Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Al-A'raf 7:65–72
7:65–67Page 158
۞ وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمۡ هُودٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓۚ أَفَلَا تَتَّقُونَ ٦٥
And to the ʿAad [We sent] their brother Hūd. He said, "O my people, worship Allāh; you have no deity other than Him. Then will you not fear Him?"
قَالَ ٱلۡمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦٓ إِنَّا لَنَرَىٰكَ فِي سَفَاهَةٖ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ ٦٦
Said the eminent ones who disbelieved among his people, "Indeed, we see you in foolishness, and indeed, we think you are of the liars."
قَالَ يَٰقَوۡمِ لَيۡسَ بِي سَفَاهَةٞ وَلَٰكِنِّي رَسُولٞ مِّن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٦٧
[Hūd] said, "O my people, there is not foolishness in me, but I am a messenger from the Lord of the worlds.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإلى عادٍ أخاهم هُودًا قالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿قالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ إنّا لَنَراكَ في سَفاهَةٍ وإنّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿قالَ ياقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ ولَكِنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أُبَلِّغُكم رِسالاتِ رَبِّي وأنا لَكم ناصِحٌ أمِينٌ﴾ ﴿أوَعَجِبْتُمْ أنْ جاءَكم ذِكْرٌ مِن رَبِّكم عَلى رَجُلٍ مِنكم لِيُنْذِرَكم واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وزادَكم في الخَلْقِ بَسْطَةً فاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذا هو القِصَّةُ الثّانِيَةُ، وهي قِصَّةُ هُودٍ مَعَ قَوْمِهِ.
صفحة ١٢٦
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وإلى عادٍ أخاهم هُودًا﴾ فَفِيهِ أبْحاثٌ:
البَحْثُ الأوَّلُ: انْتَصَبَ قَوْلُهُ: (أخاهم) بِقَوْلِهِ: (أرْسَلْنا) في أوَّلِ الكَلامِ، والتَّقْدِيرُ ”لَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ وأرْسَلْنا إلى عادٍ أخاهم هُودًا“ .
البَحْثُ الثّانِي: اتَّفَقُوا عَلى أنَّ هُودًا ما كانَ أخًا لَهم في الدِّينِ. واخْتَلَفُوا في أنَّهُ هَلْ كانَ أخا قَرابَةٍ قَرِيبَةٍ أمْ لا ؟ قالَ الكَلْبِيُّ: إنَّهُ كانَ واحِدًا مِن تِلْكَ القَبِيلَةِ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ كانَ مِن بَنِي آدَمَ ومِن جِنْسِهِمْ لا مِن جِنْسِ المَلائِكَةِ فَكَفى هَذا القَدَرُ في تَسْمِيَةِ هَذِهِ الأُخُوَّةِ، والمَعْنى أنّا بَعَثْنا إلى عادٍ واحِدًا مِن جِنْسِهِمْ وهو البَشَرُ لِيَكُونَ ألْفُهم والأُنْسُ بِكَلامِهِ وأفْعالِهِ أكْمَلَ، وما بَعَثْنا إلَيْهِمْ شَخْصًا مِن غَيْرِ جِنْسِهِمْ مِثْلَ مَلِكٍ أوْ جِنِّيٍّ.
البَحْثُ الثّالِثُ: أخاهم: أيْ صاحِبَهم ورَسُولَهم، والعَرَبُ تُسَمِّي صاحِبَ القَوْمِ أخَ القَوْمِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ [الأعراف: ٣٨] أيْ صاحِبَتَها وشَبِيهَتَها. وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«إنَّ أخا صُداءٍ قَدْ أذَّنَ، وإنَّما يُقِيمُ مَن أذَّنَ» “ يُرِيدُ صاحِبَهم.
البَحْثُ الرّابِعُ: قالُوا: نَسَبُ هُودٍ هَذا: هُودُ بْنُ شالَخَ بْنِ أرْفَخْشَذَ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ. وأمّا عادٌ فَهم قَوْمٌ كانُوا بِاليَمَنِ بِالأحْقافِ، قالَ ابْنُ إسْحاقَ: والأحْقافُ: الرَّمْلُ الَّذِي بَيْنَ عَمّانَ إلى حَضْرَمَوْتَ.
البَحْثُ الخامِسُ: اعْلَمْ أنَّ ألْفاظَ هَذِهِ القِصَّةِ مُوافِقَةٌ لِلْألْفاظِ المَذْكُورَةِ في قِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ إلّا في أشْياءَ:
الأوَّلُ: في قِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿فَقالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ وفي قِصَّةِ هُودٍ: ﴿قالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ والفَرْقُ أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مُواظِبًا عَلى دَعْواهم وما كانَ يُؤَخِّرُ الجَوابَ عَنْ شُبُهاتِهِمْ لَحْظَةً واحِدَةً، وأمّا هُودٌ فَما كانَتْ مُبالَغَتُهُ إلى هَذا الحَدِّ، فَلا جَرَمَ جاءَ ”فاءُ التَّعْقِيبِ“ في كَلامِ نُوحٍ دُونَ كَلامِ هُودٍ.
والثّانِي: أنَّهُ قالَ في قِصَّةِ نُوحٍ: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ وقالَ في هَذِهِ القِصَّةِ: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ والفَرْقُ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ أنَّ قَبْلَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَظْهَرْ في العالَمِ مِثْلُ تِلْكَ الواقِعَةِ العَظِيمَةِ وهي الطُّوفانُ العَظِيمُ، فَلا جَرَمَ أخْبَرَ نُوحٌ عَنْ تِلْكَ الواقِعَةِ فَقالَ: ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ وأمّا واقِعَةُ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقَدْ كانَتْ مَسْبُوقَةً بِواقِعَةِ نُوحٍ، وكانَ عِنْدَ النّاسِ عِلْمٌ بِتِلْكَ الواقِعَةِ قَرِيبًا، فَلا جَرَمَ اكْتَفى هُودٌ بِقَوْلِهِ: ﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ والمَعْنى: تَعْرِفُونَ أنَّ قَوْمَ نُوحٍ لَمّا لَمْ يَتَّقُوا اللَّهَ ولَمْ يُطِيعُوهُ نَزَلَ بِهِمْ ذَلِكَ العَذابُ الَّذِي اشْتَهَرَ خَبَرُهُ في الدُّنْيا فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ إشارَةً إلى التَّخْوِيفِ بِتِلْكَ الواقِعَةِ المُتَقَدِّمَةِ المَشْهُورَةِ في الدُّنْيا.
والفَرْقُ الثّالِثُ: قالَ تَعالى في قِصَّةِ نُوحٍ: ﴿قالَ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ﴾ وقالَ في قِصَّةِ هُودٍ: ﴿قالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ﴾ والفَرْقُ أنَّهُ كانَ في أشْرافِ قَوْمِ هُودٍ مَن آمَنَ بِهِ، مِنهم مَرْثَدُ بْنُ سَعْدٍ، أسْلَمَ وكانَ يَكْتُمُ إيمانَهُ، فَأُرِيدَتِ التَّفْرِقَةُ بِالوَصْفِ، ولَمْ يَكُنْ في أشْرافِ قَوْمِ نُوحٍ مُؤْمِنٌ.
والفَرْقُ الرّابِعُ: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ قَوْمِ نُوحٍ أنَّهم قالُوا: ﴿إنّا لَنَراكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ وحَكى عَنْ قَوْمِ هُودٍ أنَّهم قالُوا: ﴿إنّا لَنَراكَ في سَفاهَةٍ وإنّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ والفَرْقُ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُخَوِّفُ الكُفّارَ بِالطُّوفانِ العامِّ، وكانَ أيْضًا مُشْتَغِلًا بِإعْدادِ السَّفِينَةِ، وكانَ يَحْتاجُ إلى أنْ يُتْعِبَ نَفْسَهُ في إعْدادِ السَّفِينَةِ، فَعِنْدَ هَذا، القَوْمُ قالُوا: ﴿إنّا لَنَراكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ولَمْ يَظْهَرْ شَيْءٌ مِنَ العَلاماتِ الَّتِي تَدُلُّ عَلى
صفحة ١٢٧
ظُهُورِ الماءِ في تِلْكَ المَفازَةِ. أمّا هُودٌ عَلَيْهِ السَّلامُ فَما ذَكَرَ شَيْئًا إلّا أنَّهُ زَيَّفَ عِبادَةَ الأوْثانِ، ونَسَبَ مَنِ اشْتَغَلَ بِعِبادَتِها إلى السَّفاهَةِ وقِلَّةِ العَقْلِ. فَلَمّا ذَكَرَ هُودٌ هَذا الكَلامَ في أسْلافِهِمْ قابَلُوهُ بِمِثْلِهِ ونَسَبُوهُ إلى السَّفاهَةِ ثُمَّ قالُوا: ﴿وإنّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ في ادِّعاءِ الرِّسالَةِ. واخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِ هَذا الظَّنِّ، فَقالَ بَعْضُهم: المُرادُ مِنهُ القَطْعُ والجَزْمُ. ووُرُودُ الظَّنِّ بِهَذا المَعْنى في القُرْآنِ كَثِيرٌ قالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٤٦] وقالَ الحَسَنُ والزَّجّاجُ: كانَ تَكْذِيبُهم إيّاهُ عَلى الظَّنِّ لا عَلى اليَقِينِ، فَكَفَرُوا بِهِ ظانِّينَ لا مُتَيَقِّنِينَ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ حُصُولَ الشَّكِّ والتَّجْوِيزِ في أُصُولِ الدِّينِ يُوجِبُ الكُفْرَ.
7:68–69Page 159
أُبَلِّغُكُمۡ رِسَٰلَٰتِ رَبِّي وَأَنَا۠ لَكُمۡ نَاصِحٌ أَمِينٌ ٦٨
I convey to you the messages of my Lord, and I am to you a trustworthy adviser.
أَوَعَجِبۡتُمۡ أَن جَآءَكُمۡ ذِكۡرٞ مِّن رَّبِّكُمۡ عَلَىٰ رَجُلٖ مِّنكُمۡ لِيُنذِرَكُمۡۚ وَٱذۡكُرُوٓاْ إِذۡ جَعَلَكُمۡ خُلَفَآءَ مِنۢ بَعۡدِ قَوۡمِ نُوحٖ وَزَادَكُمۡ فِي ٱلۡخَلۡقِ بَصۜۡطَةٗۖ فَٱذۡكُرُوٓاْ ءَالَآءَ ٱللَّهِ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ٦٩
Then do you wonder that there has come to you a reminder from your Lord through a man from among you, that he may warn you? And remember when He made you successors after the people of Noah and increased you in stature extensively. So remember the favors of Allāh that you might succeed."
والفَرْقُ الخامِسُ: بَيْنَ القِصَّتَيْنِ أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ﴿أُبَلِّغُكم رِسالاتِ رَبِّي وأنْصَحُ لَكم وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ وأمّا هُودٌ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: ﴿أُبَلِّغُكم رِسالاتِ رَبِّي وأنا لَكم ناصِحٌ أمِينٌ﴾ فَنُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ. قالَ: ﴿أنْصَحَ لَكُمْ﴾ وهو صِيغَةُ الفِعْلِ، وهُودٌ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ﴿وأنا لَكم ناصِحٌ﴾ وهو صِيغَةُ اسْمِ الفاعِلِ، ونُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ﴿وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ وهُودٌ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ، ولَكِنَّهُ زادَ فِيهِ كَوْنَهُ أمِينًا. والفَرْقُ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ أنَّ الشَّيْخَ عَبْدَ القاهِرِ النَّحْوِيَّ ذَكَرَ في كِتابِ دَلائِلِ الإعْجازِ أنَّ صِيغَةَ الفِعْلِ تَدُلُّ عَلى التَّجَدُّدِ ساعَةً فَساعَةً، وأمّا صِيغَةُ اسْمِ الفاعِلِ فَإنَّها دالَّةٌ عَلى الثَّباتِ والِاسْتِمْرارِ عَلى ذَلِكَ الفِعْلِ.
وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ القَوْمَ كانُوا يُبالِغُونَ في السَّفاهَةِ عَلى نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، ثُمَّ إنَّهُ في اليَوْمِ الثّانِي كانَ يَعُودُ إلَيْهِمْ ويَدْعُوهم إلى اللَّهِ، وقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿رَبِّ إنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا ونَهارًا﴾ [نوح: ٥] فَلَمّا كانَ مِن عادَةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ العَوْدُ إلى تَجْدِيدِ تِلْكَ الدَّعْوَةِ في كُلِّ يَوْمٍ وفي كُلِّ ساعَةٍ، لا جَرَمَ ذَكَرَهُ بِصِيغَةِ الفِعْلِ، فَقالَ: ﴿وأنْصَحُ لَكُمْ﴾ وأمّا هُودٌ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقَوْلُهُ: ﴿وأنا لَكم ناصِحٌ﴾ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مُثَبَّتًا في تِلْكَ النَّصِيحَةِ مُسْتَقِرًّا فِيها. أمّا لَيْسَ فِيها إعْلامٌ بِأنَّهُ سَيَعُودُ إلى ذِكْرِها حالًا فَحالًا ويَوْمًا فَيَوْمًا، وأمّا الفَرْقُ الآخَرُ في هَذِهِ الآيَةِ وهو أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ﴿وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ وهُودًا وصَفَ نَفْسَهُ بِكَوْنِهِ أمِينًا، فالفَرْقُ أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ أعْلى شَأْنًا وأعْظَمَ مَنصِبًا في النُّبُوَّةِ مِن هُودٍ، فَلَمْ يَبْعُدْ أنْ يُقالَ: إنَّ نُوحًا كانَ يَعْلَمُ مِن أسْرارِ حُكْمِ اللَّهِ وحِكْمَتِهِ ما لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ هُودٌ، فَلِهَذا السَّبَبِ أمْسَكَ هُودٌ لِسانَهُ عَنْ ذِكْرِ تِلْكَ الكَلِمَةِ، واقْتَصَرَ عَلى أنَّ وصْفَ نَفْسِهِ بِكَوْنِهِ أمِينًا، ومَقْصُودٌ مِنهُ أُمُورٌ:
أحَدُها: الرَّدُّ عَلَيْهِمْ في قَوْلِهِمْ: ﴿وإنّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ .
وثانِيها: أنَّ مَدارَ أمْرِ الرِّسالَةِ والتَّبْلِيغِ عَنِ اللَّهِ عَلى الأمانَةِ، فَوَصَفَ نَفْسَهُ بِكَوْنِهِ أمِينًا تَقْرِيرًا لِلرِّسالَةِ والنُّبُوَّةِ.
وثالِثُها: كَأنَّهُ قالَ لَهم: كُنْتُ قَبْلَ هَذِهِ الدَّعْوى أمِينًا فِيكم، ما وجَدْتُمْ مِنِّي غَدْرًا ولا مَكْرًا ولا كَذِبًا، واعْتَرَفْتُمْ لِي بِكَوْنِي أمِينًا، فَكَيْفَ نَسَبْتُمُونِي الآنَ إلى الكَذِبِ ؟
واعْلَمْ أنَّ الأمِينَ هو الثِّقَةُ، وهو فَعِيلٌ مِن أمِنَ يَأْمَنُ أمْنًا، فَهو آمِنٌ وأمِينٌ بِمَعْنًى واحِدٍ.
واعْلَمْ أنَّ القَوْمَ لَمّا قالُوا لَهُ: ﴿إنّا لَنَراكَ في سَفاهَةٍ﴾ فَهو لَمْ يُقابِلْ سَفاهَتَهم بِالسَّفاهَةِ بَلْ قابَلَها بِالحِلْمِ والإغْضاءِ، ولَمْ يَزِدْ عَلى قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ تَرْكَ الِانْتِقامِ أوْلى كَما قالَ: ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ [الفرقان: ٧٢] .
أمّا قَوْلَهُ: ﴿ولَكِنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ فَهو مَدْحٌ لِلنَّفْسِ بِأعْظَمِ صِفاتِ المَدْحِ، وإنَّما فَعَلَ ذَلِكَ لِأنَّهُ كانَ يَجِبُ عَلَيْهِ إعْلامُ القَوْمِ بِذَلِكَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَدْحَ الإنْسانِ نَفْسَهُ إذا كانَ في مَوْضِعِ الضَّرُورَةِ جائِزٌ.
صفحة ١٢٨
والفَرْقُ السّادِسُ بَيْنَ القِصَّتَيْنِ: أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ﴿أوَعَجِبْتُمْ أنْ جاءَكم ذِكْرٌ مِن رَبِّكم عَلى رَجُلٍ مِنكم لِيُنْذِرَكم ولِتَتَّقُوا ولَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ وفي قِصَّةِ هُودٍ أعادَ هَذا الكَلامَ بِعَيْنِهِ إلّا أنَّهُ حَذَفَ مِنهُ قَوْلَهُ: ﴿ولِتَتَّقُوا ولَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ والسَّبَبُ فِيهِ أنَّهُ لَمّا ظَهَرَ في القِصَّةِ الأُولى أنَّ فائِدَةَ الإنْذارِ هي حُصُولُ التَّقْوى المُوجِبَةِ لِلرَّحْمَةِ لَمْ يَكُنْ إلى إعادَتِهِ في هَذِهِ القِصَّةِ حاجَةٌ، وأمّا بَعْدَ هَذِهِ الكَلِمَةِ فَكُلُّهُ مِن خَواصِّ قِصَّةِ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنْ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ الكَلامَ في الخُلَفاءِ والخَلائِفِ والخَلِيفَةِ قَدْ مَضى في مَواضِعَ، والمَقْصُودُ مِنهُ أنَّ تَذَكُّرَ النِّعَمِ العَظِيمَةِ يُوجِبُ الرَّغْبَةَ والمَحَبَّةَ وزَوالَ النَّفْرَةِ والعَداوَةِ، وقَدْ ذَكَرَ هُودٌ عَلَيْهِ السَّلامُ هَهُنا نَوْعَيْنِ مِنَ الإنْعامِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى جَعَلَهم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ، وذَلِكَ بِأنْ أوْرَثَهم أرْضَهم ودِيارَهم وأمْوالَهم وما يَتَّصِلُ بِها مِنَ المَنافِعِ والمَصالِحِ.
والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿وزادَكم في الخَلْقِ بَسْطَةً﴾ وفِيهِ مَباحِثُ:
البَحْثُ الأوَّلُ: ”الخَلْقُ“ في اللُّغَةِ عِبارَةٌ عَنِ التَّقْدِيرِ، فَهَذا اللَّفْظُ إنَّما يَنْطَلِقُ عَلى الشَّيْءِ الَّذِي لَهُ مِقْدارٌ وجُثَّةٌ وحَجْمِيَّةٌ، فَكانَ المُرادُ حُصُولَ الزِّيادَةِ في أجْسامِهِمْ، ومِنهم مَن حَمَلَ هَذا اللَّفْظَ عَلى الزِّيادَةِ في القُوَّةِ، وذَلِكَ لِأنَّ القُوى والقُدَرَ مُتَفاوِتَةٌ، فَبَعْضُها أعْظَمُ وبَعْضُها أضْعَفُ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: لَفْظُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى حُصُولِ الزِّيادَةِ، وأمّا اعْتِدادُ تِلْكَ الزِّيادَةِ فَلَيْسَ في اللَّفْظِ البَتَّةَ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ، إلّا أنَّ العَقْلَ يَدُلُّ عَلى أنَّ تِلْكَ الزِّيادَةَ يَجِبُ أنْ تَكُونَ زِيادَةً عَظِيمَةً واقِعَةً عَلى خِلافِ المُعْتادِ، وإلّا لَمْ يَكُنْ لِتَخْصِيصِها بِالذِّكْرِ في مَعْرِضِ الأنْعامِ فائِدَةٌ. قالَ الكَلْبِيُّ: كانَ أطْوَلُهم مِائَةَ ذِراعٍ وأقْصَرُهم سِتِّينَ ذِراعًا، وقالَ آخَرُونَ: تِلْكَ الزِّيادَةُ هي مِقْدارُ ما تَبْلُغُهُ يَدا إنْسانٍ إذا رَفَعَهُما، فَفُضِّلُوا عَلى أهْلِ زَمانِهِمْ بِهَذا القَدْرِ، وقالَ قَوْمٌ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وزادَكم في الخَلْقِ بَسْطَةً﴾ كَوْنَهم مِن قَبِيلَةٍ واحِدَةٍ مُتَشارِكِينَ في القُوَّةِ والشِّدَّةِ والجَلادَةِ، وكَوْنَ بَعْضِهِمْ مُحِبًّا لِلْباقِينَ ناصِرًا لَهم، وزَوالَ العَداوَةِ والخُصُومَةِ مِن بَيْنِهِمْ، فَإنَّهُ تَعالى لَمّا خَصَّهم بِهَذِهِ الأنْواعِ مِنَ الفَضائِلِ والمَناقِبِ فَقَدْ قَرَّرَ لَهم حُصُولَها، فَصَحَّ أنْ يُقالَ: ﴿وزادَكم في الخَلْقِ بَسْطَةً﴾ ولَمّا ذَكَرَ هُودٌ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ مِنَ النِّعْمَةِ قالَ: ﴿فاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: لا بُدَّ في الآيَةِ مِن إضْمارٍ، والتَّقْدِيرُ: واذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ واعْمَلُوا عَمَلًا يَلِيقُ بِتِلْكَ الإنْعاماتِ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ. وإنَّما أضْمَرْنا العَمَلَ لِأنَّ الصَّلاحَ الَّذِي هو الظَّفَرُ بِالثَّوابِ لا يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ التَّذَكُّرِ، بَلْ لا بُدَّ لَهُ مِنَ العَمَلِ، واسْتَدَلَّ الطّاعِنُونَ في وُجُوبِ الأعْمالِ الظّاهِرَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وقالُوا: إنَّهُ تَعالى رَتَّبَ حُصُولَ الصَّلاحِ عَلى مُجَرَّدِ التَّذَكُّرِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مُجَرَّدُ التَّذَكُّرِ كافِيًا في حُصُولِ الصَّلاحِ. وجَوابُهُ ما تَقَدَّمَ مِن أنَّ سائِرَ الآياتِ ناطِقَةٌ بِأنَّهُ لا بُدَّ مِنَ العَمَلِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
البَحْثُ الثّانِي: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ”آلاءَ اللَّهِ“ أيْ نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْكم. قالَ الواحِدِيُّ: واحِدُ الآلاءِ إلًى وألْوٌ وإلْيٌ. قالَ الأعْشى:
أبْيَضُ لا يَرْهَبُ الهُزالَ ولا يَقْطَعُ رَحِمًا ولا يَخُونُ إلًى
قالَ: نَظِيرُ الآلاءِ الآناءُ، واحِدُها: أنًا وإنًى وإنْيٌ، وزادَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ في الأمْثِلَةِ فَقالَ: ضِلَعٌ وأضْلاعٌ، وعِنَبٌ وأعْنابٌ.
7:70–72Page 159
قَالُوٓاْ أَجِئۡتَنَا لِنَعۡبُدَ ٱللَّهَ وَحۡدَهُۥ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعۡبُدُ ءَابَآؤُنَا فَأۡتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ٧٠
They said, "Have you come to us that we should worship Allāh alone and leave what our fathers have worshipped? Then bring us what you promise us,1 if you should be of the truthful."
قَالَ قَدۡ وَقَعَ عَلَيۡكُم مِّن رَّبِّكُمۡ رِجۡسٞ وَغَضَبٌۖ أَتُجَٰدِلُونَنِي فِيٓ أَسۡمَآءٖ سَمَّيۡتُمُوهَآ أَنتُمۡ وَءَابَآؤُكُم مَّا نَزَّلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلۡطَٰنٖۚ فَٱنتَظِرُوٓاْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ ٱلۡمُنتَظِرِينَ ٧١
[Hūd] said, "Already have defilement and anger fallen upon you from your Lord. Do you dispute with me concerning [mere] names you have named them,1 you and your fathers, for which Allāh has not sent down any authority? Then wait; indeed, I am with you among those who wait."
فَأَنجَيۡنَٰهُ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥ بِرَحۡمَةٖ مِّنَّا وَقَطَعۡنَا دَابِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَاۖ وَمَا كَانُواْ مُؤۡمِنِينَ ٧٢
So We saved him and those with him by mercy from Us. And We eliminated those who denied Our signs, and they were not [at all] believers.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا أجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وحْدَهُ ونَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ قَدْ وقَعَ عَلَيْكم مِن رَبِّكم رِجْسٌ وغَضَبٌ أتُجادِلُونَنِي في أسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكم ما نَزَّلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ فانْتَظِرُوا إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾ ﴿فَأنْجَيْناهُ والَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا وقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وما كانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هُودًا عَلَيْهِ السَّلامُ دَعا قَوْمَهُ إلى التَّوْحِيدِ وتَرْكِ عِبادَةِ الأصْنامِ بِالدَّلِيلِ القاطِعِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ بَيَّنَ أنَّ نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ كَثِيرَةٌ عَظِيمَةٌ، وصَرِيحُ العَقْلِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ لِلْأصْنامِ شَيْءٌ مِنَ النِّعَمِ عَلى الخَلْقِ لِأنَّها جَماداتٌ، والجَمادُ لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى شَيْءٍ أصْلًا، وظاهِرٌ أنَّ العِبادَةَ نِهايَةُ التَّعْظِيمِ، ونِهايَةُ التَّعْظِيمِ لا تَلِيقُ إلّا بِمَن يَصْدُرُ عَنْهُ نِهايَةُ الإنْعامِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ، وأنْ لا يَعْبُدُوا شَيْئًا مِنَ الأصْنامِ، ومَقْصُودُ اللَّهِ تَعالى مِن ذِكْرِ أقْسامِ إنْعامِهِ عَلى العَبِيدِ، هَذِهِ الحُجَّةُ الَّتِي ذَكَرَها. ثُمَّ إنَّ هُودًا عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الحُجَّةَ اليَقِينِيَّةَ لَمْ يَكُنْ مِنَ القَوْمِ جَوابٌ عَنْ هَذِهِ الحُجَّةِ الَّتِي ذَكَرَها إلّا التَّمَسُّكَ بِطَرِيقَةِ التَّقْلِيدِ، فَقالُوا: ﴿قالُوا أجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وحْدَهُ ونَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ ثُمَّ قالُوا: ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ وذَلِكَ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ مُشْعِرٌ بِالتَّهْدِيدِ والتَّخْوِيفِ بِالوَعِيدِ، فَلِهَذا المَعْنى قالُوا: ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ وإنَّما قالُوا ذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَ كَوْنَهُ كاذِبًا بِدَلِيلِ أنَّهم قالُوا لَهُ: ﴿وإنّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ فَلَمّا اعْتَقَدُوا كَوْنَهُ كاذِبًا قالُوا لَهُ: ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ والغَرَضُ أنَّهُ إذا لَمْ يَأْتِهِمْ بِذَلِكَ العَذابِ ظَهَرَ لِلْقَوْمِ كَوْنُهُ كاذِبًا، وإنَّما قالُوا ذَلِكَ لِأنَّهم ظَنُّوا أنَّ الوَعْدَ لا يَجُوزُ أنْ يَتَأخَّرَ، فَلا جَرَمَ اسْتَعْجَلُوهُ عَلى هَذا الحَدِّ.
ثُمَّ حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ عِنْدَ هَذا الكَلامِ: ﴿قَدْ وقَعَ عَلَيْكم مِن رَبِّكم رِجْسٌ وغَضَبٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: هَذا الَّذِي أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ بِأنَّهُ وقَعَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هو العَذابَ؛ لِأنَّ العَذابَ ما كانَ حاصِلًا في ذَلِكَ الوَقْتِ، وقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ، قالَ القاضِي: تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى قَوْلِنا ظاهِرٌ، إلّا أنّا نَقُولُ: مَعْناهُ أنَّهُ تَعالى أحْدَثَ إرادَةً في ذَلِكَ الوَقْتِ، لا أنَّ بَعْدَ كُفْرِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ حَدَثَتْ هَذِهِ الإرادَةُ. واعْلَمْ أنَّ هَذا القَوْلَ عِنْدَنا باطِلٌ، بَلْ عِنْدَنا في الآيَةِ وُجُوهٌ مِنَ التَّأْوِيلاتِ:
أحَدُها: أنَّهُ تَعالى أخْبَرَهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ بِنُزُولِ
صفحة ١٣٠
العَذابِ عَلَيْهِمْ، فَلَمّا حَدَثَ الإعْلامُ في ذَلِكَ الوَقْتِ لا جَرَمَ قالَ هُودٌ في ذَلِكَ الوَقْتِ: ﴿وقَعَ عَلَيْكم مِن رَبِّكم رِجْسٌ وغَضَبٌ﴾ .
وثانِيها: أنَّهُ جَعَلَ التَّوَقُّعَ الَّذِي لا بُدَّ مِن نُزُولِهِ بِمَنزِلَةِ الواقِعِ. ونَظِيرُهُ قَوْلُكَ لِمَن طَلَبَ مِنكَ شَيْئًا: قَدْ كانَ ذَلِكَ؛ بِمَعْنى أنَّهُ سَيَكُونُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ بِمَعْنى: سَيَأْتِي أمْرُ اللَّهِ.
وثالِثُها: أنّا نَحْمِلُ قَوْلَهُ: ﴿وقَعَ﴾ عَلى مَعْنى وُجِدَ وحَصَلَ، والمَعْنى: إرادَةُ إيقاعِ العَذابِ عَلَيْكم حَصَلَتْ مِنَ الأزَلِ إلى الأبَدِ؛ لِأنَّ قَوْلَنا: حَصَلَ، لا إشْعارَ لَهُ بِالحُدُوثِ بَعْدَ ما لَمْ يَكُنْ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الرِّجْسُ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ العَذابَ؛ لِأنَّ المُرادَ مِنَ الغَضَبِ العَذابُ، فَلَوْ حَمَلْنا الرِّجْسَ عَلَيْهِ لَزِمَ التَّكْرِيرُ، وأيْضًا الرِّجْسُ ضِدُّ التَّزْكِيَةِ والتَّطْهِيرِ. قالَ تَعالى: ﴿تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها﴾ [التوبة: ١٠٣] وقالَ في صِفَةِ أهْلِ البَيْتِ: ﴿ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] والمُرادُ التَّطَهُّرُ مِنَ العَقائِدِ الباطِلَةِ والأفْعالِ المَذْمُومَةِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ، وجَبَ أنْ يَكُونَ الرِّجْسُ عِبارَةً عَنِ العَقائِدِ الباطِلَةِ والأفْعالِ المَذْمُومَةِ.
إذا ثَبَتَ هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿قَدْ وقَعَ عَلَيْكم مِن رَبِّكم رِجْسٌ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى خَصَّهم بِالعَقائِدِ المَذْمُومَةِ والصِّفاتِ القَبِيحَةِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الخَيْرَ والشَّرَّ مِنَ اللَّهِ تَعالى، قالَ القَفّالُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الرِّجْسُ هو الِازْدِيادُ في الكُفْرِ بِالرَّيْنِ عَلى القُلُوبِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٥] أيْ قَدْ وقَعَ عَلَيْكم مِنَ اللَّهِ رَيْنٌ عَلى قُلُوبِكم عُقُوبَةً مِنهُ لَكم بِالخِذْلانِ لِإلْفِكُمُ الكُفْرَ وتَمادِيكم في الغَيِّ.
واعْلَمْ أنّا قَدْ دَلَلْنا عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ كُفْرَهم مِنَ اللَّهِ، فَهَذا الَّذِي قالَهُ القَفّالُ إنْ كانَ المُرادُ مِنهُ ذَلِكَ، فَقَدْ جاءَ بِالوِفاقِ، إلّا أنَّهُ شَدِيدُ النَّفْرَةِ عَنْ هَذا المَذْهَبِ، وأكْثَرُ تَأْوِيلِ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى هَذا المَذْهَبِ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَقُولُ بِهَذا القَوْلِ. وإنْ كانَ المُرادُ مِنهُ الجَوابَ عَمّا شَرَحْناهُ، فَهو ضَعِيفٌ لِأنَّهُ لَيْسَ فِيهِ ما يُوجِبُ رَفْعَ الدَّلِيلِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
وحاصِلُ الكَلامِ في الآيَةِ: أنَّ القَوْمَ لَمّا أصَرُّوا عَلى التَّقْلِيدِ وعَدَمِ الِانْقِيادِ لِلدَّلِيلِ زادَهُمُ اللَّهُ كُفْرًا، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿قَدْ وقَعَ عَلَيْكم مِن رَبِّكم رِجْسٌ﴾ ثُمَّ خَصَّهم بِمَزِيدِ الغَضَبِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وغَضَبٌ﴾ .
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿أتُجادِلُونَنِي في أسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكم ما نَزَّلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ﴾ والمُرادُ مِنهُ: الِاسْتِفْهامُ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ، وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يُسَمُّونَ الأصْنامَ بِالآلِهَةِ، مَعَ أنَّ مَعْنى الإلَهِيَّةِ فِيها مَعْدُومٌ، وسَمَّوْا واحِدًا مِنها بِالعُزّى مُشْتَقًّا مِنَ العِزِّ، واللَّهُ ما أعْطاهُ عِزًّا أصْلًا، وسَمَّوْا آخَرَ مِنها بِاللّاتِ، ولَيْسَ لَهُ مِنَ الإلَهِيَّةِ شَيْءٌ. وقَوْلُهُ: ﴿ما نَزَّلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ﴾ عِبارَةٌ عَنْ خُلُوِّ مَذاهِبِهِمْ عَنِ الحُجَّةِ والبَيِّنَةِ، ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَكَرَ لَهم وعِيدًا مُجَدَّدًا فَقالَ: (فانْتَظِرُوا) ما يَحْصُلُ لَكم مِن عِبادَةِ هَذِهِ الأصْنامِ ﴿إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾ .
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنْ عاقِبَةِ هَذِهِ الواقِعَةِ، فَقالَ: ﴿فَأنْجَيْناهُ والَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا﴾ إذْ كانُوا مُسْتَحِقِّينَ لِلرَّحْمَةِ بِسَبَبِ إيمانِهِمْ، وقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالآياتِ الَّتِي جَعَلْناها مُعْجِزَةً لِهُودٍ، والمُرادُ أنَّهُ تَعالى أنْزَلَ عَلَيْهِمْ عَذابَ الِاسْتِئْصالِ الَّذِي هو الرِّيحُ، وقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ كَيْفِيَّتَهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، وقَطْعُ الدّابِرِ هو الِاسْتِئْصالُ، فَدَلَّ بِهَذا اللَّفْظِ أنَّهُ تَعالى ما أبْقى مِنهم أحَدًا، ودابِرُ الشَّيْءِ آخِرُهُ.
صفحة ١٣١
فَإنْ قِيلَ: لَمّا أخْبَرَ عَنْهم بِأنَّهم كانُوا مُكَذِّبِينَ بِآياتِ اللَّهِ لَزِمَ القَطْعُ بِأنَّهم ما كانُوا مُؤْمِنِينَ، فَما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿وما كانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ؟ .
قُلْنا: مَعْناهُ أنَّهم مُكَذِّبُونَ، وعَلِمَ اللَّهُ مِنهم أنَّهم لَوْ بَقُوا لَمْ يُؤْمِنُوا أيْضًا، ولَوْ عَلِمَ تَعالى أنَّهم سَيُؤْمِنُونَ لَأبْقاهم.
﴿وإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكم هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكم آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللَّهِ ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ، فَيَأْخُذَكم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ عادٍ وبَوَّأكم في الأرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِها قُصُورًا وتَنْحِتُونَ الجِبالَ بُيُوتًا فاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences