Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Al-A'raf 7:182–186
7:182–183Page 174
وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا سَنَسۡتَدۡرِجُهُم مِّنۡ حَيۡثُ لَا يَعۡلَمُونَ ١٨٢
But those who deny Our signs - We will progressively lead them [to destruction]1 from where they do not know.
وَأُمۡلِي لَهُمۡۚ إِنَّ كَيۡدِي مَتِينٌ ١٨٣
And I will give them time. Indeed, My plan is firm.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وأُمْلِي لَهم إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ حالَ الأُمَّةِ الهادِيَةَ العادِلَةَ، أعادَ ذِكْرَ المُكَذِّبِينَ بِآياتِ اللَّهِ تَعالى، وما عَلَيْهِمْ مِنَ الوَعِيدِ، فَقالَ: ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ وهَذا يَتَناوَلُ جَمِيعَ المُكَذِّبِينَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: المُرادُ أهْلُ مَكَّةَ، وهو بَعِيدٌ، لِأنَّ صِفَةَ العُمُومِ يَتَناوَلُ الكُلَّ، إلّا ما دَلَّ الدَّلِيلُ عَلى خُرُوجِهِ مِنهُ.
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ فالِاسْتِدْراجُ الِاسْتِفْعالُ مِنَ الدَّرَجَةِ بِمَعْنى الِاسْتِصْعادِ أوِ الِاسْتِنْزالِ، دَرَجَةً بَعْدَ دَرَجَةٍ، ومِنهُ دَرَجَ الصَّبِيُّ إذا قارَبَ بَيْنَ خُطاهُ، وأدْرَجَ الكِتابَ طَواهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ ودَرَجَ القَوْمُ، ماتَ بَعْضُهم عَقِيبَ بَعْضِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا اللَّفْظُ مَأْخُوذٌ مِنَ الدَّرْجِ وهو لَفُّ الشَّيْءِ وطَيُّهُ جُزْءًا فَجُزْءًا.
إذا عَرَفْتَ هَذا فالمَعْنى سَنُقَرِّبُهم إلى ما يُهْلِكُهم، ونُضاعِفُ عِقابَهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ ما يُرادُ بِهِمْ، وذَلِكَ لِأنَّهم كُلَّما أتَوْا بِجُرْمٍ أوْ أقْدَمُوا عَلى ذَنْبٍ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بابًا مِن أبْوابِ النِّعْمَةِ والخَيْرِ في الدُّنْيا، فَيَزْدادُونَ بَطَرًا وانْهِماكًا في الفَسادِ وتَمادِيًا في الغَيِّ، ويَتَدَرَّجُونَ في المَعاصِي بِسَبَبِ تَرادُفِ تِلْكَ النِّعَمِ، ثُمَّ
صفحة ٦١
يَأْخُذُهُمُ اللَّهُ دُفْعَةً واحِدَةً عَلى غِرَّتِهِمْ أغْفَلَ ما يَكُونُ، ولِهَذا قالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمّا حُمِلَ إلَيْهِ كُنُوزُ كِسْرى: ( اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ أنْ أكُونَ مُسْتَدْرَجًا فَإنِّي سَمِعْتُكَ تَقُولُ: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأُمْلِي لَهم إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ الإمْلاءُ في اللُّغَةِ الإمْهالُ وإطالَةُ المُدَّةِ ونَقِيضُهُ الإعْجالُ والمَلِيُّ زَمانٌ طَوِيلٌ مِنَ الدَّهْرِ ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿واهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٦] أيْ طَوِيلًا. ويُقالُ: مَلْوَةٌ ومُلْوَةٌ ومِلاوَةٌ مِنَ الدَّهْرِ أيْ زَمانٌ طَوِيلٌ، فَمَعْنى﴿وأُمْلِي لَهُمْ﴾ أيْ أُمْهِلُهم وأُطِيلُ لَهم مُدَّةَ عُمُرِهِمْ لِيَتَمادُوا في المَعاصِي ولا أُعاجِلُهم بِالعُقُوبَةِ عَلى المَعْصِيَةِ لِيُقْلِعُوا عَنْها بِالتَّوْبَةِ والإنابَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ إنَّ مَكْرِي شَدِيدٌ، والمَتِينُ مِن كُلِّ شَيْءٍ هو القَوِيُّ، يُقالُ مَتُنَ مَتانَةً.
واعْلَمْ أنَّ أصْحابَنا احْتَجُّوا في مَسْألَةِ القَضاءِ والقَدَرِ بِهَذِهِ الألْفاظِ الثَّلاثَةِ، وهي الِاسْتِدْراجُ والإمْلاءُ والكَيْدُ المَتِينُ، وكُلُّها تَدَلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أرادَ بِالعَبْدِ ما يَسُوقُهُ إلى الكُفْرِ والبُعْدِ عَنِ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ ضِدُّ ما يَقُولُهُ المُعْتَزِلَةُ.
أجابَ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ، بِأنَّ المُرادَ مِنَ الِاسْتِدْراجِ، أنَّهُ تَعالى اسْتَدْرَجَهم إلى العُقُوباتِ حَتّى يَقَعُوا فِيها مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ، اسْتِدْراجًا لَهم إلى ذَلِكَ حَتّى يَقَعُوا فِيهِ بَغْتَةً، وقَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا العَذابُ في الدُّنْيا كالقَتْلِ والِاسْتِئْصالِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَذابَ الآخِرَةِ. قالَ وقَدْ قالَ بَعْضُ المُجْبِرَةِ المُرادُ: سَنَسْتَدْرِجُهم إلى الكُفْرِ مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ. قالَ: وذَلِكَ فاسِدٌ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ بِتَقَدُّمِ كُفْرِهِمْ، فالَّذِي يَسْتَدْرِجُهم إلَيْهِ فِعْلٌ مُسْتَقْبَلٌ؛ لِأنَّ السِّينَ في قَوْلِهِ: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ يُفِيدُ الِاسْتِقْبالَ، ولا يَجِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: أنْ يَسْتَدْرِجَهم إلى كُفْرٍ آخَرَ لِجَوازِ أنْ يُمِيتَهم قَبْلَ أنْ يُوقِعَهم في كُفْرٍ آخَرَ، فالمُرادُ إذَنْ: ما قُلْناهُ، ولِأنَّهُ تَعالى لا يُعاقِبُ الكافِرَ بِأنْ يَخْلُقَ فِيهِ كُفْرًا آخَرَ، والكُفْرُ هو فِعْلُهُ، وإنَّما يُعاقِبُهُ بِفِعْلِ نَفْسِهِ.
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وأُمْلِي لَهُمْ﴾ فَمَعْناهُ: أنِّي أُبْقِيهِمْ في الدُّنْيا مَعَ إصْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ، ولا أُعاجِلُهم بِالعُقُوبَةِ لِأنَّهم لا يَفُوتُونَنِي ولا يُعْجِزُونَنِي، وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ لِأنَّ كَيْدَهُ هو عَذابُهُ، وسَمّاهُ كَيْدًا لِنُزُولِهِ بِالعِبادِ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ.
والجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ مَعْناهُ: ما ذَكَرْنا أنَّهم كُلَّما زادُوا تَمادِيًا في الذَّنْبِ والكُفْرِ، زادَهُمُ اللَّهُ نِعْمَةً وخَيْرًا في الدُّنْيا، فَيَصِيرُ فَوْزُهم بِلَذّاتِ الدُّنْيا سَبَبًا لِتَمادِيهِمْ في الإعْراضِ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وبُعْدًا عَنِ الرُّجُوعِ إلى طاعَةِ اللَّهِ، هَذِهِ حالَةٌ نُشاهِدُها في بَعْضِ النّاسِ، وإذا كانَ هَذا أمْرًا مَحْسُوسًا مُشاهَدًا فَكَيْفَ يُمْكِنُ إنْكارُهُ.
الثّانِي: هَبْ أنَّ المُرادَ مِنهُ الِاسْتِدْراجُ إلى العِقابِ، إلّا أنَّ هَذا أيْضًا يُبْطِلُ القَوْلَ بِأنَّهُ تَعالى ما أرادَ بِعَبْدِهِ إلّا الخَيْرَ والصَّلاحَ، لِأنَّهُ تَعالى لَمّا عَلِمَ أنَّ هَذا الِاسْتِدْراجَ، وهَذا الإمْهالَ، مِمّا قَدْ يَزِيدُ بِهِ عُتُوًّا وكُفْرًا وفَسادًا واسْتِحْقاقَ العِقابِ الشَّدِيدِ، فَلَوْ أرادَ بِهِ الخَيْرَ لَأماتَهُ قَبْلَ أنْ يَصِيرَ مُسْتَوْجِبًا لِتِلْكَ الزِّياداتِ مِنَ العُقُوبَةِ بَلْ لَكانَ يَجِبُ في حِكْمَتِهِ ورِعايَتِهِ لِلْمَصالِحِ أنْ لا يَخْلُقَهُ ابْتِداءً صَوْنًا لَهُ عَنْ هَذا العِقابِ، أوْ أنْ يَخْلُقَهُ لَكِنَّهُ يُمِيتُهُ قَبْلَ أنْ يَصِيرَ في حَدِّ التَّكْلِيفِ، أوْ أنْ لا يَخْلُقَهُ إلّا في الجَنَّةِ، صَوْنًا لَهُ عَنِ الوُقُوعِ في آفاتِ الدُّنْيا وفي عِقابِ الآخِرَةِ، فَلَمّا خَلَقَهُ في الدُّنْيا وألْقاهُ في ورْطَةِ التَّكْلِيفِ، وأطالَ عُمُرَهُ ومَكَّنَهُ مِنَ المَعاصِي مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّ ذَلِكَ لا يُفِيدُ إلّا مَزِيدَ الكُفْرِ والفِسْقِ واسْتِحْقاقَ العِقابِ، عَلِمْنا أنَّهُ ما خَلَقَهُ إلّا لِلْعَذابِ وإلّا لِلنّارِ، كَما شَرَحَهُ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ، وهي قَوْلُهُ:
صفحة ٦٢
﴿ولَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ وأنا شَدِيدُ التَّعَجُّبِ مِن هَؤُلاءِ المُعْتَزِلَةِ، فَإنَّهم يَرَوْنَ القُرْآنَ كالبَحْرِ الَّذِي لا ساحِلَ لَهُ مَمْلُوءًا مِن هَذِهِ الآياتِ والدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ القاطِعَةِ مُطابِقَةً لَها، ثُمَّ إنَّهم يَكْتَفُونَ في تَأْوِيلاتِ هَذِهِ الآياتِ بِهَذِهِ الوُجُوهِ الضَّعِيفَةِ والكَلِماتِ الواهِيَةِ، إلّا أنَّ عِلْمِي بِأنَّ ما أرادَهُ اللَّهُ كائِنٌ يُزِيلُ هَذا التَّعَجُّبَ. واللَّهُ أعْلَمُ.
7:184Page 174
أَوَلَمۡ يَتَفَكَّرُواْۗ مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍۚ إِنۡ هُوَ إِلَّا نَذِيرٞ مُّبِينٌ ١٨٤
Then do they not give thought? There is in their companion [i.e., Muḥammad (ﷺ)] no madness. He is not but a clear warner.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِن جِنَّةٍ إنْ هو إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بالَغَ في تَهْدِيدِ المُعْرِضِينَ عَنْ آياتِهِ، الغافِلِينَ عَنِ التَّأمُّلِ في دَلائِلِهِ وبَيِّناتِهِ، عادَ إلى الجَوابِ عَنْ شُبَهاتِهِمْ. فَقالَ: ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِن جِنَّةٍ﴾ والتَّفَكُّرُ طَلَبُ المَعْنى بِالقَلْبِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ فِكْرَةَ القَلْبِ هو المُسَمّى بِالنَّظَرِ، والتَّعَقُّلِ في الشَّيْءِ والتَّأمُّلِ فِيهِ والتَّدَبُّرِ لَهُ، وكَما أنَّ الرُّؤْيَةَ بِالبَصَرِ حالَةٌ مَخْصُوصَةٌ مِنَ الِانْكِشافِ والجَلاءِ، ولَها مُقَدِّمَةٌ وهي تَقْلِيبُ الحَدَقَةِ إلى جِهَةِ المَرْئِيِّ: طَلَبًا لِتَحْصِيلِ تِلْكَ الرُّؤْيَةِ بِالبَصَرِ، فَكَذَلِكَ الرُّؤْيَةُ بِالبَصِيرَةِ، وهي المُسَمّاةُ بِالعِلْمِ واليَقِينِ حالَةٌ مَخْصُوصَةٌ في الِانْكِشافِ والجَلاءِ، ولَها مُقَدِّمَةٌ وهي تَقْلِيبُ حَدَقَةِ العَقْلِ إلى الجَوانِبِ طَلَبًا لِذَلِكَ الِانْكِشافِ والتَّجَلِّي، وذَلِكَ هو المُسَمّى بِنَظَرِ العَقْلِ وفِكْرَتِهِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾ أمْرٌ بِالفِكْرِ والتَّأمُّلِ والتَّدَبُّرِ والتَّرَوِّي لِطَلَبِ مَعْرِفَةِ الأشْياءِ كَما هي عِرْفانًا تامًّا، وفي اللَّفْظِ مَحْذُوفٌ والتَّقْدِيرُ: أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فَيَعْلَمُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِن جِنَّةٍ، والجِنَّةُ حالَةٌ مِنَ الجُنُونِ، كالجِلْسَةِ والرِّكْبَةِ ودُخُولُ ”مِن“ في قَوْلِهِ: ﴿مِن جِنَّةٍ﴾ يُوجِبُ أنْ لا يَكُونَ بِهِ نَوْعٌ مِن أنْواعِ الجُنُونِ.
واعْلَمْ أنَّ بَعْضَ الجُهّالِ مِن أهْلِ مَكَّةَ كانُوا يَنْسُبُونَهُ إلى الجُنُونِ لِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ فِعْلَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ مُخالِفًا لِفِعْلِهِمْ، وذَلِكَ لِأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ مُعْرِضًا عَنِ الدُّنْيا مُقْبِلًا عَلى الآخِرَةِ، مُشْتَغِلًا بِالدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ، فَكانَ العَمَلُ مُخالِفًا لِطَرِيقَتِهِمْ، فاعْتَقَدُوا فِيهِ أنَّهُ مَجْنُونٌ. قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: «إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قامَ لَيْلًا عَلى الصَّفا يَدْعُو فَخِذًا فَخِذًا مِن قُرَيْشٍ. فَقالَ يا بَنِي فُلانٍ يا بَنِي فُلانٍ، وكانَ يُحَذِّرُهم بَأْسَ اللَّهِ وعِقابَهُ، فَقالَ قائِلُهم: إنَّ صاحِبَكم هَذا لَمَجْنُونٌ، واظَبَ عَلى الصِّياحِ طُولَ هَذِهِ اللَّيْلَةِ»، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ وحَثَّهم عَلى التَّفَكُّرِ في أمْرِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، لِيَعْلَمُوا أنَّهُ إنَّما دَعا لِلْإنْذارِ لا لِما نَسَبَهُ إلَيْهِ الجُهّالُ.
الثّانِي: أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ يَغْشاهُ حالَةٌ عَجِيبَةٌ عِنْدَ نُزُولِ الوَحْيِ فَيَتَغَيَّرُ وجْهُهُ ويَصْفَرُّ لَوْنُهُ، وتَعْرِضُ لَهُ حالَةٌ شَبِيهَةٌ بِالغَشْيِ، فالجُهّالُ كانُوا يَقُولُونَ إنَّهُ جُنُونٌ فاللَّهُ تَعالى بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لَيْسَ بِهِ نَوْعٌ مِن أنْواعِ الجُنُونِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ يَدْعُوهم إلى اللَّهِ، ويُقِيمُ الدَّلائِلَ القاطِعَةَ والبَيِّناتِ الباهِرَةَ، بِألْفاظٍ فَصِيحَةٍ بَلَغَتْ في الفَصاحَةِ إلى حَيْثُ عَجَزَ الأوَّلُونَ والآخَرُونَ عَنْ مُعارَضَتِها، وكانَ حَسَنَ الخُلُقِ، طَيِّبَ العِشْرَةِ، مَرْضِيَّ الطَّرِيقَةِ نَقِيَّ السِّيرَةِ، مُواظِبًا عَلى أعْمالٍ حَسَنَةٍ صارَ بِسَبَبِها قُدْوَةً لِلْعُقَلاءِ العالِمِينَ، ومِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ مِثْلَ هَذا الإنْسانِ لا يُمْكِنُ وصْفُهُ بِالجُنُونِ، وإذا ثَبَتَ هَذا ظَهَرَ أنَّ اجْتِهادَهُ عَلى الدَّعْوَةِ إلى الدِّينِ إنَّما كانَ لِأنَّهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ، أرْسَلَهُ رَبُّ العالَمِينَ لِتَرْهِيبِ الكافِرِينَ، وتَرْغِيبِ المُؤْمِنِينَ، ولَمّا كانَ النَّظَرُ في أمْرِ النُّبُوَّةِ مُفَرَّعًا عَلى تَقْرِيرِ دَلائِلِ التَّوْحِيدِ، لا جَرَمَ ذُكِرَ عَقِيبَهُ ما يَدُلُّ عَلى التَّوْحِيدِ.
7:185Page 174
أَوَلَمۡ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيۡءٖ وَأَنۡ عَسَىٰٓ أَن يَكُونَ قَدِ ٱقۡتَرَبَ أَجَلُهُمۡۖ فَبِأَيِّ حَدِيثِۭ بَعۡدَهُۥ يُؤۡمِنُونَ ١٨٥
Do they not look into the realm of the heavens and the earth and everything that Allāh has created and [think] that perhaps their appointed time has come near? So in what statement [i.e., message] hereafter will they believe?
فَقالَ: ﴿أوَلَمْ يَنْظُرُوا في مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ وما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ وأنْ عَسى أنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أجَلُهم فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ واعْلَمْ أنَّ دَلائِلَ مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ الحَكِيمِ القَدِيمِ كَثِيرَةٌ، وقَدْ فَصَّلْناها في هَذا الكِتابِ مِرارًا وأطْوارًا فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ.
ثُمَّ قالَ: ﴿وما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ﴾ والمَقْصُودُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ الدَّلائِلَ عَلى التَّوْحِيدِ غَيْرُ مَقْصُورَةٍ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ. بَلْ كُلُّ ذَرَّةٍ مِن ذَرّاتِ عالَمِ الأجْسامِ والأرْواحِ فَهي بُرْهانٌ باهِرٌ، ودَلِيلٌ قاهِرٌ عَلى التَّوْحِيدِ، ولِنُقَرِّرْ هَذا المَعْنى بِمِثالٍ. فَنَقُولُ: إنَّ الضَّوْءَ إذا وقَعَ عَلى كُوَّةِ البَيْتِ ظَهَرَ الذَّرّاتُ والهَباءاتُ، فَلْنَفْرِضِ الكَلامَ في ذَرَّةٍ واحِدَةٍ مِن تِلْكَ الذَّرّاتِ فَنَقُولُ: إنَّها تَدُلُّ عَلى الصّانِعِ الحَكِيمِ مِن جِهاتٍ غَيْرِ مُتَناهِيَةٍ، وذَلِكَ لِأنَّها مُخْتَصَّةٌ بِحَيِّزٍ مُعَيَّنٍ مِن جُمْلَةِ الأحْيازِ الَّتِي لا نِهايَةَ لَها في الخَلاءِ الَّذِي لا نِهايَةَ لَهُ، وكُلُّ حَيِّزٍ مِن تِلْكَ الأحْيازِ الغَيْرِ المُتَناهِيَةِ فَرَضْنا وُقُوعَ تِلْكَ الذَّرَّةِ فِيهِ كانَ اخْتِصاصُها بِذَلِكَ الحَيِّزِ المُعَيَّنِ مِنَ المُمْكِناتِ والجائِزاتِ، والمُمْكِنُ لا بُدَّ لَهُ مِن مُخَصِّصٍ ومُرَجِّحٍ وذَلِكَ المُخَصَّصُ إنْ كانَ جِسْمًا عادَ السُّؤالُ فِيهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ جِسْمًا فَهو اللَّهُ سُبْحانَهُ، وأيْضًا فَتِلْكَ الذَّرَّةُ لا تَخْلُو عَنِ الحَرَكَةِ والسُّكُونِ، وكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ فَهو مُحْدَثٌ، وكُلُّ مُحْدَثٍ فَإنَّ حُدُوثَهُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُخْتَصًّا بِوَقْتٍ مُعَيَّنٍ مَعَ جَوازِ حُصُولِهِ قَبْلَ ذَلِكَ وبَعْدَهُ، فاخْتِصاصُهُ بِذَلِكَ الوَقْتِ المُعَيَّنِ الَّذِي حَدَثَ فِيهِ، لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ بِتَخْصِيصِ مُخَصِّصٍ قَدِيمٍ، فَإنْ كانَ ذَلِكَ المُخَصِّصُ جِسْمًا عادَ السُّؤالُ فِيهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ جِسْمًا فَهو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، وأيْضًا إنَّ تِلْكَ الذَّرَّةَ مُساوِيَةٌ لِسائِرِ الأجْسامِ في التَّحَيُّزِ والحَجْمِيَّةِ. ومُخالِفَةٌ لَها في اللَّوْنِ والشَّكْلِ والطَّبْعِ والطَّعْمِ وسائِرِ الصِّفاتِ. واخْتِصاصُها بِكُلِّ تِلْكَ الصِّفاتِ الَّتِي بِاعْتِبارِها خالَفَتْ سائِرَ الأجْسامِ، لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مِنَ الجائِزاتِ، والجائِزُ لا بُدَّ لَهُ مِن مُرَجِّحٍ، وذَلِكَ المُرَجِّحُ إنْ كانَ جِسْمًا عادَ البَحْثُ الأوَّلُ فِيهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ جِسْمًا فَهو اللَّهُ سُبْحانَهُ، فَثَبَتَ أنَّ تِلْكَ الذَّرَّةَ دالَّةٌ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ مِن جِهاتٍ غَيْرِ مُتَناهِيَةٍ، واعْتِباراتٍ غَيْرِ مُتَناهِيَةٍ، وكَذا القَوْلُ في جَمِيعِ أجْزاءِ العالَمِ الجُسْمانِيِّ والرُّوحانِيِّ، مُفْرَداتِهِ ومُرَكَّباتِهِ وسُفْلِيّاتِهِ وعُلْوِيّاتِهِ وعِنْدَ هَذا يَظْهَرُ لَكَ صِدْقُ ما قالَ الشّاعِرُ:
وفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ واحِدُ
وإذا عَرَفْتَ هَذا فَحِينَئِذٍ ظَهَرَتِ الفائِدَةُ لَكَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ﴾ ولَمّا نَبَّهَ اللَّهُ تَعالى عَلى هَذِهِ الأسْرارِ العَجِيبَةِ والدَّقائِقِ اللَّطِيفَةِ، أرْدَفَهُ بِما يُوجِبُ التَّرْغِيبَ الشَّدِيدَ في الإتْيانِ بِهَذا النَّظَرِ والتَّفَكُّرِ فَقالَ: ﴿وأنْ عَسى أنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أجَلُهُمْ﴾ ولَفْظَةُ ”أنْ“ في قَوْلِهِ: ﴿وأنْ عَسى﴾ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ تَقْدِيرُهُ: أنَّهُ عَسى، والضَّمِيرُ ضَمِيرُ الشَّأْنِ، والمَعْنى: لَعَلَّ آجالَهم قَرُبَتْ فَهَلَكُوا عَلى الكُفْرِ ويَصِيرُوا إلى النّارِ، وإذا كانَ هَذا الِاحْتِمالُ قائِمًا وجَبَ عَلى العاقِلِ المُسارَعَةُ إلى هَذِهِ الفِكْرَةِ، والمُبادَرَةُ إلى هَذِهِ الرُّؤْيَةِ، سَعْيًا في تَخْلِيصِ النَّفْسِ مِن هَذا الخَوْفِ الشَّدِيدِ والخَطَرِ العَظِيمِ، ولَمّا ذَكَرَ تَعالى هَذِهِ البَياناتِ الجَلِيَّةَ والدَّلائِلَ العَقْلِيَّةَ قالَ: ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهم إذا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا القُرْآنِ مَعَ ما فِيهِ مِن هَذِهِ
صفحة ٦٤
التَّنْبِيهاتِ الظّاهِرَةِ والبَيِّناتِ الباهِرَةِ، فَكَيْفَ يَرْضى مِنهُمُ الإيمانَ بِغَيْرِهِ. واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى مَطالِبَ كَثِيرَةٍ.
المَطْلَبُ الأوَّلُ: أنَّ التَّقْلِيدَ غَيْرُ جائِزٍ ولا بُدَّ مِنَ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾ .
والمَطْلَبُ الثّانِي: أنَّ أمْرَ النُّبُوَّةِ مُتَفَرِّعٌ عَلى التَّوْحِيدِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿إنْ هو إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ ما يَدُلُّ عَلى التَّوْحِيدِ، ولَوْلا أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ، لَما كانَ إلى هَذا الكَلامِ حاجَةٌ.
والمَطْلَبُ الثّالِثُ: تَمَسَّكَ الجُبّائِيُّ والقاضِي بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ عَلى أنَّ القُرْآنَ لَيْسَ قَدِيمًا قالُوا: لِأنَّ الحَدِيثَ ضِدُّ القَدِيمِ، وأيْضًا فَلَفْظُ الحَدِيثِ يُفِيدُ مِن جِهَةِ العادَةِ حُدُوثُهُ عَنْ قُرْبٍ، ولِذَلِكَ يُقالُ: إنَّ هَذا الشَّيْءَ حَدِيثٌ، ولَيْسَ بِعَتِيقٍ، فَيَجْعَلُونَ الحَدِيثَ ضِدَّ العَتِيقِ الَّذِي طالَ زَمانُ وُجُودِهِ، ويُقالُ في الكَلامِ: إنَّهُ حَدِيثٌ، لِأنَّهُ يَحْدُثُ حالًا بَعْدَ حالٍ عَلى الأسْماعِ.
وجَوابُنا عَنْهُ: أنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى الألْفاظِ مِنَ الكَلِماتِ ولا نِزاعَ في حُدُوثِها.
المَطْلَبُ الرّابِعُ: أنَّ النَّظَرَ في مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ أقْسامِها.
وتَفْصِيلُ الكَلامِ في شَرْحِ أقْسامِها، أنْ يُقالَ: كُلُّ ما سِوى اللَّهِ تَعالى، فَهو إمّا أنْ يَكُونَ مُتَحَيِّزًا أوْ حالًّا في المُتَحَيِّزِ أوْ لا مُتَحَيِّزًا، ولا حالًّا في المُتَحَيِّزِ، أمّا المُتَحَيِّزُ فَإمّا أنْ يَكُونَ بَسِيطًا، وإمّا أنْ يَكُونَ مُرَكَّبًا، أمّا البَسائِطُ فَهي إمّا عُلْوِيَّةٌ وإمّا سُفْلِيَّةٌ، أمّا العُلْوِيَّةُ فَهي الأفْلاكُ والكَواكِبُ، ويَنْدَرِجُ فِيما ذَكَرْناهُ العَرْشُ والكُرْسِيُّ، ويَدْخُلُ فِيهِ أيْضًا الجَنَّةُ والنّارُ، والبَيْتُ المَعْمُورُ، والسَّقْفُ المَرْفُوعُ؛ واسْتَقْصِ في تَفْصِيلِ هَذِهِ الأقْسامِ، وأمّا السُّفْلِيَّةُ فَهي: طَبَقاتُ العَناصِرِ الأرْبَعَةِ، ويَدْخُلُ فِيها البِحارُ والجِبالُ والمَفاوِزُ، وأمّا المُرَكَّباتُ فَهي أرْبَعَةٌ؛ الآثارُ العُلْوِيَّةُ والمَعادِنُ والنَّباتُ والحَيَوانُ، واسْتَقْصِ في تَفْصِيلِ أنْواعِ هَذِهِ الأجْناسِ الأرْبَعَةِ، وأمّا الحالُ في المُتَحَيِّزِ وهي الأعْراضُ، فَيَقْرُبُ أجْناسُها مِن أرْبَعِينَ جِنْسًا، ويَدْخُلُ تَحْتَ كُلِّ جِنْسٍ أنْواعٌ كَثِيرَةٌ، ثُمَّ إذا تَأمَّلَ العاقِلُ في عَجائِبِ أحْكامِها ولَوازِمِها وآثارِها ومُؤَثِّراتِها فَكَأنَّهُ خاضَ في بَحْرٍ لا ساحِلَ لَهُ.
وأمّا القِسْمُ الثّالِثُ: وهو أنَّ المَوْجُودَ لا يَكُونُ مُتَحَيِّزًا ولا حالًّا في المُتَحَيِّزِ، فَهو قِسْمانِ، لِأنَّهُ إمّا أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِأجْسامٍ بِالتَّدْبِيرِ والتَّحْرِيكِ، وهو المُسَمّى بِالأرْواحِ، وإمّا أنْ لا يَكُونَ كَذَلِكَ، وهي الجَواهِرُ القُدْسِيَّةُ المُبَرَّأةُ عَنْ عَلائِقِ الأجْسامِ.
أمّا القِسْمُ الأوَّلُ فَأعْلاها وأشْرَفُها الأرْواحُ الثَّمانِيَةُ المُقَدَّسَةُ الحامِلَةُ لِلْعَرْشِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ويَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهم يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٧] ويَتْلُوها الأرْواحُ المُقَدَّسَةُ المُشارَةُ إلَيْها بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وتَرى المَلائِكَةَ حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [الزُّمَرِ: ٧٥] ويَتْلُوها سُكّانُ الكُرْسِيِّ، وإلَيْهِمُ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلّا بِإذْنِهِ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم ولا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِن عِلْمِهِ إلّا بِما شاءَ وسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥] ويَتْلُوها الأرْواحُ المُقَدَّسَةُ في طَبَقاتِ السَّماواتِ السَّبْعِ. وإلَيْهِمُ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ [الصافات: ١ - ٣] ومِن صِفاتِهِمْ، أنَّهم لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أمَرَهم ويُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتَرُونَ، لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ وهم بِأمْرِهِ يَعْمَلُونَ.
واعْلَمْ أنَّ هَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ وفَصَّلْناهُ مِن مُلْكِ اللَّهِ ومَلَكُوتِهِ كالقَطْرَةِ في البَحْرِ، فَلَعَلَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لَهُ ألْفُ
صفحة ٦٥
ألْفُ عالَمٍ وراءَ هَذا العالَمِ، ولَهُ في كُلِّ واحِدٍ مِنها عَرْشٌ أعْظَمُ مِن هَذا العَرْشِ، وكُرْسِيٌّ أعْلى مِن هَذا الكُرْسِيِّ، وسَماواتٌ أوْسَعُ مِن هَذِهِ السَّماواتِ، وكَيْفَ يُمْكِنُ إحاطَةُ عَقْلِ البَشَرِ بِكَمالِ مُلْكِ اللَّهِ ومَلَكُوتِهِ، بَعْدَ أنْ سَمِعَ قَوْلَهُ: ﴿وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلّا هُوَ﴾ [المُدَّثِّرِ: ٣١] فَإذا اسْتَحْضَرَ الإنْسانُ هَذِهِ الأقْسامَ في عَقْلِهِ وأرادَ الخَوْضَ في مَعْرِفَةِ أسْرارِ حِكْمَتِهِ وإلَهِيَّتِهِ فُهِمَ قَوْلُهم: ﴿سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إلّا ما عَلَّمْتَنا﴾ [البَقَرَةِ: ٣٢] ونِعْمَ ما قالَ أبُو العَلاءِ المَعَرِّيُّ:
يا أيُّها النّاسُ كَمْ لِلَّهِ مِن فَلَكٍ ∗∗∗ تَجْرِي النُّجُومُ بِهِ والشَّمْسُ والقَمَرُ
هُنّا عَلى اللَّهِ ماضِينا وغابِرُنا ∗∗∗ فَما لَنا في نَواحِي غَيْرِهِ خَطَرُ
7:186Page 174
مَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُۥۚ وَيَذَرُهُمۡ فِي طُغۡيَٰنِهِمۡ يَعۡمَهُونَ ١٨٦
Whoever Allāh sends astray - there is no guide for him. And He leaves them in their transgression, wandering blindly.
قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ ويَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى عادَ في هَذِهِ الآيَةِ مَرَّةً أُخْرى إلى نَعْتِ أحْوالِ الضّالِّينَ المُكَذِّبِينَ فَقالَ: ﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ﴾ واعْلَمْ أنَّ اسْتِدْلالَ أصْحابِنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الهُدى والضَّلالَ مِنَ اللَّهِ مِثْلُ ما سَبَقَ في الآيَةِ السّالِفَةِ، وتَأْوِيلاتُ المُعْتَزِلَةِ وجَوابُنا عَنْها مِثْلُ ما تَقَدَّمَ فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿ويَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ﴾ رَفْعٌ بِالِاسْتِئْنافِ وهو مَقْطُوعٌ عَمّا قَبْلَهُ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ”ويَذَرُهُمْ“ بِالياءِ ورَفْعِ الرّاءِ لِتَقَدُّمِ اسْمِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالياءِ والجَزْمِ، ووَجْهُ ذَلِكَ فِيما يَقُولُ سِيبَوَيْهِ: إنَّهُ عَطْفٌ عَلى مَوْضِعِ الفاءِ وما بَعْدَها مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلا هادِيَ لَهُ﴾ لِأنَّ مَوْضِعَ الفاءِ وما بَعْدَها جَزْمٌ لِجَوابِ الشَّرْطِ، فَحَمْلُ ”ويَذَرُهُمْ“ عَلى مَوْضِعِ الَّذِي هو جَزْمٌ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences