Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Al-A'raf 7:144–148
7:144Page 168
قَالَ يَٰمُوسَىٰٓ إِنِّي ٱصۡطَفَيۡتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ بِرِسَٰلَٰتِي وَبِكَلَٰمِي فَخُذۡ مَآ ءَاتَيۡتُكَ وَكُن مِّنَ ٱلشَّٰكِرِينَ ١٤٤
[Allāh] said, "O Moses, I have chosen you over the people with My messages and My words [to you]. So take what I have given you and be among the grateful."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ يامُوسى إنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلى النّاسِ بِرِسالاتِي وبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا طَلَبَ الرُّؤْيَةَ ومَنَعَهُ اللَّهُ مِنها، عَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِ وُجُوهَ نِعَمِهِ العَظِيمَةِ الَّتِي لَهُ عَلَيْهِ، وأمَرَهُ أنْ يَشْتَغِلَ بِشُكْرِها، كَأنَّهُ قالَ لَهُ: إنْ كُنْتُ قَدْ مَنَعْتُكَ الرُّؤْيَةَ فَقَدْ أعْطَيْتُكَ مِنَ النِّعَمِ العَظِيمَةِ كَذا وكَذا، فَلا يَضِيقُ صَدْرُكَ بِسَبَبِ مَنعِ الرُّؤْيَةِ، وانْظُرْ إلى سائِرِ أنْواعِ النِّعَمِ الَّتِي خَصَصْتُكَ بِها واشْتَغِلْ بِشُكْرِها. والمَقْصُودُ تَسْلِيَةُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ مَنعِ الرُّؤْيَةِ، وهَذا أيْضًا أحَدُ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ الرُّؤْيا جائِزَةٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، إذْ لَوْ كانَتْ مُمْتَنِعَةً في نَفْسِها لَما كانَ إلى ذِكْرِ هَذا القَدْرِ حاجَةٌ.
واعْلَمْ أنَّ الِاصْطِفاءَ اسْتِخْلاصُ الصَّفْوَةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿اصْطَفَيْتُكَ﴾ أيِ اتَّخَذْتُكَ صَفْوَةً عَلى النّاسِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ فَضَّلْتُكَ عَلى النّاسِ، ولَمّا ذَكَرَ أنَّهُ تَعالى اصْطَفاهُ ذَكَرَ الأمْرَ الَّذِي بِهِ حَصَلَ هَذا الِاصْطِفاءُ، فَقالَ: ﴿بِرِسالاتِي وبِكَلامِي﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ ”بِرِسالَتِي“ عَلى الواحِدِ، والباقُونَ ”بِرِسالاتِي“ عَلى الجَمْعِ، وذَلِكَ أنَّهُ تَعالى أوْحى إلَيْهِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، ومَن قَرَأ ”بِرِسالَتِي“ فَلِأنَّ الرِّسالَةَ تَجْرِي مَجْرى المَصْدَرِ، فَيَجُوزُ إفْرادُها في مَوْضِعِ الجَمْعِ، وإنَّما قالَ: ﴿اصْطَفَيْتُكَ عَلى النّاسِ﴾ ولَمْ يَقُلْ عَلى الخَلْقِ؛ لِأنَّ المَلائِكَةَ قَدْ تَسْمَعُ كَلامَ اللَّهِ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ كَما سَمِعَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ اصْطَفاهُ عَلى النّاسِ بِرِسالاتِهِ مَعَ أنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ قَدْ ساواهُ في الرِّسالَةِ ؟
قُلْنا: إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ خَصَّهُ مِن دُونِ النّاسِ بِمَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ، وهو الرِّسالَةُ مَعَ الكَلامِ بِغَيْرِ واسِطَةٍ، وهَذا المَجْمُوعُ ما حَصَلَ لِغَيْرِهِ، فَثَبَتَ أنَّهُ إنَّما حَصَلَ التَّخْصِيصُ هَهُنا لِأنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ الكَلامَ بِغَيْرِ واسِطَةٍ، وإنَّما كانَ الكَلامُ بِغَيْرِ واسِطَةٍ سَبَبًا لِمَزِيدِ الشَّرَفِ بِناءً عَلى العُرْفِ الظّاهِرِ؛ لِأنَّ مَن سَمِعَ كَلامَ المَلِكِ العَظِيمِ مِن فَلْقِ فِيهِ كانَ أعْلى حالًا وأشْرَفَ مَرْتَبَةً مِمَّنْ سَمِعَهُ بِواسِطَةِ الحُجّابِ والنُّوّابِ، ولَمّا ذَكَرَ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ مِنَ النِّعْمَةِ العَظِيمَةِ. قالَ: ﴿فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ يَعْنِي فَخُذْ هَذِهِ النِّعْمَةَ، ولا يَضِيقُ قَلْبُكَ بِسَبَبِ مَنعِكَ الرُّؤْيَةَ، واشْتَغِلْ بِشُكْرِ الفَوْزِ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ، والِاشْتِغالُ بِشُكْرِها إنَّما يَكُونُ بِالقِيامِ بِلَوازِمِها عِلْمًا وعَمَلًا. واللَّهُ أعْلَمُ.
7:145Page 168
وَكَتَبۡنَا لَهُۥ فِي ٱلۡأَلۡوَاحِ مِن كُلِّ شَيۡءٖ مَّوۡعِظَةٗ وَتَفۡصِيلٗا لِّكُلِّ شَيۡءٖ فَخُذۡهَا بِقُوَّةٖ وَأۡمُرۡ قَوۡمَكَ يَأۡخُذُواْ بِأَحۡسَنِهَاۚ سَأُوْرِيكُمۡ دَارَ ٱلۡفَٰسِقِينَ ١٤٥
And We wrote for him on the tablets [something] of all things - instruction and explanation for all things, [saying], "Take them with determination and order your people to take the best of it. I will show you the home of the defiantly disobedient."1
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَتَبْنا لَهُ في الألْواحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ وأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأحْسَنِها سَأُرِيكم دارَ الفاسِقِينَ﴾ .
صفحة ١٩٣
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ خَصَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالرِّسالَةِ ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ تَفْصِيلَ تِلْكَ الرِّسالَةِ، فَقالَ: ﴿وكَتَبْنا لَهُ في الألْواحِ﴾ نَقَلَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ عَنْ بَعْضِهِمْ: أنَّ مُوسى خَرَّ صَعِقًا يَوْمَ عَرَفَةَ، وأعْطاهُ اللَّهُ تَعالى التَّوْراةَ يَوْمَ النَّحْرِ، وذَكَرُوا في عَدَدِ الألْواحِ، وفي جَوْهَرِها وطُولِها أنَّها كانَتْ عَشَرَةَ ألْواحٍ. وقِيلَ: سَبْعَةٌ. وقِيلَ: إنَّها كانَتْ مِن زُمُرُّدَةٍ جاءَ بِها جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقِيلَ: مِن زَبَرْجَدَةٍ خَضْراءَ وياقُوتَةٍ حَمْراءَ. وقالَ الحَسَنُ: كانَتْ مِن خَشَبٍ نَزَلَتْ مِنَ السَّماءِ. وقالَ وهْبٌ: كانَتْ مِن صَخْرَةٍ صَمّاءَ لَيَّنَها اللَّهُ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وأمّا كَيْفِيَّةُ الكِتابَةِ فَقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كَتَبَها جِبْرِيلُ بِالقَلَمِ الَّذِي كَتَبَ بِهِ الذِّكْرَ واسْتَمَدَّ مِن نَهْرِ النُّورِ.
واعْلَمْ أنَّهُ لَيْسَ في لَفْظِ الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى كَيْفِيَّةِ تِلْكَ الألْواحِ، وعَلى كَيْفِيَّةِ تِلْكَ الكِتابَةِ، فَإنْ ثَبَتَ ذَلِكَ التَّفْصِيلُ بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ قَوِيٍّ، وجَبَ القَوْلُ بِهِ، وإلّا وجَبَ السُّكُوتُ عَنْهُ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ فَلا شُبْهَةَ فِيهِ أنَّهُ لَيْسَ عَلى العُمُومِ، بَلِ المُرادُ مِن كُلِّ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ مُوسى وقَوْمُهُ في دِينِهِمْ مِنَ الحَلالِ والحَرامِ والمَحاسِنِ والمَقابِحِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿مَوْعِظَةً وتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ فَهو كالبَيانِ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي قَدَّمَها بِقَوْلِهِ: ﴿مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى قَسَمَهُ إلى ضَرْبَيْنِ:
أحَدُهُما: ”مَوْعِظَةً“ والآخَرُ ”تَفْصِيلًا“ لِما يَجِبُ أنْ يُعْلَمَ مِنَ الأحْكامِ، فَيَدْخُلُ في المَوْعِظَةِ كُلُّ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الأُمُورِ الَّتِي تُوجِبُ الرَّغْبَةَ في الطّاعَةِ والنَّفْرَةِ عَنِ المَعْصِيَةِ، وذَلِكَ بِذِكْرِ الوَعْدِ والوَعِيدِ، ولَمّا قَرَّرَ ذَلِكَ أوَّلًا أتْبَعَهُ بِشَرْحِ أقْسامِ الأحْكامِ وتَفْصِيلِ الحَلالِ والحَرامِ، فَقالَ: ﴿وتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ ولَمّا شَرَحَ ذَلِكَ قالَ لِمُوسى: ﴿فَخُذْها بِقُوَّةٍ﴾ أيْ بِعَزِيمَةٍ قَوِيَّةٍ ونِيَّةٍ صادِقَةٍ، ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى أنْ يَأْمُرَ قَوْمَهُ بِأنْ يَأْخُذُوا بِأحْسَنِها، وظاهِرُ ذَلِكَ أنَّ بَيْنَ التَّكْلِيفَيْنِ فَرْقًا؛ لِيَكُونَ في هَذا التَّفْصِيلِ فائِدَةٌ؛ ولِذَلِكَ قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ التَّكْلِيفَ كانَ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أشَدَّ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمْ يُرَخِّصْ لَهُ ما رَخَّصَ لِغَيْرِهِ، وقالَ بَعْضُهم: بَلْ خَصَّهُ مِن حَيْثُ كَلَّفَهُ البَلاغَ والأداءَ، وإنْ كانَ مُشارِكًا لِقَوْمِهِ فِيما عَداهُ.
وفِي قَوْلِهِ: ﴿وأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأحْسَنِها﴾ سُؤالٌ: وهو أنَّهُ تَعالى لَمّا تُعُبِّدَ بِكُلِّ ما في التَّوْراةِ وجَبَ كَوْنُ الكُلِّ مَأْمُورًا بِهِ، وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿يَأْخُذُوا بِأحْسَنِها﴾ يَقْتَضِي أنَّ فِيهِ ما لَيْسَ بِأحْسَنَ، وأنَّهُ لا يَجُوزُ لَهُمُ الأخْذُ بِهِ، وذَلِكَ مُتَناقِضٌ، وذَكَرَ العُلَماءُ في الجَوابِ عَنْهُ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: أنَّ تِلْكَ التَّكالِيفَ مِنها ما هو حَسَنٌ ومِنها ما هو أحْسَنُ، كالقِصاصِ، والعَفْوِ، والِانْتِصارِ، والصَّبْرِ، أيْ فَمُرْهم أنْ يَحْمِلُوا أنْفُسَهم عَلى الأخْذِ بِما هو أدْخَلُ في الحُسْنِ، وأكْثَرُ لِلثَّوابِ، كَقَوْلِهِ: ﴿واتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْكُمْ﴾ [الزمر: ٥٥] وقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٨] .
فَإنْ قالُوا: فَلَمّا أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِالأخْذِ بِالأحْسَنِ، فَقَدْ مَنَعَ مِنَ الأخْذِ بِذَلِكَ الحَسَنِ، وذَلِكَ يَقْدَحُ في كَوْنِهِ حَسَنًا. فَنَقُولُ يُحْمَلُ أمْرُ اللَّهِ تَعالى بِالأخْذِ بِالأحْسَنِ عَلى النَّدْبِ حَتّى يَزُولَ هَذا التَّناقُضُ.
الوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ: قالَ قُطْرُبٌ ﴿يَأْخُذُوا بِأحْسَنِها﴾ أيْ بِحُسْنِها وكُلُّها حَسَنٌ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥] وقَوْلِ الفَرَزْدَقِ:
بَيْتًا دَعائِمُهُ أعَزُّ وأطْوَلُ
الوَجْهُ الثّالِثُ: قالَ بَعْضُهم: الحَسَنُ يَدْخُلُ تَحْتَهُ الواجِبُ والمَندُوبُ والمُباحُ، وأحْسَنُ هَذِهِ الثَّلاثَةِ الواجِباتُ والمَندُوباتُ.
صفحة ١٩٤
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿سَأُرِيكم دارَ الفاسِقِينَ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ التَّهْدِيدُ والوَعِيدُ عَلى مُخالَفَةِ أمْرِ اللَّهِ تَعالى، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ ومُجاهِدٌ: دارُ الفاسِقِينَ هي جَهَنَّمُ، أيْ فَلْيَكُنْ ذِكْرُ جَهَنَّمَ حاضِرًا في خاطِرِكم؛ لِتَحْذَرُوا أنْ تَكُونُوا مِنهم.
والثّانِي: قالَ قَتادَةُ: سَأُدْخِلُكُمُ الشّامَ وأُرِيكم مَنازِلَ الكافِرِينَ الَّذِينَ كانُوا مُتَوَطِّنِينَ فِيها مِنَ الجَبابِرَةِ والعَمالِقَةِ لِتَعْتَبِرُوا بِها وما صارُوا إلَيْهِ مِنَ النَّكالِ.
وقالَ الكَلْبِيُّ: ﴿دارَ الفاسِقِينَ﴾ هي المَساكِنُ الَّتِي كانُوا يَمُرُّونَ عَلَيْها إذا سافَرُوا مِن مَنازِلِ عادٍ وثَمُودَ والقُرُونِ الَّذِينَ أهْلَكَهُمُ اللَّهُ تَعالى.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ الوَعْدُ والبِشارَةُ بِأنَّهُ تَعالى سَيُورِثُهم أرْضَ أعْدائِهِمْ ودِيارَهم. واللَّهُ أعْلَمُ.
7:146Page 168
سَأَصۡرِفُ عَنۡ ءَايَٰتِيَ ٱلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَإِن يَرَوۡاْ كُلَّ ءَايَةٖ لَّا يُؤۡمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوۡاْ سَبِيلَ ٱلرُّشۡدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلٗا وَإِن يَرَوۡاْ سَبِيلَ ٱلۡغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلٗاۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَكَانُواْ عَنۡهَا غَٰفِلِينَ ١٤٦
I will turn away from My signs those who are arrogant upon the earth without right; and if they should see every sign, they will not believe in it. And if they see the way of consciousness,1 they will not adopt it as a way; but if they see the way of error, they will adopt it as a way. That is because they have denied Our signs and they were heedless of them.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَأصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها وإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأنَّهم كَذَّبُوا بِآياتِنا وكانُوا عَنْها غافِلِينَ﴾
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ قَوْلَهُ: ﴿سَأُرِيكم دارَ الفاسِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٥] ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ ما يُعامِلُهم بِهِ فَقالَ: ﴿سَأصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ في الأرْضِ﴾ واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى قَدْ يَمْنَعُ عَنِ الإيمانِ ويَصُدُّ عَنْهُ وذَلِكَ ظاهِرٌ، وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: لا يُمْكِنُ حَمْلُ الآيَةِ عَلى ما ذَكَرْتُمُوهُ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: قالَ الجُبّائِيُّ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ أنَّهُ تَعالى يَصْرِفُهم عَنِ الإيمانِ بِآياتِهِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿سَأصْرِفُ﴾ يَتَناوَلُ المُسْتَقْبَلَ، وقَدْ بَيَّنَ تَعالى أنَّهم كَفَرُوا فَكَذَّبُوا مِن قَبْلِ هَذا الصَّرْفِ؛ لِأنَّهُ تَعالى وصَفَهم بِكَوْنِهِمْ مُتَكَبِّرِينَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ، وبِأنَّهم إنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا، وإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا، فَثَبَتَ أنَّ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى أنَّ الكُفْرَ قَدْ حَصَلَ لَهم في الزَّمانِ الماضِي، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِن هَذا الصَّرْفِ الكُفْرَ بِاللَّهِ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿سَأصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ في الأرْضِ﴾ مَذْكُورٌ عَلى وجْهِ العُقُوبَةِ عَلى التَّكَبُّرِ والكُفْرِ، فَلَوْ كانَ المُرادُ مِن هَذا الصَّرْفِ هو كُفْرَهم، لَكانَ مَعْناهُ أنَّهُ تَعالى خَلَقَ فِيهِمُ الكُفْرَ عُقُوبَةً لَهم عَلى إقْدامِهِمْ عَلى الكُفْرِ، ومَعْلُومٌ أنَّ العُقُوبَةَ عَلى الكُفْرِ بِمِثْلِ ذَلِكَ الفِعْلِ المُعاقَبِ عَلَيْهِ لا يَجُوزُ، فَثَبَتَ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِن هَذا الصَّرْفِ الكُفْرَ.
صفحة ٤
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّهُ لَوْ صَرَفَهم عَنِ الإيمانِ وصَدَّهم عَنْهُ فَكَيْفَ يُمْكِنُ أنْ يَقُولَ مَعَ ذَلِكَ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الِانْشِقاقِ: ٢٠ ]،﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ [المدثر: ٤٩]،﴿وما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا﴾ [الكَهْفِ: ٥٥] فَثَبَتَ أنَّ حَمْلَ الآيَةِ عَلى هَذا الوَجْهِ غَيْرُ مُمْكِنٍ فَوَجَبَ حَمْلُها عَلى وُجُوهٍ أُخْرى.
فالوَجْهُ الأوَّلُ: قالَ الكَعْبِيُّ وأبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ: إنَّ هَذا الكَلامَ تَمامٌ لِما وعَدَ اللَّهُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِهِ مِن إهْلاكِ أعْدائِهِ، ومَعْنى صَرْفِهِمْ إهْلاكُهم فَلا يَقْدِرُونَ عَلى مَنعِ مُوسى مِن تَبْلِيغِها ولا عَلى المُؤْمِنِينَ مِنَ الإيمانِ بِها، وهو شَبِيهٌ بِقَوْلِهِ: ﴿بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ وإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] فَأرادَ تَعالى أنْ يَمْنَعَ أعْداءَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن إيذائِهِ، ومَنعِهِ مِنَ القِيامِ بِما يَلْزَمُهُ في تَبْلِيغِ النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ.
والوَجْهُ الثّانِي في التَّأْوِيلِ: ما ذَكَرَهُ الجُبّائِيُّ فَقالَ: سَأصْرِفُ هَؤُلاءِ المُتَكَبِّرِينَ عَنْ نَيْلِ ما في آياتِي مِنَ العِزِّ والكَرامَةِ المُعَدَّيْنِ لِلْأنْبِياءِ والمُؤْمِنِينَ، وإنَّما يَصْرِفُهم عَنْ ذَلِكَ بِواسِطَةِ إنْزالِ الذُّلِّ والإذْلالِ بِهِمْ، وذَلِكَ يَجْرِي مَجْرى العُقُوبَةِ عَلى كُفْرِهِمْ وتَكَبُّرِهِمْ عَلى اللَّهِ.
والوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ مِنَ الآياتِ آياتٍ لا يُمْكِنُ الِانْتِفاعُ بِها إلّا بَعْدَ سَبْقِ الإيمانِ. فَإذا كَفَرُوا فَقَدْ صَيَّرُوا أنْفُسَهم بِحَيْثُ لا يُمْكِنُهُمُ الِانْتِفاعُ بِتِلْكَ الآياتِ، فَحِينَئِذٍ يَصْرِفُهُمُ اللَّهُ عَنْها.
والوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى إذا عَلِمَ مِن حالِ بَعْضِهِمْ أنَّهُ إذا شاهَدَ تِلْكَ الآياتِ فَإنَّهُ لا يَسْتَدِلُّ بِها بَلْ يَسْتَخِفُّ بِها ولا يَقُومُ بِحَقِّها، فَإذا عَلِمَ اللَّهُ ذَلِكَ مِنهُ، صَحَّ مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ يَصْرِفَهُ عَنْها.
والوَجْهُ الخامِسُ: نُقِلَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: إنَّ مِنَ الكُفّارِ مَن يُبالِغُ في كُفْرِهِ ويَنْتَهِي إلى الحَدِّ الَّذِي إذا وصَلَ إلَيْهِ ماتَ قَلْبُهُ، فالمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿سَأصْرِفُ عَنْ آياتِيَ﴾ هَؤُلاءِ. فَهَذا جُمْلَةُ ما قِيلَ في هَذا البابِ، وظَهَرَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لَيْسَ فِيها دَلالَةٌ قَوِيَّةٌ عَلى صِحَّةِ ما يَقُولُ بِهِ في مَسْألَةِ خَلْقِ الأعْمالِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مَعْنى يَتَكَبَّرُونَ: أنَّهم يَرَوْنَ أنَّهم أفْضَلُ الخَلْقِ، وأنَّ لَهم مِنَ الحَقِّ ما لَيْسَ لِغَيْرِهِمْ، وهَذِهِ الصِّفَةُ -أعْنِي التَّكَبُّرَ- لا تَكُونُ إلّا لِلَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ هو الَّذِي لَهُ القُدْرَةُ والفَضْلُ الَّذِي لَيْسَ لِأحَدٍ؛ فَلا جَرَمَ يَسْتَحِقُّ كَوْنَهُ مُتَكَبِّرًا، وقالَ بَعْضُهُمُ: التَّكَبُّرُ: إظْهارُ كِبْرِ النَّفْسِ عَلى غَيْرِها. وصِفَةُ التَّكَبُّرِ صِفَةُ ذَمٍّ في جَمِيعِ العِبادِ، وصِفَةُ مَدْحٍ في اللَّهِ جَلَّ جَلالُهُ؛ لِأنَّهُ يَسْتَحِقُّ إظْهارَ ذَلِكَ عَلى مَن سِواهُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ في حَقِّهِ حَقٌّ. وفي حَقِّ غَيْرِهِ باطِلٌ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلَهُ: ﴿بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ لِأنَّ إظْهارَ الكِبْرِ عَلى الغَيْرِ قَدْ يَكُونُ بِالحَقِّ، فَإنَّ لِلْمُحِقِّ أنْ يَتَكَبَّرَ عَلى المُبْطِلِ، وفي الكَلامِ المَشْهُورِ: ”التَّكَبُّرُ عَلى المُتَكَبِّرِ صَدَقَةٌ“ .
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ فَفِيهِ مَباحِثُ:
البَحْثُ الأوَّلُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ”الرَّشَدِ“ بِفَتْحِ الرّاءِ والشِّينِ والباقُونَ بِضَمِّ الرّاءِ وسُكُونِ الشِّينِ. وفَرَّقَ أبُو عَمْرٍو بَيْنَهُما فَقالَ: ﴿الرُّشْدِ﴾ بِضَمِّ الرّاءِ الصَّلاحُ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا﴾ [النساء: ٦]
صفحة ٥
أيْ صَلاحًا، و”الرَّشَدِ“ بِفَتْحِهِما الِاسْتِقامَةُ في الدِّينِ. قالَ تَعالى: ﴿مِمّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف: ٦٦] وقالَ الكِسائِيُّ هُما لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، مِثْلُ الحَزَنِ والحُزْنِ، والسَّقَمِ والسُّقُمِ، وقِيلَ: ﴿الرُّشْدِ﴾ بِالضَّمِّ الِاسْمُ، وبِالفَتْحَتَيْنِ المَصْدَرُ.
البَحْثُ الثّانِي: ﴿سَبِيلَ الرُّشْدِ﴾ عِبارَةٌ عَنْ سَبِيلِ الهُدى والدِّينِ الحَقِّ، والصَّوابِ في العِلْمِ والعَمَلِ و﴿سَبِيلَ الغَيِّ﴾ ما يَكُونُ مُضادًّا لِذَلِكَ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ هَذا الصَّرْفَ إنَّما كانَ لِأمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: كَوْنُهم مُكَذِّبِينَ بِآياتِ اللَّهِ.
والثّانِي: كَوْنُهم غافِلِينَ عَنْها، والمُرادُ أنَّهم واظَبُوا عَلى الإعْراضِ عَنْها حَتّى صارُوا بِمَنزِلَةِ الغافِلِ عَنْها. واللَّهُ أعْلَمُ.
7:147Page 168
وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَلِقَآءِ ٱلۡأٓخِرَةِ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡۚ هَلۡ يُجۡزَوۡنَ إِلَّا مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٤٧
Those who denied Our signs and the meeting of the Hereafter - their deeds have become worthless. Are they recompensed except for what they used to do?
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ولِقاءِ الآخِرَةِ حَبِطَتْ أعْمالُهم هَلْ يُجْزَوْنَ إلّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ ما لِأجْلِهِ صَرَفَ المُتَكَبِّرِينَ عَنْ آياتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كَذَّبُوا بِآياتِنا وكانُوا عَنْها غافِلِينَ﴾ بَيَّنَ حالَ أُولَئِكَ المُكَذِّبِينَ، فَقَدْ كانَ يَجُوزُ أنْ يُظَنَّ أنَّهم يَخْتَلِفُونَ في بابِ العِقابِ لِأنَّ فِيهِمْ مَن يَعْمَلُ بَعْضَ أعْمالِ البِرِّ، فَبَيَّنَ تَعالى حالَ جَمِيعِهِمْ سَواءٌ كانَ مُتَكَبِّرًا أوْ مُتَواضِعًا، أوْ كانَ قَلِيلَ الإحْسانِ، أوْ كانَ كَثِيرَ الإحْسانِ، فَقالَ: ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ولِقاءِ الآخِرَةِ﴾ يَعْنِي بِذَلِكَ جَحْدَهم لِلْمِيعادِ وجَراءَتَهم عَلى المَعاصِي، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ أعْمالَهم مُحْبَطَةٌ، والكَلامُ في حَقِيقَةِ الإحْباطِ قَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ عَلى الِاسْتِقْصاءِ فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هَلْ يُجْزَوْنَ إلّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وفِيهِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: هَلْ يُجْزَوْنَ إلا بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ؟ أوْ عَلى ما كانُوا يَعْمَلُونَ. واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى فَسادِ قَوْلِ أبِي هاشِمٍ في أنَّ تارِكَ الواجِبِ يَسْتَحِقُّ العِقابَ بِمُجَرَّدِ أنْ لا يَفْعَلَ الواجِبَ، وإنْ لَمْ يَصْدُرْ مِنهُ فِعْلٌ عِنْدَ ذَلِكَ الواجِبِ. قالُوا: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا جَزاءَ إلّا عَلى العَمَلِ، ولَيْسَ تَرْكُ الواجِبِ بِعَمَلٍ، فَوَجَبَ أنْ لا يُجازى عَلَيْهِ، فَثَبَتَ أنَّ الجَزاءَ إنَّما حَصَلَ عَلى فِعْلِ ضِدِّهِ. وأجابَ أبُو هاشِمٍ: بِأنِّي لا أُسَمِّي ذَلِكَ العِقابَ جَزاءً فَسَقَطَ الِاسْتِدْلالُ.
وأجابَ أصْحابُنا عَنْ هَذا الجَوابِ: بِأنَّ الجَزاءَ إنَّما سُمِّيَ جَزاءً؛ لِأنَّهُ يَجْزِي ويَكْفِي في المَنعِ مِنَ النَّهْيِ، وفي الحَثِّ عَلى المَأْمُورِ بِهِ، فَإنْ تَرَتَّبَ العِقابُ عَلى مُجَرَّدِ تَرْكِ الواجِبِ كانَ ذَلِكَ العِقابُ كافِيًا في الزَّجْرِ عَنْ ذَلِكَ التَّرْكِ فَكانَ جَزاءً، فَثَبَتَ أنَّهُ لا سَبِيلَ إلى الِامْتِناعِ مِن تَسْمِيَتِهِ جَزاءً. واللَّهُ أعْلَمُ.
7:148Page 168
وَٱتَّخَذَ قَوۡمُ مُوسَىٰ مِنۢ بَعۡدِهِۦ مِنۡ حُلِيِّهِمۡ عِجۡلٗا جَسَدٗا لَّهُۥ خُوَارٌۚ أَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّهُۥ لَا يُكَلِّمُهُمۡ وَلَا يَهۡدِيهِمۡ سَبِيلًاۘ ٱتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَٰلِمِينَ ١٤٨
And the people of Moses made, after [his departure], from their ornaments a calf - an image having a lowing sound. Did they not see that it could neither speak to them nor guide them to a way? They took it [for worship], and they were wrongdoers.
صفحة ٦
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِن بَعْدِهِ مِن حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ ألَمْ يَرَوْا أنَّهُ لا يُكَلِّمُهم ولا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وكانُوا ظالِمِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّ المُرادَ مِن هَذِهِ الآيَةِ قِصَّةُ اتِّخاذِ السّامِرِيِّ العِجْلَ، وفِيها مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ”حِلِيِّهِمْ“ بِكَسْرِ الحاءِ واللّامِ وتَشْدِيدِ الياءِ لِلْإتْباعِ كَدُلِيٍّ. والباقُونَ: ﴿حُلِيِّهِمْ﴾ بِضَمِّ الحاءِ وكَسْرِ اللّامِ وتَشْدِيدِ الياءِ جَمْعُ حَلْيٍ كَثَدْيٍ وثُدِيٍّ، وقَرَأ بَعْضُهم: ﴿مِن حُلِيِّهِمْ﴾ عَلى التَّوْحِيدِ، والحُلِيُّ اسْمُ ما يُتَحَسَّنُ بِهِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ قِيلَ: إنْ بَنِي إسْرائِيلَ كانَ لَهم عِيدٌ يَتَزَيَّنُونَ فِيهِ ويَسْتَعِيرُونَ مِنَ القِبْطِ الحُلِيَّ فاسْتَعارُوا حُلِيَّ القِبْطِ لِذَلِكَ اليَوْمِ، فَلَمّا أغْرَقَ اللَّهُ القِبْطَ بَقِيَتْ تِلْكَ الحُلِيُّ في أيْدِي بَنِي إسْرائِيلَ، فَجَمَعَ السّامِرِيُّ تِلْكَ الحُلِيَّ، وكانَ رَجُلًا مُطاعًا فِيهِمْ ذا قَدْرٍ وكانُوا قَدْ سَألُوا مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -: أنْ يَجْعَلَ لَهم إلَهًا يَعْبُدُونَهُ، فَصاغَ السّامِرِيُّ عِجْلًا. ثُمَّ اخْتَلَفَ النّاسُ، فَقالَ قَوْمٌ كانَ قَدْ أخَذَ كَفًّا مِن تُرابِ حافِرِ فَرَسِ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَألْقاهُ في جَوْفِ ذَلِكَ العِجْلِ، فانْقَلَبَ لَحْمًا ودَمًا وظَهَرَ مِنهُ الخُوارُ مَرَّةً واحِدَةً. فَقالَ السّامِرِيُّ: هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى ! وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ مِنَ المُعْتَزِلَةِ: إنَّهُ كانَ قَدْ جَعَلَ ذَلِكَ العِجْلَ مُجَوَّفًا، ووَضَعَ في جَوْفِهِ أنابِيبَ عَلى شَكْلٍ مَخْصُوصٍ، وكانَ قَدْ وضَعَ ذَلِكَ التِّمْثالَ عَلى مَهَبِّ الرِّياحِ، فَكانَتِ الرِّيحُ تَدْخُلُ في جَوْفِ الأنابِيبِ ويَظْهَرُ مِنهُ صَوْتٌ مَخْصُوصٌ يُشْبِهُ خُوارَ العِجْلِ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ جَعَلَ ذَلِكَ التِّمْثالَ أجْوَفَ، وجَعَلَ تَحْتَهُ في المَوْضِعِ الَّذِي نَصَبَ فِيهِ العِجْلَ مَن يَنْفُخُ فِيهِ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُ بِهِ النّاسُ فَسَمِعُوا الصَّوْتَ مِن جَوْفِهِ كالخُوارِ. قالَ صاحِبُ هَذا القَوْلِ: والنّاسُ قَدْ يَفْعَلُونَ الآنَ في هَذِهِ التَّصاوِيرِ الَّتِي يُجْرُونَ فِيها الماءَ عَلى سَبِيلِ الفَوّاراتِ ما يُشْبِهُ ذَلِكَ، فَبِهَذا الطَّرِيقِ وغَيْرِهِ أظْهَرَ الصَّوْتَ مِن ذَلِكَ التِّمْثالِ، ثُمَّ ألْقى إلى النّاسِ أنَّ هَذا العِجْلَ إلَهُهم وإلَهُ مُوسى.
* * *
بَقِيَ في لَفْظِ الآيَةِ سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ قِيلَ: ﴿واتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِن بَعْدِهِ مِن حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا﴾ والمُتَّخِذُ هو السّامِرِيُّ وحْدَهُ ؟
والجَوابُ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ نَسَبَ الفِعْلَ إلَيْهِمْ؛ لِأنَّ رَجُلًا مِنهم باشَرَهُ كَما يُقالُ: بَنُو تَمِيمٍ قالُوا كَذا وفَعَلُوا كَذا، والقائِلُ والفاعِلُ واحِدٌ.
والثّانِي: أنَّهم كانُوا مُرِيدِينَ لِاتِّخاذِهِ، راضِينَ بِهِ، فَكَأنَّهُمُ اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ.
السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ قالَ: ﴿مِن حُلِيِّهِمْ﴾ ولَمْ يَكُنِ الحُلِيُّ لَهم، وإنَّما حَصَلَ في أيْدِيهِمْ عَلى سَبِيلِ العارِيَّةِ ؟
والجَوابُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا أهْلَكَ قَوْمَ فِرْعَوْنَ بَقِيَتْ تِلْكَ الأمْوالُ في أيْدِيهِمْ، وصارَتْ مِلْكًا لَهم كَسائِرِ أمْلاكِهِمْ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وزُرُوعٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿ونَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ﴾ ﴿كَذَلِكَ وأوْرَثْناها قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٥ - ٢٨]
السُّؤالُ الثّالِثُ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ عَبَدُوا العِجْلَ هم كُلُّ قَوْمِ مُوسى أوْ بَعْضُهم ؟
والجَوابُ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿واتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِن بَعْدِهِ مِن حُلِيِّهِمْ عِجْلًا﴾ يُفِيدُ العُمُومَ. قالَ الحَسَنُ:
صفحة ٧
كُلُّهم عَبَدُوا العِجْلَ غَيْرَ هارُونَ. واحْتَجَّ عَلَيْهِ بِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: عُمُومُ هَذِهِ الآيَةِ.
والثّانِي: قَوْلُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - في هَذِهِ القِصَّةِ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي ولِأخِي﴾ [الأعْرافِ: ١٥١] قالَ خَصَّ نَفْسَهُ وأخاهُ بِالدُّعاءِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَن كانَ مُغايِرًا لَهُما ما كانَ أهْلًا لِلدُّعاءِ، ولَوْ بَقُوا عَلى الإيمانِ لَما كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ كانَ قَدْ بَقِيَ في بَنِي إسْرائِيلَ مَن ثَبَتَ عَلى إيمانِهِ، فَإنَّ ذَلِكَ الكُفْرَ إنَّما وقَعَ في قَوْمٍ مَخْصُوصِينَ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٩] .
السُّؤالُ الرّابِعُ: هَلِ انْقَلَبَ ذَلِكَ التِّمْثالُ لَحْمًا ودَمًا عَلى ما قالَهُ بَعْضُهم أوْ بَقِيَ ذَهَبًا كَما كانَ قَبْلَ ذَلِكَ ؟
والجَوابُ: الذّاهِبُونَ إلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ احْتَجُّوا عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ بِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ﴾ والجَسَدُ اسْمٌ لِلْجِسْمِ الَّذِي يَكُونُ مِنَ اللَّحْمِ والدَّمِ، ومِنهم مَن نازَعَ في ذَلِكَ، وقالَ بَلِ الجَسَدُ اسْمٌ لِكُلِّ جِسْمٍ كَثِيفٍ، سَواءٌ كانَ مِنَ اللَّحْمِ والدَّمِ أوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ.
والحُجَّةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى أثْبَتَ لَهُ خُوارًا، وذَلِكَ إنَّما يَتَأتّى في الحَيَوانِ. وأُجِيبَ عَنْهُ: بِأنَّ ذَلِكَ الصَّوْتَ لَمّا أشْبَهَ الخُوارَ لَمْ يَبْعُدْ إطْلاقُ لَفْظِ الخُوارِ عَلَيْهِ، وقَرَأ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: (جُؤارٌ) بِالجِيمِ والهَمْزَةِ، مِن جَأرَ إذا صاحَ، فَهَذا ما قِيلَ في هَذا البابِ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم هَذا المَذْهَبَ والمَقالَةَ احْتَجَّ عَلى فَسادِ كَوْنِ ذَلِكَ العِجْلِ إلَهًا بِقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ يَرَوْا أنَّهُ لا يُكَلِّمُهم ولا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وكانُوا ظالِمِينَ﴾ وتَقْرِيرُ هَذا الدَّلِيلِ أنَّ هَذا العِجْلَ لا يُمْكِنُهُ أنْ يُكَلِّمَهم، ولا يُمْكِنُهُ أنْ يَهْدِيَهم إلى الصَّوابِ والرُّشْدِ، وكُلُّ مَن كانَ كَذَلِكَ كانَ إمّا جَمادًا وإمّا حَيَوانًا عاجِزًا، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَإنَّهُ لا يَصْلُحُ لِلْإلَهِيَّةِ، واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ مَن لا يَكُونُ مُتَكَلِّمًا ولا هادِيًا إلى سَبِيلٍ لَمْ يَكُنْ إلَهًا؛ لِأنَّ الإلَهَ هو الَّذِي لَهُ الأمْرُ والنَّهْيُ، وذَلِكَ لا يَحْصُلُ إلّا إذا كانَ مُتَكَلِّمًا، فَمَن لا يَكُونُ مُتَكَلِّمًا لَمْ يَصْحَّ مِنهُ الأمْرُ والنَّهْيُ، والعِجْلُ عاجِزٌ عَنِ الأمْرِ والنَّهْيِ فَلَمْ يَكُنْ إلَهًا. وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ شَرْطَ كَوْنِهِ إلَهًا أنْ يَكُونَ هادِيًا إلى الصِّدْقِ والصَّوابِ، فَمَن كانَ مُضِلًّا عَنْهُ وجَبَ أنْ لا يَكُونَ إلَهًا.
فَإنْ قِيلَ: فَهَذا يُوجِبُ أنَّهُ لَوْ صَحَّ أنْ يَتَكَلَّمَ ويَهْدِيَ، يَجُوزُ أنْ يُتَّخَذَ إلَهًا، وإلّا فَإنْ كانَ إثْباتُ ذَلِكَ كَنَفْيِهِ في أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُتَّخَذَ إلَهًا فَلا فائِدَةَ فِيما ذَكَرْتُمْ.
والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ شَرْطًا لِحُصُولِ الإلَهِيَّةِ، فَيَلْزَمَ مِن عَدَمِهِ عَدَمُ الإلَهِيَّةِ وإنْ كانَ لا يَلْزَمُ مِن حُصُولِهِ حُصُولُ الإلَهِيَّةِ.
الثّانِي: أنَّ كُلَّ مَن قَدَرَ عَلى أنْ يُكَلِّمَهم وعَلى أنْ يَهْدِيَهم إلى الخَيْرِ والشَّرِّ فَهو إلَهٌ، والخَلْقُ لا يَقْدِرُونَ عَلى الهِدايَةِ، إنَّما يَقْدِرُونَ عَلى وصْفِ الهِدايَةِ، فَأمّا عَلى وضْعِ الدَّلائِلِ ونَصْبِها فَلا قادِرَ عَلَيْهِ إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى.
واعْلَمْ أنَّهُ خَتَمَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿وكانُوا ظالِمِينَ﴾ أيْ كانُوا ظالِمِينَ لِأنْفُسِهِمْ حَيْثُ أعْرَضُوا عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، واشْتَغَلُوا بِعِبادَةِ العِجْلِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences