Ar-RaziAl‑A'raf · 7:130–137

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-A'raf 7:130–137

7:130–131Page 165

وَلَقَدۡ أَخَذۡنَآ ءَالَ فِرۡعَوۡنَ بِٱلسِّنِينَ وَنَقۡصٖ مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ لَعَلَّهُمۡ يَذَّكَّرُونَ ١٣٠

And We certainly seized1 the people of Pharaoh with years of famine and a deficiency in fruits that perhaps they would be reminded.

فَإِذَا جَآءَتۡهُمُ ٱلۡحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَٰذِهِۦۖ وَإِن تُصِبۡهُمۡ سَيِّئَةٞ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُۥٓۗ أَلَآ إِنَّمَا طَٰٓئِرُهُمۡ عِندَ ٱللَّهِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ١٣١

But when good [i.e., provision] came to them, they said, "This is ours [by right]." And if a bad [condition] struck them, they saw an evil omen in Moses and those with him. Unquestionably, their fortune is with Allāh, but most of them do not know.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ ونَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾ ﴿فَإذا جاءَتْهُمُ الحَسَنَةُ قالُوا لَنا هَذِهِ وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ ألا إنَّما طائِرُهم عِنْدَ اللَّهِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ .

صفحة ١٧٥

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ لِقَوْمِهِ: ﴿عَسى رَبُّكم أنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ﴾ لا جَرَمَ بَدَأ هَهُنا بِذِكْرِ ما أنْزَلَهُ بِفِرْعَوْنَ وبِقَوْمِهِ مِنَ المِحَنِ حالًا بَعْدَ حالٍ، إلى أنْ وصَلَ الأمْرُ إلى الهَلاكِ تَنْبِيهًا لِلْمُكَلَّفِينَ عَلى الزَّجْرِ عَنِ الكُفْرِ والتَّمَسُّكِ بِتَكْذِيبِ الرُّسُلِ، خَوْفًا مِن نُزُولِ هَذِهِ المِحَنِ بِهِمْ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ أخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: السِّنِينَ جَمْعُ السَّنَةِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: السَّنَةُ عَلى مَعْنَيَيْنِ:

أحَدُهُما: يُرادُ بِها الحَوْلُ والعامُ.

والآخَرُ: يُرادُ بِها الجَدْبُ، وهو خِلافُ الخِصْبِ.

فَمِمّا أُرِيدَ بِهِ الجَدْبُ: هَذِهِ الآيَةُ وقَوْلُهُ ﷺ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْها عَلَيْهِمْ سِنِينًا كَسِنِي يُوسُفَ» وقَوْلُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إنّا لا نَقَعُ في عامِ السَّنَةِ، فَلَمّا كانَتِ السَّنَةُ يُعْنى بِها الجَدْبُ، اشْتَقُّوا مِنها كَما يُشْتَقُّ مِنَ الجَدَبِ. ويُقالُ: أسْنَتُوا كَما يُقالُ: أجْدَبُوا، قالَ الشّاعِرُ:

ورِجالُ مَكَّةَ مُسْنِتُونَ عِجافُ

قالَ أبُو زَيْدٍ: بَعْضُ العَرَبِ تَقُولُ: هَذِهِ سِنِينٌ، ورَأيْتُ سِنِينًا، فَتُعْرِبُ النُّونَ. ونَحْوَهُ قالَ الفَرّاءُ: ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

دَعانِيَ مِن نَجْدٍ فَإنَّ سِنِينَهُ ∗∗∗ لَعِبْنَ بِنا شَيْبًا وشَيَّبْنَنا مُرْدًا

قالَ الزَّجّاجُ: السِّنِينُ في كَلامِ العَرَبِ: الجُدُوبُ، يُقالُ مَسَّتْهُمُ السَّنَةُ، ومَعْناهُ: جَدْبُ السَّنَةِ وشِدَّةُ السَّنَةِ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قالَ المُفَسِّرُونَ: ﴿أخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾ يُرِيدُ الجُوعَ والقَحْطَ عامًا بَعْدَ عامٍ، فالسُّنُونُ لِأهْلِ البَوادِي ﴿ونَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ﴾ لِأهْلِ القُرى.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: ظاهِرُ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى إنَّما أنْزَلَ عَلَيْهِمْ هَذِهِ المَضارَّ لِأجْلِ أنْ يَرْجِعُوا عَنْ طَرِيقَةِ التَّمَرُّدِ والعِنادِ إلى الِانْقِيادِ والعُبُودِيَّةِ، وذَلِكَ لِأنَّ أحْوالَ الشِّدَّةِ تُرَقِّقُ القَلْبَ وتُرَغِّبُ فِيما عِنْدَ اللَّهِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ في البَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إلّا إيّاهُ﴾ [الإسراء: ٦٧] وقَوْلُهُ: ﴿وإذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ﴾ [فصلت: ٥١] .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ القاضِي: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى فَعَلَ ذَلِكَ إرادَةً مِنهُ أنْ يَتَذَكَّرُوا، لا أنْ يُقِيمُوا عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ.

أجابَ الواحِدِيُّ عَنْهُ بِأنَّهُ قَدْ جاءَ لَفْظُ الِابْتِلاءِ والِاخْتِبارِ في القُرْآنِ، لا بِمَعْنى أنَّهُ تَعالى يَمْتَحِنُهم؛ لِأنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، بَلْ بِمَعْنى أنَّهُ تَعالى عامَلَهم مُعامَلَةً تُشْبِهُ الِابْتِلاءَ والِامْتِحانَ، فَكَذا هَهُنا، واللَّهُ أعْلَمُ.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهم عِنْدَ نُزُولِ تِلْكَ المِحَنِ عَلَيْهِمْ يُقْدِمُونَ عَلى ما يَزِيدُ في كُفْرِهِمْ ومَعْصِيَتِهِمْ، فَقالَ: ﴿فَإذا جاءَتْهُمُ الحَسَنَةُ قالُوا لَنا هَذِهِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ بِالحَسَنَةِ العُشْبَ والخِصْبَ والثِّمارَ والمَواشِيَ والسَّعَةَ في الرِّزْقِ والعافِيَةَ والسَّلامَةَ و﴿قالُوا لَنا هَذِهِ﴾ أيْ نَحْنُ مُسْتَحِقُّونَ عَلى العادَةِ الَّتِي جَرَتْ مِن كَثْرَةِ نِعَمِنا وسَعَةِ أرْزاقِنا، ولَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ مِنَ اللَّهِ فَيَشْكُرُوهُ عَلَيْهِ ويَقُومُوا بِحَقِّ النِّعْمَةِ فِيهِ. وقَوْلُهُ: ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ﴾

صفحة ١٧٦

يُرِيدُ القَحْطَ والجَدْبَ والمَرَضَ والضُّرَّ والبَلاءَ ﴿يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ﴾ أيْ يَتَشاءَمُوا بِهِ، ويَقُولُوا: إنَّما أصابَنا هَذا الشَّرُّ بِشُؤْمِ مُوسى وقَوْمِهِ، والتَّطَيُّرُ: التَّشاؤُمُ في قَوْلِ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿يَطَّيَّرُوا﴾ هو في الأصْلِ يَتَطَيَّرُوا، أُدْغِمَتِ التّاءُ في الطّاءِ؛ لِأنَّهُما مِن مَكانٍ واحِدٍ مِن طَرَفِ اللِّسانِ وأُصُولِ الثَّنايا، وقَوْلُهُ: ﴿ألا إنَّما طائِرُهم عِنْدَ اللَّهِ﴾ في الطّائِرِ قَوْلانِ:

القَوْلُ الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ شُؤْمَهم عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، أيْ مِن قِبَلِ اللَّهِ، أيْ إنَّما جاءَهُمُ الشَّرُّ بِقَضاءِ اللَّهِ وحُكْمِهِ، فالطّائِرُ هَهُنا الشُّؤْمُ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى في قِصَّةِ ثَمُودَ: ﴿قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وبِمَن مَعَكَ قالَ طائِرُكم عِنْدَ اللَّهِ﴾ [النمل: ٤٧] قالَ الفَرّاءُ: وقَدْ تَشاءَمَتِ اليَهُودُ بِالنَّبِيِّ ﷺ بِالمَدِينَةِ، فَقالُوا: غَلَتْ أسْعارُنا وقَلَّتْ أمْطارُنا مُذْ أتانا، قالَ الأزْهَرِيُّ: وقِيلَ لِلشُّؤْمِ: طائِرٌ وطَيْرٌ وطِيرَةٌ؛ لِأنَّ العَرَبَ كانَ مِن شَأْنِها عِيافَةُ الطَّيْرِ وزَجْرُها، والتَّطَيُّرُ بِبارِحِها، ونَعِيقِ غِرْبانِها، وأخْذِها ذاتِ اليَسارِ إذا أثارُوها، فَسَمَّوُا الشُّؤْمَ طَيْرًا وطائِرًا وطِيَرَةً؛ لِتَشاؤُمِهِمْ بِها.

ثُمَّ أعْلَمَ اللَّهُ تَعالى عَلى لِسانِ رَسُولِهِ أنَّ طِيَرَتَهم باطِلَةٌ، فَقالَ: «لا طِيَرَةَ ولا هامَ» وكانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَفاءَلُ ولا يَتَطَيَّرُ. وأصْلُ الفَأْلِ الكَلِمَةُ الحَسَنَةُ، وكانَتِ العَرَبُ مَذْهَبُها في الفَأْلِ والطِّيَرَةِ واحِدٌ، فَأثْبَتَ النَّبِيُّ ﷺ الفَأْلَ وأبْطَلَ الطِّيَرَةَ. قالَ مُحَمَّدٌ الرّازِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: ولا بُدَّ مِن ذِكْرِ فَرْقٍ بَيْنَ البابَيْنِ، والأقْرَبُ أنْ يُقالَ: إنَّ الأرْواحَ الإنْسانِيَّةَ أصْفى وأقْوى مِنَ الأرْواحِ البَهِيمِيَّةِ والطَّيْرِيَّةِ. فالكَلِمَةُ الَّتِي تَجْرِي عَلى لِسانِ الإنْسانِ يُمْكِنُ الِاسْتِدْلالُ بِها بِخِلافِ طَيَرانِ الطَّيْرِ وحَرَكاتِ البَهائِمِ، فَإنَّ أرْواحَها ضَعِيفَةٌ، فَلا يُمْكِنُ الِاسْتِدْلالُ بِها عَلى شَيْءٍ مِنَ الأحْوالِ.

القَوْلُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ الطّائِرِ قالَ أبُو عُبَيْدٍ: ﴿ألا إنَّما طائِرُهم عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ حَظُّهم. وهو ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ قالَ: إنَّما طائِرُهم ما قُضِيَ عَلَيْهِمْ وقُدِّرَ لَهم. والعَرَبُ تَقُولُ: أطَرْتُ المالَ وطَيَّرْتُهُ بَيْنَ القَوْمِ، فَطارَ لِكُلٍّ مِنهم سَهْمُهُ، أيْ حَصَلَ لَهُ ذَلِكَ السَّهْمُ.

واعْلَمْ أنَّ عَلى كِلا القَوْلَيْنِ، المَعْنى: أنَّ كُلَّ ما يُصِيبُهم مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ فَهو بِقَضاءِ اللَّهِ تَعالى وبِتَقْدِيرِهِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ الكُلَّ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ لِأنَّ أكْثَرَ الخَلْقِ يُضِيفُونَ الحَوادِثَ إلى الأسْبابِ المَحْسُوسَةِ ويَقْطَعُونَها عَنْ قَضاءِ اللَّهِ تَعالى وتَقْدِيرِهِ، والحَقُّ أنَّ الكُلَّ مِنَ اللَّهِ؛ لِأنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ، فَهو إمّا واجِبُ الوُجُودِ لِذاتِهِ أوْ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، والواجِبُ واحِدٌ، وما سِواهُ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، والمُمْكِنُ لِذاتِهِ لا يُوجَدُ إلّا بِإيجادِ الواجِبِ لِذاتِهِ، وبِهَذا الطَّرِيقِ يَكُونُ الكُلُّ مِنَ اللَّهِ، فَإسْنادُها إلى غَيْرِ اللَّهِ يَكُونُ جَهْلًا بِكَمالِ اللَّهِ تَعالى.

7:132–133Page 166

وَقَالُواْ مَهۡمَا تَأۡتِنَا بِهِۦ مِنۡ ءَايَةٖ لِّتَسۡحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحۡنُ لَكَ بِمُؤۡمِنِينَ ١٣٢

And they said, "No matter what sign you bring us with which to bewitch us, we will not be believers in you."

فَأَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمُ ٱلطُّوفَانَ وَٱلۡجَرَادَ وَٱلۡقُمَّلَ وَٱلضَّفَادِعَ وَٱلدَّمَ ءَايَٰتٖ مُّفَصَّلَٰتٖ فَٱسۡتَكۡبَرُواْ وَكَانُواْ قَوۡمٗا مُّجۡرِمِينَ ١٣٣

So We sent upon them the flood and locusts and lice and frogs and blood as distinct signs, but they were arrogant and were a criminal people.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِن آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ والجَرادَ والقُمَّلَ والضَّفادِعَ والدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فاسْتَكْبَرُوا وكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ .

صفحة ١٧٧

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم في الآيَةِ الأُولى أنَّهم لِجَهْلِهِمْ أسْنَدُوا حَوادِثَ هَذا العالَمِ لا إلى قَضاءِ اللَّهِ تَعالى وقَدَرِهِ، فَحَكى عَنْهم في هَذِهِ الآيَةِ نَوْعًا آخَرَ مِن أنْواعِ الجَهالَةِ والضَّلالَةِ، وهو أنَّهم لَمْ يُمَيِّزُوا بَيْنَ المُعْجِزاتِ وبَيْنَ السِّحْرِ، وجَعَلُوا جُمْلَةَ الآياتِ مِثْلَ انْقِلابِ العَصا حَيَّةً مِن بابِ السِّحْرِ مِنهم، وقالُوا لِمُوسى: إنّا لا نَقْبَلُ شَيْئًا مِنها البَتَّةَ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في كَلِمَةِ ”مَهْما“ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنَّ أصْلَها ”ما ما“ الأُولى هي ”ما“ الجَزاءُ، والثّانِيَةُ هي الَّتِي تُزادُ تَوْكِيدًا لِلْجَزاءِ، كَما تُزادُ في سائِرِ حُرُوفِ الجَزاءِ، كَقَوْلِهِمْ: إمّا ومِمّا وكَيْفَما، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَإمّا تَثْقَفَنَّهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٧] وهو كَقَوْلِكَ: إنْ تَثْقَفَنَّهم، ثُمَّ أبْدَلُوا مِن ألْفِ ”ما“ الأُولى ”ها“ كَراهَةً لِتَكْرارِ اللَّفْظِ، فَصارَ ”مَهْما“ هَذا قَوْلُ الخَلِيلِ والبَصْرِيِّينَ.

والثّانِي - وهو قَوْلُ الكِسائِيِّ -: الأصْلُ ”مَهِ“ الَّتِي بِمَعْنى الكَفِّ، أيِ ”اكْفُفْ“ دَخَلَتْ عَلى ”ما“ الَّتِي لِلْجَزاءِ، كَأنَّهم قالُوا: اكْفُفْ ما تَأْتِنا بِهِ مِن آيَةٍ فَهو كَذا وكَذا.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ القَوْمَ لَمّا قالُوا لِمُوسى: مَهْما أتَيْتَنا بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ، فَهي عِنْدَنا مِن بابِ السِّحْرِ، ونَحْنُ لا نُؤْمِنُ بِها البَتَّةَ، وكانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ رَجُلًا حَدِيدًا، فَعِنْدَ ذَلِكَ دَعا عَلَيْهِمْ، فاسْتَجابَ اللَّهُ لَهُ، فَأرْسَلَ عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ الدّائِمَ لَيْلًا ونَهارًا سَبْتًا إلى سَبْتٍ، حَتّى كانَ الرَّجُلُ مِنهم لا يَرى شَمْسًا ولا قَمَرًا ولا يَسْتَطِيعُ الخُرُوجَ مِن دارِهِ وجاءَهُمُ الغَرَقُ، فَصَرَخُوا إلى فِرْعَوْنَ واسْتَغاثُوا بِهِ، فَأرْسَلَ إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وقالَ: اكْشِفْ عَنّا العَذابَ فَقَدْ صارَتْ مِصْرُ بَحْرًا واحِدًا، فَإنْ كَشَفْتَ هَذا العَذابَ آمَنّا بِكَ، فَأزالَ اللَّهُ عَنْهُمُ المَطَرَ، وأرْسَلَ الرِّياحَ فَجَفَّفَتِ الأرْضَ، وخَرَجَ مِنَ النَّباتِ ما لَمْ يَرَوْا مِثْلَهُ قَطُّ. فَقالُوا: هَذا الَّذِي جَزِعْنا مِنهُ خَيْرٌ لَنا، لَكِنّا لَمْ نَشْعُرْ، فَلا واللَّهِ لا نُؤْمِنُ بِكَ ولا نُرْسِلُ مَعَكَ بَنِي إسْرائِيلَ فَنَكَثُوا العَهْدَ، فَأرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الجَرادَ، فَأكَلَ النَّباتَ وعَظُمَ الأمْرُ عَلَيْهِمْ حَتّى صارَتْ عِنْدَ طَيَرانِها تُغَطِّي الشَّمْسَ، ووَقَعَ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ في الأرْضِ ذِراعًا، فَأكَلَتِ النَّباتَ، فَصَرَخَ أهْلُ مِصْرَ، فَدَعا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَأرْسَلَ اللَّهُ تَعالى رِيحًا فاحْتَمَلَتِ الجَرادَ، فَألْقَتْهُ في البَحْرِ، فَنَظَرَ أهْلُ مِصْرَ إلى أنَّ بَقِيَّةً مِن كَلَئِهِمْ وزَرْعِهِمْ تَكْفِيهِمْ. فَقالُوا: هَذا الَّذِي بَقِيَ يَكْفِينا ولا نُؤْمِنُ بِكَ. فَأرْسَلَ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَيْهِمُ القُمَّلَ، سَبْتًا إلى سَبْتٍ، فَلَمْ يَبْقَ في أرْضِهِمْ عُودًا أخْضَرَ إلّا أكْلَتْهُ، فَصاحُوا وسَألَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ رَبَّهُ، فَأرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْها رِيحًا حارَّةً فَأحْرَقَتْها، واحْتَمَلَتْها الرِّيحُ فَألْقَتْها في البَحْرِ، فَلَمْ يُؤْمِنُوا، فَأرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الضَّفادِعَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَخَرَجَ مِنَ البَحْرِ مِثْلَ اللَّيْلِ الدّامِسِ، ووَقَعَ في الثِّيابِ والأطْعِمَةِ، فَكانَ الرَّجُلُ مِنهم يَسْقُطُ وعَلى رَأْسِهِ ذِراعٌ مِنَ الضَّفادِعِ، فَصَرَخُوا إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وحَلَفُوا بِإلَهِهِ لَئِنْ رَفَعْتَ عَنّا هَذا العَذابَ لَنُؤْمِنَنَّ بِكَ، فَدَعا اللَّهُ تَعالى فَأماتَ الضَّفادِعَ، وأرْسَلَ عَلَيْها المَطَرَ فَحَمَلَتْها إلى البَحْرِ، ثُمَّ أظْهَرُوا الكُفْرَ والفَسادَ، فَأرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الدَّمَ فَجَرَتْ أنْهارُهم دَمًا، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلى الماءِ العَذْبِ، وبَنُو إسْرائِيلَ يَجِدُونَ الماءَ العَذْبَ الطَّيِّبَ حَتّى بَلَغَ مِنهُمُ الجُهْدُ، فَصَرَخُوا ورَكِبَ فِرْعَوْنُ وأشْرافُ قَوْمِهِ إلى أنْهارِ بَنِي إسْرائِيلَ، فَجَعَلَ يَدْخُلُ الرَّجُلُ مِنهُمُ النَّهْرَ، فَإذا اغْتَرَفَ صارَ في يَدِهِ دَمًا، ومَكَثُوا سَبْعَةَ أيّامٍ في ذُلٍّ لا يَشْرَبُونَ إلّا الدَّمَ. فَقالَ فِرْعَوْنُ: ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنّا الرِّجْزَ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ. فَهَذا هو القَوْلُ المَرْضِيُّ عِنْدَ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ، وقَدْ وقَعَ في أكْثَرِها اخْتِلافاتٌ. أمّا الطُّوفانُ فَقالَ الزَّجّاجُ: الطُّوفانُ مِن كُلِّ شَيْءٍ ما كانَ كَثِيرًا مُحِيطًا مُطْبِقًا بِالقَوْمِ كُلِّهِمْ، كالغَرَقِ الَّذِي يَشْمَلُ المُدُنَ الكَثِيرَةَ، فَإنَّهُ يُقالُ لَهُ: طُوفانٌ، وكَذَلِكَ القَتْلُ الذَّرِيعُ طُوفانٌ، والمَوْتُ الجارِفُ طُوفانٌ. وقالَ الأخْفَشُ: هو فُعْلانٌ مِنَ

صفحة ١٧٨

الطَّوْفِ؛ لِأنَّهُ يَطُوفُ بِالشَّيْءِ حَتّى يَعُمَّ، قالَ: وواحِدُهُ في القِياسِ طُوفانَةٌ. وقالَ المُبَرِّدُ: الطُّوفانُ مَصْدَرٌ مِثْلُ ”الرُّجْحانِ والنُّقْصانِ“ فَلا حاجَةَ إلى أنْ يَطْلُبَ لَهُ واحِدًا.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: الأكْثَرُونَ عَلى أنَّ هَذا الطُّوفانَ هو المَطَرُ الكَثِيرُ عَلى ما رُوِّيناهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَدْ رَوى عَطاءٌ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: الطُّوفانُ هو المَوْتُ، ورَوى الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ بِإسْنادِهِ خَبَرًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«الطُّوفانُ هو المَوْتُ» “ . وهَذا القَوْلُ مُشْكِلٌ؛ لِأنَّهم لَوْ أُمِيتُوا لَمْ يَكُنْ لِإرْسالِ سائِرِ أنْواعِ العَذابِ عَلَيْهِمْ فائِدَةٌ، بَلْ لَوْ صَحَّ هَذا الخَبَرُ لَوَجَبَ حَمْلُ لَفْظِ المَوْتِ عَلى حُصُولِ أسْبابِ المَوْتِ، مِثْلَ المَطَرِ الشَّدِيدِ والسَّيْلِ العَظِيمِ وغَيْرِهِما، وأمّا الجَرادُ، فَهو مَعْرُوفٌ والواحِدَةُ جَرادَةٌ، ونَبْتٌ مَجْرُودٌ قَدْ أكَلَ الجَرادُ ورَقَهُ. وقالَ اللِّحْيانِيُّ: أرْضٌ جَرْدَةٌ ومَجْرُودَةٌ قَدْ لَحَسَها الجَرادُ، وإذا أصابَ الجَرادُ الزَّرْعَ قِيلَ: جَرَدَ الزَّرْعَ، وأصْلُ هَذا كُلُّهُ مِنَ الجَرْدِ، وهو أخْذُكَ الشَّيْءَ عَنِ الشَّيْءِ عَلى سَبِيلِ النَّحْتِ والسَّحْقِ، ومِنهُ يُقالُ لِلثَّوْبِ الَّذِي قَدْ ذَهَبَ وبَرُهُ: جَرْدٌ، وأرْضٌ جَرِدَةٌ لا نَباتَ فِيها، وأمّا القُمَّلُ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقِيلَ: هو الدَّبى الصِّغارُ الَّذِي لا أجْنِحَةَ لَهُ، وهي بَناتُ الجَرادِ، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ كانَ إلى جَنْبِهِمْ كَثِيبٌ أعْفَرُ، فَضَرَبَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِعَصاهُ، فَصارَ قُمَّلًا، فَأخَذَتْ في أبْشارِهِمْ وأشْعارِهِمْ وأشْفارِ عُيُونِهِمْ وحَواجِبِهِمْ، ولَزِمَ جُلُودَهم كَأنَّهُ الجُدَرِيُّ، فَصاحُوا وصَرَخُوا وفَزِعُوا إلى مُوسى فَرَفَعَ عَنْهم، فَقالُوا: قَدْ تَيَقَّنّا الآنَ أنَّكَ ساحِرٌ عَلِيمٌ، وعِزَّةِ فِرْعَوْنَ لا نُؤْمِنُ بِكَ أبَدًا. وقَرَأ الحَسَنُ ”والقَمْلَ“ بِفَتْحِ القافِ وسُكُونِ المِيمِ، يُرِيدُ القَمْلَ المَعْرُوفَ. وأمّا الدَّمُ فَما ذَكَرْناهُ. ونَقَلَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ أنَّهُ قِيلَ: سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الرُّعافَ. ورُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مَكَثَ فِيهِمْ بَعْدَ ما غَلَبَ السَّحَرَةَ عِشْرِينَ سَنَةً يُرِيهِمْ هَذِهِ الآياتِ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿آياتٍ مُفَصَّلاتٍ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: ﴿مُفَصَّلاتٍ﴾ أيْ مُبَيَّناتٍ ظاهِراتٍ لا يُشْكِلُ عَلى عاقِلٍ أنَّها مِن آياتِ اللَّهِ الَّتِي لا يَقْدِرُ عَلَيْها غَيْرُهُ.

وثانِيها: ﴿مُفَصَّلاتٍ﴾ أيْ فُصِلَ بَيْنَ بَعْضِها وبَعْضٍ بِزَمانٍ يَمْتَحِنُ فِيهِ أحْوالَهم ويَنْظُرُ أيَقْبَلُونَ الحُجَّةَ والدَّلِيلَ، أوْ يَسْتَمِرُّونَ عَلى الخِلافِ والتَّقْلِيدِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَ العَذابُ يَبْقى عَلَيْهِمْ مِنَ السَّبْتِ إلى السَّبْتِ وبَيْنَ العَذابِ إلى العَذابِ شَهْرٌ، فَهَذا مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿آياتٍ مُفَصَّلاتٍ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: وقَوْلُهُ: (آياتٍ) مَنصُوبَةٌ عَلى الحالِ.

وقَوْلُهُ: ﴿فاسْتَكْبَرُوا﴾ يُرِيدُ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ ﴿وكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ مُصِرِّينَ عَلى الجُرْمِ والذَّنْبِ. ونَقَلَ أيْضًا أنَّ هَذِهِ الأنْواعَ المَذْكُورَةَ مِنَ العَذابِ كانَتْ عِنْدَ وُقُوعِها مُخْتَصَّةً بِقَوْمِ فِرْعَوْنَ، وكانَ بَنُو إسْرائِيلَ مِنها في أمانٍ وفَراغٍ. ولا شَكَّ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنها فَهو في نَفْسِهِ مُعْجِزٌ، واخْتِصاصُهُ بِالقِبْطِيِّ دُونَ الإسْرائِيلِيِّ مُعْجِزٌ آخَرُ.

فَإنْ قالَ قائِلٌ: لَمّا عَلِمَ اللَّهُ تَعالى مِن حالِ أُولَئِكَ الأقْوامِ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِتِلْكَ المُعْجِزاتِ، فَما الفائِدَةُ في تَوالِيها وإظْهارِ الكَثِيرِ مِنها ؟ وأيْضًا فَقَوْمُ مُحَمَّدٍ ﷺ طَلَبُوا المُعْجِزاتِ فَما أُجِيبُوا، فَما الفَرْقُ ؟ .

والجَوابُ: أمّا عَلى قَوْلِ أصْحابِنا فَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ، وأمّا عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ في رِعايَةِ الصَّلاحِ، فَلَعَلَّهُ عَلِمَ مِن قَوْمِ مُوسى أنَّ بَعْضَهم كانَ يُؤْمِنُ عِنْدَ ظُهُورِ تِلْكَ المُعْجِزاتِ الزّائِدَةِ، وعَلِمَ مِن قَوْمِ مُحَمَّدٍ ﷺ أنَّ أحَدًا مِنهم لا يَزْدادُ بَعْدَ ظُهُورِ تِلْكَ المُعْجِزاتِ الظّاهِرَةِ إلّا كُفْرًا وعِنادًا، فَظَهَرَ الفَرْقُ، واللَّهُ أعْلَمُ.

7:134–135Page 166

وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيۡهِمُ ٱلرِّجۡزُ قَالُواْ يَٰمُوسَى ٱدۡعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَۖ لَئِن كَشَفۡتَ عَنَّا ٱلرِّجۡزَ لَنُؤۡمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرۡسِلَنَّ مَعَكَ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ١٣٤

And when the punishment descended upon them, they said, "O Moses, invoke for us your Lord by what He has promised you. If you [can] remove the punishment from us, we will surely believe you, and we will send with you the Children of Israel."

فَلَمَّا كَشَفۡنَا عَنۡهُمُ ٱلرِّجۡزَ إِلَىٰٓ أَجَلٍ هُم بَٰلِغُوهُ إِذَا هُمۡ يَنكُثُونَ ١٣٥

But when We removed the punishment from them until a term which they were to reach,1 then at once they broke their word.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَمّا وقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يامُوسى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ ولَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾، ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إلى أجَلٍ هم بالِغُوهُ إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنّا ذَكَرْنا مَعْنى الرِّجْزِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَأنْزَلْنا عَلى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّماءِ﴾ [البقرة: ٥٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وهو اسْمٌ لِلْعَذابِ، ثُمَّ إنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِهَذا الرِّجْزِ، فَقالَ بَعْضُهم: إنَّهُ عِبارَةٌ عَنِ الأنْواعِ الخَمْسَةِ المَذْكُورَةِ مِنَ العَذابِ الَّذِي كانَ نازِلًا بِهِمْ.

وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ”الرِّجْزُ“ مَعْناهُ: الطّاعُونُ، وهو العَذابُ الَّذِي أصابَهم فَماتَ بِهِ مِنَ القِبْطِ سَبْعُونَ ألْفَ إنْسانٍ في يَوْمٍ واحِدٍ، فَتُرِكُوا غَيْرَ مَدْفُونِينَ، واعْلَمْ أنَّ القَوْلَ الأوَّلَ أقْوى؛ لِأنَّ لَفْظَ ”الرِّجْزِ“ لَفْظٌ مُفْرَدٌ مُحَلًّى بِالألِفِ واللّامِ، فَيَنْصَرِفُ إلى المَعْهُودِ السّابِقِ، وهَهُنا المَعْهُودُ السّابِقُ هو الأنْواعُ الخَمْسَةُ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها، وأمّا غَيْرُها فَمَشْكُوكٌ فِيهِ، فَحَمْلُ اللَّفْظِ عَلى المَعْلُومِ أوْلى مِن حَمْلِهِ عَلى المَشْكُوكِ فِيهِ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ المُناقَضَةِ القَبِيحَةِ؛ لِأنَّهم تارَةً يُكَذِّبُونَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وأُخْرى عِنْدَ الشَّدائِدِ يَفْزَعُونَ إلَيْهِ فَزَعَ الأُمَّةِ إلى نَبِيِّها، ويَسْألُونَهُ أنْ يَسْألَ رَبَّهُ رَفْعَ ذَلِكَ العَذابِ عَنْهم، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّهم سَلَّمُوا إلَيْهِ كَوْنَهُ نَبِيًّا مُجابَ الدَّعْوَةِ، ثُمَّ بَعْدَ زَوالِ تِلْكَ الشَّدائِدِ يَعُودُونَ إلى تَكْذِيبِهِ والطَّعْنِ فِيهِ، وأنَّهُ إنَّما يَصِلُ إلى مُطالَبَةٍ بِسِحْرِهِ، فَمِن هَذا الوَجْهِ يَظْهَرُ أنَّهم يُناقِضُونَ أنْفُسَهم في هَذِهِ الأقاوِيلِ.

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنْهم: ﴿ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ فَقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ”ما“ في قَوْلِهِ: ﴿بِما عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ مَصْدَرِيَّةٌ والمَعْنى: بِعَهْدِهِ عِنْدَكَ وهو النُّبُوَّةُ، وفي هَذِهِ الباءِ وجْهانِ:

الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ادْعُ لَنا رَبَّكَ﴾ والتَّقْدِيرُ ”ادْعُ لَنا“ مُتَوَسِّلًا إلَيْهِ بِعَهْدِهِ عِنْدَكَ.

والوَجْهُ الثّانِي: في هَذِهِ الباءِ أنْ تَكُونَ قَسَمًا وجَوابُها قَوْلُهُ: ﴿لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ﴾ أيْ أقْسَمْنا بِعَهْدِ اللَّهِ عِنْدَكَ ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ﴾ .

وقَوْلُهُ: ﴿ولَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ كانُوا قَدْ أخَذُوا بَنِي إسْرائِيلَ بِالكَدِّ الشَّدِيدِ، فَوَعَدُوا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى دُعائِهِ بِكَشْفِ العَذابِ عَنْهُمُ الإيمانَ بِهِ، والتَّخْلِيَةَ عَنْ بَنِي إسْرائِيلَ وإرْسالَهم مَعَهُ يَذْهَبُ بِهِمْ أيْنَ شاءَ.

وقَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إلى أجَلٍ هم بالِغُوهُ﴾ المَعْنى أنّا ما أزَلْنا عَنْهُمُ العَذابَ مُطْلَقًا، وما كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ في جَمِيعِ الوَقائِعِ، بَلْ إنَّما أزَلْنا عَنْهُمُ العَذابَ إلى أجَلٍ مُعَيَّنٍ، وعِنْدَ ذَلِكَ الأجَلِ لا نُزِيلُ عَنْهُمُ العَذابَ بَلْ نُهْلِكُهم بِهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ هو جَوابٌ لِ ”ما“، يَعْنِي فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهم فاجَئُوا النَّكْثَ وبادَرُوهُ ولَمْ يُؤَخِّرُوهُ كَما كَشَفْنا عَنْهم نَكَثُوا.

7:136Page 166

فَٱنتَقَمۡنَا مِنۡهُمۡ فَأَغۡرَقۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡيَمِّ بِأَنَّهُمۡ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَكَانُواْ عَنۡهَا غَٰفِلِينَ ١٣٦

So We took retribution from them, and We drowned them in the sea because they denied Our signs and were heedless of them.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فانْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهم في اليَمِّ بِأنَّهم كَذَّبُوا بِآياتِنا وكانُوا عَنْها غافِلِينَ﴾ .

واعْلَمْ أنَّ المَعْنى أنَّهُ تَعالى، لَمّا كَشَفَ عَنْهُمُ العَذابَ مِن قَبْلُ مَرّاتٍ وكَرّاتٍ ولَمْ يَمْتَنِعُوا عَنْ كُفْرِهِمْ وجَهْلِهِمْ، ثُمَّ بَلَغُوا الأجَلَ المُؤَقَّتَ انْتَقَمَ مِنهم بِأنْ أهْلَكَهم بِالغَرَقِ. والِانْتِقامُ في اللُّغَةِ سَلْبُ النِّعْمَةِ بِالعَذابِ، واليَمُّ البَحْرُ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: اليَمُّ: البَحْرُ الَّذِي لا يُدْرَكُ قَعْرُهُ، وقِيلَ: هو لُجَّةُ البَحْرِ ومُعْظَمُ مائِهِ، واشْتِقاقُهُ مِنَ التَّيَمُّمِ؛ لِأنَّ المُسْتَقِينَ بِهِ يَقْصِدُونَهُ. وبَيَّنَ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿بِأنَّهم كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ أنَّ ذَلِكَ الِانْتِقامَ هو لِذَلِكَ التَّكْذِيبِ. وقَوْلُهُ: ﴿وكانُوا عَنْها غافِلِينَ﴾ اخْتَلَفُوا في الكِنايَةِ في ”عَنْها“ . فَقِيلَ: إنَّها عائِدَةٌ إلى النِّقْمَةِ الَّتِي دَلَّ عَلَيْها قَوْلُهُ: ﴿انْتَقَمْنا﴾ والمَعْنى: وكانُوا عَنِ النِّقْمَةِ قَبْلَ حُلُولِها غافِلِينَ، وقِيلَ: الكِنايَةُ عائِدَةٌ إلى الآياتِ، وهو اخْتِيارُ الزَّجّاجِ. قالَ: لِأنَّهم كانُوا لا يَعْتَبِرُونَ بِالآياتِ الَّتِي تَنْزِلُ بِهِمْ.

فَإنْ قِيلَ: الغَفْلَةُ لَيْسَتْ مِن فِعْلِ الإنْسانِ ولا تَحْصُلُ بِاخْتِيارِهِ، فَكَيْفَ جاءَ الوَعِيدُ عَلى الغَفْلَةِ.

قُلْنا: المُرادُ بِالغَفْلَةِ هُنا الإعْراضُ عَنِ الآياتِ وعَدَمُ الِالتِفاتِ إلَيْها، فَهم أعْرَضُوا عَنْها حَتّى صارُوا كالغافِلِينَ عَنْها.

فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ قَدْ ضَمُّوا إلى التَّكْذِيبِ والغَفْلَةِ مَعاصِيَ كَثِيرَةً ؟ فَكَيْفَ يَكُونُ الِانْتِقامُ لِهَذَيْنَ دُونَ غَيْرِهِما.

قُلْنا: لَيْسَ في الآيَةِ بَيانٌ أنَّهُ تَعالى انْتَقَمَ مِنهم لِهَذَيْنَ مَعًا دَلالَةً عَلى نَفْيِ ما عَداهُ، والآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الواجِبَ في الآياتِ النَّظَرُ فِيها؛ ولِذَلِكَ ذَمَّهم بِأنْ غَفَلُوا عَنْها، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ التَّقْلِيدَ طَرِيقٌ مَذْمُومٌ.

7:137Page 166

وَأَوۡرَثۡنَا ٱلۡقَوۡمَ ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسۡتَضۡعَفُونَ مَشَٰرِقَ ٱلۡأَرۡضِ وَمَغَٰرِبَهَا ٱلَّتِي بَٰرَكۡنَا فِيهَاۖ وَتَمَّتۡ كَلِمَتُ رَبِّكَ ٱلۡحُسۡنَىٰ عَلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ بِمَا صَبَرُواْۖ وَدَمَّرۡنَا مَا كَانَ يَصۡنَعُ فِرۡعَوۡنُ وَقَوۡمُهُۥ وَمَا كَانُواْ يَعۡرِشُونَ ١٣٧

And We caused the people who had been oppressed to inherit the eastern regions of the land and the western ones, which We had blessed. And the good word [i.e., decree] of your Lord was fulfilled for the Children of Israel because of what they had patiently endured. And We destroyed [all] that Pharaoh and his people were producing and what they had been building.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأوْرَثْنا القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها الَّتِي بارَكْنا فِيها وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الحُسْنى عَلى بَنِي إسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا ودَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ وما كانُوا يَعْرِشُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ قَدْ ذَكَرَ لِبَنِي إسْرائِيلَ قَوْلَهُ: ﴿عَسى رَبُّكم أنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكم ويَسْتَخْلِفَكم في الأرْضِ﴾ [الأعراف: ١٢٩] فَهَهُنا لَمّا بَيَّنَ تَعالى إهْلاكَ القَوْمِ بِالغَرَقِ عَلى وجْهِ العُقُوبَةِ، بَيَّنَ ما فَعَلَهُ بِالمُؤْمِنِينَ مِنَ الخَيْراتِ، وهو أنَّهُ تَعالى أوْرَثَهم أرْضَهم ودِيارَهم فَقالَ: ﴿وأوْرَثْنا القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ﴾

صفحة ١٨١

﴿مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها﴾ والمُرادُ مِن ذَلِكَ الِاسْتِضْعافِ أنَّهُ كانَ يُقَتِّلُ أبْناءَهم، ويَسْتَحْيِي نِساءَهم، ويَأْخُذُ مِنهُمُ الجِزْيَةَ، ويَسْتَعْمِلُهم في الأعْمالِ الشّاقَّةِ، واخْتَلَفُوا في مَعْنى ﴿مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها﴾ فَبَعْضُهم حَمَلَهُ عَلى مَشارِقِ أرْضِ الشّامِ ومِصْرَ ومَغارِبِها؛ لِأنَّها هي الَّتِي كانَتْ تَحْتَ تَصَرُّفِ فِرْعَوْنَ لَعَنَهُ اللَّهُ، وأيْضًا قَوْلُهُ: ﴿الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ المُرادُ بارَكْنا فِيها بِالخِصْبِ وسَعَةِ الأرْزاقِ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ إلّا بِأرْضِ الشّامِ.

والقَوْلُ الثّانِي: المُرادُ جُمْلَةُ الأرْضِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ خَرَجَ مِن جُمْلَةِ بَنِي إسْرائِيلَ داوُدُ وسُلَيْمانُ قَدْ مَلَكَ الأرْضَ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الأرْضَ هَهُنا اسْمُ الجِنْسِ.

وقَوْلُهُ: ﴿وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الحُسْنى عَلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ قِيلَ: المُرادُ مِن ﴿كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ قَوْلُهُ: ﴿ونُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الأرْضِ﴾ [القصص: ٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿ما كانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص: ٦] والحُسْنى تَأْنِيثُ الأحْسَنِ صِفَةٌ لِلْكَلِمَةِ، ومَعْنى تَمَّتْ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ: مَضَتْ عَلَيْهِمْ واسْتَمَرَّتْ، مِن قَوْلِهِمْ: تَمَّ عَلَيْكَ الأمْرُ إذا مَضى عَلَيْكَ. وقِيلَ: مَعْنى تَمامِ الكَلِمَةِ الحُسْنى إنْجازُ الوَعْدِ الَّذِي تَقَدَّمَ بِإهْلاكِ عَدُوِّهِمْ واسْتِخْلافِهِمْ في الأرْضِ، وإنَّما كانَ الإنْجازُ تَمامًا لِلْكَلامِ؛ لِأنَّ الوَعْدَ بِالشَّيْءِ يَبْقى كالشَّيْءِ المُعَلَّقِ، فَإذا حَصَلَ المَوْعُودُ بِهِ فَقَدْ تَمَّ لَكَ الوَعْدُ وكَمُلَ. وقَوْلُهُ: ﴿بِما صَبَرُوا﴾ أيْ إنَّما حَصَلَ ذَلِكَ التَّمامُ بِسَبَبِ صَبْرِهِمْ، وحَسْبُكَ بِهِ حاثًّا عَلى الصَّبْرِ ودالًّا عَلى أنَّ مَن قابَلَ البَلاءَ بِالجَزَعِ وكَلَهُ اللَّهُ إلَيْهِ، ومَن قابَلَهُ بِالصَّبْرِ وانْتِظارِ النَّصْرِ ضَمِنَ اللَّهُ لَهُ الفَرَجَ، وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةٍ ”وتَمَّتْ كَلِماتُ رَبِّكَ الحُسْنى“ ونَظِيرُهُ ”﴿مِن آياتِ رَبِّهِ الكُبْرى﴾“ [النجم: ١٨] . وقَوْلُهُ: ﴿ودَمَّرْنا﴾ قالَ اللَّيْثُ: الدَّمارُ الهَلاكُ التّامُّ. يُقالُ: دُمِّرَ القَوْمُ يُدَمَّرُونَ دَمارًا أيْ هَلَكُوا. وقَوْلُهُ: ﴿ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ الصّانِعَ ﴿وما كانُوا يَعْرِشُونَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: عَرَشَ يَعْرِشُ ويَعْرُشُ إذا بَنى، قِيلَ: وما كانُوا يَعْرِشُونَ مِنَ الجَنّاتِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ﴾ [الأنعام: ١٤١] وقِيلَ: ﴿وما كانُوا يَعْرِشُونَ﴾ يَرْفَعُونَ مِنَ الأبْنِيَةِ المُشَيَّدَةِ في السَّماءِ، كَصَرْحِ هامانَ وفِرْعَوْنَ. وقُرِئَ ”يَعْرِشُونَ“ بِالكَسْرِ والضَّمِّ، وذَكَرَ اليَزِيدِيُّ أنَّ الكَسْرَ أفْصَحُ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وبَلَغَنِي أنَّهُ قَرَأ بَعْضُ النّاسِ ”يَغْرِسُونَ“ مِن غَرْسِ الأشْجارِ وما أحْسَبُهُ إلّا تَصْحِيفًا مِنهُ، وهَذا آخَرُ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى مِن قِصَّةِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ وتَكْذِيبِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ تَعالى.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском