Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Al-Muddaththir 74:38–56
74:38–41Page 576
كُلُّ نَفۡسِۭ بِمَا كَسَبَتۡ رَهِينَةٌ ٣٨
Every soul, for what it has earned, will be retained1
إِلَّآ أَصۡحَٰبَ ٱلۡيَمِينِ ٣٩
Except the companions of the right,1.
فِي جَنَّٰتٖ يَتَسَآءَلُونَ ٤٠
[Who will be] in gardens, questioning each other
عَنِ ٱلۡمُجۡرِمِينَ ٤١
About the criminals,
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ ﴿إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: رَهِينَةٌ لَيْسَتْ بِتَأْنِيثِ رَهِينٍ في قَوْلِهِ: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [ الطُّورِ: ٢١] لِتَأْنِيثِ النَّفْسِ؛ لِأنَّهُ لَوْ قُصِدَتِ الصِّيغَةُ لَقِيلَ: رَهِينٌ، لِأنَّ فَعِيلًا بِمَعْنى مَفْعُولٍ يَسْتَوِي فِيهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ، وإنَّما هي اسْمٌ بِمَعْنى الرَّهْنِ كالشَّتِيمَةِ بِمَعْنى الشَّتْمِ، كَأنَّهُ قِيلَ: كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهْنٌ، ومِنهُ بَيْتُ الحَماسَةِ:
أبَعْدَ الَّذِي بِالنَّعْفِ نَعْفِ كَواكِبِ رَهِينَةَ رَمْسٍ ذِي تُرابٍ وجَنْدَلِ
كَأنَّهُ قالَ: رَهْنٌ رَمْسٌ، والمَعْنى: كُلُّ نَفْسٍ رَهْنٌ بِكَسْبِها عِنْدَ اللَّهِ، غَيْرُ مَفْكُوكٍ إلّا أصْحابَ اليَمِينِ، فَإنَّهم فَكُّوا عَنْ رِقابِ أنْفُسِهِمْ بِسَبَبِ أعْمالِهِمُ الحَسَنَةِ، كَما يُخَلِّصُ الرّاهِنُ رَهْنَهُ بِأداءِ الحَقِّ، ثُمَّ ذَكَرُوا وُجُوهًا في أنَّ أصْحابَ اليَمِينِ مَن هم ؟:
أحَدُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُمُ المُؤْمِنُونَ.
وثانِيها: قالَ الكَلْبِيُّ: هُمُ الَّذِينَ قالَ فِيهِمُ اللَّهُ تَعالى: ”هَؤُلاءِ في الجَنَّةِ ولا أُبالِي“ وهُمُ الَّذِينَ كانُوا عَلى يَمِينِ آدَمَ.
وثالِثُها: قالَ مُقاتِلٌ: هُمُ الَّذِينَ أُعْطُوا كُتُبَهم بِأيْمانِهِمْ لا يُرْتَهَنُونَ بِذُنُوبِهِمْ في النّارِ.
ورابِعُها: قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وابْنُ عُمَرَ: هم أطْفالُ المُسْلِمِينَ، قالَ الفَرّاءُ: وهو أشْبَهُ بِالصَّوابِ لِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: لِأنَّ الوِلْدانَ لَمْ يَكْتَسِبُوا إثْمًا يَرْتَهِنُونَ بِهِ.
والثّانِي: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في وصْفِهِمْ، فَقالَ: ﴿فِي جَنّاتٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿عَنِ المُجْرِمِينَ﴾ ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ وهَذا إنَّما يَلِيقُ بِالوِلْدانِ، لِأنَّهم لَمْ يَعْرِفُوا الذُّنُوبَ، فَسَألُوا ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ .
وخامِسُها: عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: هُمُ المَلائِكَةُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي جَنّاتٍ﴾ أيْ هم في جَنّاتٍ لا يُكْتَنَهُ وصْفُها.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يَتَساءَلُونَ عَنِ المُجْرِمِينَ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنْ تَكُونَ كَلِمَةُ ”عَنْ“ صِلَةً زائِدَةً، والتَّقْدِيرُ: يَتَساءَلُونَ المُجْرِمِينَ فَيَقُولُونَ لَهم: ما سَلَكَكم في سَقَرَ ؟ فَإنَّهُ يُقالُ سَألْتُهُ كَذا، ويُقالُ: سَألْتُهُ عَنْ كَذا.
الثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ أصْحابَ اليَمِينِ يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا عَنْ أحْوالِ المُجْرِمِينَ، فَإنْ قِيلَ: فَعَلى هَذا الوَجْهِ كانَ يَجِبُ أنْ يَقُولُوا: ما سَلَكَهم في سَقَرَ ؟ قُلْنا: أجابَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ عَنْهُ، فَقالَ: المُرادُ مِن هَذا أنَّ المَسْؤُولِينَ يُلْقُونَ إلى السّائِلِينَ ما جَرى بَيْنَهم وبَيْنَ المُجْرِمِينَ، فَيَقُولُونَ: قُلْنا لَهم: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ أصْحابَ اليَمِينِ كانُوا يَتَساءَلُونَ عَنِ المُجْرِمِينَ أيْنَ هم ؟ فَلَمّا رَأوْهم قالُوا لَهم: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ والإضْماراتُ كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ.
74:42–49Page 576
مَا سَلَكَكُمۡ فِي سَقَرَ ٤٢
[And asking them], "What put you into Saqar?"
قَالُواْ لَمۡ نَكُ مِنَ ٱلۡمُصَلِّينَ ٤٣
They will say, "We were not of those who prayed,
وَلَمۡ نَكُ نُطۡعِمُ ٱلۡمِسۡكِينَ ٤٤
Nor did we used to feed the poor.
وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ ٱلۡخَآئِضِينَ ٤٥
And we used to enter into vain discourse with those who engaged [in it],
وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوۡمِ ٱلدِّينِ ٤٦
And we used to deny the Day of Recompense
حَتَّىٰٓ أَتَىٰنَا ٱلۡيَقِينُ ٤٧
Until there came to us the certainty [i.e., death]."
فَمَا تَنفَعُهُمۡ شَفَٰعَةُ ٱلشَّٰفِعِينَ ٤٨
So there will not benefit them the intercession of [any] intercessors.
فَمَا لَهُمۡ عَنِ ٱلتَّذۡكِرَةِ مُعۡرِضِينَ ٤٩
Then what is [the matter] with them that they are, from the reminder, turning away
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ ﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ ﴿ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ ﴿وكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ﴾ ﴿وكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ ﴿حَتّى أتانا اليَقِينُ﴾
المَقْصُودُ مِنَ السُّؤالِ زِيادَةُ التَّوْبِيخِ والتَّخْجِيلِ، والمَعْنى: ما حَبَسَكم في هَذِهِ الدَّرَكَةِ مِنَ النّارِ ؟ فَأجابُوا بِأنَّ هَذا العَذابَ لِأُمُورٍ أرْبَعَةٍ:
أوَّلُها: ﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ .
وثانِيها: ﴿ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ وهَذانَ يَجِبُ أنْ يَكُونا مَحْمُولَيْنِ عَلى الصَّلاةِ الواجِبَةِ والزَّكاةِ الواجِبَةِ؛ لِأنَّ ما لَيْسَ بِواجِبٍ لا يَجُوزُ أنْ يُعَذَّبُوا عَلى تَرْكِهِ.
وثالِثُها: ﴿وكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ﴾ والمُرادُ مِنهُ الأباطِيلُ.
ورابِعُها: ﴿وكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ أيْ بِيَوْمِ القِيامَةِ حَتّى أتانا اليَقِينُ، أيِ المَوْتُ، قالَ تَعالى: ﴿حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ والمَعْنى: أنّا بَقِينا عَلى إنْكارِ القِيامَةِ إلى وقْتِ المَوْتِ، وظاهِرُ اللَّفْظِ يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ أحَدٍ مِن أُولَئِكَ الأقْوامِ كانَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الخِصالِ الأرْبَعَةِ، واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الكُفّارَ يُعَذَّبُونَ بِتَرْكِ فُرُوعِ الشَّرائِعِ، والِاسْتِقْصاءُ فِيهِ قَدْ ذَكَرْناهُ في المَحْصُولِ مِن أُصُولِ الفِقْهِ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ أخَّرَ التَّكْذِيبَ، وهو أفْحَشُ تِلْكَ الخِصالِ الأرْبَعَةِ ؟ قُلْنا: أُرِيدَ أنَّهم بَعْدَ اتِّصافِهِمْ بِتِلْكَ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ كانُوا مُكَذِّبِينَ بِيَوْمِ الدِّينِ، والغَرَضُ تَعْظِيمُ هَذا الذَّنْبِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [ البَلَدِ: ١٧] .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾ واحْتَجَّ أصْحابُنا عَلى ثُبُوتِ الشَّفاعَةِ لِلْفُسّاقِ بِمَفْهُومِ هَذِهِ الآيَةِ، وقالُوا: إنَّ تَخْصِيصَ هَؤُلاءِ بِأنَّهم لا تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ يَدُلُّ عَلى أنَّ غَيْرَهم تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾
أيْ عَنِ الذِّكْرِ وهو العِظَةُ يُرِيدُ القُرْآنَ أوْ غَيْرَهُ مِنَ المَواعِظِ، و”مُعْرِضِينَ“ نُصِبَ عَلى الحالِ؛ كَقَوْلِهِمْ: مالَكَ قائِمًا.
74:50–52Page 577
كَأَنَّهُمۡ حُمُرٞ مُّسۡتَنفِرَةٞ ٥٠
As if they were alarmed donkeys
فَرَّتۡ مِن قَسۡوَرَةِۭ ٥١
Fleeing from a lion?
بَلۡ يُرِيدُ كُلُّ ٱمۡرِيٕٖ مِّنۡهُمۡ أَن يُؤۡتَىٰ صُحُفٗا مُّنَشَّرَةٗ ٥٢
Rather, every person among them desires that he1 would be given scriptures spread about.2
ثُمَّ شَبَّهَهم في نُفُورِهِمْ عَنِ القُرْآنِ بِحُمُرٍ نافِرَةٍ فَقالَ: ﴿كَأنَّهم حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ الحُمُرَ الوَحْشِيَّةَ، ومُسْتَنْفِرَةٌ أيْ نافِرَةٌ. يُقالُ: نَفَرَ واسْتَنْفَرَ مِثْلُ سَخِرَ، واسْتَسْخَرَ، وعَجِبَ واسْتَعْجَبَ، وقُرِئَ بِالفَتْحِ، وهي المُنَفَّرَةُ المَحْمُولَةُ عَلى النِّفارِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: الكَسْرُ في مُسْتَنْفِرَةٍ أوْلى، ألا تَرى أنَّهُ قالَ: ﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّها هي اسْتَنْفَرَتْ، ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ ما قالَ أبُو عَلِيٍّ أنَّ مُحَمَّدَ بْنَ سَلامٍ قالَ: سَألْتُ أبا سَوّارٍ الغَنَوِيَّ، وكانَ أعْرابِيًّا فَصِيحًا، فَقُلْتُ: كَأنَّهم حُمُرٌ ماذا ؟ فَقالَ: مُسْتَنْفِرَةٌ طَرَدَها قَسْوَرَةٌ، قُلْتُ: إنَّما هو
صفحة ١٨٧
”﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾“، قالَ: أفَرَّتْ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قالَ: فَمُسْتَنْفِرَةٌ إذًا.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَرَّتْ﴾ يَعْنِي الحُمُرَ ﴿مِن قَسْوَرَةٍ﴾ .
وذَكَرُوا في القَسْوَرَةِ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّها الأسَدُ، يُقالُ: لُيُوثٌ قَساوِرُ، وهي فَعُولَةٌ مِنَ القَسْرِ وهو القَهْرُ والغَلَبَةُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يَقْهَرُ السِّباعَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الحُمُرُ الوَحْشِيَّةُ إذا عايَنَتِ الأسَدَ هَرَبَتْ، كَذَلِكَ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ إذا رَأوْا مُحَمَّدًا ﷺ هَرَبُوا مِنهُ، كَما يَهْرُبُ الحِمارُ مِنَ الأسَدِ، ثُمَّ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: القَسْوَرَةُ هي الأسَدُ بِلِسانِ الحَبَشَةِ، وخالَفَ عِكْرِمَةُ فَقالَ: الأسَدُ بِلِسانِ الحَبَشَةِ عَنْبَسَةُ.
وثانِيها: القَسْوَرَةُ جَماعَةُ الرُّماةِ الَّذِينَ يَتَصَيَّدُونَها، قالَ الأزْهَرِيُّ: هو اسْمُ جَمْعٍ لِلرُّماةِ لا واحِدَ لَهُ مِن جِنْسِهِ.
وثالِثُها: القَسْوَرَةُ رِكْزُ النّاسِ وأصْواتُهم.
ورابِعُها: أنَّها ظُلْمَةُ اللَّيْلِ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وفي تَشْبِيهِهِمْ بِالحُمُرِ شَهادَةٌ عَلَيْهِمْ بِالبَلَهِ، ولا تَرى مِثْلَ نِفارِ حَمِيرِ الوَحْشِ وإطْرادِها في العَدْوِ إذا خافَتْ مِن شَيْءٍ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ أنَّهم قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: لا نُؤْمِنُ بِكَ حَتّى تَأْتِيَ كُلَّ واحِدٍ مِنّا بِكِتابٍ مِنَ السَّماءِ عُنْوانُهُ مِن رَبِّ العالَمِينَ إلى فُلانِ بْنِ فُلانٍ، ونُؤْمَرَ فِيهِ بِاتِّباعِكَ، ونَظِيرُهُ ﴿ولَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [ الإسْراءِ: ٩٣] وقالَ: ﴿ولَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ﴾ [ الأنْعامِ: ٧] وقِيلَ: إنْ كانَ مُحَمَّدٌ صادِقًا فَلْيُصْبِحْ عِنْدَ رَأْسِ كُلِّ رَجُلٍ مِنّا صَحِيفَةٌ فِيها بَراءَةٌ مِنَ النّارِ، وقِيلَ: كانُوا يَقُولُونَ: بَلَغَنا أنَّ الرَّجُلَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ كانَ يُصْبِحُ مَكْتُوبًا عَلى رَأْسِهِ ذَنْبُهُ وكَفّارَتُهُ، فَأْتِنا بِمِثْلِ ذَلِكَ، وهَذا مِنَ الصُّحُفِ المُنَشَّرَةِ بِمَعْزِلٍ، إلّا أنْ يُرادَ بِالصُّحُفِ المُنَشَّرَةِ الكِتاباتِ الظّاهِرَةِ المَكْشُوفَةِ، وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ”صُحُفًا مُنَشَّرَةً“ بِتَخْفِيفِهِما عَلى أنَّ أنْشَرَ الصُّحُفَ ونَشَّرَها واحِدٌ، كَأنْزَلَهُ ونَزَّلَهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كَلّا﴾ وهو رَدْعٌ لَهم عَنْ تِلْكَ الإرادَةِ، وزَجْرٌ عَنِ اقْتِراحِ الآياتِ.
74:53–56Page 577
كـَلَّاۖ بَل لَّا يَخَافُونَ ٱلۡأٓخِرَةَ ٥٣
No! But they do not fear the Hereafter.
كـَلَّآ إِنَّهُۥ تَذۡكِرَةٞ ٥٤
No! Indeed, it [i.e., the Qur’ān] is a reminder
فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُۥ ٥٥
Then whoever wills will remember it.
وَمَا يَذۡكُرُونَ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُۚ هُوَ أَهۡلُ ٱلتَّقۡوَىٰ وَأَهۡلُ ٱلۡمَغۡفِرَةِ ٥٦
And they will not remember except that Allāh wills. He is worthy of fear and adequate for [granting] forgiveness.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بَلْ لا يَخافُونَ الآخِرَةَ﴾ فَلِذَلِكَ أعْرَضُوا عَنِ التَّأمُّلِ، فَإنَّهُ لَمّا حَصَلَتِ المُعْجِزاتُ الكَثِيرَةُ، كَفَتْ في الدَّلالَةِ عَلى صِحَّةِ النُّبُوَّةِ، فَطَلَبُ الزِّيادَةِ يَكُونُ مِن بابِ التَّعَنُّتِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كَلّا﴾ وهو رَدْعٌ لَهم عَنْ إعْراضِهِمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ يَعْنِي تَذْكِرَةٌ بَلِيغَةٌ كافِيَةٌ ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ أيْ جَعَلَهُ نُصْبَ عَيْنِهِ، فَإنَّ نَفْعَ ذَلِكَ راجِعٌ إلَيْهِ، والضَّمِيرُ في ”أنَّهُ“ و”ذَكَرَهُ“ لِلتَّذْكِرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ [ المُدَّثِّرِ: ٤٩] وإنَّما ذُكِّرَتْ لِأنَّها في مَعْنى الذِّكْرِ أوِ القُرْآنِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما يَذْكُرُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾
قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: يَعْنِي إلّا أنْ يَقْسِرَهم عَلى الذِّكْرِ ويُلْجِئَهم إلَيْهِ. والجَوابُ: أنَّهُ تَعالى نَفى الذِّكْرَ
صفحة ١٨٨
مُطْلَقًا، واسْتَثْنى عَنْهُ حالَ المَشِيئَةِ المُطْلَقَةِ، فَيَلْزَمُ أنَّهُ مَتى حَصَلَتِ المَشِيئَةُ أنْ يَحْصُلَ الذِّكْرُ فَحَيْثُ لَمْ يَحْصُلِ الذِّكْرُ عَلِمْنا أنَّهُ لَمْ تَحْصُلِ المَشِيئَةُ، وتَخْصِيصُ المَشِيئَةِ بِالمَشِيئَةِ القَهْرِيَّةِ تَرْكٌ لِلظّاهِرِ، وقُرِئَ ”يَذْكُرُونَ“ [ و”تَذْكُرُونَ“ ] بِالياءِ والتّاءِ مُخَفَّفًا ومُشَدَّدًا.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هُوَ أهْلُ التَّقْوى وأهْلُ المَغْفِرَةِ﴾ أيْ: هو حَقِيقٌ بِأنْ يَتَّقِيَهُ عِبادُهُ ويَخافُوا عِقابَهُ فَيُؤْمِنُوا ويُطِيعُوا، وحَقِيقٌ بِأنْ يَغْفِرَ لَهم ما سَلَفَ مِن كُفْرِهِمْ إذا آمَنُوا وأطاعُوا، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ. والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ وصَلاتُهُ وسَلامُهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وآلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences