالِ. فَكَذا هاهُنا. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: التَّقْدِيرُ: لَقَدْ تَقَطَّعَ ما بَيْنَكم. فَحُذِفَتْ لِوُضُوحِ مَعْناها.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى قانُونٍ شَرِيفٍ في مَعْرِفَةِ أحْوالِ القِيامَةِ:

فَأوَّلُها: أنَّ النَّفْسَ الإنْسانِيَّةَ إنَّما تَعَلَّقَتْ بِهَذا الجَسَدِ آلَةً لَهُ في اكْتِسابِ المَعارِفِ الحَقَّةِ والأخْلاقِ الفاضِلَةِ، فَإذا فارَقَتِ النَّفْسُ الجَسَدَ ولَمْ يَحْصُلْ هَذَيْنِ المَطْلُوبَيْنِ البَتَّةَ، عَظُمَتْ حَسَراتُهُ، وقَوِيَتْ آفاتُهُ، حَيْثُ وجَدَ مِثْلَ هَذِهِ الآلَةِ الشَّرِيفَةِ الَّتِي يُمْكِنُ اكْتِسابُ السَّعادَةِ الأبَدِيَّةِ بِها، ثُمَّ إنَّهُ ضَيَّعَها وأبْطَلَها، ولَمْ يَنْتَفِعْ بِها البَتَّةَ، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾

وثانِيها: أنَّ هَذِهِ النَّفْسَ مَعَ أنَّها لَمْ تَكْتَسِبْ بِهَذِهِ الآلَةِ الجَسَدانِيَّةِ سَعادَةً رُوحانِيَّةً، وكَمالًا رُوحانِيًّا، فَقَدْ عَمِلَتْ عَمَلًا آخَرَ أرْدَأ مِنَ الأوَّلِ، وذَلِكَ لِأنَّها طُولَ العُمْرِ كانَتْ في الرَّغْبَةِ في تَحْصِيلِ المالِ والجاهِ، وفي تَقْوِيَةِ العِشْقِ عَلَيْها، وتَأْكِيدِ المَحَبَّةِ، وفي تَحْصِيلِها. والإنْسانُ في الحَقِيقَةِ مُتَوَجِّهٌ مِنَ العالَمِ الجُسْمانِيِّ إلى العالَمِ الرُّوحانِيِّ، فَهَذا المِسْكِينُ قَلَبَ القَضِيَّةَ، وعَكَسَ القَضِيَّةَ، وأخَذَ يَتَوَجَّهُ مِنَ المَقْصِدِ الرُّوحانِيِّ إلى العالَمِ الجُسْمانِيِّ، ونَسِيَ مَقْصِدَهُ واغْتَرَّ بِاللَّذّاتِ الجُسْمانِيَّةِ، فَلَمّا ماتَ انْقَلَبَتِ القَضِيَّةُ شاءَ أمْ أبى، تَوَجَّهَ مِنَ العالَمِ الجُسْمانِيِّ إلى العالَمِ الرُّوحانِيِّ، فَبَقِيَتِ الأمْوالُ الَّتِي اكْتَسَبَها، وأفْنى عُمْرَهُ في تَحْصِيلِها وراءَ ظَهْرِهِ، والشَّيْءُ الَّذِي يَبْقى وراءَ ظَهْرِ الإنْسانِ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَنْتَفِعَ بِهِ، ورُبَّما بَقِيَ

صفحة ٧٣

مُنْقَطِعَ المَنفَعَةِ، مُعْوَجَّ الرَّقَبَةِ، مُعْوَجَّ الرَّأْسِ بِسَبَبِ التِفاتِهِ إلَيْها مَعَ العَجْزِ عَنِ الِانْتِفاعِ بِها، وذَلِكَ يُوجِبُ نِهايَةَ الخَيْبَةِ والغَمِّ والحَسْرَةِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكم وراءَ ظُهُورِكُمْ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ مالٍ يَكْتَسِبُهُ الإنْسانُ ولَمْ يَصْرِفْهُ في مَصارِفِ الخَيْراتِ، فَصِفَتُهُ هَذِهِ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ، أمّا إذا صَرَفَها إلى الجِهاتِ المُوجِبَةِ لِلتَّعْظِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ، والشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ، فَما تَرَكَ تِلْكَ الأمْوالَ وراءَ ظَهْرِهِ، ولَكِنَّهُ قَدَّمَها تِلْقاءَ وجْهِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وما تُقَدِّمُوا لِأنْفُسِكم مِن خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٠] .

وثالِثُها: أنَّ أُولَئِكَ المَساكِينَ أتْعَبُوا أنْفُسَهم في نُصْرَةِ الأدْيانِ الباطِلَةِ، والمَذاهِبِ الفاسِدَةِ وظَنُّوا أنَّهم يَنْتَفِعُونَ بِها عِنْدَ الوُرُودِ في مَحْفِلِ القِيامَةِ، فَإذا ورَدُوهُ وشاهَدُوا ما في تِلْكَ المَذاهِبِ مِنَ العَذابِ الشَّدِيدِ والعِقابِ الدّائِمِ، حَصَلَتْ فِيهِ جِهاتٌ كَثِيرَةٌ مِنَ العَذابِ؛ مِنها عَذابُ الحَسْرَةِ والنَّدامَةِ: وهو أنَّهُ كَيْفَ أنْفَقَ مالَهُ في تَحَمُّلِ العَناءِ الشَّدِيدِ والبَلاءِ العَظِيمِ في تَحْصِيلِ ما لَمْ يَحْصُلْ لَهُ مِنهُ إلّا العَذابُ والعَناءُ، ومِنها عَذابُ الخَجَلَةِ: وهو أنَّهُ ظَهَرَ لَهُ أنَّ كُلَّ ما كانَ يَعْتَقِدُهُ في دارِ الدُّنْيا كانَ مَحْضَ الجَهالَةِ وصَرِيحَ الضَّلالَةِ، ومِنها حُصُولُ اليَأْسِ الشَّدِيدِ مَعَ الطَّمَعِ العَظِيمِ، ولا شَكَّ أنَّ مَجْمُوعَ هَذِهِ الأحْوالِ يُوجِبُ العَذابَ الشَّدِيدَ والآلامَ العَظِيمَةَ الرُّوحانِيَّةَ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وما نَرى مَعَكم شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أنَّهم فِيكم شُرَكاءُ﴾ .

ورابِعُها: أنَّهُ لَمّا بَدا لَهُ أنَّهُ فاتَهُ الأمْرُ الَّذِي بِهِ يَقْدِرُ عَلى اكْتِسابِ الخَيْراتِ، وحَصَلَ عِنْدَهُ الأمْرُ الَّذِي يُوجِبُ حُصُولَ المَضَرّاتِ، فَإذَنْ بَقِيَ لَهُ رَجاءٌ في التَّدارُكِ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ فَهاهُنا يَحُفُّ ذَلِكَ الألَمُ ويَضْعُفُ ذَلِكَ الحُزْنُ. أمّا إذا حَصَلَ الجَزْمُ واليَقِينُ بِأنَّ التَّدارُكَ مُمْتَنِعٌ وجَبْرَ ذَلِكَ النُّقْصانِ مُتَعَذَّرٌ، فَهاهُنا يَعْظُمُ الحُزْنُ ويَقْوى البَلاءُ جِدًّا، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ والمَعْنى أنَّ الوَصْلَةَ الحاصِلَةَ بَيْنَ النَّفْسِ والجَسَدِ قَدْ تَقَطَّعَتْ ولا سَبِيلَ إلى تَحْصِيلِها مَرَّةً أُخْرى. وعِنْدَ الوُقُوفِ عَلى حَقائِقِ هَذِهِ المَراتِبِ يَظْهَرُ أنَّهُ لا بَيانَ فَوْقَ هَذا البَيانِ في شَرْحِ أحْوالِ هَؤُلاءِ الضّالِّينَ.

6:95Page 140

۞ إِنَّ ٱللَّهَ فَالِقُ ٱلۡحَبِّ وَٱلنَّوَىٰۖ يُخۡرِجُ ٱلۡحَيَّ مِنَ ٱلۡمَيِّتِ وَمُخۡرِجُ ٱلۡمَيِّتِ مِنَ ٱلۡحَيِّۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُۖ فَأَنَّىٰ تُؤۡفَكُونَ ٩٥

Indeed, Allāh is the cleaver of grain and date seeds.1 He brings the living out of the dead and brings the dead out of the living. That is Allāh; so how are you deluded?

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ فالِقُ الحَبِّ والنَّوى يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ومُخْرِجُ المَيِّتِ مِنَ الحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ .

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا تَكَلَّمَ في التَّوْحِيدِ ثُمَّ أرْدَفَهُ بِتَقْرِيرِ أمْرِ النُّبُوَّةِ، ثُمَّ تَكَلَّمَ في بَعْضِ تَفارِيعِ هَذا الأصْلِ، عادَ هاهُنا إلى ذِكْرِ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ، وكَمالِ عِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ وقُدْرَتِهِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ المَقْصُودَ الأصْلِيَّ مِن جَمِيعِ المَباحِثِ العَقْلِيَّةِ والنَّقْلِيَّةِ، وكُلِّ المَطالِبِ الحِكْمِيَّةِ إنَّما هو مَعْرِفَةُ اللَّهِ بِذاتِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿فالِقُ الحَبِّ والنَّوى﴾ قَوْلانِ:

صفحة ٧٤

القَوْلُ الأوَّلُ: وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَوْلُ الضَّحّاكِ ومُقاتِلٍ: ﴿فالِقُ الحَبِّ والنَّوى﴾ أيْ خالِقُ الحَبِّ والنَّوى. قالَ الواحِدِيُّ: ذَهَبُوا بِفالِقٍ مَذْهَبَ فاطِرٍ، وأقُولُ: الفِطْرُ هو الشَّقُّ، وكَذَلِكَ الفَلْقُ، فالشَّيْءُ قَبْلَ أنْ دَخَلَ في الوُجُودِ كانَ مَعْدُومًا مَحْضًا ونَفْيًا صِرْفًا، والعَقْلُ يَتَصَوَّرُ مِنَ العَدَمِ ظُلْمَةً مُتَّصِلَةً لا انْفِراجَ فِيها ولا انْفِلاقَ ولا انْشِقاقَ، فَإذا أخْرَجَهُ المُبْدِعُ المُوجِدُ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ، فَكَأنَّهُ بِحَسْبِ التَّخَيُّلِ والتَّوَهُّمِ شَقَّ ذَلِكَ العَدَمَ وفَلَقَهُ. وأخْرَجَ ذَلِكَ المُحْدَثَ مِن ذَلِكَ الشَّقِّ. فَبِهَذا التَّأْوِيلِ لا يَبْعُدُ حَمْلُ الفالِقِ عَلى المُوجِدِ والمُحْدِثِ والمُبْدِعِ.

والقَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ: أنَّ الفَلْقَ هو الشَّقُّ، والحَبَّ هو الَّذِي يَكُونُ مَقْصُودًا بِذاتِهِ مِثْلَ حَبَّةِ الحِنْطَةِ والشَّعِيرِ وسائِرِ الأنْواعِ، والنَّوى هو الشَّيْءُ المَوْجُودُ في داخِلِ الثَّمَرَةِ مِثْلَ نَوى الخَوْخِ والتَّمْرِ وغَيْرِهِما.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّهُ إذا وقَعَتِ الحَبَّةُ أوِ النَّواةُ في الأرْضِ الرَّطْبَةِ، ثُمَّ مَرَّ بِهِ قَدْرٌ مِنَ المُدَّةِ أظْهَرَ اللَّهُ تَعالى في تِلْكَ الحَبَّةِ والنَّواةِ مِن أعْلاها شَقًّا ومِن أسْفَلِها شَقًّا آخَرَ. أمّا الشَّقُّ الَّذِي يَظْهَرُ في أعْلى الحَبَّةِ والنَّواةِ فَإنَّهُ يُخْرِجُ مِنهُ الشَّجَرَةَ الصّاعِدَةَ إلى الهَواءِ، وأمّا الشَّقُّ الَّذِي يَظْهَرُ في أسْفَلِ تِلْكَ الحَبَّةِ، فَإنَّهُ يُخْرِجُ مِنهُ الشَّجَرَةَ الهابِطَةَ في الأرْضِ، وهي المُسَمّاةُ بِعُرُوقِ الشَّجَرَةِ، وتَصِيرُ تِلْكَ الحَبَّةُ والنَّواةُ سَبَبًا لِاتِّصالِ الشَّجَرَةِ الصّاعِدَةِ في الهَواءِ بِالشَّجَرَةِ الهابِطَةِ في الأرْضِ.

ثُمَّ إنَّ هاهُنا عَجائِبَ:

فَإحْداها: أنَّ طَبِيعَةَ تِلْكَ الشَّجَرَةِ إنْ كانَتْ تَقْتَضِي الهَوى في عُمْقِ الأرْضِ فَكَيْفَ تَوَلَّدَتْ مِنها الشَّجَرَةُ الصّاعِدَةُ في الهَواءِ ؟ وإنْ كانَتْ تَقْتَضِي الصُّعُودَ في الهَواءِ، فَكَيْفَ تَوَلَّدَتْ مِنها الشَّجَرَةُ الهابِطَةُ في الأرْضِ ؟ فَلَمّا تُوُلِّدَ مِنها هاتانِ الشَّجَرَتانِ مَعَ أنَّ الحِسَّ والعَقْلَ يَشْهَدُ بِكَوْنِ طَبِيعَةِ إحْدى الشَّجَرَتَيْنِ مُضادَّةً لِطَبِيعَةِ الشَّجَرَةِ الأُخْرى، عَلِمْنا أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمُقْتَضى الطَّبْعِ والخاصِّيَّةِ، بَلْ بِمُقْتَضى الإيجادِ والإبْداعِ والتَّكْوِينِ والِاخْتِراعِ.

وثانِيها: أنَّ باطِنَ الأرْضِ جِرْمٌ كَثِيفٌ صُلْبٌ لا تَنْفُذُ المِسَلَّةُ القَوِيَّةُ فِيهِ، ولا يَغُوصُ السِّكِّينُ الحادُّ القَوِيُّ فِيهِ، ثُمَّ إنّا نُشاهِدُ أطْرافَ تِلْكَ العُرُوقِ في غايَةِ الدِّقَّةِ واللَّطافَةِ، بِحَيْثُ لَوْ دَلَّكَها الإنْسانُ بِأُصْبُعِهِ بِأدْنى قُوَّةٍ لَصارَتْ كالماءِ، ثُمَّ إنَّها مَعَ غايَةِ اللَّطافَةِ تَقْوى عَلى النُّفُوذِ في تِلْكَ الأرْضِ الصُّلْبَةِ، والغَوْصِ في بَواطِنِ تِلْكَ الأجْرامِ الكَثِيفَةِ، فَحُصُولُ هَذِهِ القُوى الشَّدِيدَةِ لِهَذِهِ الأجْرامِ الضَّعِيفَةِ الَّتِي هي في غايَةِ اللَّطافَةِ، لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ بِتَقْدِيرِ العَزِيزِ الحَكِيمِ.

وثالِثُها: أنَّهُ يَتَوَلَّدُ مِن تِلْكَ النَّواةِ شَجَرَةٌ، ويَحْصُلُ في تِلْكَ الشَّجَرَةِ طَبائِعُ مُخْتَلِفَةٌ، فَإنَّ قِشْرَ الخَشَبَةِ لَهُ طَبِيعَةٌ مَخْصُوصَةٌ، وفي داخِلِ ذَلِكَ القِشْرِ جِرْمُ الخَشَبَةِ، وفي وسَطِ تِلْكَ الخَشَبَةِ جِسْمٌ رَخْوٌ ضَعِيفٌ يُشْبِهُ العِهْنَ المَنفُوشَ، ثُمَّ إنَّهُ يَتَوَلَّدُ مِن ساقِ الشَّجَرَةِ أغْصانُها، ويَتَوَلَّدُ عَلى الأغْصانِ الأوْراقُ أوَّلًا، ثُمَّ الأزْهارُ والأنْوارُ ثانِيًا، ثُمَّ الفاكِهَةُ ثالِثًا، ثُمَّ قَدْ يَحْصُلُ لِلْفاكِهَةِ أرْبَعَةُ أنْواعٍ مِنَ القِشْرِ، مِثْلُ الجَوْزِ، فَإنَّ قِشْرَهُ عَلى الأعْلى هو ذَلِكَ الأخْضَرُ، وتَحْتَ ذَلِكَ القِشْرِ الَّذِي يُشْبِهُ الخَشَبَ، وتَحْتَهُ ذَلِكَ القِشْرُ الَّذِي هو كالغِشاءِ الرَّقِيقِ المُحِيطِ بِاللُّبِّ، وتَحْتَهُ ذَلِكَ اللُّبُّ، وذَلِكَ اللُّبُّ مُشْتَمِلٌ عَلى جِرْمٍ كَثِيفٍ هو أيْضًا كالقِشْرِ، وعَلى جِرْمٍ لَطِيفٍ وهو الدُّهْنُ، وهو المَقْصُودُ الأصْلِيُّ، فَتَوَلُّدُ هَذِهِ الأجْسامِ المُخْتَلِفَةِ في طَبائِعِها وصِفاتِها وألْوانِها وأشْكالِها وطَعُومِها مَعَ تَساوِي تَأْثِيراتِ الطَّبائِعِ والنُّجُومِ والفُصُولِ الأرْبَعَةِ والطَّبائِعِ الأرْبَعِ، يَدُلُّ عَلى أنَّها إنَّما حَدَثَتْ بِتَدْبِيرِ الحَكِيمِ الرَّحِيمِ، المُخْتارِ القادِرِ، لا بِتَدْبِيرِ الطَّبائِعِ والعَناصِرِ.

ورابِعُها: أنَّكَ قَدْ تَجِدُ الطَّبائِعَ الأرْبَعَ حاصِلَةٌ في الفاكِهَةِ الواحِدَةِ، فالأُتْرُنْجُ قِشْرُهُ حارٌّ يابِسٌ، ولَحْمُهُ بارِدٌ رَطْبٌ،

صفحة ٧٥

وحِماضُهُ بارِدٌ يابِسٌ، وبِذْرُهُ حارٌّ يابِسٌ، وكَذَلِكَ العِنَبُ قِشْرُهُ وعَجَمُهُ بارِدٌ يابِسٌ، وماؤُهُ ولَحْمُهُ حارٌّ رَطْبٌ، فَتَوَلَّدُ هَذِهِ الطَّبائِعُ المُضادَّةُ والخَواصُّ المُتَنافِرَةُ عَنِ الحَبَّةِ الواحِدَةِ، لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ بِإيجادِ الفاعِلِ المُخْتارِ.

وخامِسُها: أنَّكَ تَجِدُ أحْوالَ الفَواكِهِ مُخْتَلِفَةً، فَبَعْضُها يَكُونُ اللُّبُّ في الدّاخِلِ والقِشْرُ في الخارِجِ كَما في الجَوْزِ واللَّوْزِ، وبَعْضُها يَكُونُ الفاكِهَةُ المَطْلُوبَةُ في الخارِجِ، وتَكُونُ الخَشَبَةُ في الدّاخِلِ كالخَوْخِ والمِشْمِشِ، وبَعْضُها يَكُونُ النَّواةُ لَها لُبٌّ كَما في نَوى المِشْمِشِ والخَوْخِ، وبَعْضُها لا لُبَّ لَهُ كَما في نَوى التَّمْرِ، وبَعْضُ الفَواكِهِ لا يَكُونُ لَهُ مِنَ الدّاخِلِ والخارِجِ قِشْرٌ، بَلْ يَكُونُ كُلُّهُ مَطْلُوبًا كالتِّينِ، فَهَذِهِ أحْوالٌ مُخْتَلِفَةٌ في هَذِهِ الفَواكِهِ، وأيْضًا هَذِهِ الحُبُوبُ مُخْتَلِفَةٌ في الأشْكالِ والصُّوَرِ، فَشَكْلُ الحِنْطَةِ كَأنَّهُ نِصْفُ دائِرَةٍ، وشَكْلُ الشَّعِيرِ كَأنَّهُ مَخْرُوطانِ اتَّصَلا بِقاعِدَتَيْهِما، وشَكْلُ العَدَسِ كَأنَّهُ دائِرَةٌ، وشَكْلُ الحِمَّصِ عَلى وجْهٍ آخَرَ، فَهَذِهِ الأشْكالُ المُخْتَلِفَةُ، لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ لِأسْرارٍ وحِكَمٍ عَلِمَ الخالِقُ أنَّ تَرْكِيبَها لا يَكْمُلُ إلّا عَلى ذَلِكَ الشَّكْلِ، وأيْضًا فَقَدْ أوْدَعَ الخالِقُ تَعالى في كُلِّ نَوْعٍ مِن أنْواعِ الحُبُوبِ خاصِّيَّةً أُخْرى ومَنفَعَةً أُخْرى، وأيْضًا فَقَدْ تَكُونُ الثَّمَرَةُ الواحِدَةُ غِذاءً لِحَيَوانٍ وسُمًّا لِحَيَوانٍ آخَرَ، فاخْتِلافُ هَذِهِ الصِّفاتِ والأشْكالِ والأحْوالِ مَعَ اتِّحادِ الطَّبائِعِ وتَأْثِيراتِ الكَواكِبِ يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّها إنَّما حَصَلَتْ بِتَخْلِيقِ الفاعِلِ المُخْتارِ الحَكِيمِ.

وسادِسُها: أنَّكَ إذا أخَذْتَ ورَقَةً واحِدَةً مِن أوْراقِ الشَّجَرَةِ وجَدْتَ خَطًّا واحِدًا مُسْتَقِيمًا في وسَطِها، كَأنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إلى تِلْكَ الوَرَقَةِ كالنُّخاعِ بِالنِّسْبَةِ إلى بَدَنِ الإنْسانِ، وكَما أنَّهُ يَنْفَصِلُ مِنَ النُّخاعِ أعْصابٌ كَثِيرَةٌ يَمْنَةً ويَسْرَةً في بَدَنِ الإنْسانِ، ثُمَّ لا يَزالُ يَنْفَصِلُ عَنْ كُلِّ شُعْبَةٍ شُعَبٌ أُخَرُ، ولا تَزالُ تَسْتَدِقُّ حَتّى تَخْرُجَ عَنِ الحِسِّ والأبْصارِ بِسَبَبِ الصِّغَرِ، فَكَذَلِكَ في تِلْكَ الوَرَقَةِ قَدْ يَنْفَصِلُ عَنْ ذَلِكَ الخَطِّ الكَبِيرِ الوَسَطانِيِّ خُطُوطٌ مُنْفَصِلَةٌ، وعَنْ كُلِّ واحِدٍ مِنها خُطُوطٌ مُخْتَلِفَةٌ أُخْرى أدَقُّ مِنَ الأُولى، ولا يَزالُ يَبْقى عَلى هَذا المَنهَجِ حَتّى تَخْرُجَ تِلْكَ الخُطُوطُ عَنِ الحِسِّ والبَصَرِ، والخالِقُ تَعالى إنَّما فَعَلَ ذَلِكَ حَتّى أنَّ القُوى الجاذِبَةَ المَرْكُوزَةَ في جِرْمِ تِلْكَ الوَرَقَةِ تَقْوى عَلى جَذْبِ الأجْزاءِ اللَّطِيفَةِ الأرْضِيَّةِ في تِلْكَ المَجارِي الضَّيِّقَةِ، فَلَمّا وقَفْتُ عَلى عِنايَةِ الخالِقِ في إيجادِ تِلْكَ الوَرَقَةِ الواحِدَةِ عَلِمْتَ أنَّ عِنايَتَهُ في تَخْلِيقِ جُمْلَةِ تِلْكَ الشَّجَرَةِ أكْمَلُ، وعَرَفْتَ أنَّ عِنايَتَهُ في تَكْوِينِ جُمْلَةِ النَّباتِ أكْمَلُ.

ثُمَّ إذا عَرَفْتَ أنَّهُ تَعالى إنَّما خَلَقَ جُمْلَةَ النَّباتِ لِمَصْلَحَةِ الحَيَوانِ، عَلِمْتَ أنَّ عِنايَتَهُ بِتَخْلِيقِ الحَيَوانِ أكْمَلُ، ولَمّا عَلِمْتَ أنَّ المَقْصُودَ مِن تَخْلِيقِ جُمْلَةِ الحَيَواناتِ هو الإنْسانُ عَلِمْتَ أنَّ عِنايَتَهُ في تَخْلِيقِ الإنْسانِ أكْمَلُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى إنَّما خَلَقَ النَّباتَ والحَيَوانَ في هَذا العالَمِ لِيَكُونَ غِذاءً ودَواءً لِلْإنْسانِ بِحَسَبِ جَسَدِهِ، والمَقْصُودُ مِن تَخْلِيقِ الإنْسانِ هو المَعْرِفَةُ والمَحَبَّةُ والخِدْمَةُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ . ( الذّارِياتِ: ٥٦ ] .

فانْظُرْ أيُّها المِسْكِينُ بِعَيْنِ رَأْسِكَ في تِلْكَ الوَرَقَةِ الواحِدَةِ مِن تِلْكَ الشَّجَرَةِ، واعْرِفْ كَيْفِيَّةَ خِلْقَةِ تِلْكَ العُرُوقَ والأوْتارَ فِيها، ثُمَّ انْتَقِلْ مِن مَرْتَبَةٍ إلى ما فَوْقَها حَتّى تَعْرِفَ أنَّ المَقْصُودَ الأخِيرَ مِنها حُصُولُ المَعْرِفَةِ والمَحَبَّةِ في الأرْواحِ البَشَرِيَّةِ، فَحِينَئِذٍ يَنْفَتِحُ عَلَيْكَ بابٌ مِنَ المُكاشَفاتِ لا آخِرَ لَها، ويَظْهَرُ لَكَ أنَّ أنْواعَ نِعَمِ اللَّهِ في حَقِّكَ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ، كَما قالَ: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ [إبراهيم: ٣٤] وكُلُّ ذَلِكَ إنَّما ظَهَرَ مِن كَيْفِيَّةِ خِلْقَةِ تِلْكَ الوَرَقَةِ مِنَ الحَبَّةِ والنَّواةِ، فَهَذا كَلامٌ مُخْتَصَرٌ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ فالِقُ الحَبِّ والنَّوى﴾ ومَتّى وقَفَ الإنْسانُ عَلَيْهِ أمْكَنَهُ تَفْرِيقُها وتَشْعِيبُها إلى ما لا آخِرَ لَهُ، ونَسْألُ اللَّهَ التَّوْفِيقَ والهِدايَةَ.

* * *

صفحة ٧٦

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ومُخْرِجُ المَيِّتِ مِنَ الحَيِّ﴾ فَفِيهِ مَباحِثُ:

الأوَّلُ: أنَّ ”الحَيَّ“ اسْمٌ لِما يَكُونُ مَوْصُوفًا بِالحَياةِ، و”المَيِّتَ“ اسْمٌ لِما كانَ خالِيًا عَنْ صِفَةِ الحَياةِ فِيهِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: النَّباتُ لا يَكُونُ حَيًّا.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَلِلنّاسِ في تَفْسِيرِ هَذا ”الحَيِّ“ و”المَيِّتِ“ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: حَمْلُ هَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ عَلى الحَقِيقَةِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُخْرِجُ مِنَ النُّطْفَةِ بَشَرًا حَيًّا، ثُمَّ يُخْرِجُ مِنَ البَشَرِ الحَيِّ نُطْفَةً مَيِّتَةً، وكَذَلِكَ يُخْرِجُ مِنَ البَيْضَةِ فَرَوْجَةً حَيَّةً، ثُمَّ يُخْرِجُ مِنَ الدَّجاجَةِ بَيْضَةً مَيِّتَةً، والمَقْصُودُ مِنهُ أنَّ الحَيَّ والمَيِّتَ مُتَضادّانِ مُتَنافِيانِ، فَحُصُولُ المَثَلِ عَنِ المَثَلِ يُوهِمُ أنْ يَكُونَ بِسَبَبِ الطَّبِيعَةِ والخاصِّيَّةِ. أمّا حُصُولُ الضِّدِّ مِنَ الضِّدِّ، فَيَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ بِسَبَبِ الطَّبِيعَةِ والخاصِّيَّةِ، بَلْ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ بِتَقْدِيرِ المُقَدِّرِ الحَكِيمِ، والمُدَبِّرِ العَلِيمِ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنْ يُحْمَلَ ”الحَيُّ“ و”المَيِّتُ“ عَلى ما ذَكَرْناهُ، وعَلى الوُجُوهِ المَجازِيَّةِ أيْضًا، وفِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: يُخْرِجُ النَّباتَ الغَضَّ الطَّرِيَّ الخَضِرَ مِنَ الحَبِّ اليابِسِ، ويُخْرِجُ اليابِسَ مِنَ النَّباتِ الحَيِّ النّامِي.

الثّانِي: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُخْرِجُ المُؤْمِنَ مِنَ الكافِرِ، كَما في حَقِّ إبْراهِيمَ، والكافِرَ مِنَ المُؤْمِنِ كَما في حَقِّ ولَدِ نُوحٍ، والعاصِيَ مِنَ المُطِيعِ، وبِالعَكْسِ.

الثّالِثُ: قَدْ يَصِيرُ بَعْضُ ما يُقْطَعُ عَلَيْهِ بِأنَّهُ يُوجِبُ المَضَرَّةَ سَبَبًا لِلنَّفْعِ العَظِيمِ، وبِالعَكْسِ. ذَكَرُوا في الطِّبِّ أنَّ إنْسانًا سَقَوْهُ الأفْيُونَ الكَثِيرَ في الشَّرابِ لِأجْلِ أنْ يَمُوتَ، فَلَمّا تَناوَلَهُ وظَنَّ القَوْمُ أنَّهُ سَيَمُوتُ في الحالِ رَفَعُوهُ مِن مَوْضِعِهِ ووَضَعُوهُ في بَيْتٍ مُظْلِمٍ، فَخَرَجَتْ حَيَّةٌ عَظِيمَةٌ فَلَدَغَتْهُ، فَصارَتْ تِلْكَ اللَّدْغَةُ سَبَبًا لِانْدِفاعِ ضَرَرِ ذَلِكَ الأفْيُونِ مِنهُ، فَإنَّ الأفْيُونَ يُقْتَلُ بِقُوَّةِ بَرْدِهِ، وسُمَّ الأفْعى يَقْتُلُ بِقُوَّةِ حَرِّهِ، فَصارَتْ تِلْكَ اللَّدْغَةُ سَبَبًا لِانْدِفاعِ ضَرَرِ الأفْيُونِ، فَهاهُنا تَوَلَّدَ عَمّا يُعْتَقَدُ فِيهِ كَوْنُهُ أعْظَمَ مُوجِباتِ الشَّرِّ أعْظَمُ الخَيْراتِ، وقَدْ يَكُونُ بِالعَكْسِ مِن ذَلِكَ، وكُلُّ هَذِهِ الأحْوالِ المُخْتَلِفَةِ والأفْعالِ المُتَدافِعَةِ تَدُلُّ عَلى أنَّ لِهَذا العالَمِ مُدَبِّرًا حَكِيمًا ما أهْمَلَ مَصالِحَ الخَلْقِ وما تَرَكَهم سُدًى، وتَحْتَ هَذِهِ المَباحِثِ مَباحِثُ عالِيَةٌ شَرِيفَةٌ.

البَحْثُ الثّانِي: مِن مَباحِثِ هَذِهِ الآيَةِ قَرَأ نافِعٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ”المَيِّتُ“ مُشَدَّدَةً في الكَلِمَتَيْنِ، والباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ في الكَلِمَتَيْنِ، وكَذَلِكَ كُلُّ هَذا الجِنْسِ في القُرْآنِ.

البَحْثُ الثّالِثُ: أنَّ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّهُ قالَ أوَّلًا: ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿ومُخْرِجُ المَيِّتِ مِنَ الحَيِّ﴾ وعَطْفُ الِاسْمِ عَلى الفِعْلِ قَبِيحٌ، فَما السَّبَبُ في اخْتِيارِ ذَلِكَ ؟ .

قُلْنا: قَوْلُهُ: ﴿ومُخْرِجُ المَيِّتِ مِنَ الحَيِّ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فالِقُ الحَبِّ والنَّوى﴾ وقَوْلُهُ: ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ كالبَيانِ والتَّفْسِيرِ لِقَوْلِهِ: ﴿فالِقُ الحَبِّ والنَّوى﴾ لِأنَّ فَلْقَ الحَبِّ والنَّوى بِالنَّباتِ والشَّجَرِ النّامِي مِن جِنْسِ إخْراجِ الحَيِّ مِنَ المَيِّتِ؛ لِأنَّ النّامِيَ في حُكْمِ الحَيَوانِ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿ويُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ [ الرُّومِ: ١٩] وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنَّ لَفْظَ الفِعْلِ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الفاعِلَ يَعْتَنِي بِذَلِكَ الفِعْلِ في كُلِّ حِينٍ وأوانٍ.

وأمّا لَفْظُ الِاسْمِ فَإنَّهُ لا يُفِيدُ التَّجَدُّدَ والِاعْتِناءَ بِهِ ساعَةً فَساعَةً، وضَرَبَ الشَّيْخُ عَبْدُ القاهِرِ الجُرْجانِيُّ لِهَذا مَثَلًا في كِتابِ ”دَلائِلِ الإعْجازِ“ فَقالَ: قَوْلُهُ: ﴿هَلْ مِن خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ﴾ [ فاطِرٍ: ٣] إنَّما ذَكَرَهُ بِلَفْظِ الفِعْلِ وهو قَوْلُهُ: (يَرْزُقُكم) لِأنَّ صِيغَةَ الفِعْلِ تُفِيدُ أنَّهُ تَعالى يَرْزُقُهم حالًا فَحالًا، وساعَةً فَساعَةً.

صفحة ٧٧

وأمّا الِاسْمُ فَمِثالُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَلْبُهم باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالوَصِيدِ﴾ [الكهف: ١٨] فَقَوْلُهُ: ﴿باسِطٌ﴾ يُفِيدُ البَقاءَ عَلى تِلْكَ الحالَةِ الواحِدَةِ.

إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: الحَيُّ أشْرَفُ مِنَ المَيِّتِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الِاعْتِناءُ بِإخْراجِ الحَيِّ مِنَ المَيِّتِ أكْثَرَ مِنَ الِاعْتِناءِ بِإخْراجِ المَيِّتِ مِنَ الحَيِّ، فَلِهَذا المَعْنى وقَعَ التَّعْبِيرُ عَنِ القَسَمِ الأوَّلِ بِصِيغَةِ الفِعْلِ، وعَنِ الثّانِي بِصِيغَةِ الِاسْمِ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الِاعْتِناءَ بِإيجادِ الحَيِّ مِنَ المَيِّتِ أكْثَرُ وأكْمَلُ مِنَ الِاعْتِناءِ بِإيجادِ المَيِّتِ مِنَ الحَيِّ. واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى في آخِرِ الآيَةِ: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ بَعْضُهم مَعْناهُ: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ﴾ المُدَبِّرُ الخالِقُ النّافِعُ الضّارُّ المُحْيِي المُمِيتُ ﴿فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ في إثْباتِ القَوْلِ بِعِبادَةِ الأصْنامِ.

والثّانِي: أنَّ المُرادَ أنَّكم لَمّا شاهَدْتُمْ أنَّهُ تَعالى يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ، ومُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ، ثُمَّ شاهَدْتُمْ أنَّهُ أخْرَجَ البَدَنَ الحَيَّ مِنَ النُّطْفَةِ المَيِّتَةِ مَرَّةً واحِدَةً، فَكَيْفَ تَسْتَبْعِدُونَ أنْ يُخْرِجَ البَدَنُ الحَيَّ مِن مَيِّتِ التُّرابِ الرَّمِيمِ مَرَّةً أُخْرى ؟ والمَقْصُودُ الإنْكارُ عَلى تَكْذِيبِهِمْ بِالحَشْرِ والنَّشْرِ، وأيْضًا الضِّدّانِ مُتَساوِيانِ في النِّسْبَةِ فَكَما لا يَمْتَنِعُ الِانْقِلابُ مِن أحَدِ الضِّدَّيْنِ إلى الآخَرِ، وجَبَ أنْ لا يَمْتَنِعَ الِانْقِلابُ مِنَ الثّانِي إلى الأوَّلِ، فَكَما لا يَمْتَنِعُ حُصُولُ المَوْتِ بَعْدَ الحَياةِ. وجَبَ أيْضًا أنْ لا يَمْتَنِعَ حُصُولُ الحَياةِ بَعْدَ المَوْتِ، وعَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ فَيَخْرُجُ مِنهُ جَوازُ القَوْلِ بِالبَعْثِ والحَشْرِ والنَّشْرِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: تَمَسَّكَ الصّاحِبُ بْنُ عَبّادٍ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ لَيْسَ مَخْلُوقًا لِلَّهِ تَعالى. قالَ: لِأنَّهُ تَعالى لَوْ خَلَقَ الإفْكَ فِيهِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِهِ أنْ يَقُولَ مَعَ ذَلِكَ: ﴿فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ .

والجَوابُ عَنْهُ: أنَّ القُدْرَةَ بِالنِّسْبَةِ إلى الضِّدَّيْنِ عَلى السَّوِيَّةِ، فَإنْ تَرَجَّحَ أحَدُ الطَّرَفَيْنِ عَلى الآخَرِ لا لِمُرَجِّحٍ، فَحِينَئِذٍ لا يَكُونُ هَذا الرُّجْحانُ مِنَ العَبْدِ، بَلْ يَكُونُ مَحْضَ الِاتِّفاقِ، فَكَيْفَ يَحْسُنُ أنْ يُقالَ لَهُ: ﴿فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ وإنْ تَوَقَّفَ ذَلِكَ المُرَجَّحُ عَلى حُصُولِ مُرَجَّحٍ، وهي الدّاعِيَةُ الجاذِبَةُ إلى الفِعْلِ، فَحُصُولُ تِلْكَ الدّاعِيَةِ يَكُونُ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وعِنْدَ حُصُولِها يَجِبُ الفِعْلُ، وحِينَئِذٍ يَلْزَمُكم كُلُّ ما ألْزَمْتُمُوهُ عَلَيْنا. واللَّهُ أعْلَمُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском