Ar-RaziAl‑A'raf · 7:51–53

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-A'raf 7:51–53

7:51–52Page 156

ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمۡ لَهۡوٗا وَلَعِبٗا وَغَرَّتۡهُمُ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَاۚ فَٱلۡيَوۡمَ نَنسَىٰهُمۡ كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ يَوۡمِهِمۡ هَٰذَا وَمَا كَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يَجۡحَدُونَ ٥١

Who took their religion as distraction and amusement and whom the worldly life deluded." So today We will forget them just as they forgot the meeting of this Day of theirs and for having rejected Our verses.

وَلَقَدۡ جِئۡنَٰهُم بِكِتَٰبٖ فَصَّلۡنَٰهُ عَلَىٰ عِلۡمٍ هُدٗى وَرَحۡمَةٗ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٥٢

And We had certainly brought them a Book which We detailed by knowledge - as guidance and mercy to a people who believe.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونادى أصْحابُ النّارِ أصْحابَ الجَنَّةِ أنْ أفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الماءِ أوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالُوا إنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلى الكافِرِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَهْوًا ولَعِبًا وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا فاليَوْمَ نَنْساهم كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هَذا وما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ ما يَقُولُهُ أصْحابُ الأعْرافِ لِأهْلِ النّارِ، أتْبَعَهُ بِذِكْرِ ما يَقُولُهُ أهْلُ النّارِ لِأهْلِ الجَنَّةِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: لَمّا صارَ أصْحابُ الأعْرافِ إلى الجَنَّةِ، طَمِعَ أهْلُ النّارِ بِفَرَجٍ بَعْدَ اليَأْسِ. فَقالُوا: يا رَبِّ إنَّ لَنا قَراباتٍ مِن أهْلِ الجَنَّةِ فَأْذَنْ لَنا حَتّى نَراهم ونُكَلِّمَهم، فَأمَرَ اللَّهُ الجَنَّةَ فَتَزَحْزَحَتْ، ثُمَّ نَظَرَ أهْلُ جَهَنَّمَ إلى قَراباتِهِمْ في الجَنَّةِ وما هم فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ فَعَرَفُوهم، ونَظَرَ أهْلُ الجَنَّةِ إلى قَراباتِهِمْ مِن أهْلِ جَهَنَّمَ فَلَمْ يَعْرِفُوهم، وقَدِ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهم وصارُوا خَلْقًا آخَرَ، فَنادى أصْحابُ النّارِ أصْحابَ الجَنَّةِ بِأسْمائِهِمْ وقالُوا: ﴿أفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الماءِ﴾ وإنَّما طَلَبُوا الماءَ خاصَّةً لِشِدَّةِ ما في بَواطِنِهِمْ مِنَ الِاحْتِراقِ واللَّهِيبِ بِسَبَبِ شِدَّةِ حَرِّ جَهَنَّمَ. وقَوْلُهُ: ﴿أفِيضُوا﴾ كالدَّلالَةِ عَلى أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ أعْلى مَكانًا مِن أهْلِ النّارِ.

فَإنْ قِيلَ: أسَألُوا مَعَ الرَّجاءِ والجَوازِ، أوْ مَعَ اليَأْسِ ؟

قُلْنا: ما حَكَيْناهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ يَدُلُّ عَلى أنَّهم طَلَبُوا الماءَ مَعَ جَوازِ الحُصُولِ. وقالَ القاضِي: بَلْ مَعَ اليَأْسِ؛ لِأنَّهم قَدْ عَرَفُوا دَوامَ عِقابِهِمْ، وأنَّهُ لا يَفْتُرُ عَنْهم، ولَكِنَّ الآيِسَ مِنَ الشَّيْءِ قَدْ يَطْلُبُهُ كَما يُقالُ في المَثَلِ: الغَرِيقُ يَتَعَلَّقُ بِالزَّبَدِ، وإنْ عَلِمَ أنَّهُ لا يُغِيثُهُ. وقَوْلُهُ: ﴿أوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ قِيلَ: إنَّهُ الثِّمارُ، وقِيلَ: إنَّهُ الطَّعامُ، وهَذا الكَلامُ يَدُلُّ عَلى حُصُولِ العَطَشِ الشَّدِيدِ، والجُوعِ الشَّدِيدِ لَهم، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ أنَّ اللَّهَ تَعالى يُرْسِلُ عَلى أهْلِ النّارِ الجُوعَ حَتّى يَزْدادَ عَذابُهم، فَيَسْتَغِيثُونَ فَيُغاثُونَ بِالضَّرِيعِ لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ. ثُمَّ يَسْتَغِيثُونَ فَيُغاثُونَ بِطَعامٍ ذِي غُصَّةٍ، ثُمَّ يَذْكُرُونَ الشَّرابَ فَيَسْتَغِيثُونَ فَيُدْفَعُ إلَيْهِمُ الحَمِيمُ والصَّدِيدُ بِكَلالِيبِ

صفحة ٧٧

الحَدِيدِ فَيَقْطَعُ ما في بُطُونِهِمْ، ويَسْتَغِيثُونَ إلى أهْلِ الجَنَّةِ، كَما في هَذِهِ الآيَةِ، فَيَقُولُ أهْلُ الجَنَّةِ: إنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلى الكافِرِينَ، ويَقُولُونَ لِمالِكٍ: ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٧٧] فَيُجِيبُهم عَلى ما قِيلَ بَعْدَ ألْفِ عامٍ، ويَقُولُونَ: ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا مِنها﴾ [المُؤْمِنُونَ: ١٠٧] فَيُجِيبُهم ﴿اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ١٠٨] فَعِنْدَ ذَلِكَ يَيْأسُونَ مِن كُلِّ خَيْرٍ، ويَأْخُذُونَ في الزَّفِيرِ والشَّهِيقِ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنَّهُ ذَكَرَ في صِفَةِ أهْلِ الجَنَّةِ أنَّهم يَرَوْنَ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ كُلَّ جُمُعَةٍ، ولِمَنزِلِ كُلِّ واحِدٍ مِنهم ألْفُ بابٍ، فَإذا رَأوُا اللَّهَ تَعالى، دَخَلَ مِن كُلِّ بابٍ مَلَكٌ مَعَهُ الهَدايا الشَّرِيفَةُ وقالَ: إنَّ نَخْلَ الجَنَّةِ خَشَبُها الزُّمُرُّدُ، وتُرابُها الذَّهَبُ الأحْمَرُ، وسَعَفُها حُلَلٌ وكِسْوَةٌ لِأهْلِ الجَنَّةِ، وثَمَرُها أمْثالُ القِلالِ أوِ الدِّلاءِ، أشَدُّ بَياضًا مِنَ الفِضَّةِ وألْيَنُ مِنَ الزُّبْدِ وأحْلى مِنَ العَسَلِ، لا عَجَمَ لَهُ.

فَهَذا صِفَةُ أهْلِ الجَنَّةِ، وصِفَةُ أهْلِ النّارِ، ورَأيْتُ في بَعْضِ الكُتُبِ: أنَّ قارِئًا قَرَأ قَوْلَهُ تَعالى حِكايَةً عَنِ الكُفّارِ: ﴿أفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الماءِ أوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ في تَذْكِرَةِ الأُسْتاذِ أبِي عَلِيٍّ الدَّقّاقِ، فَقالَ الأُسْتاذُ: هَؤُلاءِ كانَتْ رَغْبَتُهم وشَهْوَتُهم في الدُّنْيا في الشُّرْبِ والأكْلِ، وفي الآخِرَةِ بَقُوا عَلى هَذِهِ الحالَةِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الرَّجُلَ يَمُوتُ عَلى ما عاشَ عَلَيْهِ، ويُحْشَرُ عَلى ما ماتَ عَلَيْهِ.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارِ لَمّا طَلَبُوا الماءَ والطَّعامَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ قالَ أهْلُ الجَنَّةِ: ﴿إنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلى الكافِرِينَ﴾ ولا شَكَّ أنَّ ذَلِكَ يُفِيدُ الخَيْبَةَ التّامَّةَ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى وصَفَ هَؤُلاءِ الكُفّارَ بِأنَّهُمُ اتَّخَذُوا دِينَهم لَهْوًا ولَعِبًا، وفِيهِ وجْهانِ:

الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ الَّذِي اعْتَقَدُوا فِيهِ أنَّهُ دِينُهم، تَلاعَبُوا بِهِ، وما كانُوا فِيهِ مُجِدِّينَ.

والوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُمُ اتَّخَذُوا اللَّهْوَ واللَّعِبَ دِينًا لِأنْفُسِهِمْ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: يُرِيدُ المُسْتَهْزِئِينَ المُقْتَسِمِينَ. ثُمَّ قالَ: ﴿وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ وهو مَجازٌ لِأنَّ الحَياةَ الدُّنْيا لا تَغُرُّ في الحَقِيقَةِ، بَلِ المُرادُ أنَّهُ حَصَلَ الغُرُورُ عِنْدَ هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا؛ لِأنَّ الإنْسانَ يَطْمَعُ في طُولِ العُمُرِ وحُسْنِ العَيْشِ وكَثْرَةِ المالِ وقُوَّةِ الجاهِ، فَلِشِدَّةِ رَغْبَتِهِ في هَذِهِ الأشْياءِ يَصِيرُ مَحْجُوبًا عَنْ طَلَبِ الدِّينِ، غَرَقًا في طَلَبِ الدُّنْيا، ثُمَّ لَمّا وصَفَ اللَّهُ تَعالى أُولَئِكَ الكُفّارَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ قالَ: ﴿فاليَوْمَ نَنْساهم كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هَذا﴾ وفي تَفْسِيرِ هَذا النِّسْيانِ قَوْلانِ:

القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ النِّسْيانَ هو التَّرْكُ. والمَعْنى: نَتْرُكُهم في عَذابِهِمْ كَما تَرَكُوا العَمَلَ لِلِقاءِ يَوْمِهِمْ هَذا، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ والسُّدِّيِ والأكْثَرِينَ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ مَعْنى نَنْساهم كَما نَسُوا، أيْ نُعامِلُهم مُعامَلَةَ مَن نَسِيَ، نَتْرُكُهم في النّارِ كَما فَعَلُوا هم في الإعْراضِ بِآياتِنا، وبِالجُمْلَةِ فَسَمّى اللَّهُ جَزاءَ نِسْيانِهِمْ بِالنِّسْيانِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشُّورى: ٤٠] والمُرادُ مِن هَذا النِّسْيانِ أنَّهُ لا يُجِيبُ دُعاءَهم ولا يَرْحَمُهم، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ كُلَّ هَذِهِ التَّشْدِيداتِ إنَّما كانَ لِأنَّهم كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ. وفي الآيَةِ لَطِيفَةٌ عَجِيبَةٌ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى وصَفَهم بِكَوْنِهِمْ كانُوا كافِرِينَ ثُمَّ بَيَّنَ مِن حالِهِمْ أنَّهُمُ اتَّخَذُوا دِينَهم لَهْوًا أوَّلًا، ثُمَّ لَعِبًا ثانِيًا، ثُمَّ غَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا ثالِثًا، ثُمَّ صارَ عاقِبَةُ هَذِهِ الأحْوالِ والدَّرَجاتِ أنَّهم جَحَدُوا بِآياتِ اللَّهِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ حُبَّ الدُّنْيا مَبْدَأُ كُلِّ آفَةٍ كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«حُبُّ الدُّنْيا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ» “، وقَدْ يُؤَدِّي حُبُّ الدُّنْيا إلى الكُفْرِ والضَّلالِ.

7:53Page 157

هَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأۡوِيلَهُۥۚ يَوۡمَ يَأۡتِي تَأۡوِيلُهُۥ يَقُولُ ٱلَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبۡلُ قَدۡ جَآءَتۡ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلۡحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشۡفَعُواْ لَنَآ أَوۡ نُرَدُّ فَنَعۡمَلَ غَيۡرَ ٱلَّذِي كُنَّا نَعۡمَلُۚ قَدۡ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ وَضَلَّ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ٥٣

Do they await except its result?1 The Day its result comes, those who had ignored it before will say, "The messengers of our Lord had come with the truth, so are there [now] any intercessors to intercede for us or could we be sent back to do other than what we used to do?" They will have lost themselves, and lost from them is what they used to invent.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ جِئْناهم بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدًى ورَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ أحْوالَ أهْلِ الجَنَّةِ، وأهْلِ النّارِ، وأهْلِ الأعْرافِ، ثُمَّ شَرَحَ الكَلِماتِ الدّائِرَةَ بَيْنَ هَؤُلاءِ الفِرَقِ الثَّلاثِ عَلى وجْهٍ يَصِيرُ سَماعُ تِلْكَ المُناظَراتِ حامِلًا لِلْمُكَلَّفِ عَلى الحَذَرِ والِاحْتِرازِ، وداعِيًا لَهُ إلى النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ، بَيَّنَ شَرَفَ هَذا الكِتابِ الكَرِيمِ ونِهايَةَ مَنفَعَتِهِ فَقالَ: ﴿ولَقَدْ جِئْناهم بِكِتابٍ﴾ وهو القُرْآنُ (فَصَّلْناهُ) أيْ مَيَّزْنا بَعْضَهُ عَنْ بَعْضٍ، تَمْيِيزًا يَهْدِي إلى الرُّشْدِ ويُؤْمِنُ عَنِ الغَلَطِ والخَبْطِ.

فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿عَلى عِلْمٍ﴾ فالمُرادُ أنَّ ذَلِكَ التَّفْصِيلَ والتَّمْيِيزَ إنَّما حَصَلَ مَعَ العِلْمِ التّامِّ بِما في كُلِّ فَصْلٍ مِن تِلْكَ الفُصُولِ مِنَ الفَوائِدِ المُتَكاثِرَةِ، والمَنافِعِ المُتَزايِدَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿هُدًى ورَحْمَةً﴾ قالَ الزَّجّاجُ: (هُدًى) في مَوْضِعِ نَصْبٍ أيْ فَصَّلْناهُ هادِيًا وذا رَحْمَةٍ، وقَوْلُهُ: ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ القُرْآنَ جُعِلَ هُدًى لِقَوْمٍ مَخْصُوصِينَ، والمُرادُ أنَّهم هُمُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا بِهِ دُونَ غَيْرِهِمْ، فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البَقَرَةِ: ٢] واحْتَجَّ أصْحابُنا بِقَوْلِهِ: ﴿فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ﴾ عَلى أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِالعِلْمِ، خِلافًا لِما يَقُولُهُ المُعْتَزِلَةُ مِن أنَّهُ لَيْسَ لِلَّهِ عِلْمٌ. واللَّهُ أعْلَمُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ فَهَلْ لَنا مِن شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أنْفُسَهم وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ إزاحَةَ العِلَّةِ بِسَبَبِ إنْزالِ هَذا الكِتابِ المُفَصَّلِ المُوجِبِ لِلْهِدايَةِ والرَّحْمَةِ، بَيَّنَ بَعْدَهُ حالَ مَن كَذَّبَ فَقالَ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا تَأْوِيلَهُ﴾ والنَّظَرُ هَهُنا بِمَعْنى الِانْتِظارِ والتَّوَقُّعِ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَتَوَقَّعُونَ ويَنْتَظِرُونَ مَعَ جَحْدِهِمْ لَهُ وإنْكارِهِمْ ؟

قُلْنا: لَعَلَّ فِيهِمْ أقْوامًا تَشَكَّكُوا وتَوَقَّفُوا، فَلِهَذا السَّبَبِ انْتَظَرُوهُ، وأيْضًا إنَّهم وإنْ كانُوا جاحِدِينَ إلّا أنَّهم بِمَنزِلَةِ المُنْتَظِرِينَ مِن حَيْثُ إنَّ تِلْكَ الأحْوالَ تَأْتِيهِمْ لا مَحالَةَ، وقَوْلُهُ: (إلّا تَأْوِيلَهُ) قالَ الفَرّاءُ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (تَأْوِيلَهُ) لِلْكِتابِ يُرِيدُ عاقِبَةَ ما وُعِدُوا بِهِ عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ. والتَّأْوِيلُ مَرْجِعُ الشَّيْءِ ومَصِيرُهُ مِن قَوْلِهِمْ: آلَ الشَّيْءُ يَئُولُ.

وقَدِ احْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلّا اللَّهُ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٧] أيْ ما يَعْلَمُ عاقِبَةَ الأمْرِ فِيهِ إلّا اللَّهُ. وقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ يُرِيدُ يَوْمَ القِيامَةِ.

قالَ الزَّجّاجُ: قَوْلُهُ: (يَوْمَ) نُصِبَ بِقَوْلِهِ: (يَقُولُ)، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ﴾ مَعْناهُ أنَّهم صارُوا في الإعْراضِ عَنْهُ بِمَنزِلَةِ مَن نَسِيَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى (نَسُوهُ) أيْ تَرَكُوا العَمَلَ بِهِ والإيمانَ بِهِ، وهَذا كَما ذَكَرْنا في قَوْلِهِ: ﴿كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هَذا﴾ ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ نَسُوا يَوْمَ القِيامَةِ يَقُولُونَ: ﴿قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ﴾

صفحة ٧٩

والمُرادُ أنَّهم أقَرُّوا بِأنَّ الَّذِي جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ مِن ثُبُوتِ الحَشْرِ، والنَّشْرِ، والبَعْثِ، والقِيامَةِ، والثَّوابِ، والعِقابِ، كُلُّ ذَلِكَ كانَ حَقًّا، وإنَّما أقَرُّوا بِحَقِيقَةِ هَذِهِ الأشْياءِ؛ لِأنَّهم شاهَدُوها وعايَنُوها، وبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّهم لَمّا رَأوْا أنْفُسَهم في العَذابِ قالُوا: ﴿فَهَلْ لَنا مِن شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ﴾ والمَعْنى أنَّهُ لا طَرِيقَ لَنا إلى الخَلاصِ مِمّا نَحْنُ فِيهِ مِنَ العَذابِ الشَّدِيدِ إلّا أحَدُ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ: وهو أنْ يَشْفَعَ لَنا شَفِيعٌ، فَلِأجْلِ تِلْكَ الشَّفاعَةِ يَزُولُ هَذا العَذابُ، أوْ يَرُدُّنا اللَّهُ تَعالى إلى الدُّنْيا حَتّى نَعْمَلَ غَيْرَ ما كُنّا نَعْمَلُ يَعْنِي نُوَحِّدُ اللَّهَ تَعالى بَدَلًا عَنِ الكُفْرِ، ونُطِيعُهُ بَدَلًا عَنِ المَعْصِيَةِ.

فَإنْ قِيلَ: أقالُوا هَذا الكَلامَ مَعَ الرَّجاءِ أوْ مَعَ اليَأْسِ ؟ وجَوابُنا عَنْهُ مِثْلُ ما ذَكَرْناهُ في قَوْلِهِ: ﴿أفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الماءِ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿قَدْ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ أنَّ الَّذِي طَلَبُوهُ لا يَكُونُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ المَطْلُوبَ لَوْ حَصَلَ لَما حَكَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم قَدْ خَسِرُوا أنْفُسَهم.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ يُرِيدُ أنَّهم لَمْ يَنْتَفِعُوا بِالأصْنامِ الَّتِي عَبَدُوها في الدُّنْيا ولَمْ يَنْتَفِعُوا بِنُصْرَةِ الأدْيانِ الباطِلَةِ الَّتِي بالَغُوا في نُصْرَتِها، قالَ الجُبّائِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى حُكْمَيْنِ:

الحُكْمُ الأوَّلُ

قالَ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا في حالِ التَّكْلِيفِ قادِرِينَ عَلى الإيمانِ والتَّوْبَةِ فَلِذَلِكَ سَألُوا الرَّدَّ لِيُؤْمِنُوا ويَتُوبُوا، ولَوْ كانُوا في الدُّنْيا غَيْرَ قادِرِينَ، كَما يَقُولُهُ المُجْبِرَةُ، لَمْ يَكُنْ لَهم في الرَّدِّ فائِدَةٌ ولا جازَ أنْ يَسْألُوا ذَلِكَ.

الحُكْمُ الثّانِي

أنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ المُجْبِرَةِ والَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّ أهْلَ الآخِرَةِ مُكَلَّفُونَ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَما سَألُوا الرَّدَّ إلى حالٍ وهم في الوَقْتِ عَلى مِثْلِها، بَلْ كانُوا يَتُوبُونَ ويُؤْمِنُونَ في الحالِ، فَبَطَلَ ما حُكِيَ عَنِ النَّجّارِ وطَبَقَتِهِ مِن أنَّ التَّكْلِيفَ باقٍ عَلى أهْلِ الآخِرَةِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском