Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Al-A'raf 7:149–154
7:149Page 168
وَلَمَّا سُقِطَ فِيٓ أَيۡدِيهِمۡ وَرَأَوۡاْ أَنَّهُمۡ قَدۡ ضَلُّواْ قَالُواْ لَئِن لَّمۡ يَرۡحَمۡنَا رَبُّنَا وَيَغۡفِرۡ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ١٤٩
And when regret overcame them1 and they saw that they had gone astray, they said, "If our Lord does not have mercy upon us and forgive us, we will surely be among the losers."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَمّا سُقِطَ في أيْدِيهِمْ ورَأوْا أنَّهم قَدْ ضَلُّوا قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا ويَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿سُقِطَ في أيْدِيهِمْ﴾ أنَّهُ اشْتَدَّ نَدَمُهم عَلى عِبادَةِ العِجْلِ واخْتَلَفُوا في الوَجْهِ الَّذِي لِأجْلِهِ حَسُنَتْ هَذِهِ الِاسْتِعارَةُ.
فالوَجْهُ الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ سَقَطَ النَّدَمُ في أيْدِيهِمْ، أيْ في قُلُوبِهِمْ كَما يُقالُ حَصَلَ في يَدِيهِ مَكْرُوهٌ، وإنْ كانَ مِنَ المُحالِ حُصُولُ المَكْرُوهِ الواقِعِ في اليَدِ، إلّا أنَّهم أطْلَقُوا عَلى المَكْرُوهِ الواقِعِ في القَلْبِ والنَّفْسِ كَوْنَهُ واقِعًا في اليَدِ، فَكَذا هَهُنا.
والوَجْهُ الثّانِي: قالَ صاحِبُ (الكَشّافِ): إنَّما يُقالُ لِمَن نَدِمَ سُقِطَ في يَدِهِ لِأنَّ مِن شَأْنِ مَنِ اشْتَدَّ نَدَمُهُ أنْ يَعَضَّ يَدَهُ غَمًّا، فَيَصِيرُ نَدَمُهُ مَسْقُوطًا فِيها، لِأنَّ فاهُ قَدْ وقَعَ فِيها.
والوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ السُّقُوطَ عِبارَةٌ عَنْ نُزُولِ الشَّيْءِ مِن أعْلى إلى أسْفَلُ، ولِهَذا قالُوا سَقَطَ المَطَرُ، ويُقالُ: سَقَطَ مِن يَدِكَ شَيْءٌ، وأسْقَطَتِ المَرْأةُ، فَمَن أقْدَمَ عَلى عَمَلٍ فَهو إنَّما يَقْدِمُ عَلَيْهِ لِاعْتِقادِهِ أنَّ ذَلِكَ العَمَلَ خَيْرٌ وصَوابٌ، وأنَّ ذَلِكَ العَمَلَ يُورِثُهُ شَرَفًا ورِفْعَةً، فَإذا بانَ لَهُ أنَّ ذَلِكَ العَمَلَ كانَ باطِلًا فاسِدًا فَكَأنَّهُ قَدِ انْحَطَّ مِنَ الأعْلى إلى الأسْفَلِ، وسَقَطَ مِن فَوْقُ إلى تَحْتُ، فَلِهَذا السَّبَبِ يُقالُ لِلرَّجُلِ إذا أخْطَأ: كانَ ذَلِكَ مِنهُ سَقْطَةً، شَبَّهُوا ذَلِكَ بِالسَّقْطَةِ عَلى الأرْضِ، فَثَبَتَ أنَّ إطْلاقَ لَفْظِ السُّقُوطِ عَلى الحالَةِ الحاصِلَةِ عِنْدَ النَّدَمِ جائِزٌ مُسْتَحْسَنٌ، بَقِيَ أنْ يُقالَ: فَما الفائِدَةُ في ذِكْرِ اليَدِ ؟ فَنَقُولُ: اليَدُ هي الآلَةُ الَّتِي بِها يَقْدِرُ الإنْسانُ عَلى الأخْذِ والضَّبْطِ والحِفْظِ، فالنّادِمُ كَأنَّهُ يَتَدارَكُ الحالَةَ الَّتِي لِأجْلِها حَصَلَ لَهُ النَّدَمُ ويَشْتَغِلُ بِتَلافِيها، فَكَأنَّهُ قَدْ سَقَطَ في يَدِ نَفْسِهِ مِن حَيْثُ أنَّهُ بَعْدَ حُصُولِ ذَلِكَ النَّدَمِ اشْتَغَلَ بِالتَّدارُكِ والتَّلافِي.
والوَجْهُ الرّابِعُ: حَكى الواحِدِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ: أنَّ هَذا مَأْخُوذٌ مِنَ السَّقِيطِ وهو ما يَغْشى الأرْضَ بِالغَدَواتِ شِبْهَ الثَّلْجِ. يُقالُ مِنهُ: سَقَطَتِ الأرْضُ، كَما يُقالُ مِنَ الثَّلْجِ: ثَلَجَتِ الأرْضُ وثُلِجْنا أيْ أصابَها الثَّلْجُ، ومَعْنى سُقِطَ في يَدِهِ أيْ وقَعَ في يَدِهِ السَّقِيطُ، والسَّقِيطُ يَذُوبُ بِأدْنى حَرارَةٍ ولا يَبْقى، فَمَن وقَعَ في يَدِهِ السَّقِيطُ لَمْ يَحْصُلْ مِنهُ عَلى شَيْءٍ قَطُّ فَصارَ هَذا مَثَلًا لِكُلِّ مَن خَسِرَ في عاقِبَتِهِ ولَمْ يَحْصُلْ مِن سَعْيِهِ عَلى طائِلٍ، وكانَتِ النَّدامَةُ آخِرَ أمْرِهِ.
والوَجْهُ الخامِسُ: قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: النّادِمُ إنَّما يُقالُ لَهُ: سُقِطَ في يَدِهِ، لِأنَّهُ يَتَحَيَّرُ في أمْرِهِ ويَعْجَزُ عَنْ أعْمالِهِ، والآلَةُ الأصْلِيَّةُ في الأعْمالِ في أكْثَرِ الأمْرِ هي اليَدُ. والعاجِزُ في حُكْمِ السّاقِطِ، فَلَمّا قُرِنَ السُّقُوطُ بِالأيْدِي عُلِمَ أنَّ السُّقُوطَ في اليَدِ إنَّما حَصَلَ بِسَبَبِ العَجْزِ التّامِّ، ويُقالُ في العُرْفِ لِمَن لا يَهْتَدِي لِما يَصْنَعُ: ضَلَّتْ يَدُهُ ورِجْلُهُ.
صفحة ٩
والوَجْهُ السّادِسُ: أنَّ مِن عادَةِ النّادِمِ أنْ يُطَأْطِئَ رَأْسَهُ ويَضَعَهُ عَلى يَدِهِ مُعْتَمِدًا عَلَيْهِ، وتارَةً يَضَعَها تَحْتَ ذَقَنِهِ وشَطْرٍ مِن وجْهِهِ عَلى هَيْئَةٍ لَوْ نُزِعَتْ يَدُهُ لَسَقَطَ عَلى وجْهِهِ فَكانَتِ اليَدُ مَسْقُوطًا فِيها لِتَمَكُّنِ السُّقُوطِ فِيها، ويَكُونُ قَوْلُهُ: سُقِطَ في أيْدِيهِمْ بِمَعْنى سُقِطَ عَلى أيْدِيهِمْ، كَقَوْلِهِ: ﴿ولَأُصَلِّبَنَّكم في جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١ ] أيْ عَلَيْها، واللَّهُ أعْلَمُ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ورَأوْا أنَّهم قَدْ ضَلُّوا﴾ أيْ قَدْ تَبَيَّنُوا ضَلالَهَمْ تَبْيِينًا كَأنَّهم أبْصَرُوهُ بِعُيُونِهِمْ، قالَ القاضِي: يَجِبُ أنْ يَكُونَ المُؤَخَّرُ مُقَدَّمًا؛ لِأنَّ النَّدَمَ والتَّحَيُّرَ إنَّما يَقَعانِ بَعْدَ المَعْرِفَةِ فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: ولَمّا رَأوْا أنَّهم قَدْ ضَلُّوا سُقِطَ في أيْدِيهِمْ لِما نالَهم مِن عَظِيمِ الحَسْرَةِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ لا حاجَةَ إلى هَذا التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ إذا صارَ شاكًّا في أنَّ العَمَلَ الَّذِي أقْدَمَ عَلَيْهِ هَلْ هو صَوابٌ أوْ خَطَأٌ ؟ فَقَدْ يَنْدَمُ عَلَيْهِ مِن حَيْثُ إنَّ الإقْدامَ عَلى ما لا يُعْلَمُ كَوْنُهُ صَوابًا أوْ خَطَأً فاسِدًا أوْ باطِلًا غَيْرُ جائِزٍ، فَعِنْدَ ظُهُورِ هَذِهِ الحالَةِ يَحْصُلُ النَّدَمُ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَتَكامَلُ العِلْمُ ويَظْهَرُ أنَّهُ كانَ خَطَأً وفاسِدًا وباطِلًا فَثَبَتَ أنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ لا حاجَةَ إلى التِزامِ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهم عِنْدَ ظُهُورِ هَذا النَّدَمِ، وحُصُولِ العِلْمِ بِأنَّ الَّذِي عَمِلُوهُ كانَ باطِلًا أظْهَرُوا الِانْقِطاعَ إلى اللَّهِ تَعالى فَقالُوا﴿لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا ويَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ وهَذا كَلامُ مَنِ اعْتَرَفَ بِعَظِيمِ ما أقْدَمَ عَلَيْهِ ونَدِمَ عَلى ما صَدَرَ مِنهُ ورَغِبَ إلى رَبِّهِ في إقالَةِ عَثْرَتِهِ، ثُمَّ صَدَّقُوا عَلى أنْفُسِهِمْ كَوْنَهم مِنَ الخاسِرِينَ إنْ لَمْ يَغْفِرِ اللَّهُ لَهم، وهَذا النَّدَمُ والِاسْتِغْفارُ إنَّما حَصَلَ بَعْدَ رُجُوعِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلَيْهِمْ، وقُرِئَ: ”لَئِنْ لَمْ تَرْحَمْنا رَبَّنا وتَغْفِرْ لَنا“ بِالتّاءِ ”ورَبَّنا“ بِالنَّصْبِ عَلى النِّداءِ، وهَذا كَلامُ التّائِبِينَ كَما قالَ آدَمُ وحَوّاءُ عَلَيْهِما السَّلامُ: ﴿وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وتَرْحَمْنا﴾ [الأعْرافِ: ٢٣] .
7:150–151Page 169
وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰٓ إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ غَضۡبَٰنَ أَسِفٗا قَالَ بِئۡسَمَا خَلَفۡتُمُونِي مِنۢ بَعۡدِيٓۖ أَعَجِلۡتُمۡ أَمۡرَ رَبِّكُمۡۖ وَأَلۡقَى ٱلۡأَلۡوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأۡسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُۥٓ إِلَيۡهِۚ قَالَ ٱبۡنَ أُمَّ إِنَّ ٱلۡقَوۡمَ ٱسۡتَضۡعَفُونِي وَكَادُواْ يَقۡتُلُونَنِي فَلَا تُشۡمِتۡ بِيَ ٱلۡأَعۡدَآءَ وَلَا تَجۡعَلۡنِي مَعَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٥٠
And when Moses returned to his people, angry and grieved, he said, "How wretched is that by which you have replaced me after [my departure]. Were you impatient over the matter of your Lord?" And he threw down the tablets and seized his brother by [the hair of] his head, pulling him toward him. [Aaron] said, "O son of my mother, indeed the people overpowered me and were about to kill me, so let not the enemies rejoice over me1 and do not place me among the wrongdoing people."
قَالَ رَبِّ ٱغۡفِرۡ لِي وَلِأَخِي وَأَدۡخِلۡنَا فِي رَحۡمَتِكَۖ وَأَنتَ أَرۡحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ ١٥١
[Moses] said, "My Lord, forgive me and my brother and admit us into Your mercy, for You are the most merciful of the merciful."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَمّا رَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أسِفًا قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي أعَجِلْتُمْ أمْرَ رَبِّكم وألْقى الألْواحَ وأخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ يَجُرُّهُ إلَيْهِ قالَ ابْنَ أُمَّ إنَّ القَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وكادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأعْداءَ ولا تَجْعَلْنِي مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي ولِأخِي وأدْخِلْنا في رَحْمَتِكَ وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَمّا رَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أسِفًا﴾ لا يَمْنَعُ مِن أنْ يَكُونَ قَدْ عَرَفَ
صفحة ١٠
خَبَرَهم مِن قَبْلُ في عِبادَةِ العِجْلِ، ولا يُوجِبُ ذَلِكَ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ عِنْدَ الرُّجُوعِ ومُشاهَدَةِ أحْوالِهِمْ صارَ كَذَلِكَ، فَلِهَذا السَّبَبِ اخْتَلَفُوا فِيهِ فَقالَ قَوْمٌ: إنَّهُ عِنْدَ هُجُومِهِ عَلَيْهِمْ عَرَفَ ذَلِكَ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: بَلْ كانَ عارِفًا بِذَلِكَ مِن قَبْلُ، وهَذا أقْرَبُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولَمّا رَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أسِفًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ حالَ ما كانَ راجِعًا كانَ غَضْبانَ أسِفًا، وهو إنَّما كانَ راجِعًا إلى قَوْمِهِ قَبْلَ وُصُولِهِ إلَيْهِمْ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَبْلَ وُصُولِهِ إلَيْهِمْ كانَ عالِمًا بِهَذِهِ الحالَةِ.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في سُورَةِ طه أنَّهُ أخْبَرَهُ بِوُقُوعِ تِلْكَ الواقِعَةِ في المِيقاتِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في الأسَفِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّ الأسَفَ الشَّدِيدَ الغَضَبُ، وهو قَوْلُ أبِي الدَّرْداءِ وعَطاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، واخْتِيارُ الزَّجّاجِ، واحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنهُمْ﴾ [الزخرف: ٥٥] أيْ أغْضَبُونا.
والثّانِي: وهو أيْضًا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ والسُّدِّيِّ: إنَّ الآسِفَ هو الحَزِينُ. وفي حَدِيثِ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - أنَّها قالَتْ: إنَّ أبا بَكْرٍ رَجُلٌ أسِيفٌ أيْ حَزِينٌ. قالَ الواحِدِيُّ: والقَوْلانِ مُتَقارِبانِ، لِأنَّ الغَضَبَ مِنَ الحُزْنِ والحُزْنَ مِنَ الغَضَبِ، فَإذا جاءَكَ ما تَكْرَهُ مِمَّنْ هو دُونَكَ غَضِبْتَ، وإذا جاءَكَ مِمَّنْ هو فَوْقَكَ حَزِنْتَ. فَتُسَمّى إحْدى هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ حُزْنًا والأُخْرى غَضَبًا، فَعَلى هَذا كانَ مُوسى غَضْبانَ عَلى قَوْمِهِ لِأجْلِ عِبادَتِهِمُ العِجْلَ، أسِفًا حَزِينًا؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى فَتَنَهم، وقَدْ كانَ تَعالى قالَ لَهُ: ﴿فَإنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ﴾ [طه: ٨٥] .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي﴾ فَمَعْناهُ بِئْسَما قُمْتُمْ مَقامِي وكُنْتُمْ خُلَفائِي مِن بَعْدِي وهَذا الخِطابُ إنَّما يَكُونُ لِعَبَدَةِ العِجْلِ مِنَ السّامِرِيِّ وأشْياعِهِ، أوْ لِوُجُوهِ بَنِي إسْرائِيلَ، وهم: هارُونُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - والمُؤْمِنُونَ مَعَهُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿اخْلُفْنِي في قَوْمِي﴾ [الأعراف: ١٤٢] وعَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ يَكُونُ المَعْنى بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي حَيْثُ عَبَدْتُمُ العِجْلَ مَكانَ عِبادَةِ اللَّهِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ الثّانِي، يَكُونُ المَعْنى بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي حَيْثُ لَمْ تُمْنَعُوا مِن عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى، وهَهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: أيْنَ ما يَقْتَضِيهِ(بِئْسَ) مِنَ الفاعِلِ، والمَخْصُوصِ بِالذَّمِّ ؟
والجَوابُ: الفاعِلُ مُضْمَرٌ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ:(ما خَلَفْتُمُونِي) والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ بِئْسَ خِلافَةً خَلَفْتُمُونِيها مِن بَعْدِي خِلافَتُكم.
السُّؤالُ الثّانِي: أيُّ مَعْنًى لِقَوْلِهِ: ﴿مِن بَعْدِي﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿خَلَفْتُمُونِي﴾ ؟
والجَوابُ: مَعْناهُ مِن بَعْدِ ما رَأيْتُمْ مِنِّي مِن تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى، ونَفْيِ الشُّرَكاءِ عَنْهُ وإخْلاصِ العِبادَةِ لَهُ، أوْ مِن بَعْدِ ما كُنْتُ أحْمِلُ بَنِي إسْرائِيلَ عَلى التَّوْحِيدِ وأمْنَعُهم مِن عِبادَةِ البَقَرِ حِينَ قالُوا: ﴿اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ﴾؛ ومِن حَقِّ الخُلَفاءِ أنْ يَسِيرُوا سِيرَةَ المُسْتَخْلَفِينَ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿أعَجِلْتُمْ أمْرَ رَبِّكُمْ﴾ فَمَعْنى العَجَلَةِ التَّقَدُّمُ بِالشَّيْءِ قَبْلَ وقْتِهِ، ولِذَلِكَ صارَتْ مَذْمُومَةً والسُّرْعَةُ غَيْرُ مَذْمُومَةٍ؛ لِأنَّ مَعْناها عَمَلُ الشَّيْءِ في أوَّلِ أوْقاتِهِ. هَكَذا قالَهُ الواحِدِيُّ.
ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لَوْ كانَتِ العَجَلَةُ مَذْمُومَةً، فَلِمَ قالَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿وعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى﴾ [طه: ٨٤] قالَ ابْنُ عَبّاسٍ المَعْنى: ﴿أعَجِلْتُمْ أمْرَ رَبِّكُمْ﴾ يَعْنِي مِيعادَ رَبِّكم فَلَمْ تَصْبِرُوا لَهُ ؟ وقالَ الحَسَنُ: وعْدُ رَبِّكُمُ الَّذِي وعَدَكم مِنَ الأرْبَعِينَ، وذَلِكَ لِأنَّهم قَدَّرُوا أنَّهُ لَمّا لَمْ يَأْتِ عَلى رَأْسِ الثَّلاثِينَ لَيْلَةً، فَقَدْ ماتَ.
صفحة ١١
وقالَ عَطاءٌ: يُرِيدُ أعْجِلْتُمْ سُخْطَ رَبِّكم ؟ وقالَ الكَلْبِيُّ: أعْجِلْتُمْ بِعِبادَةِ العِجْلِ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَكم أمْرُ رَبِّكم ؟ ولَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّ مُوسى رَجَعَ غَضْبانَ ذَكَرَ بَعْدَهُ ما كانَ ذَلِكَ الغَضَبُ مُوجِبًا لَهُ، وهو أمْرانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ قالَ: ﴿وألْقى الألْواحَ﴾ يُرِيدُ الَّتِي فِيها التَّوْراةُ، ولَمّا كانَتْ تِلْكَ الألْواحُ أعْظَمَ مَعاجِزِهِ، ثُمَّ إنَّهُ ألْقاها، دَلَّ ذَلِكَ عَلى شِدَّةِ الغَضَبِ، لِأنَّ المَرْءَ لا يَقْدِمُ عَلى مِثْلِ هَذا العَمَلِ إلّا عِنْدَ حُصُولِ الغَضَبِ المُدْهِشِ. رُوِيَ أنَّ التَّوْراةَ كانَتْ سَبْعَةَ أسْباعٍ، فَلَمّا ألْقى الألْواحَ تَكَسَّرَتْ، فَرَفَعَ مِنها سِتَّةَ أسِباعِها وبَقِيَ سُبُعٌ واحِدٌ. وكانَ فِيما رَفَعَ تَفْصِيلُ كُلِّ شَيْءٍ، وفِيما بَقِيَ الهُدى والرَّحْمَةُ، وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: («يَرْحَمُ اللَّهُ أخِي مُوسى لَيْسَ الخَبَرُ كالمُعايَنَةِ، لَقَدْ أخْبَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِفِتْنَةِ قَوْمِهِ فَعَرَفَ أنَّ ما أخْبَرَهُ بِهِ حَقٌّ، وأنَّهُ عَلى ذَلِكَ مُتَمَسِّكٌ بِما في يَدِهِ» ) .
ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لَيْسَ في القُرْآنِ إلّا أنَّهُ ألْقى الألْواحَ فَأمّا أنَّهُ ألْقاها بِحَيْثُ تَكَسَّرَتْ، فَهَذا لَيْسَ في القُرْآنِ وإنَّهُ لَجَراءَةٌ عَظِيمَةٌ عَلى كِتابِ اللَّهِ، ومِثْلُهُ لا يَلِيقُ بِالأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
والأمْرُ الثّانِي: مِنَ الأُمُورِ المُتَوَلِّدَةِ عَنْ ذَلِكَ الغَضَبِ:
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وألْقى الألْواحَ وأخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ يَجُرُّهُ إلَيْهِ﴾ وفي هَذا المَوْضِعِ سُؤالٌ لِمَن يَقْدَحُ في عِصْمَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ذَكَرْناهُ في سُورَةِ طه مَعَ الجَوابِ الصَّحِيحِ، وبِالجُمْلَةِ فالطّاعِنُونَ في عِصْمَةِ الأنْبِياءِ يَقُولُونَ: إنَّهُ أخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ يَجُرُّهُ إلَيْهِ عَلى سَبِيلِ الإهانَةِ والِاسْتِخْفافِ، والمُثْبِتُونَ لِعِصْمَةِ الأنْبِياءِ قالُوا: إنَّهُ جَرَّ رَأْسَ أخِيهِ إلى نَفْسِهِ لِيُسارَّهُ ويَسْتَكْشِفَ مِنهُ كَيْفِيَّةَ تِلْكَ الواقِعَةِ.
فَإنْ قِيلَ: فَلِماذا قالَ: ﴿ابْنَ أُمَّ إنَّ القَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي﴾ ؟
قُلْنا: الجَوابُ عَنْهُ أنَّ هارُونَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - خافَ أنْ يَتَوَهَّمَ جُهّالُ بَنِي إسْرائِيلَ أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - غَضْبانُ عَلَيْهِ كَما أنَّهُ غَضْبانُ عَلى عَبَدَةِ العِجْلِ، فَقالَ لَهُ: ابْنَ أُمَّ، إنَّ القَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وما أطاعُونِي في تَرْكِ عِبادَةِ العِجْلِ، وقَدْ نَهَيْتُهم ولَمْ يَكُنْ مَعِي مِنَ الجَمْعِ ما أمْنَعُهم بِهِمْ عَنْ هَذا العَمَلِ، فَلا تَفْعَلْ بِي ما تَشْمَتُ أعْدائِي بِهِ، فَهم أعْداؤُكَ فَإنَّ القَوْمَ يَحْمِلُونَ هَذا الفِعْلَ الَّذِي تَفْعَلُهُ بِي عَلى الإهانَةِ لا عَلى الإكْرامِ.
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى﴿ابْنَ أُمَّ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ”ابْنَ أُمِّ“ بِكَسْرِ المِيمِ، وفي طه مِثْلُهُ عَلى تَقْدِيرِ أُمِّي فَحَذَفَ ياءَ الإضافَةِ لِأنَّ مَبْنى النِّداءِ عَلى الحَذْفِ وبَقِيَ الكَسْرُ عَلى المِيمِ لِيَدُلَّ عَلى الإضافَةِ، كَقَوْلِهِ: (يا عِبادِ) والباقُونَ بِفَتْحِ المِيمِ في السُّورَتَيْنِ، وفِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُما جُعِلا اسْمًا واحِدًا وبُنِي لِكَثْرَةِ اصْطِحابِ هَذَيْنِ الحَرْفَيْنِ فَصارَ بِمَنزِلَةِ اسْمٍ واحِدٍ نَحْوَ حَضْرَمَوْتَ وخَمْسَةَ عَشَرَ.
وثانِيهِما: أنَّهُ عَلى حَذْفِ الألِفِ المُبْدَلَةِ مِن ياءِ الإضافَةِ، وأصْلُهُ يا ابْنَ أمّا كَما قالَ الشّاعِرُ:
يا ابْنَةَ عَمّا لا تَلُومِي واهْجَعِي
وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ القَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي﴾ أيْ لَمْ يَلْتَفِتُوا إلى كَلامِي وكادُوا يَقْتُلُونَنِي، فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأعْداءَ -يَعْنِي أصْحابَ العِجْلِ- ولا تَجْعَلْنِي مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ، الَّذِينَ عَبَدُوا العِجْلَ، أيْ لا تَجْعَلْنِي شَرِيكًا لَهم في عُقُوبَتِكَ لَهم عَلى فِعْلِهِمْ، فَعِنْدَ هَذا قالَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾ أيْ فِيما أقْدَمْتُ عَلَيْهِ مِن هَذا الغَضَبِ والحِدَّةِ﴿ولِأخِي﴾ في تَرْكِهِ التَّشْدِيدَ العَظِيمَ عَلى عَبَدَةِ العِجْلِ﴿وأدْخِلْنا في رَحْمَتِكَ وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ .
صفحة ١٢
واعْلَمْ أنَّ تَمامَ هَذِهِ السُّؤالاتِ والجَواباتِ في هَذِهِ القِصَّةِ مَذْكُورٌ في سُورَةِ طه. واللَّهُ أعْلَمُ.
7:152–153Page 169
إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ ٱلۡعِجۡلَ سَيَنَالُهُمۡ غَضَبٞ مِّن رَّبِّهِمۡ وَذِلَّةٞ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۚ وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُفۡتَرِينَ ١٥٢
Indeed, those who took the calf [for worship] will obtain anger from their Lord and humiliation in the life of this world, and thus do We recompense the inventors [of falsehood].
وَٱلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسَّيِّـَٔاتِ ثُمَّ تَابُواْ مِنۢ بَعۡدِهَا وَءَامَنُوٓاْ إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعۡدِهَا لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ ١٥٣
But those who committed misdeeds and then repented after them and believed - indeed your Lord, thereafter, is Forgiving and Merciful.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ سَيَنالُهم غَضَبٌ مِن رَبِّهِمْ وذِلَّةٌ في الحَياةِ الدُّنْيا وكَذَلِكَ نَجْزِي المُفْتَرِينَ﴾ ﴿والَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِن بَعْدِها وآمَنُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ شَرْحُ حالِ مَن عَبَدَ العِجْلَ.
واعْلَمْ أنَّ المَفْعُولَ الثّانِيَ مِن مَفْعُولَيِ الِاتِّخاذِ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: اتَّخَذُوا العِجْلَ إلَهًا ومَعْبُودًا ويَدُلُّ عَلى هَذا المَحْذُوفِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأخْرَجَ لَهم عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ فَقالُوا هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى﴾ [طه: ٨٨] ولِلْمُفَسِّرِينَ في هَذِهِ الآيَةِ طَرِيقانِ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ بِالَّذِينِ اتَّخَذُوا العِجْلَ هُمُ الَّذِينَ باشَرُوا عِبادَةَ العِجْلِ، وهُمُ الَّذِينَ قالَ فِيهِمْ: ﴿سَيَنالُهم غَضَبٌ مِن رَبِّهِمْ﴾ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَفِيهِ سُؤالٌ، وهو أنَّ أُولَئِكَ الأقْوامَ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ أنَّهم قَتَلُوا أنْفُسَهم في مَعْرِضِ التَّوْبَةِ عَنْ ذَلِكَ الذَّنْبِ، وإذا تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَكَيْفَ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ في حَقِّهِمْ إنَّهُ﴿سَيَنالُهم غَضَبٌ مِن رَبِّهِمْ وذِلَّةٌ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ ؟
والجَوابُ عَنْهُ: أنَّ ذَلِكَ الغَضَبَ إنَّما حَصَلَ في الدُّنْيا لا في الآخِرَةِ، وتَفْسِيرُ ذَلِكَ الغَضَبِ هو أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَهم بِقَتْلِ أنْفُسِهِمْ، والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وذِلَّةٌ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ هو أنَّهم قَدْ ضَلُّوا فَذَلُّوا.
فَإنْ قالُوا: السِّينُ في قَوْلِهِ: ﴿سَيَنالُهُمْ﴾ لِلِاسْتِقْبالِ، فَكَيْفَ يُحْمَلُ هَذا عَلى حُكْمِ الدُّنْيا ؟
قُلْنا: هَذا الكَلامُ حِكايَةٌ عَمّا أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - حِينَ أخْبَرَهُ بِافْتِتانِ قَوْمِهِ واتِّخاذِهِمُ العِجْلَ، فَأخْبَرَهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ أنَّهُ سَيَنالُهم غَضَبٌ مِن رَبِّهِمْ وذِلَّةٌ في الحَياةِ الدُّنْيا، فَكانَ هَذا الكَلامُ سابِقًا عَلى وُقُوعِهِمْ في القَتْلِ وفي الذِّلَّةِ، فَصَحَّ هَذا التَّأْوِيلُ مِن هَذا الِاعْتِبارِ.
والطَّرِيقُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالَّذِينِ اتَّخَذُوا العِجْلَ أبْناؤُهُمُ الَّذِينَ كانُوا في زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: فَفي الآيَةِ وجْهانِ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ العَرَبَ تُعَيِّرُ الأبْناءَ بِقَبائِحِ أفْعالِ الآباءِ كَما تَفْعَلُ ذَلِكَ في المَناقِبِ. يَقُولُونَ لِلْأبْناءِ: فَعَلْتُمْ كَذا وكَذا، وإنَّما فَعَلَ ذَلِكَ مَن مَضى مِن آبائِهِمْ، فَكَذا هَهُنا وُصِفَ اليَهُودُ الَّذِينَ كانُوا في زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِاتِّخاذِ العِجْلِ، وإنْ كانَ آباؤُهم فَعَلُوا ذَلِكَ، ثُمَّ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِأنَّهُ﴿سَيَنالُهم غَضَبٌ مِن رَبِّهِمْ﴾ في الآخِرَةِ﴿وذِلَّةٌ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ كَما قالَ تَعالى في صِفَتِهِمْ: ﴿وضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ والمَسْكَنَةُ﴾ [البقرة: ٦١] .
والوَجْهُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ﴾ أيِ الَّذِينَ باشَرُوا ذَلِكَ﴿سَيَنالُهم غَضَبٌ﴾ أيْ سَيَنالُ أوْلادُهم، ثُمَّ حَذَفَ المُضافَ بِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ.
صفحة ١٣
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي المُفْتَرِينَ﴾ فالمَعْنى أنَّ كُلَّ مُفْتَرٍ في دِينِ اللَّهِ فَجَزاؤُهُ غَضَبُ اللَّهِ والذِّلَّةُ في الدُّنْيا، قالَ مالِكُ بْنُ أنَسٍ: ما مِن مُبْتَدِعٍ إلّا ويَجِدُ فَوْقَ رَأْسِهِ ذِلَّةً، ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ، وذَلِكَ لِأنَّ المُبْتَدِعَ مُفْتَرٍ في دِينِ اللَّهِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِن بَعْدِها وآمَنُوا﴾ فَهَذا يُفِيدُ أنَّ مَن عَمِلَ السَّيِّئاتِ فَلا بُدَّ وأنْ يَتُوبَ عَنْها أوَّلًا، وذَلِكَ بِأنْ يَتْرُكَها أوَّلًا ويَرْجِعَ عَنْها، ثُمَّ يُؤْمِنَ بَعْدَ ذَلِكَ.
وثانِيًا: يُؤْمِنُ بِاللَّهِ تَعالى، ويُصَدِّقُ بِأنَّهُ لا إلَهَ غَيْرُهُ﴿إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ السَّيِّئاتِ بِأسْرِها مُشْتَرِكَةٌ في أنَّ التَّوْبَةَ مِنها تُوجِبُ الغُفْرانَ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿والَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ﴾ يَتَناوَلُ الكُلَّ. والتَّقْدِيرُ: أنَّ مَن أتى بِجَمِيعِ السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابَ فَإنَّ اللَّهَ يَغْفِرُها لَهُ، وهَذا مِن أعْظَمِ ما يُفِيدُ البِشارَةَ والفَرَحَ لِلْمُذْنِبِينَ، واللَّهُ أعْلَمُ.
7:154Page 169
وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى ٱلۡغَضَبُ أَخَذَ ٱلۡأَلۡوَاحَۖ وَفِي نُسۡخَتِهَا هُدٗى وَرَحۡمَةٞ لِّلَّذِينَ هُمۡ لِرَبِّهِمۡ يَرۡهَبُونَ ١٥٤
And when the anger subsided in Moses, he took up the tablets; and in their inscription was guidance and mercy for those who are fearful of their Lord.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَمّا سَكَتَ عَنْ مُوسى الغَضَبُ أخَذَ الألْواحَ وفي نُسْخَتِها هُدًى ورَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هم لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ لَنا ما كانَ مِنهُ مَعَ الغَضَبِ بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ ما كانَ مِنهُ عِنْدَ سُكُوتِ الغَضَبِ.
وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: ﴿سَكَتَ عَنْ مُوسى الغَضَبُ﴾ أقْوالٌ:
القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ هَذا الكَلامَ خَرَجَ عَلى قانُونِ الِاسْتِعارَةِ كَأنَّ الغَضَبَ كانَ يُقَوِّيهِ عَلى ما فَعَلَ، ويَقُولُ لَهُ: قُلْ لِقَوْمِكَ كَذا وكَذا، وألْقِ الألْواحَ وخُذْ بِرَأْسِ أخِيكَ إلَيْكَ، فَلَمّا زالَ الغَضَبُ، صارَ كَأنَّهُ سَكَتَ.
والقَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ عِكْرِمَةَ، إنَّ المَعْنى: سَكَتَ مُوسى عَنِ الغَضَبِ وقُلِبَ كَما قالُوا: أدْخَلْتُ القَلَنْسُوَةَ في رَأْسِي، والمَعْنى: أدْخَلْتُ رَأْسِي في القَلَنْسُوَةِ.
القَوْلُ الثّالِثُ: المُرادُ بِالسُّكُوتِ السُّكُونُ والزَّوالُ، وعَلى هَذا جازَ﴿سَكَتَ عَنْ مُوسى الغَضَبُ﴾ ولا يَجُوزُ صَمَتَ لِأنَّ﴿سَكَتَ﴾ بِمَعْنى سَكَنَ، وأمّا صَمَتَ فَمَعْناهُ سَدَّ فاهُ عَنِ الكَلامِ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ في الغَضَبِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا عَرَفَ أنَّ أخاهُ هارُونَ لَمْ يَقَعْ مِنهُ تَقْصِيرٌ وظَهَرَ لَهُ صِحَّةُ عُذْرِهِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ سَكَنَ غَضَبُهُ. وهو الوَقْتُ الَّذِي قالَ فِيهِ: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي ولِأخِي﴾ وكَما دَعا لِأخِيهِ مُنَبِّهًا بِذَلِكَ عَلى زَوالِ غَضَبِهِ، لِأنَّ ذَلِكَ أوَّلُ ما تَقَدَّمَ مِن أماراتِ غَضَبِهِ عَلى ما فَعَلَهُ مِنَ الأمْرَيْنِ، فَجُعِلَ ضِدَّ ذَيْنِكَ الفِعْلَيْنِ كالعَلامَةِ لِسُكُونِ غَضَبِهِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿أخَذَ الألْواحَ﴾ المُرادُ مِنهُ الألْواحُ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وألْقى الألْواحَ﴾ وظاهِرُ هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ شَيْئًا مِنها لَمْ يَنْكَسِرْ ولَمْ يَبْطَلْ، وأنَّ الَّذِي قِيلَ مِن أنَّ سِتَّةَ أسْباعِ التَّوْراةِ رُفِعَتْ إلى السَّماءِ لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ.
وقَوْلُهُ: ﴿وفِي نُسْخَتِها﴾ النَّسْخُ عِبارَةٌ عَنِ النَّقْلِ والتَّحْوِيلِ فَإذا كَتَبْتَ كِتابًا عَنْ كِتابٍ
صفحة ١٤
حَرْفًا بَعْدَ حَرْفٍ. قُلْتَ: نَسَخْتُ ذَلِكَ الكِتابَ، كَأنَّكَ نَقَلْتَ ما في الأصْلِ إلى الكِتابِ الثّانِي. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا ألْقى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - الألْواحَ تَكَسَّرَتْ فَصامَ أرْبَعِينَ يَوْمًا، فَأعادَ اللَّهُ تَعالى الألْواحَ وفِيها عَيْنُ ما في الأُولى، فَعَلى هَذا قَوْلُهُ: ﴿وفِي نُسْخَتِها﴾ أيْ وفِيما نُسِخَ مِنها. وأمّا إنْ قُلْنا إنَّ الألْواحَ لَمْ تَتَكَسَّرْ وأخَذَها مُوسى بِأعْيانِها بَعْدَما ألْقاها، ولا شَكَّ أنَّها كانَتْ مَكْتُوبَةً مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، فَهي أيْضًا تَكُونُ نَسْخًا عَلى هَذا التَّقْدِيرِ وقَوْلُهُ: ﴿هُدًى ورَحْمَةٌ﴾ أيْ﴿هُدًى﴾ مِنَ الضَّلالَةِ﴿ورَحْمَةٌ﴾ مِنَ العَذابِ﴿لِلَّذِينَ هم لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ يُرِيدُ الخائِفِينَ مِن رَبِّهِمْ.
فَإنْ قِيلَ: التَّقْدِيرُ لِلَّذِينِ يَرْهَبُونَ رَبَّهم فَما الفائِدَةُ في اللّامِ في قَوْلِهِ: ﴿لِرَبِّهِمْ﴾ ؟
قُلْنا فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ تَأْخِيرَ الفِعْلِ عَنْ مَفْعُولِهِ يُكْسِبُهُ ضَعْفًا فَدَخَلَتِ اللّامُ لِلتَّقْوِيَةِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣] .
الثّانِي: أنَّها لامُ الأجْلِ، والمَعْنى: لِلَّذِينِ هم لِأجْلِ رَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ لا رِياءً ولا سُمْعَةً.
الثّالِثُ: أنَّهُ قَدْ يُزادُ حَرْفُ الجَرِّ في المَفْعُولِ، وإنْ كانَ الفِعْلُ مُتَعَدِّيًا، كَقَوْلِكَ قَرَأْتُ في السُّورَةِ وقَرَأْتُ السُّورَةَ، وألْقى يَدَهُ وألْقى بِيَدِهِ، وفي القُرْآنِ: ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ [العلق: ١٤] وفي مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿ويَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ﴾ [النُّورِ: ٢٥]، فَعَلى هَذا قَوْلُهُ: ﴿لِرَبِّهِمْ﴾ اللّامُ صِلَةٌ وتَأْكِيدٌ كَقَوْلِهِ: ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ [ النَّمْلِ: ٧٢] وقَدْ ذَكَرْنا مِثْلَ هَذا في قَوْلِهِ: ﴿ولا تُؤْمِنُوا إلّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ [آل عمران: ٧٣] .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences