Ar-RaziAl‑A'raf · 7:155–156

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-A'raf 7:155–156

7:155Page 169

وَٱخۡتَارَ مُوسَىٰ قَوۡمَهُۥ سَبۡعِينَ رَجُلٗا لِّمِيقَٰتِنَاۖ فَلَمَّآ أَخَذَتۡهُمُ ٱلرَّجۡفَةُ قَالَ رَبِّ لَوۡ شِئۡتَ أَهۡلَكۡتَهُم مِّن قَبۡلُ وَإِيَّٰيَۖ أَتُهۡلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَّآۖ إِنۡ هِيَ إِلَّا فِتۡنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ وَتَهۡدِي مَن تَشَآءُۖ أَنتَ وَلِيُّنَا فَٱغۡفِرۡ لَنَا وَٱرۡحَمۡنَاۖ وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلۡغَٰفِرِينَ ١٥٥

And Moses chose from his people seventy men for Our appointment.1 And when the earthquake seized them,2 he said, "My Lord, if You had willed, You could have destroyed them before and me [as well]. Would You destroy us for what the foolish among us have done? This is not but Your trial by which You send astray whom You will and guide whom You will. You are our Protector, so forgive us and have mercy upon us; and You are the best of forgivers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا فَلَمّا أخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أهْلَكْتَهم مِن قَبْلُ وإيّايَ أتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا إنْ هي إلّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَن تَشاءُ وتَهْدِي مَن تَشاءُ أنْتَ ولِيُّنا فاغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا وأنْتَ خَيْرُ الغافِرِينَ﴾

فِي هَذِهِ الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: الِاخْتِيارُ: افْتِعالٌ مِن لَفْظِ الخَيْرِ يُقالُ: اخْتارَ الشَّيْءَ إذا أخَذَ خَيْرَهُ وخِيارَهُ، وأصْلُ اخْتارَ: اخْتَيَرَ، فَلَمّا تَحَرَّكَتِ الياءُ وقَبْلَها فَتْحَةٌ قُلِبَتْ ألِفًا نَحْوَ قالَ وباعَ، ولِهَذا السَّبَبِ اسْتَوى لَفْظُ الفاعِلِ والمَفْعُولِ فَقِيلَ فِيهِما مُخْتارٌ، والأصْلُ مُخْتَيِرٌ ومُخْتَيَرٌ، فَقُلِبَتِ الياءُ فِيهِما ألِفًا فاسْتَوَيا في اللَّفْظِ. وتَحْقِيقُ الكَلامِ فِيهِ أنْ نَقُولَ: إنَّ الأعْضاءَ السَّلِيمَةَ بِحَسَبِ سَلامَتِها الأصْلِيَّةِ صالِحَةٌ لِلْفِعْلِ والتَّرْكِ، وصالِحَةٌ لِلْفِعْلِ ولِضِدِّهِ، وما دامَ يَبْقى عَلى هَذا الِاسْتِواءِ امْتَنَعَ أنْ يَصِيرَ مَصْدَرًا لِأحَدِ الجانِبَيْنِ دُونَ الثّانِي، وإلّا لَزِمَ رُجْحانُ المُمْكِنِ مِن غَيْرِ مُرَجِّحٍ، وهو مُحالٌ، فَإذا حَكَمَ الإنْسانُ بِأنَّ لَهُ في الفِعْلِ نَفْعًا زائِدًا وصَلاحًا راجِحًا، فَقَدْ حَكَمَ بِأنَّ ذَلِكَ الجانِبَ خَيْرٌ لَهُ مِن ضِدِّهِ. فَعِنْدَ حُصُولِ هَذا الِاعْتِقادِ في القَلْبِ يَصِيرُ الفِعْلُ راجِحًا عَلى التَّرْكِ، فَلَوْلا الحُكَمُ بِكَوْنِ ذَلِكَ الطَّرَفِ خَيْرًا مِنَ الطَّرَفِ الآخَرِ امْتَنَعَ أنْ يَصِيرَ فاعِلًا، فَلَمّا كانَ صُدُورُ الفِعْلِ

صفحة ١٥

عَنِ الحَيَوانِ مَوْقُوفًا عَلى حُكْمِهِ بِكَوْنِ ذَلِكَ الفِعْلِ خَيْرًا مِن تَرْكِهِ، فَلا جَرَمَ سُمِّيَ الفِعْلُ الحَيَوانِيُّ فِعْلًا اخْتِيارِيًّا. واللَّهُ أعْلَمُ.

فَإنْ قِيلَ: إنَّ الإنْسانَ قَدْ يَقْتُلُ نَفْسَهُ، وقَدْ يَرْمِي نَفْسَهُ مِن شاهِقِ جَبَلٍ مَعَ أنَّهُ يَعْلَمُ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنَ الخَيْراتِ بَلْ مِنَ الشُّرُورِ.

فَنَقُولُ: إنَّ الإنْسانَ لا يَقْدِمُ عَلى قَتْلِ نَفْسِهِ إلّا إذا اعْتَقَدَ أنَّهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ القَتْلِ يَتَخَلَّصُ عَنْ ضَرَرٍ أعْظَمَ مِن ذَلِكَ القَتْلِ، والضَّرَرُ الأسْهَلُ بِالنِّسْبَةِ إلى الضَّرَرِ الأعْظَمِ يَكُونُ خَيْرًا لا شَرًّا. وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالسُّؤالُ زائِلٌ. واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ جَماعَةُ النَّحْوِيِّينَ: مَعْناهُ واخْتارَ مُوسى مِن قَوْمِهِ سَبْعِينَ، فَحُذِفَتْ كَلِمَةُ ”مِن“ ووُصِلَ الفِعْلُ فَنُصِبَ، يُقالُ: اخْتَرْتُ مِنَ الرِّجالِ زَيْدًا، واخْتَرْتُ الرِّجالَ زَيْدًا، وأنْشَدُوا قَوْلَ الفَرَزْدَقِ:

ومِنّا الَّذِي اخْتارَ الرِّجالَ سَماحَةً وجُودًا إذا هَبَّ الرِّياحُ الزُّعازِعُ

قالَ أبُو عَلِيٍّ: والأصْلُ في هَذا البابِ أنَّ مِنَ الأفْعالِ ما يَتَعَدّى إلى المَفْعُولِ الثّانِي بِحَرْفٍ واحِدٍ، ثُمَّ يُتَّسَعُ فَيُحْذَفُ حَرْفُ الجَرِّ فَيَتَعَدّى الفِعْلُ إلى المَفْعُولِ الثّانِي، مِن ذَلِكَ قَوْلُكَ: اخْتَرْتُ مِنَ الرِّجالِ زَيْدًا ثُمَّ يُتَّسَعُ فَيُقالُ اخْتَرْتُ الرِّجالَ زَيْدًا، وقَوْلُكَ أسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِن ذَنْبِي، وأسْتَغْفِرُ اللَّهَ ذَنْبِي، قالَ الشّاعِرُ:

أسْتَغْفِرُ اللَّهَ ذَنْبًا لَسْتُ أُحْصِيهِ

ويُقالُ أمَرْتُ زَيْدًا بِالخَيْرِ وأمَرْتُ زَيْدًا الخَيْرَ، قالَ الشّاعِرُ:

أمَرْتُكَ الخَيْرَ فافْعَلْ ما أُمِرْتَ بِهِ

واللَّهُ أعْلَمُ.

وعِنْدِي فِيهِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ لِمِيقاتِنا، وأرادَ بِقَوْمِهِ المُعْتَبِرِينَ مِنهم إطْلاقًا لِاسْمِ الجِنْسِ عَلى ما هو المَقْصُودُ مِنهم، وقَوْلُهُ: ﴿سَبْعِينَ رَجُلًا﴾ عَطْفُ بَيانٍ، وعَلى هَذا الوَجْهِ فَلا حاجَةَ إلى ما ذَكَرُوهُ مِنَ التَّكَلُّفاتِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذَكَرُوا أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - اخْتارَ مِن قَوْمِهِ اثْنَيْ عَشَرَ سِبْطًا مِن كُلِّ سِبْطٍ سِتَّةً، فَصارُوا اثْنَيْنِ وسَبْعِينَ، فَقالَ لِيَتَخَلَّفْ مِنكم رَجُلانِ فَتَشاجَرُوا، فَقالَ إنَّ لِمَن قَعَدَ مِنكم مِثْلَ أجْرِ مَن خَرَجَ، فَقَعَدَ كالِبٌ ويُوشَعُ. ورُوِيَ أنَّهُ لَمْ يَجِدْ إلّا سِتِّينَ شَيْخًا، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ أنْ يَخْتارَ مِنَ الشُّبّانِ عَشَرَةً فاخْتارَهم فَأصْبَحُوا شُيُوخًا فَأمَرَهم أنْ يَصُومُوا ويَتَطَهَّرُوا، ويُطَهِّرُوا ثِيابَهم، ثُمَّ خَرَجَ بِهِمْ إلى المِيقاتِ.

* * *

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: هَذا الِاخْتِيارُ هَلْ هو لِلْخُرُوجِ إلى المِيقاتِ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ تَعالى مُوسى فِيهِ، وسَألَ مُوسى مِنَ اللَّهِ الرُّؤْيَةَ، أوْ هو لِلْخُرُوجِ إلى مَوْضِعٍ آخَرَ ؟ فِيهِ أقْوالٌ لِلْمُفَسِّرِينَ:

القَوْلُ الأوَّلُ: إنَّهُ لِمِيقاتِ الكَلامِ والرُّؤْيَةِ قالُوا: إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - خَرَجَ بِهَؤُلاءِ السَّبْعِينَ إلى طُورِ سَيْناءَ، فَلَمّا دَنا مُوسى مِنَ الجَبَلِ وقَعَ عَلَيْهِ عَمُودٌ مِنَ الغَمامِ، حَتّى أحاطَ بِالجَبَلِ كُلِّهِ، ودَنا مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - . ودَخَلَ فِيهِ، وقالَ لِلْقَوْمِ: ادْنُوا، فَدَنَوْا، حَتّى إذا دَخَلُوا الغَمامَ وقَعُوا سُجَّدًا، فَسَمِعُوهُ، وهو يُكَلِّمُ مُوسى يَأْمُرُهُ ويَنْهاهُ

صفحة ١٦

افْعَلْ ولا تَفْعَلْ. ثُمَّ انْكَشَفَ الغَمامُ فَأقْبَلُوا إلَيْهِ فَطَلَبُوا الرُّؤْيَةَ، وقالُوا﴿يامُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً فَأخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ﴾ [البقرة: ٥٥] وهي المُرادُ مِنَ الرَّجْفَةِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أهْلَكْتَهم مِن قَبْلُ وإيّايَ أتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا﴾ فالمُرادُ مِنهُ قَوْلُهم: ﴿أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النِّساءِ: ١٥٣] .

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِن هَذا المِيقاتِ مِيقاتٌ مُغايِرٌ لِمِيقاتِ الكَلامِ وطَلَبِ الرُّؤْيَةِ، وعَلى هَذا القَوْلِ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلى وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ هَؤُلاءِ السَّبْعِينَ وإنْ كانُوا ما عَبَدُوا العِجْلَ إلّا أنَّهم ما فارَقُوا عَبَدَةَ العِجْلِ عِنْدَ اشْتِغالِهِمْ بِعِبادَةِ العِجْلِ.

وثانِيها: أنَّهم ما بالَغُوا في النَّهْيِ عَنْ عِبادَةِ العِجْلِ.

وثالِثُها: أنَّهم لَمّا خَرَجُوا إلى المِيقاتِ لِيَتُوبُوا دَعَوْا رَبَّهم وقالُوا أعْطِنا ما لَمْ تُعْطِهِ أحَدًا قَبْلَنا، ولا تُعْطِيهِ أحَدًا بَعْدَنا، فَأنْكَرَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ ذَلِكَ الكَلامَ فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ.

واحْتَجَّ القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِهِمْ بِأُمُورٍ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ قِصَّةَ مِيقاتِ الكَلامِ وطَلَبِ الرُّؤْيَةِ ثُمَّ أتْبَعَها بِذِكْرِ قِصَّةِ العِجْلِ ثُمَّ أتْبَعَها بِهَذِهِ القِصَّةِ، وظاهِرُ الحالِ يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ هَذِهِ القِصَّةُ مُغايِرَةً لِلْقِصَّةِ المُتَقَدِّمَةِ الَّتِي لا يُنْكَرُ أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ هَذا عَوْدًا إلى تَتِمَّةِ الكَلامِ في القِصَّةِ الأوْلى إلّا أنَّ الألْيَقَ بِالفَصاحَةِ إتْمامُ الكَلامِ في القِصَّةِ الواحِدَةِ في وضْعٍ واحِدٍ، ثُمَّ الِانْتِقالُ مِنها بَعْدَ تَمامِها إلى غَيْرِها، فَأمّا ذِكْرُ بَعْضِ القِصَّةِ، ثُمَّ الِانْتِقالُ مِنها إلى قِصَّةٍ أُخْرى، ثُمَّ الِانْتِقالُ مِنها بَعْدَ تَمامِها إلى بَقِيَّةِ الكَلامِ في القِصَّةِ الأُولى، فَإنَّهُ يُوجِبُ نَوْعًا مِنَ الخَبْطِ والِاضْطِرابِ، والأوْلى صَوْنُ كَلامِ اللَّهِ تَعالى عَنْهُ.

الثّانِي: أنَّ في مِيقاتِ الكَلامِ وطَلَبِ الرُّؤْيَةِ لَمْ يَظْهَرْ هُناكَ مُنْكِرٌ، إلّا أنَّهم ﴿فَقالُوا أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ فَلَوْ كانَتِ الرَّجْفَةُ المَذْكُورَةُ في هَذِهِ الآيَةِ إنَّما حَصَلَتْ بِسَبَبِ ذَلِكَ القَوْلِ لَوَجَبَ أنْ يُقالَ: أتُهْلِكُنا بِما يَقُولُهُ السُّفَهاءُ مِنّا ؟ فَلَمّا لَمْ يَقُلْ مُوسى كَذَلِكَ بَلْ قالَ: ﴿أتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا﴾ عَلِمْنا أنَّ هَذِهِ الرَّجْفَةَ إنَّما حَصَلَتْ بِسَبَبِ إقْدامِهِمْ عَلى عِبادَةِ العِجْلِ لا بِسَبَبِ إقْدامِهِمْ عَلى طَلَبِ الرُّؤْيَةِ.

الثّالِثُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ في مِيقاتِ الكَلامِ والرُّؤْيَةِ: أنَّهُ خَرَّ مُوسى صَعِقًا، وأنَّهُ جَعَلَ الجَبَلَ دَكًّا، وأمّا المِيقاتُ المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ أنَّ القَوْمَ أخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ، ولَمْ يَذْكُرْ أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أخَذَتْهُ الرَّجْفَةُ، وكَيْفَ يُقالُ أخَذَتْهُ الرَّجْفَةُ، وهو الَّذِي قالَ لَوْ شِئْتَ أهْلَكْتَهم مِن قَبْلُ وإيّايَ ؟ واخْتِصاصُ كُلِّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ المِيقاتَيْنِ بِهَذِهِ الأحْكامِ يُفِيدُ ظَنَّ أنَّ أحَدَهُما غَيْرُ الآخَرِ. واحْتَجَّ القائِلُونَ بِأنَّ هَذا المِيقاتَ هو مِيقاتُ الكَلامِ، وطَلَبِ الرُّؤْيَةِ بِأنْ قالُوا إنَّهُ تَعالى قالَ في الآيَةِ الأُولى: ﴿ولَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا﴾ [الأعراف: ١٤٣] فَدَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ لَفْظَ المِيقاتِ مَخْصُوصٌ بِذَلِكَ المِيقاتِ، فَلَمّا قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا﴾ وجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهَذا المِيقاتِ هو عَيْنُ ذَلِكَ المِيقاتِ.

وجَوابُهُ: أنَّ هَذا الدَّلِيلَ ضَعِيفٌ، ولا شَكَّ أنَّ الوُجُوهَ المَذْكُورَةَ في تَقْوِيَةِ القَوْلِ الأوَّلِ أقْوى. واللَّهُ أعْلَمُ.

والوَجْهُ الثّالِثُ في تَفْسِيرِ هَذا المِيقاتِ: ما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ قالَ: إنَّ مُوسى وهارُونَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - انْطَلَقا إلى سَفْحِ جَبَلٍ، فَنامَ هارُونُ فَتَوَفّاهُ اللَّهُ تَعالى، فَلَمّا رَجَعَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالُوا إنَّهُ هو الَّذِي قَتَلَ هارُونَ، فاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا، وذَهَبُوا إلى هارُونَ فَأحْياهُ اللَّهُ تَعالى، وقالَ ما قَتَلَنِي أحَدٌ، فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ هُنالِكَ، فَهَذا جُمْلَةُ ما قِيلَ في هَذا البابِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

صفحة ١٧

* * *

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اخْتَلَفُوا في تِلْكَ الرَّجْفَةِ فَقِيلَ: إنَّها رَجْفَةٌ أوْجَبَتِ المَوْتَ. قالَ السُّدِّيُّ: قالَ مُوسى يا رَبِّ كَيْفَ أرْجِعُ إلى بَنِي إسْرائِيلَ وقَدْ أهْلَكْتَ خِيارَهم ولَمْ يَبْقَ مَعِي مِنهم واحِدٌ ؟ فَماذا أقُولُ لِبَنِي إسْرائِيلَ وكَيْفَ يَأْمَنُونِي عَلى أحَدٍ مِنهم بَعْدَ ذَلِكَ ؟ فَأحْياهُمُ اللَّهُ تَعالى. فَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لَوْ شِئْتَ أهْلَكْتَهم مِن قَبْلُ وإيّايَ﴾ أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - خافَ أنْ يَتَّهِمَهُ بَنُو إسْرائِيلَ عَلى السَّبْعِينَ إذا عادَ إلَيْهِمْ ولَمْ يُصَدِّقُوا أنَّهم ماتُوا، فَقالَ لِرَبِّهِ: لَوْ شِئْتَ أهْلَكْتَنا قَبْلَ خُرُوجِنا لِلْمِيقاتِ، فَكانَ بَنُو إسْرائِيلَ يُعايِنُونَ ذَلِكَ ولا يَتَّهِمُونَنِي.

والقَوْلُ الثّانِي: إنَّ تِلْكَ الرَّجْفَةَ ما كانَتْ مَوْتًا، ولَكِنَّ القَوْمَ لَمّا رَأوْا تِلْكَ الحالَةَ المَهِيبَةَ أخَذَتْهُمُ الرِّعْدَةُ ورَجَفُوا حَتّى كادَتْ تَبِينُ مِنهم مَفاصِلُهم، وتَنْقَصِمُ ظُهُورُهم، وخافَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - المَوْتَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ بَكى ودَعا فَكَشَفَ اللَّهُ عَنْهم تِلْكَ الرَّجْفَةَ.

* * *

أمّا قَوْلُهُ: ﴿أتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا﴾ فَقالَ أهْلُ العِلْمِ: إنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَظُنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّ اللَّهَ تَعالى يُهْلِكُ قَوْمًا بِذُنُوبِ غَيْرِهِمْ، فَيَجِبُ تَأْوِيلُ الآيَةِ، وفِيهِ بَحْثانِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى الجَحْدِ، وأرادَ أنَّكَ لا تَفْعَلُ ذَلِكَ. كَما تَقُولُ: أتُهِينُ مَن يَخْدِمُكَ ؟ أيْ لا تَفْعَلُ ذَلِكَ.

الثّانِي: قالَ المُبَرِّدُ: هو اسْتِفْهامُ اسْتِعْطافٍ، أيْ لا تُهْلِكْنا.

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنْ هي إلّا فِتْنَتُكَ﴾ فَقالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: الكِنايَةُ في قَوْلِهِ: ﴿هِيَ﴾ عائِدَةٌ إلى الفِتْنَةِ كَما تَقُولُ: إنْ هو إلّا زَيْدٌ، وإنْ هي إلّا هِنْدُ. والمَعْنى: أنَّ تِلْكَ الفِتْنَةَ الَّتِي وقَعَ فِيها السُّفَهاءُ لَمْ تَكُنْ إلّا فِتْنَتُكَ أضْلَلْتَ بِها قَوْمًا فافْتَتَنُوا، وعَصَمْتَ قَوْمًا عَنْها فَثَبَتُوا عَلى الحَقِّ، ثُمَّ أكَّدَ بَيانَ أنَّ الكُلَّ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَقالَ: ﴿تُضِلُّ بِها مَن تَشاءُ وتَهْدِي مَن تَشاءُ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: وهَذِهِ الآيَةُ مِنَ الحُجَجِ الظّاهِرَةِ عَلى القَدَرِيَّةِ الَّتِي لا يَبْقى لَهم مَعَها عُذْرٌ. قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: لا تَعَلُّقَ لِلْجَبْرِيَّةِ بِهَذِهِ الآيَةِ لِأنَّهُ تَعالى لَمْ يَقُلْ؛ تُضِلُّ بِها مَن تَشاءُ مِن عِبادِكَ عَنِ الدِّينِ، ولِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿تُضِلُّ بِها﴾ أيْ بِالرَّجْفَةِ، ومَعْلُومٌ أنَّ الرَّجْفَةَ لا يُضِلُّ اللَّهُ بِها، فَوَجَبَ حَمْلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى التَّأْوِيلِ. فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنْ هي إلّا فِتْنَتُكَ﴾ فالمَعْنى: امْتِحانُكَ وشِدَّةُ تَعَبُّدِكَ؛ لِأنَّهُ لَمّا أظْهَرَ الرَّجْفَةَ كَلَّفَهم بِالصَّبْرِ عَلَيْها.

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿تُضِلُّ بِها مَن تَشاءُ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: تَهْدِي بِهَذا الِامْتِحانِ إلى الجَنَّةِ والثَّوابِ بِشَرْطِ أنْ يُؤْمِنَ ذَلِكَ المُكَلَّفُ ويَبْقى عَلى الإيمانِ، وتُعاقِبُ مَن تَشاءُ بِشَرْطِ أنْ لا يُؤْمِنَ، أوْ إنْ آمَنَ لَكِنْ لا يَصْبِرُ عَلَيْهِ.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالإضْلالِ الإهْلاكَ، والتَّقْدِيرُ: تُهْلِكُ مَن تَشاءُ بِهَذِهِ الرَّجْفَةِ وتَصْرِفُها عَمَّنْ تَشاءُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ لَمّا كانَ هَذا الِامْتِحانُ كالسَّبَبِ في هِدايَةِ مَنِ اهْتَدى، وضَلالِ مَن ضَلَّ، جازَ أنْ يُضافا إلَيْهِ.

واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ التَّأْوِيلاتِ مُتَّسِعَةٌ، والدَّلائِلَ العَقْلِيَّةَ دالَّةٌ عَلى أنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ ما ذَكَرْناهُ، وتَقْرِيرُها مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ القُدْرَةَ الصّالِحَةَ لِلْإيمانِ والكُفْرِ لا يَتَرَجَّحُ تَأْثِيرُها في أحَدِ الطَّرَفَيْنِ عَلى تَأْثِيرِها في الطَّرَفِ الآخَرِ، إلّا لِأجْلِ داعِيَةٍ مُرَجَّحَةٍ، وخالِقُ تِلْكَ الدّاعِيَةِ هو اللَّهُ تَعالى، وعِنْدَ حُصُولِ تِلْكَ الدّاعِيَةِ يَجِبُ الفِعْلُ وإذا ثَبَتَتْ هَذِهِ المُقَدِّماتُ ثَبَتَ أنَّ الهِدايَةَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وأنَّ الإضْلالَ مِنَ اللَّهِ تَعالى.

الثّانِي: أنَّ أحَدًا مِنَ العُقَلاءِ لا يُرِيدُ إلّا الإيمانَ والحَقَّ والصِّدْقَ، فَلَوْ كانَ الأمْرُ بِاخْتِيارِهِ وقَصْدِهِ لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مُؤْمِنًا مُحِقًّا، وحَيْثُ لَمْ يَكُنِ الأمْرُ كَذَلِكَ ثَبَتَ أنَّ الكُلَّ مِنَ اللَّهِ تَعالى.

الثّالِثُ: أنَّهُ لَوْ كانَ حُصُولُ الهِدايَةِ والمَعْرِفَةِ بِفِعْلِ العَبْدِ فَما لَمْ يَتَمَيَّزْ عِنْدَهُ الِاعْتِقادُ الحَقُّ عَنِ الِاعْتِقادِ الباطِلِ، امْتَنَعَ أنْ يَخُصَّ أحَدَ

صفحة ١٨

الِاعْتِقادَيْنِ بِالتَّحْصِيلِ والتَّكْوِينِ، لَكِنَّ عِلْمَهُ بِأنَّ هَذا الِاعْتِقادَ هو الحَقُّ وأنَّ الآخَرَ هو الباطِلُ، يَقْتَضِي كَوْنَهُ عالِمًا بِذَلِكَ المُعْتَقَدِ أوَّلًا كَما هو عَلَيْهِ، فَيَلْزَمُ أنْ تَكُونَ القُدْرَةُ عَلى تَحْصِيلِ الِاعْتِقادِ مَشْرُوطَةً بِكَوْنِ ذَلِكَ الِاعْتِقادِ الحَقِّ حاصِلًا، وذَلِكَ يَقْتَضِي كَوْنَ الشَّيْءِ مَشْرُوطًا بِنَفْسِهِ وأنَّهُ مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّهُ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ حُصُولُ الهِدايَةِ والعِلْمِ بِتَخْلِيقِ العَبْدِ، وأمّا الكَلامُ في إبْطالِ تِلْكَ التَّأْوِيلاتِ فَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ في هَذا الكِتابِ غَيْرَ مَرَّةٍ. واللَّهُ أعْلَمُ.

ثُمَّ حَكى تَعالى عَنْ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿أنْتَ ولِيُّنا فاغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا وأنْتَ خَيْرُ الغافِرِينَ﴾

واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أنْتَ ولِيُّنا﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، ومَعْناهُ أنَّهُ لا ولِيَّ لَنا ولا ناصِرَ ولا هادِيَ إلّا أنْتَ، وهَذا مِن تَمامِ ما سَبَقَ ذِكْرُهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿تُضِلُّ بِها مَن تَشاءُ وتَهْدِي مَن تَشاءُ﴾ . وقَوْلُهُ: ﴿فاغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا﴾ المُرادُ مِنهُ أنَّ إقْدامَهُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إنْ هي إلّا فِتْنَتُكَ﴾ جَراءَةٌ عَظِيمَةٌ، فَطَلَبَ مِنَ اللَّهِ غُفْرانَها والتَّجاوُزَ عَنْها، وقَوْلُهُ: ﴿وأنْتَ خَيْرُ الغافِرِينَ﴾ مَعْناهُ أنَّ كُلَّ مَن سِواكَ فَإنَّما يَتَجاوَزُ عَنِ الذَّنْبِ إمّا طَلَبًا لِلثَّناءِ الجَمِيلِ أوْ لِلثَّوابِ الجَزِيلِ، أوْ دَفْعًا لِلرِّبْقَةِ الخَسِيسَةِ عَنِ القَلْبِ، وبِالجُمْلَةِ فَذَلِكَ الغُفْرانُ يَكُونُ لِطَلَبِ نَفْعٍ أوْ لِدَفْعِ ضَرَرٍ، أمّا أنْتَ فَتَغْفِرُ ذُنُوبَ عِبادِكَ لا لِطَلَبِ عِوَضٍ وغَرَضٍ، بَلْ لِمَحْضِ الفَضْلِ والكَرَمِ، فَوَجَبَ القَطْعُ بِكَوْنِهِ﴿خَيْرُ الغافِرِينَ﴾ واللَّهُ أعْلَمُ.

7:156Page 170

۞ وَٱكۡتُبۡ لَنَا فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٗ وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِ إِنَّا هُدۡنَآ إِلَيۡكَۚ قَالَ عَذَابِيٓ أُصِيبُ بِهِۦ مَنۡ أَشَآءُۖ وَرَحۡمَتِي وَسِعَتۡ كُلَّ شَيۡءٖۚ فَسَأَكۡتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلَّذِينَ هُم بِـَٔايَٰتِنَا يُؤۡمِنُونَ ١٥٦

And decree for us in this world [that which is] good and [also] in the Hereafter; indeed, we have turned back to You." [Allāh] said, "My punishment - I afflict with it whom I will, but My mercy encompasses all things." So I will decree it [especially] for those who fear Me and give zakāh and those who believe in Our verses-

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واكْتُبْ لَنا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ إنّا هُدْنا إلَيْكَ قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَن أشاءُ ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ والَّذِينَ هم بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذا مِن بَقِيَّةِ دُعاءِ مُوسى ﷺ عِنْدَ مُشاهَدَةِ الرَّجْفَةِ. فَقَوْلُهُ: ﴿واكْتُبْ لَنا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً﴾ مَعْناهُ أنَّهُ قَرَّرَ أوَّلًا أنَّهُ لا ولِيَّ لَهُ إلّا اللَّهُ تَعالى وهو قَوْلُهُ: ﴿أنْتَ ولِيُّنا﴾ ثُمَّ إنَّ المُتَوَقَّعَ مِنَ الوَلِيِّ والنّاصِرِ أمْرانِ:

أحَدُهُما: دَفْعُ الضَّرَرِ.

والثّانِي: تَحْصِيلُ النَّفْعِ.

ودَفْعُ الضَّرَرِ مُقَدَّمٌ عَلى تَحْصِيلِ النَّفْعِ، فَلِهَذا السَّبَبِ بَدَأ بِطَلَبِ دَفْعِ الضَّرَرِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فاغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا﴾ ثُمَّ أتْبَعَهُ بِطَلَبِ تَحْصِيلِ النَّفْعِ وهو قَوْلُهُ: ﴿واكْتُبْ لَنا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿واكْتُبْ﴾ أيْ أوْجِبْ لَنا، والكِتابَةُ تُذْكَرُ بِمَعْنى الإيجابِ، وسُؤالُهُ الحَسَنَةَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ كَسُؤالِ المُؤْمِنِينَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، حَيْثُ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم في قَوْلِهِ: ﴿ومِنهم مَن يَقُولُ رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ [البقرة: ٢٠١] .

واعْلَمْ أنَّ كَوْنَهُ تَعالى ولِيًّا لِلْعَبْدِ يُناسِبُ أنْ يَطْلُبَ العَبْدُ مِنهُ دَفْعَ المَضارِّ وتَحْصِيلَ المَنافِعِ؛ لِيُظْهِرَ آثارَ كَرَمِهِ وفَضْلِهِ وإلَهِيَّتِهِ، وأيْضًا اشْتِغالُ العَبْدِ بِالتَّوْبَةِ والخُضُوعِ والخُشُوعِ يُناسِبُ طَلَبَ هَذِهِ الأشْياءِ، فَذَكَرَ السَّبَبَ الأوَّلَ أوَّلًا، وهو كَوْنُهُ تَعالى ولِيًّا لَهُ، وفَرَّعَ عَلَيْهِ طَلَبَ هَذِهِ الأشْياءِ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ السَّبَبَ الثّانِيَ، وهو اشْتِغالُ العَبْدِ بِالتَّوْبَةِ والخُضُوعِ فَقالَ: ﴿إنّا هُدْنا إلَيْكَ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: ﴿هُدْنا﴾ أيْ تُبْنا ورَجَعْنا إلَيْكَ، قالَ

صفحة ١٩

اللَّيْثُ: الهَوْدُ التَّوْبَةُ، وإنَّما ذَكَرَ هَذا السَّبَبَ أيْضًا؛ لِأنَّ السَّبَبَ الَّذِي يَقْتَضِي حُسْنَ طَلَبِ هَذِهِ الأشْياءِ لَيْسَ إلّا مَجْمُوعَ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ: كَوْنُهُ إلَهًا ورَبًّا ووَلِيًّا، وكَوْنُنا عَبِيدًا لَهُ تائِبِينَ خاضِعِينَ خاشِعِينَ، فالأوَّلُ عَهْدُ عِزَّةِ الرُّبُوبِيَّةِ، والثّانِي عَهْدُ ذِلَّةِ العُبُودِيَّةِ، فَإذا حَصَلا واجْتَمَعا فَلا سَبَبَ أقْوى مِنهُما.

ولَمّا حَكى اللَّهُ تَعالى دُعاءَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ذَكَرَ بَعْدَهُ ما كانَ جَوابًا لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَقالَ تَعالى قالَ: ﴿قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَن أشاءُ﴾ مَعْناهُ أنِّي أُعَذِّبُ مَن أشاءُ ولَيْسَ لِأحَدٍ عَلَيَّ اعْتِراضٌ؛ لِأنَّ الكُلَّ مِلْكِي، ومَن تَصَرَّفَ في خالِصِ مِلْكِهِ فَلَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَعْتَرِضَ عَلَيْهِ، وقَرَأ الحَسَنُ ”مَن أساءَ“ مِنَ الإساءَةِ، واخْتارَ الشّافِعِيُّ هَذِهِ القِراءَةَ، وقَوْلُهُ: ﴿ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ فِيهِ أقْوالٌ كَثِيرَةٌ. قِيلَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ هو أنَّ رَحْمَتَهُ في الدُّنْيا عَمَّتِ الكُلَّ، وأمّا في الآخِرَةِ فَهي مُخْتَصَّةٌ بِالمُؤْمِنِينَ وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ وقِيلَ: الوُجُودُ خَيْرٌ مِنَ العَدَمِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَلا مَوْجُودَ إلّا وقَدْ وصَلَتْ إلَيْهِ رَحْمَتُهُ، وأقَلُّ المَراتِبِ وجُودُهُ، وقِيلَ الخَيْرُ مَطْلُوبٌ بِالذّاتِ، والشَّرُّ مَطْلُوبٌ بِالعَرَضِ، وما بِالذّاتِ راجِحٌ غالِبٌ، وما بِالعَرَضِ مَرْجُوحٌ مَغْلُوبٌ، وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: الرَّحْمَةُ عِبارَةٌ عَنْ إرادَةِ الخَيْرِ، ولا حَيَّ إلّا وقَدْ خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى لِلرَّحْمَةِ واللَّذَّةِ والخَيْرِ؛ لِأنَّهُ إنْ كانَ مُنْتَفِعًا أوْ مُتَمَكِّنًا مِنَ الِانْتِفاعِ فَهو بِرَحْمَةِ اللَّهِ مِن جِهاتٍ كَثِيرَةٍ، وإنْ حَصَلَ هُناكَ ألَمٌ فَلَهُ الأعْواضُ الكَثِيرَةُ، وهي مِن نِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى ورَحْمَتِهِ فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ: ﴿ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ وقالَ أصْحابُنا قَوْلُهُ: ﴿ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ مِنَ العامِّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الخاصُّ، كَقَوْلِهِ: ﴿وأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النَّمْلِ: ٢٣] .

* * *

أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ والَّذِينَ هم بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ﴾ .

فاعْلَمْ أنَّ جَمِيعَ تَكالِيفِ اللَّهِ مَحْصُورَةٌ في نَوْعَيْنِ:

الأوَّلُ: التُّرُوكُ، وهي الأشْياءُ الَّتِي يَجِبُ عَلى الإنْسانِ تَرْكُها، والِاحْتِرازُ عَنْها والِاتِّقاءُ مِنها، وهَذا النَّوْعُ إلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ .

والثّانِي: الأفْعالُ؛ وتِلْكَ التَّكالِيفُ إمّا أنْ تَكُونَ مُتَوَجِّهَةً عَلى مالِ الإنْسانِ أوْ عَلى نَفْسِهِ.

أمّا القِسْمُ الأوَّلُ: فَهو الزَّكاةُ وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ .

وأمّا القِسْمُ الثّانِي: فَيَدْخُلُ فِيهِ ما يَجِبُ عَلى الإنْسانِ عِلْمًا وعَمَلًا؛ أمّا العِلْمُ فالمَعْرِفَةُ، وأمّا العَمَلُ فالإقْرارُ بِاللِّسانِ، والعَمَلُ بِالأرْكانِ، ويَدْخُلُ فِيها الصَّلاةُ وإلى هَذا المَجْمُوعِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ هم بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ﴾ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢-٣] .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском