Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Al-A'raf 7:96–106
7:96–99Page 163
وَلَوۡ أَنَّ أَهۡلَ ٱلۡقُرَىٰٓ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَوۡاْ لَفَتَحۡنَا عَلَيۡهِم بَرَكَٰتٖ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَٰكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذۡنَٰهُم بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ٩٦
And if only the people of the cities had believed and feared Allāh, We would have opened [i.e., bestowed] upon them blessings from the heaven and the earth; but they denied [the messengers], so We seized them for what they were earning.1
أَفَأَمِنَ أَهۡلُ ٱلۡقُرَىٰٓ أَن يَأۡتِيَهُم بَأۡسُنَا بَيَٰتٗا وَهُمۡ نَآئِمُونَ ٩٧
Then, did the people of the cities feel secure from Our punishment coming to them at night while they were asleep?
أَوَأَمِنَ أَهۡلُ ٱلۡقُرَىٰٓ أَن يَأۡتِيَهُم بَأۡسُنَا ضُحٗى وَهُمۡ يَلۡعَبُونَ ٩٨
Or did the people of the cities feel secure from Our punishment coming to them in the morning while they were at play?1
أَفَأَمِنُواْ مَكۡرَ ٱللَّهِۚ فَلَا يَأۡمَنُ مَكۡرَ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡقَوۡمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ٩٩
Then, did they feel secure from the plan of Allāh? But no one feels secure from the plan of Allāh except the losing people.
صفحة ١٥١
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا واتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ ولَكِنْ كَذَّبُوا فَأخَذْناهم بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ﴿أفَأمِنَ أهْلُ القُرى أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا بَياتًا وهم نائِمُونَ﴾ ﴿أوَأمِنَ أهْلُ القُرى أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا ضُحًى وهم يَلْعَبُونَ﴾ ﴿أفَأمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الخاسِرُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في الآيَةِ الأُولى أنَّ الَّذِينَ عَصَوْا وتَمَرَّدُوا أخَذَهُمُ اللَّهُ بَغْتَةً، بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم لَوْ أطاعُوا لَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أبْوابَ الخَيْراتِ، فَقالَ: ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا﴾ أيْ آمَنُوا بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ واليَوْمِ الآخِرِ (واتَّقَوْا) ما نَهى اللَّهُ عَنْهُ وحَرَّمَهُ ﴿لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ بَرَكاتُ السَّماءِ بِالمَطَرِ، وبَرَكاتُ الأرْضِ بِالنَّباتِ والثِّمارِ، وكَثْرَةِ المَواشِي والأنْعامِ، وحُصُولِ الأمْنِ والسَّلامَةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ السَّماءَ تَجْرِي مَجْرى الأبِ، والأرْضَ تَجْرِي مَجْرى الأُمِّ، ومِنهُما يَحْصُلُ جَمِيعُ المَنافِعِ والخَيْراتِ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى وتَدْبِيرِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ولَكِنْ كَذَّبُوا﴾ يَعْنِي الرُّسُلَ (فَأخَذْناهم) بِالجُدُوبَةِ والقَحْطِ ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ مِنَ الكُفْرِ والمَعْصِيَةِ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أعادَ التَّهْدِيدَ بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ فَقالَ: ﴿أفَأمِنَ أهْلُ القُرى﴾ وهو اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى الإنْكارِ عَلَيْهِمْ، والمَقْصُودُ أنَّهُ تَعالى خَوَّفَهم بِنُزُولِ ذَلِكَ العَذابِ عَلَيْهِمْ في الوَقْتِ الَّذِي يَكُونُونَ فِيهِ في غايَةِ الغَفْلَةِ، وهو حالُ النَّوْمِ بِاللَّيْلِ، وحالُ الضُّحى بِالنَّهارِ؛ لِأنَّهُ الوَقْتُ الَّذِي يَغْلِبُ عَلى المَرْءِ التَّشاغُلُ بِاللَّذّاتِ فِيهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وهم يَلْعَبُونَ﴾ يَحْتَمِلُ التَّشاغُلَ بِأُمُورِ الدُّنْيا، فَهي لَعِبٌ ولَهْوٌ، ويَحْتَمِلُ خَوْضَهم في كُفْرِهِمْ؛ لِأنَّ ذَلِكَ كاللَّعِبِ في أنَّهُ لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ. قَرَأ أكْثَرُ القُرّاءِ ”أوَأمِنَ“ بِفَتْحِ الواوِ، وهو حَرْفُ العَطْفِ دَخَلَتْ عَلَيْهِ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ، كَما دَخَلَ في قَوْلِهِ: ﴿أثُمَّ إذا ما وقَعَ﴾ [يونس: ٥١] وقَوْلِهِ: ﴿أوَكُلَّما عاهَدُوا﴾ [البقرة: ١٠٠] وهَذِهِ القِراءَةُ أشْبَهُ بِما قَبْلَهُ وبَعْدَهُ؛ لِأنَّ قَبْلَهُ ﴿أفَأمِنَ أهْلُ القُرى﴾ وما بَعْدَهُ ﴿أفَأمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾ ﴿أوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأرْضَ﴾ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ”أوْ أمِنَ“ ساكِنَةَ الواوِ، واسْتُعْمِلَ عَلى ضَرْبَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ بِمَعْنى أحَدِ الشَّيْئَيْنِ، كَقَوْلِهِ: زَيْدٌ أوْ عَمْرٌو جاءَ، والمَعْنى: أحَدُهُما جاءَ.
والضَّرْبُ الثّانِي: أنْ تَكُونَ لِلْإضْرابِ عَمّا قَبْلَها، كَقَوْلِكَ: أنا أخْرُجُ أوْ أُقِيمُ، أضْرَبْتَ عَنِ الخُرُوجِ وأثْبَتَّ الإقامَةَ، كَأنَّكَ قُلْتَ: لا بَلْ أُقِيمُ، فَوَجْهُ هَذِهِ القِراءَةِ أنَّهُ جَعَلَ ”أوْ“ لِلْإضْرابِ لا عَلى أنَّهُ أبْطَلَ الأوَّلَ، وهو ﴿الم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ﴾ [السجدة: ١، ٢، ٣] فَكانَ المَعْنى مِن هَذِهِ الآيَةِ اسْتِواءُ هَذِهِ الضُّرُوبِ مِنَ العَذابِ، وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَ ”أوْ“ هَهُنا الَّتِي لِأحَدِ الشَّيْئَيْنِ، ويَكُونُ المَعْنى: أفَأمِنُوا إحْدى هَذِهِ العُقُوباتِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ضُحًى﴾ الضُّحى: صَدْرُ النَّهارِ، وأصْلُهُ الظُّهُورُ، مِن قَوْلِهِمْ: ضَحا لِلشَّمْسِ إذا ظَهَرَ لَها.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أفَأمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾ وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُ المَكْرِ في اللُّغَةِ، ومَعْنى المَكْرِ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤] ويَدُلُّ قَوْلُهُ: ﴿أفَأمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾ أنَّ المُرادَ أنْ يَأْتِيَهم عَذابُهُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ، قالَهُ عَلى وجْهِ التَّحْذِيرِ، وسَمّى هَذا العَذابَ مَكْرًا تَوَسُّعًا؛ لِأنَّ الواحِدَ مِنّا إذا أرادَ المَكْرَ بِصاحِبِهِ، فَإنَّهُ يُوقِعُهُ في البَلاءِ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُ بِهِ، فَسَمّى العَذابَ مَكْرًا لِنُزُولِهِ بِهِمْ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ، وبَيَّنَ أنَّهُ لا يَأْمَنُ نُزُولَ عَذابِ اللَّهِ عَلى هَذا الوَجْهِ ﴿إلّا القَوْمُ الخاسِرُونَ﴾ وهُمُ الَّذِينَ لِغَفْلَتِهِمْ وجَهْلِهِمْ لا يَعْرِفُونَ رَبَّهم، فَلا يَخافُونَهُ، ومَن هَذِهِ سَبِيلُهُ فَهو أخْسَرُ الخاسِرِينَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ؛ لِأنَّهُ أوْقَعَ نَفْسَهُ في الدُّنْيا في الضَّرَرِ، وفي الآخِرَةِ في أشَدِّ العَذابِ.
7:100–101Page 163
أَوَلَمۡ يَهۡدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلۡأَرۡضَ مِنۢ بَعۡدِ أَهۡلِهَآ أَن لَّوۡ نَشَآءُ أَصَبۡنَٰهُم بِذُنُوبِهِمۡۚ وَنَطۡبَعُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ فَهُمۡ لَا يَسۡمَعُونَ ١٠٠
Has it not become clear to those who inherited the earth after its [previous] people that if We willed, We could afflict them for their sins? But We seal over their hearts so they do not hear.1
تِلۡكَ ٱلۡقُرَىٰ نَقُصُّ عَلَيۡكَ مِنۡ أَنۢبَآئِهَاۚ وَلَقَدۡ جَآءَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَمَا كَانُواْ لِيُؤۡمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبۡلُۚ كَذَٰلِكَ يَطۡبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلۡكَٰفِرِينَ ١٠١
Those cities - We relate to you, [O Muḥammad], some of their news. And certainly did their messengers come to them with clear proofs, but they were not to believe in that which they had denied before.1 Thus does Allāh seal over the hearts of the disbelievers.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأرْضَ مِن بَعْدِ أهْلِها أنْ لَوْ نَشاءُ أصَبْناهم بِذُنُوبِهِمْ ونَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ ﴿تِلْكَ القُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْبائِها ولَقَدْ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِن قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الكافِرِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ فِيما تَقَدَّمَ مِنَ الآياتِ حالَ الكُفّارِ الَّذِينَ أهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِالِاسْتِئْصالِ مُجْمَلًا ومُفَصَّلًا أتْبَعَهُ بِبَيانِ أنَّ الغَرَضَ مِن ذِكْرِ هَذِهِ القَصَصِ حُصُولُ العِبْرَةِ لِجَمِيعِ المُكَلَّفِينَ في مَصالِحِ أدْيانِهِمْ وطاعاتِهِمْ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفَ القُرّاءُ، فَقَرَأ بَعْضُهم ﴿أوَلَمْ يَهْدِ﴾ بِالياءِ المُعْجَمَةِ مِن تَحْتِها، وبَعْضُهم بِالنُّونِ، قالَ الزَّجّاجُ: إذا قُرِئَ بِالياءِ المُعْجَمَةِ مِن تَحْتُ كانَ قَوْلُهُ: ﴿أنْ لَوْ نَشاءُ﴾ مَرْفُوعًا بِأنَّهُ فاعِلُهُ، بِمَعْنى: أوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينِ يَخْلُفُونَ أُولَئِكَ المُتَقَدِّمِينَ ويَرِثُونَ أرْضَهم ودِيارَهم، وهَذا الشَّأْنُ وهو أنّا لَوْ نَشاءُ أصَبْناهم بِذُنُوبِهِمْ كَما أصَبْنا مَن قَبْلَهم وأهْلَكْنا الوارِثِينَ كَما أهْلَكْنا المُوَرِّثِينَ، إذا قُرِئَ بِالنُّونِ فَهو مَنصُوبٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: أوَلَمْ نَهْدِ لِلْوارِثِينَ هَذا الشَّأْنَ، بِمَعْنى أوَلَمْ نُبَيِّنْ لَهم أنَّ قُرَيْشًا أصَبْناهم بِذُنُوبِهِمْ كَما أصَبْنا مَن قَبْلَهم ؟
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المَعْنى أوَلَمْ نُبَيِّنْ لِلَّذِينِ نَبْعَثُهم في الأرْضِ بَعْدَ إهْلاكِنا مَن كانَ قَبْلَهم فِيها فَنُهْلِكُهم بَعْدَهم ؟ وهو مَعْنى ﴿لَوْ نَشاءُ أصَبْناهم بِذُنُوبِهِمْ﴾ أيْ عِقابِ ذُنُوبِهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿ونَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ إنْ لَمْ نُهْلِكْهم بِالعِقابِ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ ﴿فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ أيْ لا يَقْبَلُونَ، ولا يَتَّعِظُونَ، ولا يَنْزَجِرُونَ، وإنَّما قُلْنا: إنَّ المُرادَ إمّا الإهْلاكُ وإمّا الطَّبْعُ عَلى القَلْبِ؛ لِأنَّ الإهْلاكَ لا يَجْتَمِعُ مَعَ الطَّبْعِ عَلى القَلْبِ، فَإنَّهُ إذا أهْلَكَهُ يَسْتَحِيلُ أنْ يَطْبَعَ عَلى قَلْبِهِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اسْتَدَلَّ أصْحابُنا عَلى أنَّهُ تَعالى قَدْ يَمْنَعُ العَبْدَ عَنِ الإيمانِ بِقَوْلِهِ: ﴿ونَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ والطَّبْعُ والخَتْمُ والرَّيْنُ والكِنانُ والغِشاوَةُ والصَّدُّ والمَنعُ واحِدٌ عَلى ما قَرَّرْناهُ في آياتٍ كَثِيرَةٍ.
قالَ الجُبّائِيُّ: المُرادُ مِن هَذا الطَّبْعِ أنَّهُ تَعالى يَسِمُ قُلُوبَ الكُفّارِ بِسِماتٍ وعَلاماتٍ تَعْرِفُ المَلائِكَةُ بِها أنَّ أصْحابَها لا يُؤْمِنُونَ، وتِلْكَ العَلامَةُ غَيْرُ مانِعَةٍ مِنَ الإيمانِ.
وقالَ الكَعْبِيُّ: إنَّما أضافَ الطَّبْعَ إلى نَفْسِهِ لِأجْلِ أنَّ القَوْمَ إنَّما صارُوا إلى ذَلِكَ الكُفْرِ عِنْدَ أمْرِهِ وامْتِحانِهِ، فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمْ يَزِدْهم دُعائِي إلّا فِرارًا﴾ [نوح: ٦] .
واعْلَمْ أنَّ البَحْثَ عَنْ حَقِيقَةِ الطَّبْعِ والخَتْمِ قَدْ مَرَّ مِرارًا كَثِيرَةً، فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ.
صفحة ١٥٣
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ونَطْبَعُ﴾ هَلْ هو مُنْقَطِعٌ عَمّا قَبْلَهُ أوْ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ ؟ فِيهِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ مُنْقَطِعٌ عَنِ الَّذِي قَبْلَهُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: (أصَبْنا) ماضٍ، وقَوْلَهُ: ﴿ونَطْبَعُ﴾ مُسْتَقْبَلٌ، وهَذا العَطْفُ لَيْسَ بِمُسْتَحْسَنٍ، بَلْ هو مُنْقَطِعٌ عَمّا قَبْلَهُ، والتَّقْدِيرُ: ونَحْنُ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: هو مَعْطُوفٌ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ مَعْنى ﴿أوَلَمْ يَهْدِ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ يَغْفُلُونَ عَنِ الهِدايَةِ، ونَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ، أوْ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿يَرِثُونَ الأرْضَ﴾ ثُمَّ قالَ: ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى ﴿أصَبْناهُمْ﴾ لِأنَّهم كانُوا كُفّارًا وكُلُّ كافِرٍ فَهو مَطْبُوعٌ عَلى قَلْبِهِ، فَقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ونَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ يَجْرِي مَجْرى تَحْصِيلِ الحاصِلِ، وهو مُحالٌ، هَذا تَقْرِيرُ قَوْلِ صاحِبِ ”الكَشّافِ“ عَلى أقْوى الوُجُوهِ وهو ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ كَوْنَهُ مَطْبُوعًا عَلَيْهِ إنَّما يَحْصُلُ حالَ اسْتِمْرارِهِ وثَباتِهِ عَلَيْهِ، فَهو يَكْفُرُ أوَّلًا ثُمَّ يَصِيرُ مَطْبُوعًا عَلَيْهِ في الكُفْرِ، فَلَمْ يَكُنْ هَذا مُنافِيًا لِصِحَّةِ العَطْفِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿تِلْكَ القُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْبائِها﴾ قَوْلُهُ: ”تِلْكَ“ مُبْتَدَأٌ، و”القُرى“ صِفَةٌ، و”نَقُصُّ عَلَيْكَ“ خَبَرٌ، والمُرادُ بِتِلْكَ القُرى قُرى الأقْوامِ الخَمْسَةِ الَّذِينَ وصَفَهم فِيما سَبَقَ وهم: قَوْمُ نُوحٍ، وهُودٍ، وصالِحٍ، ولُوطٍ، وشُعَيْبٍ، نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أخْبارِها كَيْفَ أُهْلِكَتْ، وأمّا أخْبارُ غَيْرِ هَؤُلاءِ الأقْوامِ فَلَمْ نَقُصَّها عَلَيْكَ، وإنَّما خَصَّ اللَّهُ أنْباءَ هَذِهِ القُرى لِأنَّهُمُ اغْتَرُّوا بِطُولِ الإمْهالِ مَعَ كَثْرَةِ النِّعَمِ، فَتَوَهَّمُوا أنَّهم عَلى الحَقِّ، فَذَكَرَها اللَّهُ تَعالى تَنْبِيهًا لِقَوْمِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنِ الِاحْتِرازِ مِن مِثْلِ تِلْكَ الأعْمالِ.
ثُمَّ عَزاهُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ﴾ يُرِيدُ الأنْبِياءَ الَّذِينَ أُرْسِلُوا إلَيْهِمْ.
وقَوْلُهُ: ﴿فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِن قَبْلُ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ: فَما كانَ أُولَئِكَ الكُفّارُ لِيُؤْمِنُوا عِنْدَ إرْسالِ الرُّسُلِ بِما كَذَّبُوا بِهِ يَوْمَ أخَذَ مِيثاقَهم حِينَ أخْرَجَهم مِن ظَهْرِ آدَمَ، فَآمَنُوا كُرْهًا، وأقَرُّوا بِاللِّسانِ، وأضْمَرُوا التَّكْذِيبَ.
الثّانِي: قالَ الزَّجّاجُ: ﴿فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ بَعْدَ رُؤْيَةِ المُعْجِزاتِ بِما كَذَّبُوا بِهِ قَبْلَ رُؤْيَةِ تِلْكَ المُعْجِزاتِ.
الثّالِثُ: ما كانُوا لَوْ أحْيَيْناهم بَعْدَ إهْلاكِهِمْ ورَدَدْناهم إلى دارِ التَّكْلِيفِ لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِن قَبْلِ إهْلاكِهِمْ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨] .
الرّابِعُ: قَبْلَ مَجِيءِ الرَّسُولِ كانُوا مُصِرِّينَ عَلى الكُفْرِ، فَهَؤُلاءِ ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بَعْدَ مَجِيءِ الرُّسُلِ أيْضًا.
الخامِسُ: لِيُؤْمِنُوا في الزَّمانِ المُسْتَقْبَلِ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ السَّبَبَ في عَدَمِ هَذا القَبُولُ فَقالَ: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الكافِرِينَ﴾ .
قالَ الزَّجّاجُ: والكافُ في (كَذَلِكَ) نَصْبٌ، والمَعْنى: مِثْلَ ذَلِكَ الَّذِي طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ كُفّارِ الأُمَمِ الخالِيَةِ، يَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الكافِرِينَ الَّذِينَ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أنْ لا يُؤْمِنُوا أبَدًا، واللَّهُ أعْلَمُ بِحَقائِقِ الأُمُورِ.
7:102Page 163
وَمَا وَجَدۡنَا لِأَكۡثَرِهِم مِّنۡ عَهۡدٖۖ وَإِن وَجَدۡنَآ أَكۡثَرَهُمۡ لَفَٰسِقِينَ ١٠٢
And We did not find for most of them any covenant;1 but indeed, We found most of them defiantly disobedient.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما وجَدْنا لِأكْثَرِهِمْ مِن عَهْدٍ وإنْ وجَدْنا أكْثَرَهم لَفاسِقِينَ﴾ فِيهِ أقْوالٌ:
الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ الوَفاءَ بِالعَهْدِ الَّذِي عاهَدَهُمُ اللَّهُ وهم في صُلْبِ آدَمَ، حَيْثُ قالَ:
صفحة ١٥٤
﴿ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ [الأعراف: ١٧٢] فَلَمّا أخَذَ اللَّهُ مِنهم هَذا العَهْدَ وأقَرُّوا بِهِ، ثُمَّ خالَفُوا ذَلِكَ، صارَ كَأنَّهُ ما كانَ لَهم عَهْدٌ؛ فَلِهَذا قالَ: ﴿وما وجَدْنا لِأكْثَرِهِمْ مِن عَهْدٍ﴾ .
والثّانِي: قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: العَهْدُ هُنا الإيمانُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٨٧] يَعْنِي: آمَنَ وقالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.
والثّالِثُ: أنَّ العَهْدَ عِبارَةٌ عَنْ وضْعِ الأدِلَّةِ الدّالَّةِ عَلى صِحَّةِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالمُرادُ ما وجَدْنا لِأكْثَرِهِمْ مِنَ الوَفاءِ بِالعَهْدِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وإنْ وجَدْنا أكْثَرَهم لَفاسِقِينَ﴾ أيْ وإنَّ الشَّأْنَ والحَدِيثَ وجَدْنا أكْثَرَهم فاسِقِينَ خارِجِينَ عَنِ الطّاعَةِ، صارِفِينَ عَنِ الدِّينِ.
7:103Page 163
ثُمَّ بَعَثۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِم مُّوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَآ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَمَلَإِيْهِۦ فَظَلَمُواْ بِهَاۖ فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُفۡسِدِينَ ١٠٣
Then We sent after them Moses with Our signs to Pharaoh and his establishment, but they were unjust toward them.1 So see how was the end of the corrupters.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِها فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذا هو القِصَّةُ السّادِسَةُ مِنَ القِصَصِ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ، وذَكَرَ في هَذِهِ القِصَّةِ مِنَ الشَّرْحِ والتَّفْصِيلِ ما لَمْ يَذْكُرْ في سائِرِ القِصَصِ؛ لِأجْلِ أنَّ مُعْجِزاتِ مُوسى كانَتْ أقْوى مِن مُعْجِزاتِ سائِرِ الأنْبِياءِ، وجَهْلَ قَوْمِهِ كانَ أعْظَمَ وأفْحَشَ مِن جَهْلِ سائِرِ الأقْوامِ.
واعْلَمْ أنَّ الكِنايَةَ في قَوْلِهِ: ﴿مِن بَعْدِهِمْ﴾ يَجُوزُ أنْ تَعُودَ إلى الأنْبِياءِ الَّذِينَ جَرى ذِكْرُهم، ويَجُوزُ أنْ تَعُودَ إلى الأُمَمِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم بِإهْلاكِهِمْ.
وقَوْلُهُ: (بِآياتِنا) فِيهِ مَباحِثُ:
البَحْثُ الأوَّلُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ النَّبِيَّ لا بُدَّ لَهُ مِن آيَةٍ ومُعْجِزَةٍ بِها يَمْتازُ عَنْ غَيْرِهِ، إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُخْتَصًّا بِهَذِهِ الآيَةِ لَمْ يَكُنْ قَبُولُ قَوْلِهِ أوْلى مِن قَبُولِ قَوْلِ غَيْرِهِ.
والبَحْثُ الثّانِي: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى آتاهُ آياتٍ كَثِيرَةً ومُعْجِزاتٍ كَثِيرَةً.
والبَحْثُ الثّالِثُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أوَّلُ آياتِهِ العَصا ثُمَّ اليَدُ، ضَرَبَ بِالعَصا بابَ فِرْعَوْنَ، فَفَزِعَ مِنها فَشابَ رَأْسُهُ، فاسْتَحْيا فَخَضَّبَ بِالسَّوادِ، فَهو أوَّلُ مَن خَضَّبَ.
قالَ: وآخِرُ الآياتِ الطَّمْسُ.
قالَ: ولِلْعَصا فَوائِدُ كَثِيرَةٌ مِنها ما هو مَذْكُورٌ في القُرْآنِ كَقَوْلِهِ: ﴿هِيَ عَصايَ أتَوَكَّأُ عَلَيْها وأهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي ولِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾ [طه: ١٨] .
وذَكَرَ اللَّهُ مِن تِلْكَ المَآرِبِ في القُرْآنِ قَوْلَهُ: ﴿اضْرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ فانْفَجَرَتْ مِنهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ [البقرة: ٦٠] .
وذَكَرَ ابْنُ عَبّاسٍ أشْياءَ أُخْرى:
مِنها: أنَّهُ كانَ يَضْرِبُ الأرْضَ بِها فَتَنْبُتُ.
ومِنها: أنَّهُ كانَتْ تُحارِبُ اللُّصُوصَ والسِّباعَ الَّتِي كانَتْ تَقْصِدُ غَنَمَهُ.
ومِنها: أنَّها كانَتْ تَشْتَعِلُ في اللَّيْلِ كاشْتِعالِ الشَّمْعَةِ.
ومِنها: أنَّها كانَتْ تَصِيرُ كالحَبْلِ الطَّوِيلِ فَيَنْزَحُ بِهِ الماءَ مِنَ البِئْرِ العَمِيقَةِ.
صفحة ١٥٥
واعْلَمْ أنَّ الفَوائِدَ المَذْكُورَةَ في القُرْآنِ مَعْلُومَةٌ، فَأمّا الأُمُورُ الَّتِي هي غَيْرُ مَذْكُورَةٍ في القُرْآنِ فَكُلُّ ما ورَدَ بِهِ خَبَرٌ صَحِيحٌ فَهو مَقْبُولٌ، وما لا فَلا، وقَوْلُهُ: إنَّهُ كانَ يَضْرِبُ بِها الأرْضَ فَتُخْرِجُ النَّباتَ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ القُرْآنَ يَدُلُّ عَلى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، كانَ يَفْزَعُ إلى العَصا في الماءِ الخارِجِ مِنَ الحَجَرِ، وما كانَ يَفْزَعُ إلَيْها في طَلَبِ الطَّعامِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَظَلَمُوا بِها﴾ أيْ فَظَلَمُوا بِالآياتِ الَّتِي جاءَتْهم؛ لِأنَّ الظُّلْمَ وضْعُ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، فَلَمّا كانَتْ تِلْكَ الآياتُ قاهِرَةً ظاهِرَةً، ثُمَّ إنَّهم كَفَرُوا بِها فَوَضَعُوا الإنْكارَ في مَوْضِعِ الإقْرارِ، والكُفْرَ في مَوْضِعِ الإيمانِ - كانَ ذَلِكَ ظُلْمًا مِنهم عَلى تِلْكَ الآياتِ.
ثُمَّ قالَ: (فانْظُرْ) أيْ بِعَيْنِ عَقْلِكَ ﴿كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ وكَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ.
7:104–106Page 163
وَقَالَ مُوسَىٰ يَٰفِرۡعَوۡنُ إِنِّي رَسُولٞ مِّن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٠٤
And Moses said, "O Pharaoh, I am a messenger from the Lord of the worlds
حَقِيقٌ عَلَىٰٓ أَن لَّآ أَقُولَ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡحَقَّۚ قَدۡ جِئۡتُكُم بِبَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ فَأَرۡسِلۡ مَعِيَ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ١٠٥
[Who is] obligated not to say about Allāh except the truth. I have come to you with clear evidence from your Lord, so send with me the Children of Israel."1
قَالَ إِن كُنتَ جِئۡتَ بِـَٔايَةٖ فَأۡتِ بِهَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ١٠٦
[Pharaoh] said, "If you have come with a sign, then bring it forth, if you should be of the truthful."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ مُوسى يافِرْعَوْنُ إنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ قَدْ جِئْتُكم بِبَيِّنَةٍ مِن رَبِّكم فَأرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ ﴿قالَ إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ .
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ كانَ يُقالُ لِمُلُوكِ مِصْرَ: الفَراعِنَةُ، كَما يُقالُ لِمُلُوكِ فارِسَ: الأكاسِرَةُ، فَكَأنَّهُ قالَ: يا مَلِكَ مِصْرَ، وكانَ اسْمُهُ قايُوسَ، وقِيلَ: الوَلِيدُ بْنُ مُصْعَبِ بْنِ الرَّيّانِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى ما يَدُلُّ عَلى وُجُودِ الإلَهِ تَعالى، فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ العالَمَ مَوْصُوفٌ بِصِفاتٍ لِأجْلِها افْتَقَرَ إلى رَبٍّ يُرَبِّيهِ وإلَهٍ يُوجِدُهُ ويَخْلُقُهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ﴾ والمَعْنى أنَّ الرَّسُولَ لا يَقُولُ إلّا الحَقَّ، فَصارَ نَظْمُ الكَلامِ كَأنَّهُ قالَ: أنا رَسُولُ اللَّهِ، ورَسُولُ اللَّهِ لا يَقُولُ إلّا الحَقَّ، يَنْتِجُ أنِّي لا أقُولُ إلّا الحَقَّ، ولَمّا كانَتِ المُقَدِّمَةُ الأوْلى خَفِيَّةً، وكانَتِ المُقْدِّمَةُ الثّانِيَةُ جَلِيَّةً ظاهِرَةً - ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ المُقَدِّمَةِ الأُولى، وهو قَوْلُهُ: ﴿قَدْ جِئْتُكم بِبَيِّنَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ وهي المُعْجِزَةُ الظّاهِرَةُ القاهِرَةُ، ولَمّا قَرَّرَ رِسالَةَ نَفْسِهِ فَرَّعَ عَلَيْهِ تَبْلِيغَ الحُكْمِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَأرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ ولَمّا سَمِعَ فِرْعَوْنُ هَذا الكَلامَ قالَ: ﴿إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ واعْلَمْ أنَّ دَلِيلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مَبْنِيًّا عَلى مُقَدِّماتٍ:
إحْداها: أنَّ لِهَذا العالَمِ إلَهًا
صفحة ١٥٦
قادِرًا عالِمًا حَكِيمًا.
والثّانِيَةُ: أنَّهُ أرْسَلَهُ إلَيْهِمْ بِدَلِيلِ أنَّهُ أظْهَرَ المُعْجِزَ عَلى وفْقِ دَعْواهُ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، وجَبَ أنْ يَكُونَ رَسُولًا حَقًّا.
والثّالِثَةُ: أنَّهُ مَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ كُلُّ ما يُبَلِّغُهُ مِنَ اللَّهِ إلَيْهِمْ فَهو حَقٌّ وصِدْقٌ. ثُمَّ إنَّ فِرْعَوْنَ ما نازَعَهُ في شَيْءٍ مِن هَذِهِ المُقَدِّماتِ إلّا في طَلَبِ المُعْجِزَةِ، وهَذا يُوهِمُ أنَّهُ كانَ مُساعِدًا عَلى صِحَّةِ سائِرِ المُقَدِّماتِ، وقَدْ ذَكَرْنا في سُورَةِ طه أنَّ العُلَماءَ اخْتَلَفُوا في أنَّ فِرْعَوْنَ هَلْ كانَ عارِفًا بِرَبِّهِ أمْ لا ؟ ولِمُجِيبٍ أنْ يُجِيبَ فَيَقُولَ: إنَّ ظُهُورَ المُعْجِزَةِ يَدُلُّ أوَّلًا عَلى وُجُودِ الإلَهِ القادِرِ المُخْتارِ، وثانِيًا عَلى أنَّ الإلَهَ جَعَلَهُ قائِمًا مَقامَ تَصْدِيقِ ذَلِكَ الرَّسُولِ، فَلَعَلَّ فِرْعَوْنَ كانَ جاهِلًا بِوُجُودِ الإلَهِ القادِرِ المُخْتارِ وطَلَبَ مِنهُ إظْهارَ تِلْكَ البَيِّنَةِ، حَتّى إنَّهُ إنْ أظْهَرَها وأتى بِها كانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى وُجُودِ الإلَهِ أوَّلًا وعَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ ثانِيًا، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ لا يَلْزَمُ مِنَ اقْتِصارِ فِرْعَوْنَ عَلى طَلَبِ البَيِّنَةِ كَوْنُهُ مُقِرًّا بِوُجُودِ الإلَهِ الفاعِلِ المُخْتارِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ نافِعٌ ”حَقِيقٌ عَلَيَّ“ مُشَدَّدَ الياءِ، والباقُونَ بِسُكُونِ الياءِ والتَّخْفِيفِ. أمّا قِراءَةُ نافِعٍ ”فَحَقِيقٌ“ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى فاعِلٍ. قالَ اللَّيْثُ: حَقَّ الشَّيْءُ، مَعْناهُ وجَبَ، ويَحِقُّ عَلَيْكَ أنْ تَفْعَلَ كَذا، وحَقِيقٌ عَلَيَّ أنْ أفْعَلَهُ، بِمَعْنى فاعِلٍ، والمَعْنى: واجِبٌ عَلَيَّ تَرْكُ القَوْلِ عَلى اللَّهِ إلّا بِالحَقِّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، وُضِعَ فَعِيلٌ في مَوْضِعِ مَفْعُولٍ، تَقُولُ العَرَبُ: حَقٌّ عَلَيَّ أنْ أفْعَلَ كَذا، وإنِّي لَمَحْقُوقٌ عَلَيَّ أنْ أفْعَلَ خَيْرًا، أيْ حَقٌّ عَلَيَّ ذَلِكَ، بِمَعْنى اسْتَحَقَّ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: حُجَّةُ نافِعٍ في تَشْدِيدِ الياءِ أنَّ حَقَّ يَتَعَدّى بِعَلى، قالَ تَعالى: ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا﴾ [الصافات: ٣١] وقالَ: ﴿فَحَقَّ عَلَيْها القَوْلُ﴾ [الإسراء: ١٦] فَحَقِيقٌ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَوْصُولًا بِحَرْفِ ”عَلى“ مَن هَذا الوَجْهِ، وأيْضًا فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿حَقِيقٌ﴾ بِمَعْنى واجِبٍ، فَكَما أنَّ ”وجَبَ“ يَتَعَدّى بِعَلى، كَذَلِكَ ”حَقِيقٌ“ إنْ أُرِيدَ بِهِ ”وجَبَ“ يَتَعَدّى بِعَلى. وأمّا قِراءَةُ العامَّةِ ﴿حَقِيقٌ عَلى﴾ بِسُكُونِ الياءِ، فَفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ العَرَبَ تَجْعَلُ الباءَ في مَوْضِعِ ”عَلى“ تَقُولُ: رَمَيْتَ عَلى القَوْسِ وبِالقَوْسِ، وجِئْتُ عَلى حالٍ حَسَنَةٍ، وبِحالٍ حَسَنَةٍ. قالَ الأخْفَشُ: وهَذا كَما قالَ: ﴿ولا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ﴾ [الأعراف: ٨٦] فَكَما وقَعَتِ الباءُ في قَوْلِهِ: ﴿بِكُلِّ صِراطٍ﴾ مَوْضِعَ ”عَلى“ كَذَلِكَ وقَعَتْ كَلِمَةُ ”عَلى“ مَوْقِعَ الباءِ في قَوْلِهِ: ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ﴾ يُؤَكِّدُ هَذا الوَجْهَ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ ”حَقِيقٌ بِأنْ لا أقُولَ“ وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ فالتَّقْدِيرُ: أنا حَقِيقٌ بِأنْ لا أقُولَ، وعَلى قِراءَةِ نافِعٍ يَرْتَفِعُ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ ﴿أنْ لا أقُولَ﴾ .
الثّانِي: أنَّ الحَقَّ هو الثّابِتُ الدّائِمُ، والحَقِيقُ مُبالَغَةٌ فِيهِ، وكانَ المَعْنى: أنا ثابِتٌ مُسْتَمِرٌّ عَلى أنْ لا أقُولَ إلّا الحَقَّ.
الثّالِثُ: الحَقِيقُ هَهُنا بِمَعْنى المَحْقُوقِ، وهو مِن قَوْلِكَ: حَقَقْتُ الرَّجُلَ إذا ما تَحَقَّقْتَهُ وعَرَفْتَهُ عَلى يَقِينٍ، ولَفْظَةُ ”عَلى“ هَهُنا هي الَّتِي تُقْرَنُ بِالأوْصافِ اللّازِمَةِ الأصْلِيَّةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها﴾ [الروم: ٣٠] وتَقُولُ: جاءَنِي فُلانٌ عَلى هَيْئَتِهِ وعادَتِهِ، وعَرَفْتُهُ وتَحَقَّقْتُهُ عَلى كَذا وكَذا مِنَ الصِّفاتِ، فَمَعْنى الآيَةِ: إنِّي لَمْ أعْرِفْ ولَمْ أتَحَقَّقْ إلّا عَلى قَوْلِ الحَقِّ. واللَّهُ أعْلَمُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَأرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أيْ أطْلِقْ عَنْهم وخَلِّهِمْ، وكانَ فِرْعَوْنُ قَدِ اسْتَخْدَمَهم في الأعْمالِ الشّاقَّةِ، مِثْلِ ضَرْبِ اللَّبَنِ ونَقْلِ التُّرابِ، فَعِنْدَ هَذا الكَلامِ قالَ فِرْعَوْنُ: ﴿إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: كَيْفَ قالَ لَهُ: ﴿فَأْتِ بِها﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿قالَ إنْ كُنْتَ جِئْتَ﴾ ؟
صفحة ١٥٧
وجَوابُهُ: إنْ كُنْتَ جِئْتَ مِن عِنْدِ مَن أرْسَلَكَ بِآيَةٍ فَأْتِنِي بِها وأحْضِرْها عِنْدِي؛ لِيَصِحَّ دَعْواكَ ويَثْبُتُ صِدْقُكَ.
والبَحْثُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿قالَ إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ جَزاءٌ وقَعَ بَيْنَ شَرْطَيْنِ، فَكَيْفَ حُكْمُهُ ؟ وجَوابُهُ أنَّ نَظِيرَهُ قَوْلُهُ: إنْ دَخَلْتِ الدّارَ فَأنْتِ طالِقٌ إنْ كَلَّمْتِ زَيْدًا. وهَهُنا المُؤَخَّرُ في اللَّفْظِ يَكُونُ مُتَقَدِّمًا في المَعْنى، وقَدْ سَبَقَ تَقْرِيرُ هَذا المَعْنى فِيما تَقَدَّمَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences