Ar-RaziAl‑Qiyamah · 75:22–33

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-Qiyamah 75:22–33

75:22–23Page 578

وُجُوهٞ يَوۡمَئِذٖ نَّاضِرَةٌ ٢٢

[Some] faces, that Day, will be radiant,

إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٞ ٢٣

Looking at their Lord.1

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ قالَ اللَّيْثُ: نَضَرَ اللَّوْنُ والشَّجَرُ والوَرَقُ يَنْضُرُ نَضْرَةً، والنَّضْرَةُ النِّعْمَةُ، والنّاضِرُ النّاعِمُ، والنَّضِرُ الحَسَنُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، ومِنهُ يُقالُ لِلَّوْنِ إذا كانَ مُشْرِقًا: ناضِرٌ، فَيُقالُ: أخْضَرُ ناضِرٌ، وكَذَلِكَ في جَمِيعِ الألْوانِ، ومَعْناهُ الَّذِي يَكُونُ لَهُ بَرْقٌ، وكَذَلِكَ يُقالُ: شَجَرٌ ناضِرٌ، ورَوْضٌ ناضِرٌ. ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«نَضَرَ اللَّهُ عَبْدًا سَمِعَ مَقالَتِي فَوَعاها» “ الحَدِيثَ. أكْثَرُ الرُّواةِ رَواهُ بِالتَّخْفِيفِ، ورَوى عِكْرِمَةُ عَنِ الأصْمَعِيِّ فِيهِ التَّشْدِيدَ، وألْفاظُ المُفَسِّرِينَ مُخْتَلِفَةٌ في تَفْسِيرِ النّاضِرِ، ومَعْناها واحِدٌ، قالُوا:

صفحة ٢٠٠

مَسْرُورَةٌ، ناعِمَةٌ، مُضِيئَةٌ، مُشْرِقَةٌ، بَهِجَةٌ. وقالَ الزَّجّاجُ: نَضَرَتْ بِنَعِيمِ الجَنَّةِ، كَما قالَ: ﴿تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ [ المُطَفِّفِينَ: ٢٤] .

﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾

اعْلَمْ أنَّ جُمْهُورَ أهْلِ السُّنَّةِ يَتَمَسَّكُونَ بِهَذِهِ الآيَةِ في إثْباتِ أنَّ المُؤْمِنِينَ يَرَوْنَ اللَّهَ تَعالى يَوْمَ القِيامَةِ. أمّا المُعْتَزِلَةُ فَلَهم هَهُنا مَقامانِ:

أحَدُهُما: بَيانُ أنَّ ظاهِرَهُ لا يَدُلُّ عَلى رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعالى.

والثّانِي: بَيانُ التَّأْوِيلِ.

أمّا المَقامُ الأوَّلُ: فَقالُوا: النَّظَرُ المَقْرُونُ بِحَرْفِ ”إلى“ لَيْسَ اسْمًا لِلرُّؤْيَةِ، بَلْ لِمُقَدِّمَةِ الرُّؤْيَةِ، وهي تَقْلِيبُ الحَدَقَةِ نَحْوَ المَرْئِيِّ التِماسًا لِرُؤْيَتِهِ، ونَظَرُ العَيْنِ بِالنِّسْبَةِ إلى الرُّؤْيَةِ كَنَظَرِ القَلْبِ بِالنِّسْبَةِ إلى المَعْرِفَةِ، وكالإصْغاءِ بِالنِّسْبَةِ إلى السَّماعِ، فَكَما أنَّ نَظَرَ القَلْبِ مُقَدِّمَةٌ لِلْمَعْرِفَةِ، والإصْغاءَ مُقَدِّمَةٌ لِلسَّماعِ، فَكَذا نَظَرُ العَيْنِ مُقَدِّمَةٌ لِلرُّؤْيَةِ، قالُوا: والَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ النَّظَرَ لَيْسَ اسْمًا لِلرُّؤْيَةِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَراهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ وهم لا يُبْصِرُونَ﴾ [ الأعْرافِ: ١٩٨] أثْبَتَ النَّظَرَ حالَ عَدَمِ الرُّؤْيَةِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ النَّظَرَ غَيْرُ الرُّؤْيَةِ.

والثّانِي: أنَّ النَّظَرَ يُوصَفُ بِما لا تُوصَفُ بِهِ الرُّؤْيَةُ، يُقالُ: نَظَرَ إلَيْهِ نَظَرًا شَزَرًا، ونَظَرَ غَضْبانَ، ونَظَرَ راضٍ، وكُلُّ ذَلِكَ لِأجْلِ أنَّ حَرَكَةَ الحَدَقَةِ تَدُلُّ عَلى هَذِهِ الأحْوالِ، ولا تُوصَفُ الرُّؤْيَةُ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ، فَلا يُقالُ: رَآهُ شَزَرًا، ورَآهُ رُؤْيَةَ غَضْبانَ، أوْ رُؤْيَةَ راضٍ.

الثّالِثُ: يُقالُ: انْظُرْ إلَيْهِ حَتّى تَراهُ، ونَظَرْتُ إلَيْهِ فَرَأيْتُهُ، وهَذا يُفِيدُ كَوْنَ الرُّؤْيَةِ غايَةً لِلنَّظَرِ، وذَلِكَ يُوجِبُ الفَرْقَ بَيْنَ النَّظَرِ والرُّؤْيَةِ.

الرّابِعُ: يُقالُ: دُورُ بَنِي فُلانٍ مُتَناظِرَةٌ، أيْ مُتَقابِلَةٌ، فَمُسَمّى النَّظَرِ حاصِلٌ هَهُنا، ومُسَمّى الرُّؤْيَةِ غَيْرُ حاصِلٍ.

الخامِسُ: قَوْلُ الشّاعِرِ:

وُجُوهٌ ناظِراتٌ يَوْمَ بَدْرٍ إلى الرَّحْمَنِ تَنْتَظِرُ الخَلاصا

أثْبَتَ النَّظَرَ المَقْرُونَ بِحَرْفِ ”إلى“ مَعَ أنَّ الرُّؤْيَةَ ما كانَتْ حاصِلَةً.

السّادِسُ: احْتَجَّ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ عَلى أنَّ النَّظَرَ لَيْسَ عِبارَةً عَنِ الرُّؤْيَةِ الَّتِي هي إدْراكُ البَصَرِ، بَلْ هو عِبارَةٌ عَنْ تَقْلِيبِ الحَدَقَةِ نَحْوَ الجِهَةِ الَّتِي فِيها الشَّيْءُ الَّذِي يُرادُ رُؤْيَتُهُ، لِقَوْلِ الشّاعِرِ:

فَيا مَيُّ هَلْ يُجْزِي بُكائِي بِمِثْلِهِ ∗∗∗ مِرارًا وأنْفاسِي إلَيْكِ الزَّوافِرا

وإنِّي مَتّى أُشْرِفُ عَلى الجانِبِ الَّذِي ∗∗∗ بِهِ أنْتِ مِن بَيْنِ الجَوانِبِ ناظِرا

قالَ: فَلَوْ كانَ النَّظَرُ عِبارَةً عَنِ الرُّؤْيَةِ لَما طَلَبَ الجَزاءَ عَلَيْهِ، لِأنَّ المُحِبَّ لَمْ يَطْلُبِ الثَّوابَ عَلى رُؤْيَةِ المَحْبُوبِ، فَإنَّ ذَلِكَ مِن أعْظَمِ مَطالِبِهِ، قالَ: ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أيْضًا قَوْلُ الآخَرِ:

ونَظْرَةُ ذِي شَجَنٍ وامِقٍ ∗∗∗ إذا ما الرَّكائِبُ جاوَزْنَ مِيلًا

والمُرادُ مِنهُ تَقْلِيبُ الحَدَقَةِ نَحْوَ الجانِبِ الَّذِي فِيهِ المَحْبُوبُ، فَعَلِمْنا بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّ النَّظَرَ المَقْرُونَ بِحَرْفِ ”إلى“ لَيْسَ اسْمًا لِلرُّؤْيَةِ.

السّابِعُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ مَعْناهُ أنَّها تَنْظُرُ إلى رَبِّها خاصَّةً ولا تَنْظُرُ إلى غَيْرِهِ، وهَذا مَعْنى تَقْدِيمِ المَفْعُولِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾ [ القِيامَةِ: ١٢]، ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المَساقُ﴾ [ القِيامَةِ: ٣٠]، ﴿ألا إلى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ [ الشُّورى: ٥٣]، ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [ الزُّخْرُفِ: ٨٥]، ﴿وإلى اللَّهِ المَصِيرُ﴾ [ فاطِرٍ: ١٨] ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [ الشُّورى: ١٠] كَيْفَ دَلَّ فِيها التَّقْدِيمُ عَلى مَعْنى الِاخْتِصاصِ، ومَعْلُومٌ أنَّهم يَنْظُرُونَ إلى أشْياءَ لا يُحِيطُ بِها الحَصْرُ، ولا تَدْخُلُ تَحْتَ العَدَدِ

صفحة ٢٠١

فِي مَوْقِفِ القِيامَةِ، فَإنَّ المُؤْمِنِينَ نَظّارَةُ ذَلِكَ اليَوْمِ لِأنَّهُمُ الآمِنُونَ الَّذِينَ ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [ البَقَرَةِ: ٦٢] فَلَمّا دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ النَّظَرَ لَيْسَ إلّا إلى اللَّهِ، ودَلَّ العَقْلُ عَلى أنَّهم يَرَوْنَ غَيْرَ اللَّهِ، عَلِمْنا أنَّ المُرادَ مِنَ النَّظَرِ إلى اللَّهِ لَيْسَ هو الرُّؤْيَةُ.

الثّامِنُ: قالَ تَعالى: ﴿ولا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [ آلِ عِمْرانَ: ٧٧] ولَوْ قالَ: لا يَراهم كَفى، فَلَمّا نَفى النَّظَرَ، ولَمْ يَنْفِ الرُّؤْيَةَ دَلَّ عَلى المُغايَرَةِ، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ، أنَّ النَّظَرَ المَذْكُورَ في هَذِهِ الآيَةِ لَيْسَ هو الرُّؤْيَةَ.

المَقامُ الثّانِي: في بَيانِ التَّأْوِيلِ المُفَصَّلِ، وهو مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ النّاظِرُ بِمَعْنى المُنْتَظِرِ، أيْ أُولَئِكَ الأقْوامُ يَنْتَظِرُونَ ثَوابَ اللَّهِ، وهو كَقَوْلِ القائِلِ: إنَّما أنْظُرُ إلى فُلانٍ في حاجَتِي، والمُرادُ أنْتَظِرُ نَجاحَها مِن جِهَتِهِ، وقالَ تَعالى: ﴿فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ﴾ [ النَّمْلِ: ٣٥] وقالَ: ﴿وإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ﴾ [ البَقَرَةِ: ٢٨٠] لا يُقالُ: النَّظَرُ المَقْرُونُ بِحَرْفِ ”إلى“ غَيْرُ مُسْتَعْمَلٍ في مَعْنى الِانْتِظارِ، ولِأنَّ الِانْتِظارَ غَمٌّ وألَمٌ، وهو لا يَلِيقُ بِأهْلِ السَّعادَةِ يَوْمَ القِيامَةِ، لِأنّا نَقُولُ: الجَوابُ عَنِ الأوَّلِ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: النَّظَرُ المَقْرُونُ بِحَرْفِ ”إلى“ قَدْ يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى الِانْتِظارِ والتَّوَقُّعِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ يُقالُ: أنا إلى فُلانٍ ناظِرٌ ما يَصْنَعُ بِي، والمُرادُ مِنهُ التَّوَقُّعُ والرَّجاءُ، وقالَ الشّاعِرُ:

وإذا نَظَرْتُ إلَيْكَ مِن مَلِكٍ ∗∗∗ والبَحْرُ دُونَكَ زِدْتَنِي نِعَما

وتَحْقِيقُ الكَلامِ فِيهِ أنَّ قَوْلَهم في الِانْتِظارِ ”نَظَرْتُ“ بِغَيْرِ صِلَةٍ، فَإنَّما ذَلِكَ في الِانْتِظارِ لِمَجِيءِ الإنْسانِ بِنَفْسِهِ، فَأمّا إذا كانَ مُنْتَظِرًا لِرِفْدِهِ ومَعُونَتِهِ، فَقَدْ يُقالُ فِيهِ: نَظَرْتُ إلَيْهِ؛ كَقَوْلِ الرَّجُلِ: وإنَّما نَظَرِي إلى اللَّهِ ثُمَّ إلَيْكَ، وقَدْ يَقُولُ ذَلِكَ مَن لا يُبْصِرُ، ويَقُولُ الأعْمى في مِثْلِ هَذا المَعْنى: عَيْنِي شاخِصَةٌ إلَيْكَ، ثُمَّ إنْ سَلَّمْنا ذَلِكَ لَكِنْ لا نُسَلِّمُ أنَّ المُرادَ مِن ”إلى“ هَهُنا حَرْفُ التَّعَدِّي، بَلْ هو واحِدُ الآلاءِ، والمَعْنى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ، نِعْمَةُ رَبِّها مُنْتَظِرَةٌ.

وأمّا السُّؤالُ الثّانِي: وهو أنَّ الِانْتِظارَ غَمٌّ وألَمٌ، فَجَوابُهُ أنَّ المُنْتَظِرَ إذا كانَ فِيما يَنْتَظِرُهُ عَلى يَقِينٍ مِنَ الوُصُولِ إلَيْهِ، فَإنَّهُ يَكُونُ في أعْظَمِ اللَّذّاتِ.

التَّأْوِيلُ الثّانِي: أنْ يُضْمَرَ المُضافُ، والمَعْنى: إلى ثَوابِ رَبِّها ناظِرَةٌ، قالُوا: وإنَّما صِرْنا إلى هَذا التَّأْوِيلِ؛ لِأنَّهُ لَمّا دَلَّتِ الدَّلائِلُ السَّمْعِيَّةُ والعَقْلِيَّةُ عَلى أنَّهُ تَعالى تَمْتَنِعُ رُؤْيَتُهُ وجَبَ المَصِيرُ إلى التَّأْوِيلِ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: فَهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ أيْضًا عَلى أنَّ النَّظَرَ لَيْسَ عِبارَةً عَنْ تَقْلِيبِ الحَدَقَةِ، لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿لا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ﴾، ولَيْسَ المُرادُ أنَّهُ تَعالى يُقَلِّبُ الحَدَقَةَ إلى جَهَنَّمَ، فَإنْ قُلْتُمْ: المُرادُ أنَّهُ لا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ نَظَرَ الرَّحْمَةِ كانَ ذَلِكَ جَوابَنا عَمّا قالُوهُ.

التَّأْوِيلُ الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ مَعْنى ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ أنَّها لا تَسْألُ ولا تَرْغَبُ إلّا إلى اللَّهِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«اعْبُدِ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ» “ فَأهْلُ القِيامَةِ لِشِدَّةِ تَضَرُّعِهِمْ إلَيْهِ وانْقِطاعِ أطْماعِهِمْ عَنْ غَيْرِهِ صارُوا كَأنَّهم يَنْظُرُونَ إلَيْهِ. الجَوابُ: قَوْلُهُ: لَيْسَ النَّظَرُ عِبارَةٌ عَنِ الرُّؤْيَةِ، قُلْنا: هَهُنا مَقامانِ:

الأوَّلُ: أنْ تُقِيمَ الدَّلالَةَ عَلى أنَّ النَّظَرَ هو الرُّؤْيَةُ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: ما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وهو قَوْلُهُ: ﴿أنْظُرْ إلَيْكَ﴾ [ الأعْرافِ: ١٤٣] فَلَوْ كانَ النَّظَرُ عِبارَةً عَنْ تَقْلِيبِ الحَدَقَةِ إلى جانِبِ

صفحة ٢٠٢

المَرْئِيِّ، لاقْتَضَتِ الآيَةُ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أثْبَتَ لِلَّهِ تَعالى وِجْهَةً ومَكانًا، وذَلِكَ مُحالٌ.

الثّانِي: أنَّهُ جَعَلَ النَّظَرَ أمْرًا مُرَتَّبًا عَلى الإرادَةِ فَيَكُونُ النَّظَرُ مُتَأخِّرًا عَنِ الإرادَةِ، وتَقْلِيبُ الحَدَقَةِ غَيْرَ مُتَأخِّرٍ عَنِ الإرادَةِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ النَّظَرُ عِبارَةً عَنْ تَقْلِيبِ الحَدَقَةِ إلى جانِبِ المَرْئِيِّ.

* * *

المَقامُ الثّانِي: وهو الأقْرَبُ إلى الصَّوابِ، سَلَّمْنا أنَّ النَّظَرَ عِبارَةٌ عَنْ تَقْلِيبِ الحَدَقَةِ نَحْوَ المَرْئِيِّ التِماسًا لِرُؤْيَتِهِ، لَكِنّا نَقُولُ: لَمّا تَعَذَّرَ حَمْلُهُ عَلى حَقِيقَتِهِ وجَبَ حَمْلُهُ عَلى مُسَبِّبِهِ وهو الرُّؤْيَةُ، إطْلاقًا لِاسْمِ السَّبَبِ عَلى المُسَبِّبِ، وحَمْلُهُ عَلى الرُّؤْيَةِ أوْلى مِن حَمْلِهِ عَلى الِانْتِظارِ، لِأنَّ تَقْلِيبَ الحَدَقَةِ كالسَّبَبِ لِلرُّؤْيَةِ ولا تَعَلُّقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الِانْتِظارِ، فَكانَ حَمْلُهُ عَلى الرُّؤْيَةِ أوْلى مِن حَمْلِهِ عَلى الِانْتِظارِ.

أمّا قَوْلُهُ: النَّظَرُ جاءَ بِمَعْنى الِانْتِظارِ، قُلْنا: لَنا في الجَوابِ مَقامانِ:

الأوَّلُ: أنَّ النَّظَرَ الوارِدَ بِمَعْنى الِانْتِظارِ كَثِيرٌ في القُرْآنِ، ولَكِنَّهُ لَمْ يُقْرَنِ البَتَّةَ بِحَرْفِ ”إلى“ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكُمْ﴾ [ الحَدِيدِ: ١٣] وقَوْلِهِ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا تَأْوِيلَهُ﴾ [ الأعْرافِ: ٥٣] ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ [ البَقَرَةِ: ٢١٠] والَّذِي نَدَّعِيهِ أنَّ النَّظَرَ المَقْرُونَ بِحَرْفِ ”إلى“ المُعَدّى إلى الوُجُوهِ لَيْسَ إلّا بِمَعْنى الرُّؤْيَةِ أوْ بِالمَعْنى الَّذِي يَسْتَعْقِبُ الرُّؤْيَةَ - ظاهِرٌ، فَوَجَبَ أنْ لا يَرِدَ بِمَعْنى الِانْتِظارِ دَفْعًا لِلِاشْتِراكِ.

وأمّا قَوْلُ الشّاعِرِ:

وُجُوهٌ ناظِراتٌ يَوْمَ بَدْرٍ إلى الرَّحْمَنِ تَنْتَظِرُ الخَلاصا

قُلْنا: هَذا الشِّعْرُ مَوْضُوعٌ، والرِّوايَةُ الصَّحِيحَةُ:

وُجُوهٌ ناظِراتٌ يَوْمَ بَكْرٍ ∗∗∗ إلى الرَّحْمَنِ تَنْتَظِرُ الخَلاصا

والمُرادُ مِن هَذا الرَّحْمَنِ مُسَيْلِمَةُ الكَذّابُ، لِأنَّهم كانُوا يُسَمُّونَهُ رَحْمَنَ اليَمامَةِ، فَأصْحابُهُ كانُوا يَنْظُرُونَ إلَيْهِ ويَتَوَقَّعُونَ مِنهُ التَّخَلُّصَ مِنَ الأعْداءِ، وأمّا قَوْلُ الشّاعِرِ:

وإذا نَظَرْتُ إلَيْكَ مِن مَلِكٍ

فالجَوابُ: أنَّ قَوْلَهُ: وإذا نَظَرْتُ إلَيْكَ، لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ الِانْتِظارَ، لِأنَّ مُجَرَّدَ الِانْتِظارِ لا يَسْتَعْقِبُ العَطِيَّةَ، بَلِ المُرادُ مِن قَوْلِهِ ”وإذا نَظَرْتُ إلَيْكَ“ وإذا سَألَتُكَ؛ لِأنَّ النَّظَرَ إلى الإنْسانِ مُقَدِّمَةُ المُكالَمَةِ، فَجازَ التَّعْبِيرُ عَنْهُ بِهِ، وقَوْلُهُ: كَلِمَةُ ”إلى“ هَهُنا لَيْسَ المُرادُ مِنهُ حَرْفَ التَّعَدِّي، بَلْ واحِدُ الآلاءِ، قُلْنا: إنَّ ”إلى“ عَلى هَذا القَوْلِ تَكُونُ اسْمًا لِلْماهِيَّةِ الَّتِي يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّها نِعْمَةٌ، فَعَلى هَذا يَكْفِي في تَحَقُّقِ مُسَمّى هَذِهِ اللَّفْظَةِ أيُّ جُزْءٍ فُرِضَ مِن أجْزاءِ النِّعْمَةِ، وإنْ كانَ في غايَةِ القِلَّةِ والحَقارَةِ، وأهْلُ الثَّوابِ يَكُونُونَ في جَمِيعِ مَواقِفِ القِيامَةِ في النِّعَمِ العَظِيمَةِ المُتَكامِلَةِ، ومَن كانَ حالُهُ كَذَلِكَ كَيْفَ يُمْكِنُ أنْ يُبَشَّرَ بِأنَّهُ يَكُونُ في تَوَقُّعِ الشَّيْءِ الَّذِي يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ النِّعْمَةِ، ومِثالُ هَذا أنْ يُبَشِّرَ سُلْطانُ الأرْضِ بِأنَّهُ سَيَصِيرُ حالُكَ في العَظَمَةِ والقُوَّةِ بَعْدَ سَنَةٍ، بِحَيْثُ تَكُونُ مُتَوَقِّعًا لِحُصُولِ اللُّقْمَةِ الواحِدَةِ مِنَ الخُبْزِ والقَطْرَةِ الواحِدَةِ مِنَ الماءِ، وكَما أنَّ ذَلِكَ فاسِدٌ مِنَ القَوْلِ، فَكَذا هَذا.

المَقامُ الثّانِي: هَبْ أنَّ النَّظَرَ المُعَدّى بِحَرْفِ ”إلى“ المَقْرُونَ بِالوُجُوهِ - جاءَ في اللُّغَةِ بِمَعْنى الِانْتِظارِ، لَكِنْ لا يُمْكِنُ حَمْلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلَيْهِ، لِأنَّ لَذَّةَ الِانْتِظارِ مَعَ يَقِينِ الوُقُوعِ كانَتْ حاصِلَةً في الدُّنْيا، فَلا بُدَّ وأنْ يَحْصُلَ في

صفحة ٢٠٣

الآخِرَةِ شَيْءٌ أزْيَدُ مِنهُ حَتّى يَحْسُنَ ذِكْرُهُ في مَعْرِضِ التَّرْغِيبِ في الآخِرَةِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ هو قُرْبَ الحُصُولِ، لِأنَّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ بِالعَقْلِ، فَبَطَلَ ما ذَكَرُوهُ مِنَ التَّأْوِيلِ.

وأمّا التَّأْوِيلُ الثّانِي: وهو أنَّ المُرادَ: إلى ثَوابِ رَبِّها ناظِرَةٌ، فَهَذا تَرْكٌ لِلظّاهِرِ، وقَوْلُهُ: إنَّما صِرْنا إلَيْهِ لِقِيامِ الدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ والنَّقْلِيَّةِ عَلى أنَّ اللَّهَ لا يَرى، قُلْنا: بَيَّنّا في الكُتُبِ العَقْلِيَّةِ ضَعْفَ تِلْكَ الوُجُوهِ، فَلا حاجَةَ هَهُنا إلى ذِكْرِها. واللَّهُ أعْلَمُ.

75:24–25Page 578

وَوُجُوهٞ يَوۡمَئِذِۭ بَاسِرَةٞ ٢٤

And [some] faces, that Day, will be contorted,

تَظُنُّ أَن يُفۡعَلَ بِهَا فَاقِرَةٞ ٢٥

Expecting that there will be done to them [something] backbreaking.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ﴾ ﴿تَظُنُّ أنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ﴾ الباسِرُ: الشَّدِيدُ العَبُوسِ، والباسِلُ أشَدُّ مِنهُ، ولَكِنَّهُ غَلَبَ في الشُّجاعِ إذا اشْتَدَّ كُلُوحُهُ، والمَعْنى: أنَّها عابِسَةٌ كالِحَةٌ قَدْ أظْلَمَتْ ألْوانُها وعَدِمَتْ آثارُ السُّرُورِ والنِّعْمَةِ مِنها؛ لِما أدْرَكَها مِنَ الشَّقاءِ واليَأْسِ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، ولِما سَوَّدَها اللَّهُ حِينَ مَيَّزَ اللَّهُ أهْلَ الجَنَّةِ والنّارِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ البُسُورِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿عَبَسَ وبَسَرَ﴾ وإنَّما كانَتْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ؛ لِأنَّها قَدْ أيْقَنَتْ أنَّ العَذابَ نازِلٌ، وهو قَوْلُهُ: ﴿تَظُنُّ أنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ﴾ والظَّنُّ هَهُنا بِمَعْنى اليَقِينِ، هَكَذا قالَهُ المُفَسِّرُونَ، وعِنْدِي أنَّ الظَّنَّ إنَّما ذُكِرَ هَهُنا عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: إذا شاهَدُوا تِلْكَ الأحْوالَ حَصَلَ فِيهِمْ ظَنٌّ أنَّ القِيامَةَ حَقٌّ، وأمّا الفاقِرَةُ فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الفاقِرَةُ الدّاهِيَةُ، وهو اسْمٌ لِلْوَسْمِ الَّذِي يُفْقَرُ بِهِ عَلى الأنْفِ، قالَ الأصْمَعِيُّ: الفَقْرُ أنْ يُحَزَّ أنْفُ البَعِيرِ حَتّى يَخْلُصَ إلى العَظْمِ، أوْ قَرِيبٍ مِنهُ، ثُمَّ يُجْعَلَ فِيهِ خَشَبَةٌ يُجَرُّ البَعِيرُ بِها، ومِنهُ قِيلَ: عَمِلَتْ بِهِ الفاقِرَةُ، قالَ المُبَرِّدُ: الفاقِرَةُ داهِيَةٌ تَكْسِرُ الظَّهْرَ، وأصْلُها مِنَ الفَقْرَةِ والفَقارَةِ كَأنَّ الفاقِرَةَ داهِيَةٌ تَكْسِرُ فَقارَ الظَّهْرِ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ فَقَرْتُ الرَّجُلَ، كَما يُقالُ رَأسْتُهُ وبَطَنْتُهُ فَهو مَفْقُورٌ، واعْلَمْ أنَّ مِنَ المُفَسِّرِينَ مَن فَسَّرَ الفاقِرَةَ بِأنْواعِ العَذابِ في النّارِ، وفَسَّرَها الكَلْبِيُّ فَقالَ: الفاقِرَةُ هي أنْ تُحْجَبَ عَنْ رُؤْيَةِ رَبِّها ولا تَنْظُرُ إلَيْهِ.

75:26Page 578

كـَلَّآ إِذَا بَلَغَتِ ٱلتَّرَاقِيَ ٢٦

No! When it [i.e., the soul] has reached the collar bones1

قَوْلُهُ تَعالى ﴿كَلّا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ”كَلّا“ رَدْعٌ عَنْ إيثارِ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لَمّا عَرَفْتُمْ صِفَةَ سَعادَةِ السُّعَداءِ وشَقاوَةِ الأشْقِياءِ في الآخِرَةِ، وعَلِمْتُمْ أنَّهُ لا نِسْبَةَ لَها إلى الدُّنْيا، فارْتَدِعُوا عَنْ إيثارِ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ، وتَنَبَّهُوا عَلى ما بَيْنَ أيْدِيكم مِنَ المَوْتِ الَّذِي عِنْدَهُ تَنْقَطِعُ العاجِلَةُ عَنْكم، وتَنْتَقِلُونَ إلى الآجِلَةِ الَّتِي تَبْقُونَ فِيها مُخَلَّدِينَ، وقالَ آخَرُونَ: ﴿كَلّا﴾ أيْ: حَقًّا إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ كانَ كَذا وكَذا، والمَقْصُودُ أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ تَعْظِيمَ أحْوالِ الآخِرَةِ بَيَّنَ أنَّ الدُّنْيا لا بُدَّ فِيها مِن الِانْتِهاءِ والنَّفادِ والوُصُولِ إلى تَجَرُّعِ مَرارَةِ المَوْتِ. وقالَ مُقاتِلٌ: ﴿كَلّا﴾ أيْ: لا يُؤْمِنُ الكافِرُ بِما ذُكِّرَ مِن أمْرِ القِيامَةِ، ولَكِنَّهُ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَدْفَعَ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ المَوْتِ، ومِن تَجَرُّعِ آلامِها، وتَحَمُّلِ آفاتِها.

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى وصَفَ تِلْكَ الحالَةِ الَّتِي تُفارِقُ الرُّوحُ فِيها الجَسَدَ فَقالَ: ﴿إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

صفحة ٢٠٤

المَسْألَةُ الأُولى: المُرادُ إذا بَلَغَتِ النَّفْسُ أوِ الرُّوحُ، أخْبَرَ عَمّا لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ لِعِلْمِ المُخاطَبِ بِذَلِكَ، كَقَوْلِهِ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ﴾ [ القَدْرِ: ١] والتَّراقِي جَمْعُ تَرْقُوَةٍ، وهي عَظْمٌ وصَلَ بَيْنَ ثُغْرَةِ النَّحْرِ، والعاتِقِ مِنَ الجانِبَيْنِ.

واعْلَمْ أنَّهُ يُكَنّى بِبُلُوغِ النَّفْسِ التَّراقِيَ عَنِ القُرْبِ مِنَ المَوْتِ، ومِنهُ قَوْلُ دُرَيْدِ بْنِ الصِّمَّةِ:

ورُبَّ عَظِيمَةٍ دافَعْتُ عَنْها وقَدْ بَلَغَتْ نُفُوسُهُمُ التَّراقِي

ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ [ الواقِعَةِ: ٨٣] .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ بَعْضُ الطّاعِنِينَ: إنَّ النَّفْسَ إنَّما تَصِلُ إلى التَّراقِي بَعْدَ مُفارَقَتِها عَنِ القَلْبِ، ومَتى فارَقَتِ النَّفْسُ القَلْبَ حَصَلَ المَوْتُ لا مَحالَةَ، والآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ عِنْدَ بُلُوغِها التَّراقِيَ تَبْقى الحَياةُ حَتّى يُقالَ فِيهِ: مَن راقٍ، وحَتّى تَلْتَفَّ السّاقُ بِالسّاقِ، والجَوابُ: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿كَلّا إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ﴾ أيْ: إذا حَصَلَ القُرْبُ مِن تِلْكَ الحالَةِ.

75:27–29Page 578

وَقِيلَ مَنۡۜ رَاقٖ ٢٧

And it is said, "Who will cure [him]?"

وَظَنَّ أَنَّهُ ٱلۡفِرَاقُ ٢٨

And he [i.e., the dying one] is certain that it is the [time of] separation

وَٱلۡتَفَّتِ ٱلسَّاقُ بِٱلسَّاقِ ٢٩

And the leg is wound about the leg,1

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقِيلَ مَن راقٍ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: في ”راقٍ“ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ مِنَ الرُّقْيَةِ، يُقالُ: رَقاهُ يَرْقِيهِ رُقْيَةً، إذا عَوَّذَهُ بِما يَشْفِيهِ، كَما يُقالُ: بِسْمِ اللَّهِ أرْقِيكَ، وقائِلُ هَذا القَوْلِ عَلى هَذا الوَجْهِ، هُمُ الَّذِينَ يَكُونُونَ حَوْلَ الإنْسانِ المُشْرِفِ عَلى المَوْتِ، ثُمَّ هَذا الِاسْتِفْهامُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الطَّلَبِ كَأنَّهم طَلَبُوا لَهُ طَبِيبًا يَشْفِيهِ، وراقِيًا يَرْقِيهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِفْهامًا بِمَعْنى الإنْكارِ، كَما يَقُولُ القائِلُ عِنْدَ اليَأْسِ: مَنِ الَّذِي يَقْدِرُ أنْ يَرْقِيَ هَذا الإنْسانَ المُشْرِفَ عَلى المَوْتِ.

الوَجْهُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿مَن راقٍ﴾ مِن رَقِيَ يَرْقِي رُقِيًّا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ﴾ [ الإسْراءِ: ٩٣] وعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ قائِلُ هَذا القَوْلِ هُمُ المَلائِكَةَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ المَلائِكَةَ يَكْرَهُونَ القُرْبَ مِنَ الكافِرِ، فَيَقُولُ مَلَكُ المَوْتِ: مَن يَرْقى بِهَذا الكافِرِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: يَحْضُرُ العَبْدَ عِنْدَ المَوْتِ سَبْعَةُ أمْلاكٍ مِن مَلائِكَةِ الرَّحْمَةِ، وسَبْعَةٌ مِن مَلائِكَةِ العَذابِ مَعَ مَلَكِ المَوْتِ، فَإذا بَلَغَتْ نَفْسُ العَبْدِ التَّراقِيَ نَظَرَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ، أيُّهم يَرْقى بِرُوحِهِ إلى السَّماءِ، فَهو ﴿مَن راقٍ﴾ .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الواحِدِيُّ: إنَّ إظْهارَ النُّونِ عِنْدَ حُرُوفِ الفَمِ لَحَسَنٌ، فَلا يَجُوزُ إظْهارُ نُونِ ”مَن“ في قَوْلِهِ ﴿مَن راقٍ﴾، ورَوى حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ إظْهارَ النُّونِ في قَوْلِهِ: ﴿مَن راقٍ﴾ و﴿بَلْ رانَ﴾ قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: ولا أعْرِفُ وجْهَ ذَلِكَ، قالَ الواحِدِيُّ: والوَجْهُ أنْ يُقالَ: قُصِدَ الوَقْفُ عَلى ”مَن“ و”بَلْ“، فَأظْهَرَها ثُمَّ ابْتَدَأ بِما بَعْدَهُما، وهَذا غَيْرُ مَرْضِيٍّ مِنَ القِراءَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وظَنَّ أنَّهُ الفِراقُ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: المُرادُ أنَّهُ أيْقَنَ بِمُفارَقَتِهِ الدُّنْيا، ولَعَلَّهُ إنَّما سُمِّيَ اليَقِينُ هَهُنا بِالظَّنِّ لِأنَّ الإنْسانَ ما دامَ يَبْقى رُوحُهُ مُتَعَلِّقًا بِبَدَنِهِ، فَإنَّهُ يَطْمَعُ في الحَياةِ لِشِدَّةِ حُبِّهِ لِهَذِهِ الحَياةِ العاجِلَةِ عَلى ما قالَ: ﴿كَلّا بَلْ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾ ولا يَنْقَطِعُ رَجاؤُهُ عَنْها فَلا يَحْصُلُ لَهُ يَقِينُ المَوْتِ، بَلِ الظَّنُّ

صفحة ٢٠٥

الغالِبُ مَعَ رَجاءِ الحَياةِ، أوْ لَعَلَّهُ سَمّاهُ بِالظَّنِّ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ.

واعْلَمْ أنَّ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى أنَّ الرُّوحَ جَوْهَرٌ قائِمٌ بِنَفْسِهِ باقٍ بَعْدِ مَوْتِ البَدَنِ، لِأنَّهُ تَعالى سَمّى المَوْتَ فِراقًا، والفِراقُ إنَّما يَكُونُ لَوْ كانَتِ الرُّوحُ باقِيَةً، فَإنَّ الفِراقَ والوِصالَ صِفَةٌ، والصِّفَةُ تَسْتَدْعِي وُجُودَ المَوْصُوفِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ الِالتِفافُ هو الِاجْتِماعُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿جِئْنا بِكم لَفِيفًا﴾ [ الإسْراءِ: ١٠٤] وفي السّاقِ قَوْلانِ:

القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ الأمْرُ الشَّدِيدُ، قالَ أهْلُ المَعانِي: لِأنَّ الإنْسانَ إذا دَهَمَتْهُ شِدَّةٌ شَمَّرَ لَها عَنْ ساقِهِ، فَقِيلَ لِلْأمْرِ الشَّدِيدِ: ساقٌ، وتَقُولُ العَرَبُ: قامَتِ الحَرْبُ عَلى ساقٍ، أيِ اشْتَدَّتْ، قالَ الجَعْدِيُّ:

أخُو الحَرْبِ إنْ عَضَّتْ بِهِ الحَرْبُ عَضَّها وإنْ شَمَّرَتْ عَنْ ساقِها الحَرْبُ شَمَّرا

ثُمَّ قالَ: والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿والتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ أيِ التَفَّتْ شِدَّةُ مُفارَقَةِ الدُّنْيا ولَذّاتِها وشِدَّةُ الذَّهابِ، أوِ التَفَّتْ شِدَّةُ تَرْكِ الأهْلِ، وتَرْكِ الوَلَدِ، وتَرْكِ المالِ، وتَرْكِ الجاهِ، وشِدَّةُ شَماتَةِ الأعْداءِ، وغَمِّ الأوْلِياءِ، وبِالجُمْلَةِ فالشَّدائِدُ هُناكَ كَثِيرَةٌ، كَشِدَّةِ الذَّهابِ إلى الآخِرَةِ، والقُدُومِ عَلى اللَّهِ، أوِ التَفَّتْ شِدَّةُ تَرْكِ الأحْبابِ والأوْلِياءِ، وشِدَّةُ الذَّهابِ إلى دارِ الغُرْبَةِ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنَ السّاقِ هَذا العُضْوُ المَخْصُوصُ، ثُمَّ ذَكَرُوا عَلى هَذا القَوْلِ وُجُوهًا:

أحَدُها: قالَ الشَّعْبِيُّ وقَتادَةُ: هُما ساقاهُ عِنْدَ المَوْتِ، أما رَأيْتَهُ في النَّزْعِ كَيْفَ يَضْرِبُ بِإحْدى رِجْلَيْهِ عَلى الأُخْرى.

والثّانِي: قالَ الحَسَنُ وسَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: هُما ساقاهُ إذا التَفَّتا في الكَفَنِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ إذا ماتَ يَبِسَتْ ساقاهُ، والتَصَقَتْ إحْداهُما بِالأُخْرى.

75:30–33Page 578

إِلَىٰ رَبِّكَ يَوۡمَئِذٍ ٱلۡمَسَاقُ ٣٠

To your Lord, that Day, will be the procession.1

فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّىٰ ٣١

And he [i.e., the disbeliever] had not believed, nor had he prayed.

وَلَٰكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ ٣٢

But [instead], he denied and turned away.

ثُمَّ ذَهَبَ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِۦ يَتَمَطَّىٰٓ ٣٣

And then he went to his people, swaggering [in pride].

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المَساقُ﴾ المَساقُ مَصْدَرٌ مِن ساقَ يَسُوقُ، كالمَقالِ مِن قالَ يَقُولُ، ثُمَّ فِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ المَسُوقَ إلَيْهِ هو الرَّبُّ.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ السّائِقَ في ذَلِكَ اليَوْمِ هو الرَّبُّ، أيْ سَوْقُ هَؤُلاءِ مُفَوَّضٌ إلَيْهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ ﴿ولَكِنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى شَرَحَ كَيْفِيَّةَ عَمَلِهِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِأُصُولِ الدِّينِ وبِفُرُوعِهِ، وفِيما يَتَعَلَّقُ بِدُنْياهُ. أمّا ما يَتَعَلَّقُ بِأُصُولِ الدِّينِ فَهو أنَّهُ ما صَدَّقَ بِالدِّينِ، ولَكِنَّهُ كَذَّبَ بِهِ، وأمّا ما يَتَعَلَّقُ بِفُرُوعِ الدِّينِ، فَهو أنَّهُ ما صَلّى ولَكِنَّهُ تَوَلّى وأعْرَضَ، وأمّا ما يَتَعَلَّقُ بِدُنْياهُ، فَهو أنَّهُ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى، ويَتَبَخْتَرُ، ويَخْتالُ في مِشْيَتِهِ، واعْلَمْ أنَّ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى أنَّ الكافِرَ يَسْتَحِقُّ الذَّمَّ والعِقابَ بِتَرْكِ الصَّلاةِ كَما يَسْتَحِقُّهُما بِتَرْكِ الإيمانِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَلا صَدَّقَ﴾ حِكايَةٌ عَمَّنْ ؟ فِيهِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ كِنايَةٌ عَنِ الإنْسانِ في قَوْلِهِ: ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ [ القِيامَةِ: ٣] ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [ القِيامَةِ: ٣٦] وهو مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ .

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في ”﴿يَتَمَطّى﴾“ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّ أصْلَهُ يَتَمَطَّطُ، أيْ: يَتَمَدَّدُ؛ لِأنَّ المُتَبَخْتِرَ يَمُدُّ خُطاهُ،

صفحة ٢٠٦

فَقُلِبَتِ الطّاءُ فِيهِ ياءً، كَما قِيلَ في تَقَصّى أصْلُهُ تَقَصَّصَ.

والثّانِي: مِنَ المَطى وهو الظَّهْرُ؛ لِأنَّهُ يَلْوِيهِ، وفي الحَدِيثِ: ”«إذا مَشَتْ أُمَّتِي المُطَيْطى» “ أيْ: مِشْيَةَ المُتَبَخْتِرِ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ أهْلُ العَرَبِيَّةِ: ”لا“ هَهُنا في مَوْضِعِ ”لَمْ“، فَقَوْلُهُ: ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ أيْ: لَمْ يُصَدِّقْ ولَمْ يُصَلِّ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ أيْ: لَمْ يَقْتَحِمْ، وكَذَلِكَ ما رُوِيَ في الحَدِيثِ: ”«أرَأيْتَ مَن لا أكَلَ ولا شَرَبَ، ولا اسْتَهَلَّ» “ قالَ الكِسائِيُّ: لَمْ أرَ العَرَبَ قالَتْ في مِثْلِ هَذا كَلِمَةً وحْدَها حَتّى تُتْبِعَها بِأُخْرى، إمّا مُصَرَّحًا أوْ مُقَدَّرًا، أمّا المُصَرَّحُ، فَلا يَقُولُونَ: لا عَبْدُ اللَّهِ خارِجٌ؛ حَتّى يَقُولُوا: ولا فُلانٌ، ولا يَقُولُونَ: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ لا يُحْسِنُ؛ حَتّى يَقُولُوا: ولا يُجْمِلُ، وأمّا المُقَدَّرُ فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ [ البَلَدِ: ١١] ثُمَّ اعْتُرِضَ الكَلامُ، فَقالَ: ﴿وما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ ﴿أوْ إطْعامٌ﴾ [ البَلَدِ: ١٢] وكانَ التَّقْدِيرُ: لا فَكَّ رَقَبَةً، ولا أطْعَمَ مِسْكِينًا، فاكْتَفى بِهِ مَرَّةً واحِدَةً، ومِنهم مَن قالَ: التَّقْدِيرُ في قَوْلِهِ ﴿فَلا اقْتَحَمَ﴾ أيْ: أفَلا اقْتَحَمَ، وهَلّا اقْتَحَمَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском