Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Al-Muddaththir 74:8–29
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا نُقِرَ في النّاقُورِ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا تَمَّمَ ما يَتَعَلَّقُ بِإرْشادِ قُدْوَةِ الأنْبِياءِ وهو مُحَمَّدٌ ﷺ، عَدَلَ عَنْهُ إلى شَرْحِ وعِيدِ الأشْقِياءِ وهو هَذِهِ الآيَةُ، وهَهُنا مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا نُقِرَ﴾ لِلسَّبَبِ كَأنَّهُ قالَ: ﴿ودَعْ أذاهُمْ﴾ [ الأحْزابِ: ٤٨] فَبَيْنَ أيْدِيهِمْ يَوْمٌ عَسِيرٌ يَلْقَوْنَ فِيهِ عاقِبَةَ أذاهم، وتَلْقى أنْتَ عاقِبَةَ صَبْرِكَ عَلَيْهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ الوَقْتَ الَّذِي يُنْقَرُ في النّاقُورِ، أهُوَ النَّفْخَةُ الأُولى أمِ النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ ؟
فالقَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ هو النَّفْخَةُ الأُولى، قالَ الحَلِيمِيُّ في كِتابِ المِنهاجِ: أنَّهُ تَعالى سَمّى الصُّورَ بِاسْمَيْنِ؛ أحَدُهُما الصُّورُ، والآخَرُ النّاقُورُ، وقَوْلُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ النّاقُورَ هو الصُّورُ، ثُمَّ لا شَكَّ أنَّ الصُّورَ وإنْ كانَ هو الَّذِي يُنْفَخُ فِيهِ النَّفْخَتانِ مَعًا، فَإنَّ نَفْخَةَ الإصْعاقِ تُخالِفُ نَفْخَةَ الإحْياءِ، وجاءَ في الأخْبارِ: أنَّ في الصُّورِ ثُقُبًا بِعَدَدِ الأرْواحِ كُلِّها، وأنَّها تُجْمَعُ في تِلْكَ الثُّقُبِ في النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ، فَيَخْرُجُ عِنْدَ النَّفْخِ مِن كُلِّ ثُقْبَةٍ رُوحٌ إلى الجَسَدِ الَّذِي نُزِعَ مِنهُ فَيَعُودُ الجَسَدُ حَيًّا بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الصُّورُ مُحْتَوِيًا عَلى آلَتَيْنِ يُنْقَرُ في إحْداهُما ويُنْفَخُ في الأُخْرى، فَإذا نُفِخَ فِيهِ لِلْإصْعاقِ جُمِعَ بَيْنَ النَّقْرِ والنَّفْخِ، لِتَكُونَ الصَّيْحَةُ أهَدَّ وأعْظَمَ، وإذا نُفِخَ فِيهِ لِلْإحْياءِ لَمْ يُنْقَرْ فِيهِ، واقْتُصِرَ عَلى النَّفْخِ، لِأنَّ المُرادَ إرْسالُ الأرْواحِ مِن ثُقُبِ الصُّورِ إلى أجْسادِها، لا تَنْقِيرُها مِن أجْسادِها، والنَّفْخَةُ الأُولى لِلتَّنْقِيرِ، وهو نَظِيرُ صَوْتِ الرَّعْدِ، فَإنَّهُ إذا اشْتَدَّ فَرُبَّما ماتَ سامِعُهُ، والصَّيْحَةُ الشَّدِيدَةُ الَّتِي يَصِيحُها رَجُلٌ بِصَبِيٍّ فَيَفْزَعُ مِنهُ فَيَمُوتُ، هَذا آخَرُ كَلامِ الحَلِيمِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ، ولِي فِيهِ إشْكالٌ، وهو أنَّ هَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ النَّقْرُ إنَّما يَحْصُلُ عِنْدَ صَيْحَةِ الإصْعاقِ، وذَلِكَ اليَوْمُ غَيْرُ شَدِيدٍ
صفحة ١٧٤
عَلى الكافِرِينَ، لِأنَّهم يَمُوتُونَ في تِلْكَ السّاعَةِ، إنَّما اليَوْمُ الشَّدِيدُ عَلى الكافِرِينَ عِنْدَ صَيْحَةِ الإحْياءِ، ولِذَلِكَ يَقُولُونَ: يا لَيْتَها كانَتِ القاضِيَةَ، أيْ: يا لَيْتَنا بَقِينا عَلى المَوْتَةِ الأُولى.
والقَوْلُ الثّانِي: إنَّهُ النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ، وذَلِكَ لِأنَّ النّاقُورَ هو الَّذِي يُنْقَرُ فِيهِ، أيْ يُنْكَتُ، فَيَجُوزُ أنَّهُ إذا أُرِيدَ أنْ يُنْفَخَ في المَرَّةِ الثّانِيَةِ، نُقِرَ أوَّلًا، فَسُمِّيَ ناقُورًا لِهَذا المَعْنى، وأقُولُ: في هَذا اللَّفْظِ بَحْثٌ، وهو أنَّ النّاقُورَ فاعُولٌ مِنَ النَّقْرِ، كالهاضُومِ ما يُهْضَمُ بِهِ، والحاطُومُ ما يُحْطَمُ بِهِ، فَكانَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ النّاقُورُ ما يُنْقَرُ بِهِ لا ما يُنْقَرُ فِيهِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: العامِلُ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا نُقِرَ﴾ هو المَعْنى الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ والتَّقْدِيرُ: إذا نُقِرَ في النّاقُورِ عَسُرَ الأمْرُ وصَعُبَ.
74:9–10Page 575
فَذَٰلِكَ يَوۡمَئِذٖ يَوۡمٌ عَسِيرٌ ٩
That Day will be a difficult day
عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ غَيۡرُ يَسِيرٖ ١٠
For the disbelievers - not easy.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ ﴿عَلى الكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ ”فَذَلِكَ“ إشارَةٌ إلى اليَوْمِ الَّذِي يُنْقَرُ فِيهِ في النّاقُورِ، والتَّقْدِيرُ: فَذَلِكَ اليَوْمُ ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾، وأمّا ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ تَفْسِيرًا لِقَوْلِهِ ﴿فَذَلِكَ﴾؛ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿فَذَلِكَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى النَّقْرِ، وأنْ يَكُونَ إشارَةً إلى اليَوْمِ المُضافِ إلى النَّقْرِ، فَكَأنَّهُ قالَ: ﴿فَذَلِكَ﴾ أعْنِي اليَوْمَ المُضافَ إلى النَّقْرِ ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ فَيَكُونُ ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ في مَحَلِّ النَّصْبِ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ مَرْفُوعَ المَحَلِّ بَدَلًا مِن ذَلِكَ، و﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ خَبَرٌ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: فَيَوْمُ النَّقْرِ ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ فَعَلى هَذا ”يَوْمَئِذٍ“ في مَحَلِّ الرَّفْعِ؛ لِكَوْنِهِ بَدَلًا مِن ”ذَلِكَ“، إلّا أنَّهُ لَمّا أُضِيفَ اليَوْمُ إلى ”إذْ“ وهو غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ - بُنِيَ عَلى الفَتْحِ.
الثّالِثُ: أنَّ تَقْدِيرَ الآيَةِ: فَذَلِكَ النَّقْرُ يَوْمَئِذٍ نَقْرُ يَوْمٍ عَسِيرٍ؛ عَلى أنْ يَكُونَ العامِلُ في ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ هو النَّقْرُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: عَسُرَ ذَلِكَ اليَوْمُ عَلى الكافِرِينَ لِأنَّهم يُناقَشُونَ في الحِسابِ ويُعْطَوْنَ كُتُبَهم بِشَمائِلِهِمْ وتَسْوَدُّ وُجُوهُهم ويُحْشَرُونَ زُرْقًا وتَتَكَلَّمُ جَوارِحُهم فَيُفْتَضَحُونَ عَلى رُؤُوسِ الأشْهادِ، وأمّا المُؤْمِنُونَ فَإنَّهُ عَلَيْهِمْ يَسِيرٌ لِأنَّهم لا يُناقَشُونَ في الحِسابِ ويُحْشَرُونَ بِيضَ الوُجُوهِ ثِقالَ المَوازِينِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إنَّما وصَفَهُ اللَّهُ تَعالى بِالعُسْرِ لِأنَّهُ في نَفْسِهِ كَذَلِكَ لِلْجَمِيعِ مِنَ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ عَلى ما رُوِيَ أنَّ الأنْبِياءَ يَوْمَئِذٍ يَفْزَعُونَ، وأنَّ الوِلْدانَ يَشِيبُونَ إلّا أنَّهُ يَكُونُ هَوْلُ الكُفّارِ فِيهِ أشَدَّ، فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ لا يَحْسُنُ الوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ فَإنَّ المَعْنى أنَّهُ عَلى الكافِرِينَ عَسِيرٌ، وغَيْرُ يَسِيرٍ، وعَلى القَوْلِ الثّانِي يَحْسُنُ الوَقْفُ؛ لِأنَّ المَعْنى أنَّهُ في نَفْسِهِ عَسِيرٌ عَلى الكُلِّ، ثُمَّ الكافِرُ مَخْصُوصٌ فِيهِ بِزِيادَةٍ خاصَّةٍ، وهو أنَّهُ عَلَيْهِ غَيْرُ يَسِيرٍ، فَإنْ قِيلَ: فَما فائِدَةُ قَوْلِهِ: ﴿غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ وعَسِيرٌ مُغْنٍ عَنْهُ ؟
الجَوابُ: أمّا عَلى القَوْلِ الأوَّلِ: فالتَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ كَما تَقُولُ: أنا لَكَ مُحِبٌّ غَيْرُ مُبْغِضٍ ووَلِيٌّ غَيْرُ عَدُوٍّ.
وأمّا عَلى القَوْلِ الثّانِي: فَقَوْلُهُ: ﴿عَسِيرٌ﴾ يُفِيدُ أصْلَ العُسْرِ الشّامِلِ لِلْمُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ يُفِيدُ الزِّيادَةَ الَّتِي يَخْتَصُّ بِها الكافِرُ لِأنَّ العُسْرَ قَدْ يَكُونُ عُسْرًا قَلِيلًا يَسِيرًا، وقَدْ يَكُونُ عُسْرًا كَثِيرًا، فَأُثْبِتَ أصْلُ العُسْرِ لِلْكُلِّ، وأُثْبِتَ العُسْرُ بِصِفَةِ الكَثْرَةِ والقُوَّةِ لِلْكافِرِينَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا قالَ إنَّهُ غَيْرُ يَسِيرٍ عَلى الكافِرِينَ، كانَ يَسِيرًا عَلى المُؤْمِنِينَ، فَبَعْضُ مَن قالَ بِدَلِيلِ الخِطابِ قالَ: لَوْلا أنَّ دَلِيلَ الخِطابِ حُجَّةٌ وإلّا لَما فَهِمَ ابْنُ عَبّاسٍ مِن كَوْنِهِ غَيْرَ يَسِيرٍ عَلى الكافِرِ كَوْنَهُ يَسِيرًا عَلى المُؤْمِنِ.
صفحة ١٧٥
74:11–12Page 575
ذَرۡنِي وَمَنۡ خَلَقۡتُ وَحِيدٗا ١١
Leave Me with the one I created alone1
وَجَعَلۡتُ لَهُۥ مَالٗا مَّمۡدُودٗا ١٢
And to whom I granted extensive wealth
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ أجْمَعُوا عَلى أنَّ المُرادَ هَهُنا الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وفي نَصْبِ قَوْلِهِ ”وحِيدًا“ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ نُصِبَ عَلى الحالِ، ثُمَّ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الخالِقِ وأنْ يَكُونَ حالًا مِنَ المَخْلُوقِ، وكَوْنُهُ حالًا مِنَ الخالِقِ عَلى وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: ذَرْنِي وحْدِي مَعَهُ فَإنِّي كافٍ في الِانْتِقامِ مِنهُ.
والثّانِي: خَلَقْتُهُ وحْدِي لَمْ يُشْرِكْنِي في خَلْقِهِ أحَدٌ، وأمّا كَوْنُهُ حالًا مِنَ المَخْلُوقِ، فَعَلى مَعْنًى أنِّي خَلَقْتُهُ حالَ ما كانَ وحِيدًا فَرِيدًا لا مالَ لَهُ، ولا ولَدَ كَقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [ الأنْعامِ: ٩٤] .
القَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ نُصِبَ عَلى الذَّمِّ، وذَلِكَ لِأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في الوَلِيدِ وكانَ يُلَقَّبُ بِالوَحِيدِ، وكانَ يَقُولُ أنا الوَحِيدُ ابْنُ الوَحِيدِ لَيْسَ لِي في العَرَبِ نَظِيرٌ، ولا لِأبِي نَظِيرٌ. فالمُرادُ ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ﴾ أعْنِي وحِيدًا. وطَعَنَ كَثِيرٌ مِنَ المُتَأخِّرِينَ في هَذا الوَجْهِ، وقالُوا: لا يَجُوزُ أنْ يُصَدِّقَهُ اللَّهُ في دَعْواهُ أنَّهُ وحِيدٌ لا نَظِيرَ لَهُ، وهَذا السُّؤالُ ذَكَرَهُ الواحِدِيُّ وصاحِبُ الكَشّافِ، وهو ضَعِيفٌ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنّا لَمّا جَعَلْنا الوَحِيدَ اسْمَ عَلَمٍ فَقَدْ زالَ السُّؤالُ لِأنَّ اسْمَ العَلَمِ لا يُفِيدُ في المُسَمّى صِفَةً بَلْ هو قائِمٌ مَقامَ الإشارَةِ.
الثّانِي: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُحْمَلَ عَلى كَوْنِهِ وحِيدًا في ظَنِّهِ واعْتِقادِهِ ؟ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ [ الدُّخانِ: ٤٩] .
الثّالِثُ: أنَّ لَفْظَ الوَحِيدِ لَيْسَ فِيهِ أنَّهُ وحِيدٌ في العُلُوِّ والشَّرَفِ، بَلْ هو كانَ يَدَّعِي لِنَفْسِهِ أنَّهُ وحِيدٌ في هَذِهِ الأُمُورِ. فَيُمْكِنُ أنْ يُقالَ: أنْتَ وحِيدٌ لَكِنَّ في الكُفْرِ والخُبْثِ والدَّناءَةِ.
القَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ وحِيدًا مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ ”خَلَقَ“، قالَ أبُو سَعِيدٍ الضَّرِيرُ: الوَحِيدُ الَّذِي لا أبَ لَهُ، وهو إشارَةٌ إلى الطَّعْنِ في نَسَبِهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ [ القَلَمِ: ١٣] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُودًا﴾
فِي تَفْسِيرِ المالِ المَمْدُودِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: المالُ الَّذِي يَكُونُ لَهُ مَدَدٌ يَأْتِي مِنَ الجُزْءِ بَعْدَ الجُزْءِ عَلى الدَّوامِ، فَلِذَلِكَ فَسَّرَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ بِغَلَّةِ شَهْرٍ شَهْرٍ.
وثانِيها: أنَّهُ المالُ الَّذِي يُمَدُّ بِالزِّيادَةِ، كالضَّرْعِ والزَّرْعِ وأنْواعِ التِّجاراتِ.
وثالِثُها: أنَّهُ المالُ الَّذِي امْتَدَّ مَكانُهُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ مالُهُ مَمْدُودًا ما بَيْنَ مَكَّةَ إلى الطّائِفِ [ مِنَ ] الإبِلِ والخَيْلِ والغَنَمِ والبَساتِينِ الكَثِيرَةِ بِالطّائِفِ والأشْجارِ والأنْهارِ والنَّقْدِ الكَثِيرِ، وقالَ مُقاتِلٌ: كانَ لَهُ بُسْتانٌ لا يَنْقَطِعُ نَفْعُهُ شِتاءً ولا صَيْفًا، فالمَمْدُودُ هُنا كَما في قَوْلِهِ: ﴿وظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [ الواقِعَةِ: ٣٠] أيْ لا يَنْقَطِعُ.
ورابِعُها: أنَّهُ المالُ الكَثِيرُ، وذَلِكَ لِأنَّ المالَ الكَثِيرَ إذا عُدِّدَ فَإنَّهُ يَمْتَدُّ تَعْدِيدُهُ، ومِنَ المُفَسِّرِينَ مِن قَدَّرَ المالَ المَمْدُودَ، فَقالَ بَعْضُهم: ألْفُ دِينارٍ، وقالَ آخَرُونَ: أرْبَعَةُ آلافٍ، وقالَ آخَرُونَ: ألْفُ ألْفٍ، وهَذِهِ التَّحَكُّماتُ مِمّا لا يَمِيلُ إلَيْها الطَّبْعُ السَّلِيمُ.
74:13–16Page 575
وَبَنِينَ شُهُودٗا ١٣
And children present [with him]
وَمَهَّدتُّ لَهُۥ تَمۡهِيدٗا ١٤
And spread [everything] before him, easing [his life].
ثُمَّ يَطۡمَعُ أَنۡ أَزِيدَ ١٥
Then he desires that I should add more.
كـَلَّآۖ إِنَّهُۥ كَانَ لِأٓيَٰتِنَا عَنِيدٗا ١٦
No! Indeed, he has been toward Our verses obstinate.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وبَنِينَ شُهُودًا﴾ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: بَنِينَ حُضُورًا مَعَهُ بِمَكَّةَ لا يُفارِقُونَهُ البَتَّةَ؛ لِأنَّهم كانُوا أغْنِياءَ، فَما كانُوا مُحْتاجِينَ إلى مُفارَقَتِهِ لِطَلَبِ كَسْبٍ ومَعِيشَةٍ، وكانَ هو مُسْتَأْنِسًا بِهِمْ طَيِّبَ القَلْبِ بِسَبَبِ حُضُورِهِمْ.
والثّانِي: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن كَوْنِهِمْ شُهُودًا أنَّهم رِجالٌ يَشْهَدُونَ مَعَهُ المَجامِعَ والمَحافِلَ، وعَنْ مُجاهِدٍ: كانُوا عَشَرَةً، وقِيلَ: سَبْعَةٌ كُلُّهم رِجالٌ: الوَلِيدُ بْنُ الوَلِيدِ، وخالِدٌ، وعِمارَةُ، وهِشامٌ، والعاصُ، وقَيْسٌ، وعَبْدُ
صفحة ١٧٦
شَمْسٍ، أسْلَمَ مِنهم ثَلاثَةٌ: خالِدٌ، وعِمارَةُ، وهِشامٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ أيْ: وبَسَطْتُ لَهُ الجاهَ العَرِيضَ والرِّياسَةَ في قَوْمِهِ، فَأتْمَمْتُ عَلَيْهِ نِعْمَتَيِ المالِ والجاهِ، واجْتِماعُهُما هو الكَمالُ عِنْدَ أهْلِ الدُّنْيا، ولِهَذا المَعْنى يُدْعى بِهَذا، فَيُقالُ: أدامَ اللَّهُ تَمْهِيدَهُ، أيْ: بَسْطَتَهُ وتَصَرُّفَهُ في الأُمُورِ، ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن جَعَلَ هَذا التَّمْهِيدَ البَسْطَةَ في العَيْشِ وطُولَ العُمُرِ، وكانَ الوَلِيدُ مِن أكابِرِ قُرَيْشٍ، ولِذَلِكَ لُقِّبَ الوَحِيدَ ورَيْحانَةَ قُرَيْشٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أزِيدَ﴾ لَفْظُ ”ثُمَّ“ هَهُنا مَعْناهُ التَّعَجُّبُ كَما تَقُولُ لِصاحِبِكَ: أنْزَلْتُكَ دارِي وأطْعَمْتُكَ وأسْقَيْتُكَ ثُمَّ أنْتَ تَشْتُمُنِي، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [ الأنْعامِ: ١] فَمَعْنى ”ثُمَّ“ هَهُنا لِلْإنْكارِ والتَّعَجُّبِ، ثُمَّ تِلْكَ الزِّيادَةُ الَّتِي كانَ يَطْمَعُ فِيها هَلْ هي زِيادَةٌ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ ؟ فِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: قالَ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: ثُمَّ يَرْجُو أنْ أزِيدَ في مالِهِ ووَلَدِهِ وقَدْ كَفَرَ بِي.
الثّانِي: أنَّ تِلْكَ الزِّيادَةَ في الآخِرَةِ، قِيلَ: إنَّهُ كانَ يَقُولُ: إنْ كانَ مُحَمَّدٌ صادِقًا فَما خُلِقَتِ الجَنَّةُ إلّا لِي، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا ووَلَدًا﴾ [ مَرْيَمَ: ٧٧]
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كَلّا﴾ وهو رَدْعٌ لَهُ عَنْ ذَلِكَ الطَّمَعِ الفاسِدِ، قالَ المُفَسِّرُونَ: ولَمْ يَزَلِ الوَلِيدُ في نُقْصانَ بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿كَلّا﴾ حَتّى افْتَقَرَ وماتَ فَقِيرًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيدًا﴾ إنَّهُ تَعْلِيلٌ لِلرَّدْعِ عَلى وجْهِ الِاسْتِئْنافِ؛ كَأنَّ قائِلًا قالَ: لِمَ لا يُزادُ ؟ فَقِيلَ: لِأنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيدًا. والعَنِيدُ في مَعْنى المُعانِدِ كالجَلِيسِ والأكِيلِ والعَشِيرِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ إشارَةٌ إلى أُمُورٍ كَثِيرَةٍ مِن صِفاتِهِ:
أحَدُها: أنَّهُ كانَ مُعانِدًا في جَمِيعِ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى التَّوْحِيدِ والعَدْلِ والقُدْرَةِ وصِحَّةِ النُّبُوَّةِ وصِحَّةِ البَعْثِ، وكانَ هو مُنازِعًا في الكُلِّ مُنْكِرًا لِلْكُلِّ.
وثانِيها: أنَّ كُفْرَهُ كانَ كُفْرَ عِنادٍ كانَ يَعْرِفُ هَذِهِ الأشْياءَ بِقَلْبِهِ إلّا أنَّهُ كانَ يُنْكِرُها بِلِسانِهِ، وكُفْرُ المُعانِدِ أفْحَشُ أنْواعِ الكُفْرِ.
وثالِثُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيدًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مِن قَدِيمِ الزَّمانِ كانَ عَلى هَذِهِ الحِرْفَةِ والصَّنْعَةِ.
ورابِعُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيدًا﴾ يُفِيدُ أنَّ تِلْكَ المُعانَدَةَ كانَتْ مِنهُ مُخْتَصَّةً بِآياتِ اللَّهِ تَعالى وبَيِّناتِهِ، فَإنَّ تَقْدِيرَهُ: إنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيدًا لا لِآياتِ غَيْرِنا، فَتَخْصِيصُهُ هَذا العِنادَ بِآياتِ اللَّهِ مَعَ كَوْنِهِ تارِكًا لِلْعِنادِ في سائِرِ الأشْياءِ يَدُلُّ عَلى غايَةِ الخُسْرانِ.
74:17–21Page 575
سَأُرۡهِقُهُۥ صَعُودًا ١٧
I will cover him with arduous torment.
إِنَّهُۥ فَكَّرَ وَقَدَّرَ ١٨
Indeed, he thought and deliberated.1
فَقُتِلَ كَيۡفَ قَدَّرَ ١٩
So may he be destroyed [for] how he deliberated.
ثُمَّ قُتِلَ كَيۡفَ قَدَّرَ ٢٠
Then may he be destroyed [for] how he deliberated.
ثُمَّ نَظَرَ ٢١
Then he considered [again];
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ أيْ سَأُكَلِّفُهُ صَعُودًا، وفي الصَّعُودِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ مَثَلٌ لِما يَلْقى مِنَ العَذابِ الشّاقِّ الصَّعْبِ الَّذِي لا يُطاقُ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿يَسْلُكْهُ عَذابًا صَعَدًا﴾ [ الجِنِّ: ١٧] وصَعُودٌ مِن قَوْلِهِمْ: عَقَبَةٌ صَعُودٌ وكَدُودٌ شاقَّةُ المَصْعَدِ.
والثّانِي: أنَّ صَعُودًا اسْمٌ لِعَقَبَةٍ في النّارِ كُلَّما وضَعَ يَدَهُ عَلَيْها ذابَتْ فَإذا رَفَعَها عادَتْ وإذا وضَعَ رِجْلَهُ ذابَتْ وإذا رَفَعَها عادَتْ، وعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«الصَّعُودُ جَبَلٌ مِن نارٍ يُصَّعَّدُ فِيهِ سَبْعِينَ خَرِيفًا ثُمَّ يَهْوِي كَذَلِكَ فِيهِ أبَدًا» “ .
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكى كَيْفِيَّةَ عِنادِهِ فَقالَ: ﴿إنَّهُ فَكَّرَ وقَدَّرَ﴾
يُقالُ: فَكَّرَ في الأمْرِ وتَفَكَّرَ إذا نَظَرَ فِيهِ وتَدَبَّرَ، ثُمَّ لَمّا تَفَكَّرَ رَتَّبَ في قَلْبِهِ كَلامًا وهَيَّأهُ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وقَدَّرَ﴾ .
صفحة ١٧٧
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ وهَذا إنَّما يُذْكَرُ عِنْدَ التَّعَجُّبِ والِاسْتِعْظامِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهم: قَتَلَهُ اللَّهُ ما أشْجَعَهُ، وأخْزاهُ اللَّهُ ما أشْعَرَهُ، ومَعْناهُ أنَّهُ قَدْ بَلَغَ المَبْلَغَ الَّذِي هو حَقِيقٌ بِأنْ يُحْسَدَ ويَدْعُوَ عَلَيْهِ حاسِدُهُ بِذَلِكَ، وإذا عَرَفْتَ ذَلِكَ فَنَقُولُ: إنَّهُ يَحْتَمِلُ هَهُنا وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ تَعْجِيبٌ مِن قُوَّةِ خاطِرِهِ، يَعْنِي أنَّهُ لا يُمْكِنُ القَدْحُ في أمْرِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ بِشُبْهَةٍ أعْظَمَ ولا أقْوى مِمّا ذَكَرَهُ هَذا القائِلُ.
والثّانِي: الثَّناءُ عَلَيْهِ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِهْزاءِ، يَعْنِي أنَّ هَذا الَّذِي ذَكَرَهُ في غايَةِ الرَّكاكَةِ والسُّقُوطِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ والمَقْصُودُ مِن كَلِمَةِ ”ثُمَّ“ هَهُنا الدَّلالَةُ عَلى أنَّ الدُّعاءَ عَلَيْهِ في الكَرَّةِ الثّانِيَةِ أبْلَغُ مِنَ الأُولى.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ والمَعْنى أنَّهُ أوَّلًا فَكَّرَ، وثانِيًا قَدَّرَ، وثالِثًا نَظَرَ في ذَلِكَ المُقَدَّرِ، فالنَّظَرُ السّابِقُ لِلِاسْتِخْراجِ، والنَّظَرُ اللّاحِقُ لِلتَّقْدِيرِ، وهَذا هو الِاحْتِياطُ. فَهَذِهِ المَراتِبُ الثَّلاثَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِأحْوالِ قَلْبِهِ.
74:22–24Page 576
ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ٢٢
Then he frowned and scowled;
ثُمَّ أَدۡبَرَ وَٱسۡتَكۡبَرَ ٢٣
Then he turned back and was arrogant
فَقَالَ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ يُؤۡثَرُ ٢٤
And said, "This is not but magic imitated [from others].
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى وصَفَ بَعْدَ ذَلِكَ أحْوالَ وجْهِهِ، فَقالَ: ﴿ثُمَّ عَبَسَ وبَسَرَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿عَبَسَ وبَسَرَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ عارِفًا في قَلْبِهِ صِدْقَ مُحَمَّدٍ ﷺ إلّا أنَّهُ كانَ يَكْفُرُ بِهِ عِنادًا، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ بَعْدَ أنْ تَفَكَّرَ وتَأمَّلَ قَدَّرَ في نَفْسِهِ كَلامًا عَزَمَ عَلى أنَّهُ يُظْهِرُهُ فَظَهَرَتِ العَبُوسِيَّةُ في وجْهِهِ، ولَوْ كانَ مُعْتَقِدًا صِحَّةَ ذَلِكَ الكَلامِ لَفَرِحَ بِاسْتِنْباطِهِ وإدْراكِهِ، ولَكِنَّهُ لَمّا لَمْ يَفْرَحْ بِهِ عَلِمْنا أنَّهُ كانَ يَعْلَمُ ضَعْفَ تِلْكَ الشُّبْهَةِ، إلّا أنَّهُ لِشِدَّةِ عِنادِهِ ما كانَ يَجِدُ شُبْهَةً أجْوَدَ مِن تِلْكَ الشُّبْهَةِ، فَلِهَذا السَّبَبِ ظَهَرَتِ العُبُوسَةُ في وجْهِهِ.
الثّانِي: ما «رُوِيَ أنَّ الوَلِيدَ مَرَّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو يَقْرَأُ حم السَّجْدَةَ فَلَمّا وصَلَ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَقُلْ أنْذَرْتُكم صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ﴾ [ فُصِّلَتْ: ١٣] أنْشَدَهُ الوَلِيدُ بِاللَّهِ وبِالرَّحِمِ أنْ يَسْكُتَ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ يَعْلَمُ أنَّهُ مَقْبُولُ الدُّعاءِ صادِقُ اللَّهْجَةِ، ولَمّا رَجَعَ الوَلِيدُ قالَ لَهم: واللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ مِن مُحَمَّدٍ آنِفًا كَلامًا ما هو مِن كَلامِ الإنْسِ ولا مِن كَلامِ الجِنِّ، إنَّ لَهُ لَحَلاوَةً، وإنَّ عَلَيْهِ لَطَلاوَةً، وإنَّهُ لَيَعْلُو وما يُعْلى عَلَيْهِ، فَقالَتْ قُرَيْشٌ: صَبَأ الوَلِيدُ ولَوْ صَبَأ لَتَصْبَأنَّ قُرَيْشٌ كُلُّها. فَقالَ أبُو جَهْلٍ: أنا أكْفِيكُمُوهُ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِ مَحْزُونًا فَقالَ: ما لَكَ يا ابْنَ الأخِ ؟ فَقالَ: إنَّكَ قَدْ صَبَوْتَ لِتُصِيبَ مِن طَعامِ مُحَمَّدٍ وأصْحابِهِ، وهَذِهِ قُرَيْشٌ تَجْمَعُ لَكَ مالًا لِيَكُونَ ذَلِكَ عِوَضًا مِمّا تَقْدِرُ أنْ تَأْخُذَ مِن أصْحابِ مُحَمَّدٍ، فَقالَ: واللَّهِ ما يَشْبَعُونَ فَكَيْفَ أقْدِرُ أنْ آخُذَ مِنهم مالًا، ولَكِنِّي تَفَكَّرْتُ في أمْرِهِ كَثِيرًا فَلَمْ أجِدْ شَيْئًا يَلِيقُ بِهِ إلّا أنَّهُ ساحِرٌ»، فَأقُولُ: اسْتِعْظامُهُ لِلْقُرْآنِ واعْتِرافُهُ بِأنَّهُ لَيْسَ مِن كَلامِ الجِنِّ والإنْسِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ في ادِّعاءِ السِّحْرِ مُعانِدًا؛ لِأنَّ السِّحْرَ يَتَعَلَّقُ بِالجِنِّ.
والثّالِثُ: أنَّهُ كانَ يَعْلَمُ أنَّ أمْرَ السِّحْرِ مَبْنِيٌّ عَلى الكُفْرِ بِاللَّهِ والأفْعالِ المُنْكَرَةِ، وكانَ مِنَ الظّاهِرِ أنَّ مُحَمَّدًا لا يَدْعُو إلّا إلى اللَّهِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِهِ السِّحْرُ ؟ فَثَبَتَ بِمَجْمُوعِ هَذِهِ الوُجُوهِ أنَّهُ إنَّما ﴿عَبَسَ وبَسَرَ﴾ لِأنَّهُ كانَ يَعْلَمُ أنَّ الَّذِي يَقُولُهُ كَذِبٌ وبُهْتانٌ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ اللَّيْثُ: عَبَسَ يَعْبَسُ فَهو عابِسٌ إذا قَطَبَ ما بَيْنَ عَيْنَيْهِ، فَإنْ أبْدى عَنْ أسْنانِهِ في عُبُوسِهِ قِيلَ: كَلَحَ، فَإنِ اهْتَمَّ لِذَلِكَ وفَكَّرَ فِيهِ قِيلَ: بَسَرَ، فَإنْ غَضِبَ مَعَ ذَلِكَ قِيلَ: بَسَلَ.
صفحة ١٧٨
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أدْبَرَ واسْتَكْبَرَ﴾ ﴿فَقالَ إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ أدْبَرَ عَنْ سائِرِ النّاسِ إلى أهْلِهِ، واسْتَكْبَرَ أيْ تَعَظَّمَ عَنِ الإيمانِ فَقالَ: ﴿إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ وإنَّما ذَكَرَهُ بِفاءِ التَّعْقِيبِ؛ لِيُعْلَمَ أنَّهُ لَمّا ولّى واسْتَكْبَرَ ذَكَرَ هَذِهِ الشُّبْهَةَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿يُؤْثَرُ﴾ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ مِن قَوْلِهِمْ أثَرْتُ الحَدِيثَ آثَرَهُ أثَرًا إذا حَدَّثْتَ بِهِ عَنْ قَوْمٍ في آثارِهِمْ، أيْ بَعْدَما ماتُوا، هَذا هو الأصْلُ، ثُمَّ صارَ بِمَعْنى الرِّوايَةِ عَمَّنْ كانَ.
والثّانِي: يُؤْثَرُ عَلى جَمِيعِ السِّحْرِ، وعَلى هَذا يَكُونُ هو مِنَ الإيثارِ.
74:25–29Page 576
إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا قَوۡلُ ٱلۡبَشَرِ ٢٥
This is not but the word of a human being."
سَأُصۡلِيهِ سَقَرَ ٢٦
I will drive him into Saqar.1
وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا سَقَرُ ٢٧
And what can make you know what is Saqar?
لَا تُبۡقِي وَلَا تَذَرُ ٢٨
It lets nothing remain and leaves nothing [unburned],
لَوَّاحَةٞ لِّلۡبَشَرِ ٢٩
Altering [i.e., blackening] the skins.
ثُمَّ قالَ: ﴿إنْ هَذا إلّا قَوْلُ البَشَرِ﴾ والمَعْنى أنَّ هَذا قَوْلُ البَشَرِ، يُنْسَبُ ذَلِكَ إلى أنَّهُ مُلْتَقَطٌ مِن كَلامِ غَيْرِهِ، ولَوْ كانَ الأمْرُ كَما قالَ لَتَمَكَّنُوا مِن مُعارَضَتِهِ، إذْ طَرِيقَتُهم في مَعْرِفَةِ اللُّغَةِ مُتَقارِبَةٌ.
واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الوَلِيدَ إنَّما كانَ يَقُولُ هَذا الكَلامَ عِنادًا مِنهُ، لِأنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ «أنَّهُ لَمّا سَمِعَ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ”حم السَّجْدَةَ“ وخَرَجَ مِن عِنْدِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَ: سَمِعْتُ مِن مُحَمَّدٍ كَلامًا لَيْسَ مِن كَلامِ الإنْسِ ولا مِن كَلامِ الجِنِّ، وإنَّ لَهُ لَحَلاوَةً وإنَّ عَلَيْهِ لَطَلاوَةً وأنَّهُ يَعْلُو ولا يُعْلى عَلَيْهِ»، فَلَمّا أقَرَّ بِذَلِكَ في أوَّلِ الأمْرِ عَلِمْنا أنَّ الَّذِي قالَهُ هَهُنا مِن أنَّهُ قَوْلُ البَشَرِ - إنَّما ذَكَرَهُ عَلى سَبِيلِ العِنادِ والتَّمَرُّدِ لا عَلى سَبِيلِ الِاعْتِقادِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿سَقَرَ﴾ اسْمٌ لِلطَّبَقَةِ السّادِسَةِ مِن جَهَنَّمَ، ولِذَلِكَ لا يَنْصَرِفُ لِلتَّعْرِيفِ والتَّأْنِيثِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وما أدْراكَ ما سَقَرُ﴾ والغَرَضُ التَّهْوِيلُ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿لا تُبْقِي ولا تَذَرُ﴾ واخْتَلَفُوا فَمِنهم مَن قالَ: هُما لَفْظانِ مُتَرادِفانِ مَعْناهُما واحِدٌ، والغَرَضُ مِنَ التَّكْرِيرِ التَّأْكِيدُ والمُبالَغَةُ؛ كَما يُقالُ: صَدَّ عَنِّي وأعْرَضَ عَنِّي. ومِنهم مَن قالَ: لا بُدَّ مِنَ الفَرْقِ، ثُمَّ ذَكَرُوا وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّها لا تُبْقِي مِنَ الدَّمِ واللَّحْمِ والعَظْمِ شَيْئًا، فَإذا أُعِيدُوا خَلْقًا جَدِيدًا ﴿ولا تَذَرُ﴾ أنْ تُعاوِدَ إحْراقَهم بِأشَدَّ مِمّا كانَتْ، وهَكَذا أبَدًا، وهَذا رِوايَةُ عَطاءٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وثانِيها: لا تُبْقِي أحَدًا مِنَ المُسْتَحِقِّينَ لِلْعَذابِ إلّا عَذَّبَتْهم، ثُمَّ لا تَذَرُ مِن أبْدانِ أُولَئِكَ المُعَذَّبِينَ شَيْئًا إلّا أحْرَقَتْهُ.
وثالِثُها: لا تُبْقِي مِن أبْدانِ المُعَذَّبِينَ شَيْئًا، ثُمَّ إنَّ تِلْكَ النِّيرانَ لا تَذَرُ مِن قُوَّتِها وشِدَّتِها شَيْئًا إلّا وتَسْتَعْمِلُ تِلْكَ القُوَّةَ والشِّدَّةَ في تَعْذِيبِهِمْ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: في اللَّوّاحَةِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: قالَ اللَّيْثُ: لاحَهُ العَطَشُ ولَوَّحَهُ إذا غَيَّرَهُ، فاللَّوّاحَةُ هي المُغَيِّرَةُ. قالَ الفَرّاءُ: تُسَوِّدُ البَشَرَةَ بِإحْراقِها.
والقَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ الحَسَنِ والأصَمِّ: أنَّ مَعْنى اللَّوّاحَةِ أنَّها تَلُوحُ لِلْبَشَرِ مِن مَسِيرَةِ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِمَن يَرى﴾ [ النّازِعاتِ: ٣٦] ولَوّاحَةٌ عَلى هَذا القَوْلِ: مِن لاحَ الشَّيْءُ يَلُوحُ إذا لَمَعَ نَحْوَ البَرْقِ، وطَعَنَ القائِلُونَ بِهَذا الوَجْهِ في الوَجْهِ الأوَّلِ، وقالُوا: إنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَصِفَها بِتَسْوِيدِ البَشَرَةِ مَعَ قَوْلِهِ إنَّها: ﴿لا تُبْقِي ولا تَذَرُ﴾
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ: ”لَوّاحَةً“ نَصْبًا عَلى الِاخْتِصاصِ لِلتَّهْوِيلِ.
صفحة ١٧٩
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences