Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
An-Naba 78:15–26
78:15–17Page 582
لِّنُخۡرِجَ بِهِۦ حَبّٗا وَنَبَاتٗا ١٥
That We may bring forth thereby grain and vegetation
وَجَنَّٰتٍ أَلۡفَافًا ١٦
And gardens of entwined growth.
إِنَّ يَوۡمَ ٱلۡفَصۡلِ كَانَ مِيقَٰتٗا ١٧
Indeed, the Day of Judgement is an appointed time -
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا ونَباتًا﴾ ﴿وجَنّاتٍ ألْفافًا﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: كُلُّ شَيْءٍ نَبَتَ مِنَ الأرْضِ فَإمّا أنْ لا يَكُونَ لَهُ ساقٌ وإمّا أنْ يَكُونَ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ساقٌ فَإمّا أنْ يَكُونَ لَهُ أكْمامٌ وهو الحَبُّ وإمّا أنْ لا يَكُونَ لَهُ أكْمامٌ وهو الحَشِيشُ، وهو المُرادُ هاهُنا بِقَوْلِهِ: (نَباتًا) وإلى هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلُوا وارْعَوْا أنْعامَكُمْ﴾ [طه: ٥٤] وأمّا الَّذِي لَهُ ساقٌ فَهو الشَّجَرُ، فَإذا اجْتَمَعَ مِنها شَيْءٌ كَثِيرٌ سُمِّيَتْ جَنَّةً، فَثَبَتَ بِالدَّلِيلِ العَقْلِيِّ انْحِصارُ ما يَنْبُتُ في الأرْضِ في هَذِهِ الأقْسامِ الثَّلاثَةِ، وإنَّما قَدَّمَ اللَّهُ تَعالى الحَبَّ لِأنَّهُ هو الأصْلُ في الغِذاءِ، وإنَّما ثَنّى بِالنَّباتِ لِاحْتِياجِ سائِرِ الحَيَواناتِ إلَيْهِ، وإنَّما أخَّرَ الجَنّاتِ في الذِّكْرِ لِأنَّ الحاجَةَ إلى الفَواكِهِ لَيْسَتْ ضَرُورِيَّةً.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في ألْفافًا، فَذَكَرَ صاحِبُ الكَشّافِ أنَّهُ لا واحِدَ لَهُ كالأوْزاعِ والأخْيافِ، والأوْزاعُ الجَماعاتُ المُتَفَرِّقَةُ، والأخْيافُ الجَماعاتُ المُخْتَلَطَةُ، وكَثِيرٌ مِنَ اللُّغَوِيِّينَ أثْبَتُوا لَهُ واحِدًا، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقالَ الأخْفَشُ والكِسائِيُّ: واحِدُها لِفٌّ بِالكَسْرِ، وزادَ الكِسائِيُّ لُفٌّ بِالضَّمِّ، وأنْكَرَ المُبَرِّدُ الضَّمَّ، وقالَ: بَلْ واحِدُها لَفّاءُ وجَمْعُها لُفٌّ، وجَمْعُ لِفٍّ ألْفافٌ، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ لَفِيفٍ كَشَرِيفٍ وأشْرافٍ نَقَلَهُ القَفّالُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿وجَنّاتٍ ألْفافًا﴾ أيْ مُلْتَفَّةً، والمَعْنى أنَّ كُلَّ جَنَّةٍ فَإنَّ ما فِيها مِنَ الشَّجَرِ تَكُونُ مُجْتَمِعَةً مُتَقارِبَةً، ألا تَراهم يَقُولُونَ: امْرَأةٌ لَفّاءُ إذا كانَتْ غَلِيظَةَ السّاقِ مُجْتَمِعَةَ اللَّحْمِ يَبْلُغُ مِن
صفحة ١٠
تَقارُبِهِ أنْ يَتَلاصَقَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: كانَ الكَعْبِيُّ مِنَ القائِلِينَ بِالطَّبائِعِ، فاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا ونَباتًا﴾ وقالَ: إنَّهُ يَدُلُّ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَفْعَلُ شَيْئًا بِواسِطَةِ شَيْءٍ آخَرَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ كانَ مِيقاتًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّ التِّسْعَةَ الَّتِي عَدَّدَها اللَّهُ تَعالى نَظَرًا إلى حُدُوثِها في ذَواتِها وصِفاتِها، ونَظَرًا إلى إمْكانِها في ذَواتِها وصِفاتِها تَدُلُّ عَلى القادِرِ المُخْتارِ، ونَظَرًا إلى ما فِيها مِنَ الإحْكامِ والإتْقانِ تَدُلُّ عَلى أنَّ فاعِلَها عالِمٌ، ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ الفاعِلَ القَدِيمَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ عِلْمُهُ وقُدْرَتُهُ واجِبَيْنِ، إذْ لَوْ كانا جائِزَيْنِ لافْتَقَرَ إلى فاعِلٍ آخَرَ، ويَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ وهو مُحالٌ، وإذا كانَ العِلْمُ والقُدْرَةُ واجِبَيْنِ وجَبَ تَعَلُّقُهُما بِكُلِّ ما صَحَّ أنْ يَكُونَ مَقْدُورًا ومَعْلُومًا وإلّا لافْتَقَرَ إلى المُخَصَّصِ وهو مُحالٌ، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى جَمِيعِ المُمْكِناتِ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، وقَدْ ثَبَتَ الإمْكانُ وثَبَتَ عُمُومُ القُدْرَةِ في الجِسْمِيَّةِ، فَكُلُّ ما صَحَّ عَلى واحِدٍ مِنها صَحَّ عَلى الآخَرِ، فَكَما يَصِحُّ عَلى الأجْسامِ السَّلَفِيَّةِ الِانْشِقاقُ والِانْفِطارُ والظُّلْمَةُ وجَبَ أنْ يَصِحَّ ذَلِكَ عَلى الأجْسامِ، وإذا ثَبَتَ الإمْكانُ وثَبَتَ عُمُومُ القُدْرَةِ والعِلْمِ، ثَبَتَ أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى تَخْرِيبِ الدُّنْيا، وقادِرٌ عَلى إيجادِ عالَمٍ آخَرَ، وعِنْدَ ذَلِكَ ثَبَتَ أنَّ القَوْلَ بِقِيامِ القِيامَةِ مُمْكِنٌ عَقْلًا، وإلى هاهُنا يُمْكِنُ إثْباتُهُ بِالعَقْلِ، فَأمّا ما وراءَ ذَلِكَ مِن وقْتِ حُدُوثِها وكَيْفِيَّةِ حُدُوثِها فَلا سَبِيلَ إلَيْهِ إلّا بِالسَّمْعِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى تَكَلَّمَ في هَذِهِ الأشْياءِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ كانَ مِيقاتًا﴾ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ بَعْضَ أحْوالِ القِيامَةِ. فَأوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ كانَ مِيقاتًا﴾ والمَعْنى أنَّ هَذا اليَوْمَ كانَ في تَقْدِيرِ اللَّهِ وحُكْمِهِ حَدًّا تُؤَقَّتُ بِهِ الدُّنْيا، أوْ حَدًّا لِلْخَلائِقِ يَنْتَهُونَ إلَيْهِ، أوْ كانَ مِيقاتًا لِما وعَدَ اللَّهُ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ، أوْ كانَ مِيقاتًا لِاجْتِماعِ كُلِّ الخَلائِقِ في فَصْلِ الحُكُوماتِ وقَطْعِ الخُصُوماتِ.
78:18Page 582
يَوۡمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ فَتَأۡتُونَ أَفۡوَاجٗا ١٨
The Day the Horn is blown and you will come forth in multitudes
وثانِيها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ فَتَأْتُونَ أفْواجًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّ ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ﴾ بَدَلٌ مِن يَوْمِ الفَصْلِ، أوْ عَطْفُ بَيانٍ، وهَذا النَّفْخُ هو النَّفْخَةُ الأخِيرَةُ الَّتِي عِنْدَها يَكُونُ الحَشْرُ، والنَّفْخُ في الصُّورِ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الصُّورَ جَمْعُ الصُّورَةِ، فالنَّفْخُ في الصُّورَةِ عِبارَةٌ عَنْ نَفْخِ الأرْواحِ في الأجْسادِ. والثّانِي: أنَّ الصُّورَةَ عِبارَةٌ عَنْ قَرْنٍ يُنْفَخُ فِيهِ. وتَمامُ الكَلامِ في الصُّورِ وما قِيلَ فِيهِ قَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الزُّمَرِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَتَأْتُونَ أفْواجًا﴾ مَعْناهُ أنَّهم يَأْتُونَ ذَلِكَ المَقامَ فَوْجًا فَوْجًا حَتّى يَتَكامَلَ اجْتِماعُهم. قالَ عَطاءٌ: كُلُّ نَبِيٍّ يَأْتِي مَعَ أُمَّتِهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ﴾ [الإسْراءِ: ٧١] وقِيلَ: جَماعاتٍ مُخْتَلِفَةٍ. ورَوى صاحِبُ الكَشّافِ «عَنْ مُعاذٍ أنَّهُ سَألَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَنْهُ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”يا مُعاذُ سَألْتَ عَنْ أمْرٍ عَظِيمٍ مِنَ الأُمُورِ، ثُمَّ أرْسَلَ عَيْنَيْهِ وقالَ: يُحْشَرُ عَشَرَةُ أصْنافٍ مِن أُمَّتِي بَعْضُهم عَلى صُورَةِ القِرَدَةِ، وبَعْضُهم عَلى صُورَةِ الخَنازِيرِ، وبَعْضُهم مُنَكِّسُونَ، أرْجُلُهم فَوْقَ وُجُوهِهِمْ يُسْحَبُونَ عَلَيْها، وبَعْضُهم عُمْيٌ، وبَعْضُهم صُمٌّ بُكْمٌ، وبَعْضُهم يَمْضُغُونَ ألْسِنَتَهم وهي مُدَلّاةٌ عَلى صُدُورِهِمْ يَسِيلُ القِيحُ مِن أفْواهِهِمْ يَتَقَذَّرُهم أهْلُ الجَمْعِ، وبَعْضُهم مُقَطَّعَةٌ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم، وبَعْضُهم مُصَلَّبُونَ عَلى
صفحة ١١
جُذُوعٍ مِن نارٍ، وبَعْضُهم أشَدُّ نَتْنًا مِنَ الجِيَفِ، وبَعْضُهم مُلْبَسُونَ جِبابًا سابِغَةً مِن قَطْرانٍ لازِقَةٍ بِجُلُودِهِمْ. فَأمّا الَّذِينَ عَلى صُورَةِ القِرَدَةِ فالقَتّاتُ مِنَ النّاسِ، وأمّا الَّذِينَ عَلى صُورَةِ الخَنازِيرِ فَأهَّلُ السُّحْتِ، وأمّا المُنَكَّسُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ فَأكَلَةُ الرِّبا، وأمّا العُمْيُ فالَّذِينَ يَجُورُونَ في الحُكْمِ، وأمّا الصُّمُّ والبُكْمُ فالمُعْجَبُونَ بِأعْمالِهِمْ، وأمّا الَّذِينَ يَمْضُغُونَ ألْسِنَتَهم فالعُلَماءُ والقُصّاصُ الَّذِينَ يُخالِفُ قَوْلُهم أعْمالَهُمْ، وأمّا الَّذِينَ قُطِعَتْ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم فَهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ الجِيرانَ، وأمّا المُصَلَّبُونَ عَلى جُذُوعٍ مِنَ النّارِ فالسُّعاةُ بِالنّاسِ إلى السُّلْطانِ، وأمّا الَّذِينَ هم أشَدُّ نَتْنًا مِنَ الجِيَفِ فالَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ واللَّذّاتِ ومَنَعُوا حَقَّ اللَّهِ تَعالى مِن أمْوالِهِمْ، وأمّا الَّذِينَ يَلْبَسُونَ الجِبابَ فَأهْلُ الكِبْرِ والفَخْرِ والخُيَلاءِ“» .
78:19–20Page 582
وَفُتِحَتِ ٱلسَّمَآءُ فَكَانَتۡ أَبۡوَٰبٗا ١٩
And the heaven is opened and will become gateways
وَسُيِّرَتِ ٱلۡجِبَالُ فَكَانَتۡ سَرَابًا ٢٠
And the mountains are removed and will be [but] a mirage.
وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أبْوابًا﴾ .
قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: (فُتِحَتِ) خَفِيفَةً والباقُونَ بِالتَّثْقِيلِ والمَعْنى: كَثُرَتْ أبْوابُها المُفَتَّحَةُ لِنُزُولِ المَلائِكَةِ، قالَ القاضِي: وهَذا الفَتْحُ هو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ [الِانْشِقاقِ: ١]، ﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الِانْفِطارِ: ١] إذِ الفَتْحُ والتَّشَقُّقُ والتَّفَطُّرُ تَتَقارَبُ، وأقُولُ: هَذا لَيْسَ بِقَوِيٍّ لِأنَّ المَفْهُومَ مِن فَتْحِ البابِ غَيْرُ المَفْهُومِ مِنَ التَّشَقُّقِ والتَّفَطُّرِ، فَرُبَّما كانَتِ السَّماءُ أبْوابًا، ثُمَّ تُفَتَّحُ تِلْكَ الأبْوابُ مَعَ أنَّهُ لا يَحْصُلُ في جِرْمِ السَّماءِ تَشَقُّقٌ ولا تَفَطُّرٌ، بَلِ الدَّلائِلُ السَّمْعِيَّةُ دَلَّتْ عَلى أنَّ عِنْدَ حُصُولِ فَتْحِ هَذِهِ الأبْوابِ يَحْصُلُ التَّشَقُّقُ والتَّفَطُّرُ والفَناءُ بِالكُلِّيَّةِ، فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿وفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أبْوابًا﴾ يُفِيدُ أنَّ السَّماءَ بِكُلِّيَّتِها تَصِيرُ أبْوابًا، فَكَيْفَ يُعْقَلُ ذَلِكَ؟ قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ تِلْكَ الأبْوابَ لَمّا كَثُرَتْ جِدًّا صارَتْ كَأنَّها لَيْسَتْ إلّا أبْوابًا مُفَتَّحَةً كَقَوْلِهِ: ﴿وفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُونًا﴾ [القَمَرِ: ١٢] أيْ كَأنَّ كُلَّها صارَتْ عُيُونًا تَتَفَجَّرُ.
وثانِيها: قالَ الواحِدِيُّ: هَذا مِن بابِ تَقْدِيرِ حَذْفِ المُضافِ، والتَّقْدِيرُ: فَكانَتْ ذاتَ أبْوابٍ.
وثالِثُها: أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿فَكانَتْ أبْوابًا﴾ عائِدٌ إلى مُضْمَرٍ، والتَّقْدِيرُ: فَكانَتْ تِلْكَ المَواضِعُ المَفْتُوحَةُ أبْوابًا لِنُزُولِ المَلائِكَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وجاءَ رَبُّكَ والمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفَجْرِ: ٢٢] .
ورابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وسُيِّرَتِ الجِبالُ فَكانَتْ سَرابًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ في مَواضِعَ مِن كِتابِهِ أحْوالَ هَذِهِ الجِبالِ عَلى وُجُوهٍ مُخْتَلِفَةٍ، ويُمْكِنُ الجَمْعُ بَيْنَها عَلى الوَجْهِ الَّذِي نَقُولُهُ، وهو أنَّ أوَّلَ أحْوالِها الِانْدِكاكُ وهو قَوْلُهُ: ﴿وحُمِلَتِ الأرْضُ والجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً﴾ [الحاقَّةِ: ١٤] .
والحالَةُ الثّانِيَةُ لَها: أنْ تَصِيرَ ﴿كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ [القارِعَةِ: ٥]، وذَكَرَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ [القارِعَةِ: ٤، ٥] وقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ﴾ ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ﴾ [المَعارِجِ: ٨، ٩] .
الحالَةُ الثّالِثَةُ: أنْ تَصِيرَ كالهَباءِ وذَلِكَ أنْ تَتَقَطَّعَ وتَتَبَدَّدَ بَعْدَ أنْ كانَتْ كالعِهْنِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿إذا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾ ﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾ ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ [الواقِعَةِ: ٤-٦] .
صفحة ١٢
والحالَةُ الرّابِعَةُ: أنْ تُنْسَفَ لِأنَّها مَعَ الأحْوالِ المُتَقَدِّمَةِ قارَّةٌ في مَواضِعِها، والأرْضُ تَحْتَها غَيْرُ بارِزَةٍ، فَتُنْسَفُ عَنْها بِإرْسالِ الرِّياحِ عَلَيْها، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا﴾ [طه: ١٥] .
والحالَةُ الخامِسَةُ: أنَّ الرِّياحَ تَرْفَعُها عَنْ وجْهِ الأرْضِ فَتُطَيِّرُها شُعاعًا في الهَواءِ كَأنَّها غُبارٌ، فَمَن نَظَرَ إلَيْها مِن بُعْدٍ حَسِبَها لِتَكاثُفِها أجْسامًا جامِدَةً، وهي في الحَقِيقَةِ مارَّةٌ إلّا أنَّ مُرُورَها بِسَبَبِ مُرُورِ الرِّياحِ بِها [ صَيَّرَها ] مُنْكَدَّةً مُتَفَتِّتَةً، وهي قَوْلُهُ: ﴿تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ [النَّمْلِ: ٨٨] ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ تِلْكَ الحَرَكَةَ حَصَلَتْ بِقَهْرِهِ وتَسْخِيرِهِ، فَقالَ: ﴿ويَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ وتَرى الأرْضَ بارِزَةً﴾ [الكَهْفِ: ٤٧] .
الحالَةُ السّادِسَةُ: أنْ تَصِيرَ سَرابًا، بِمَعْنى لا شَيْءَ، فَمَن نَظَرَ إلى مَواضِعِها لَمْ يَجِدْ فِيها شَيْئًا، كَما أنَّ مَن يَرى السَّرابَ مِن بُعْدٍ إذا جاءَ المَوْضِعَ الَّذِي كانَ يَراهُ فِيهِ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا، واللَّهُ أعْلَمُ.
واعْلَمْ أنَّ الأحْوالَ المَذْكُورَةَ إلى هاهُنا هي أحْوالٌ عامَّةٌ، ومِن هاهُنا يَصِفُ أهْوالَ جَهَنَّمَ وأحْوالَها.
فَأوَّلُها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصادًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ يَعْمُرَ: (أنَّ جَهَنَّمَ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى تَعْلِيلِ قِيامِ السّاعَةِ بِأنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصادًا لِلطّاغِينَ، كَأنَّهُ قِيلَ: كانَ كَذَلِكَ لِإقامَةِ الجَزاءِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: كانَتْ مِرْصادًا، أيْ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: صارَتْ، وهَذانَ القَوْلانِ نَقَلَهُما القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى، وفِيهِ وجْهٌ ثالِثٌ ذَكَرَهُ القاضِي، فَإنّا إذا فَسَّرْنا المِرْصادَ بِالمُرْتَقِبِ، أفادَ ذَلِكَ أنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ كالمُنْتَظِرَةِ لِقُدُومِهِمْ مِن قَدِيمِ الزَّمانِ، وكالمُسْتَدْعِيَةِ والطّالِبَةِ لَهم.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في المِرْصادِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ المِرْصادَ اسْمٌ لِلْمَكانِ الَّذِي يُرْصَدُ فِيهِ، كالمِضْمارِ اسْمٌ لِلْمَكانِ الَّذِي يُضْمَرُ فِيهِ الخَيْلُ، والمِنهاجُ اسْمٌ لِلْمَكانِ الَّذِي يُنْهَجُ فِيهِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ فِيهِ احْتِمالانِ، أحَدُهُما: أنَّ خَزَنَةَ جَهَنَّمَ يَرْصُدُونَ الكُفّارَ. والثّانِي: أنَّ مَجازَ المُؤْمِنِينَ ومَمَرَّهم كانَ عَلى جَهَنَّمَ، لِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ [مَرْيَمَ: ٧١]، فَخَزَنَةُ الجَنَّةِ يَسْتَقْبِلُونَ المُؤْمِنِينَ عِنْدَ جَهَنَّمَ، ويَرْصُدُونَهم عِنْدَها.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ المِرْصادَ مِفْعالٌ مِنَ الرَّصْدِ، وهو التَّرَقُّبُ، بِمَعْنى أنَّ ذَلِكَ يَكْثُرُ مِنهُ، والمِفْعالُ مِن أبْنِيَةِ المُبالَغَةِ كالمِنظارِ والمِعْمارِ والمِطْعانِ، قِيلَ: إنَّها تَرْصُدُ أعْداءَ اللَّهِ وتَشُقُّ عَلَيْهِمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ﴾ [المُلْكِ: ٨] قِيلَ: تَرْصُدُ كُلَّ كافِرٍ ومُنافِقٍ، والقائِلُونَ بِالقَوْلِ الأوَّلِ اسْتَدَلُّوا عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾ [الفَجْرِ: ١٤] ولَوْ كانَ المِرْصادُ نَعْتًا لَوَجَبَ أنْ يُقالَ: إنَّ رَبَّكَ لَمِرْصادٌ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مَخْلُوقَةً لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصادًا﴾ أيْ مُعَدَّةً، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَتِ الجَنَّةُ أيْضًا كَذَلِكَ، لِأنَّهُ لا قائِلَ بِالفَرْقِ.
78:22–23Page 582
لِّلطَّٰغِينَ مَـَٔابٗا ٢٢
For the transgressors, a place of return,
لَّٰبِثِينَ فِيهَآ أَحۡقَابٗا ٢٣
In which they will remain for ages [unending].
وثانِيها: قَوْلُهُ ﴿لِلطّاغِينَ مَآبًا﴾ وفِيهِ وجْهانِ: إنْ قُلْنا إنَّهُ مِرْصادٌ لِلْكُفّارِ فَقَطْ كانَ قَوْلُهُ: (لِلطّاغِينَ) مِن تَمامِ ما قَبْلَهُ، والتَّقْدِيرُ إنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصادًا لِلطّاغِينَ، ثُمَّ قَوْلُهُ: (مَآبًا) بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: (مِرْصادًا) وإنْ قُلْنا: بِأنَّها كانَتْ مِرْصادًا مُطْلَقًا لِلْكُفّارِ ولِلْمُؤْمِنِينَ، كانَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصادًا﴾ كَلامًا تامًّا، وقَوْلُهُ: ﴿لِلطّاغِينَ مَآبًا﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ جَهَنَّمَ مِرْصادٌ لِلْكُلِّ، ومَآبٌ لِلطّاغِينَ خاصَّةً، ومَن ذَهَبَ إلى القَوْلِ الأوَّلِ لَمْ يَقِفْ عَلى قَوْلِهِ: (مِرْصادًا) أمّا مَن ذَهَبَ إلى القَوْلِ الثّانِي وقَفَ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَقُولُ: المُرادُ بِالطّاغِينَ مَن تَكَبَّرَ عَلى رَبِّهِ وطَغى في مُخالَفَتِهِ ومُعارَضَتِهِ، وقَوْلُهُ: (مَآبًا) أيْ مَصِيرًا ومَقَرًّا.
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿لابِثِينَ فِيها أحْقابًا﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنْ جَهَنَّمَ مَآبٌ لِلطّاغِينَ، وبَيَّنَ كَمِّيَّةَ اسْتِقْرارِهِمْ هُناكَ، فَقالَ: ﴿لابِثِينَ فِيها أحْقابًا﴾ وهاهُنا مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ الجُمْهُورُ (لابِثِينَ) وقَرَأ حَمْزَةُ (لَبِثِينَ) وفِيهِ وجْهانِ. قالَ الفَرّاءُ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ يُقالُ: لابِثٌ ولَبِثٌ، مِثْلُ: طامِعٌ وطَمِعٌ، وفارِهٌ وفَرِهٌ، وهو كَثِيرٌ، وقالَ صاحِبُ الكَشّافِ: واللَّبِثُ أقْوى لِأنَّ اللّابِثَ مَن وُجِدَ مِنهُ اللَّبْثُ، ولا يُقالُ: لَبِثٌ إلّا لِمَن شَأْنُهُ اللَّبْثُ، وهو أنْ يَسْتَقِرَّ في المَكانِ، ولا يَكادُ يَنْفَكُّ عَنْهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الفَرّاءُ: أصْلُ الحِقَبِ مِنَ التَّرادُفِ والتَّتابُعِ، يُقالُ: أحْقَبَ إذا أرْدَفَ ومِنهُ الحَقِيبَةُ ومِنهُ كُلُّ مَن حَمَلَ وِزْرًا فَقَدِ احْتَقَبَ، فَيَجُوزُ عَلى هَذا المَعْنى ﴿لابِثِينَ فِيها أحْقابًا﴾ أيْ دُهُورًا مُتَتابِعَةً يَتْبَعُ بَعْضُها بَعْضًا، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا أبْرَحُ حَتّى أبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ أوْ أمْضِيَ حُقُبًا﴾ [الكَهْفِ: ٦٠] يَحْتَمِلُ سِنِينَ مُتَتابِعَةً إلى أنْ أبْلُغَ أوْ آنَسَ، واعْلَمْ أنَّ الأحْقابَ واحِدُها حُقْبٌ وهو ثَمانُونَ سَنَةً عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ، والحِقَبُ السُّنُونَ واحِدَتُها حِقْبَةٌ، وهي زَمانٌ مِنَ الدَّهْرِ لا وقْتَ لَهُ، ثُمَّ نُقِلَ عَنِ المُفَسِّرِينَ فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: قالَ عَطاءٌ والكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: (أحْقابًا) الحُقْبُ الواحِدُ بِضْعٌ وثَمانُونَ سَنَةً، والسَّنَةُ ثَلاثُمِائَةٍ وسِتُّونَ يَوْمًا، واليَوْمُ ألْفُ سَنَةٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا، ونَحْوَ هَذا رَوى ابْنُ عُمَرَ مَرْفُوعًا.
وثانِيها: سَألَ هِلالٌ الهَجَرِيُّ عَلِيًّا عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: الحُقْبُ مِائَةُ سَنَةٍ، والسَّنَةُ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا، والشَّهْرُ ثَلاثُونَ يَوْمًا، واليَوْمُ ألْفُ سَنَةٍ.
وثالِثُها: قالَ الحَسَنُ: الأحْقابُ لا يَدْرِي أحَدٌ ما هِيَ، ولَكِنَّ الحُقْبَ الواحِدَ سَبْعُونَ ألْفَ سَنَةٍ، اليَوْمُ مِنها كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ.
(فَإنْ قِيلَ) قَوْلُهُ: أحْقابًا وإنْ طالَتْ إلّا أنَّها مُتَناهِيَةٌ، وعَذابُ أهْلِ النّارِ غَيْرُ مُتَناهٍ، بَلْ لَوْ قالَ: لابِثِينَ فِيها الأحْقابَ لَمْ يَكُنْ هَذا السُّؤالُ وارِدًا، ونَظِيرُ هَذا السُّؤالِ قَوْلُهُ في أهْلِ القِبْلَةِ: ﴿إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ [ هُودٍ: ١٠٧] قُلْنا: الجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ لَفْظَ الأحْقابِ لا يَدُلُّ عَلى مُضِيِّ حُقْبٍ لَهُ نِهايَةٌ، وإنَّما الحُقْبُ الواحِدُ مُتَناهٍ، والمَعْنى أنَّهم يَلْبَثُونَ فِيها أحْقابًا كُلَّما مَضى حُقْبٌ تَبِعَهُ حُقْبٌ آخَرُ، وهَكَذا إلى الأبَدِ.
والثّانِي: قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى أنَّهم يَلْبَثُونَ فِيها أحْقابًا لا يَذُوقُونَ في الأحْقابِ بَرْدًا ولا شَرابًا، فَهَذِهِ الأحْقابُ تَوْقِيتٌ لِنَوْعٍ مِنَ العَذابِ، وهو أنْ لا يَذُوقُوا بَرْدًا ولا شَرابًا إلّا حَمِيمًا وغَسّاقًا، ثُمَّ يُبَدَّلُونَ بَعْدَ الأحْقابِ عَنِ الحَمِيمِ والغَسّاقِ مِن جِنْسٍ آخَرَ مِنَ العَذابِ.
وثالِثُها: هَبْ أنَّ قَوْلَهُ: (أحْقابًا) يُفِيدُ التَّناهِيَ، لَكِنَّ دَلالَةَ هَذا عَلى الخُرُوجِ دَلالَةُ المَفْهُومِ، والمَنطُوقُ دَلَّ عَلى أنَّهم لا يَخْرُجُونَ، قالَ تَعالى: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يَخْرُجُوا مِنَ النّارِ وما هم بِخارِجِينَ مِنها ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ [المائِدَةِ: ٣٧]
صفحة ١٤
ولا شَكَّ أنَّ المَنطُوقَ راجِحٌ، وذَكَرَ صاحِبُ الكَشّافِ في الآيَةِ وجْهًا آخَرَ، وهو أنْ يَكُونَ أحْقابًا مِن حَقِبَ عامُنا إذا قَلَّ مَطَرُهُ وخَيْرُهُ، وحَقِبَ فُلانٌ إذا أخْطَأهُ الرِّزْقُ فَهو حَقِبٌ وجَمْعُهُ أحْقابٌ. فَيَنْتَصِبُ حالًا عَنْهم بِمَعْنى لابِثِينَ فِيها حَقِبِينَ مُجْدِبِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدًا ولا شَرابًا﴾ تَفْسِيرٌ لَهُ.
78:24–26Page 582
لَّا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرۡدٗا وَلَا شَرَابًا ٢٤
They will not taste therein [any] coolness or drink.
إِلَّا حَمِيمٗا وَغَسَّاقٗا ٢٥
Except scalding water and [foul] purulence -
جَزَآءٗ وِفَاقًا ٢٦
An appropriate recompense.1
ورابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدًا ولا شَرابًا﴾ ﴿إلّا حَمِيمًا وغَسّاقًا﴾ ﴿جَزاءً وِفاقًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: إنِ اخْتَرْنا قَوْلَ الزَّجّاجِ كانَ قَوْلُهُ: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدًا ولا شَرابًا﴾ مُتَّصِلًا بِما قَبْلَهُ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (فِيها) عائِدًا إلى الأحْقابِ، وإنْ لَمْ نَقُلْ بِهِ كانَ هَذا كَلامًا مُسْتَأْنَفًا مُبْتَدَأً، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ عائِدًا إلى جَهَنَّمَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في قَوْلِهِ: (بَرْدًا) وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ البَرْدُ المَعْرُوفُ، والمُرادُ أنَّهم لا يَذُوقُونَ مَعَ شِدَّةِ الحَرِّ ما يَكُونُ فِيهِ راحَةٌ مِن رِيحٍ بارِدَةٍ، أوْ ظِلٌّ يَمْنَعُ مِن نارٍ، ولا يَجِدُونَ شَرابًا يُسْكِنُ عَطَشَهُمْ، ويُزِيلُ الحُرْقَةَ عَنْ بَواطِنِهِمْ، والحاصِلُ أنَّهم لا يَجِدُونَ هَواءً بارِدًا، ولا ماءً بارِدًا.
والثّانِي: البَرْدُ هاهُنا النَّوْمُ، وهو قَوْلُ الأخْفَشِ والكِسائِيِّ والفَرّاءِ وقُطْرُبٍ والعُتْبِيِّ، قالَ الفَرّاءُ: وإنَّما سُمِّيَ النَّوْمُ بَرْدًا لِأنَّهُ يُبَرِّدُ صاحِبَهُ، فَإنَّ العَطْشانَ يَنامُ فَيَبْرُدُ بِالنَّوْمِ، وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ والمُبَرِّدُ في بَيانِ أنَّ المُرادَ النَّوْمُ قَوْلَ الشّاعِرِ:
بَرُدَتْ مَراشِفُها عَلَيَّ فَصَدَّنِي عَنْها وعَنْ رَشَفاتِها البَرْدُ
يَعْنِي النَّوْمَ، قالَ المُبَرِّدُ: ومِن أمْثالِ العَرَبِ: مَنَعَ البَرْدُ البَرْدَ أيْ أصابَنِي مِنَ البَرْدِ ما مَنَعَنِي مِنَ النَّوْمِ، واعْلَمْ أنَّ القَوْلَ الأوَّلَ أوْلى لِأنَّهُ إذا أمْكَنَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى الحَقِيقَةِ المَشْهُورَةِ، فَلا مَعْنى لِحَمْلِهِ عَلى المَجازِ النّادِرِ الغَرِيبِ، والقائِلُونَ بِالقَوْلِ الثّانِي تَمَسَّكُوا في إثْباتِهِ بِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ لا يُقالُ: ذُقْتُ البَرْدَ ويُقالُ: ذُقْتُ النَّوْمَ. الثّانِي: أنَّهم يَذُوقُونَ بَرْدَ الزَّمْهَرِيرِ، فَلا يَصِحُّ أنْ يُقالَ إنَّهم ما ذاقُوا بَرْدًا، وهَبْ أنَّ ذَلِكَ البَرْدَ بَرْدٌ تَأذَّوْا بِهِ، ولَكِنْ كَيْفَ كانَ، فَقَدْ ذاقُوا البَرْدَ. والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: كَما أنَّ ذَوْقَ البَرْدِ مَجازٌ فَكَذا ذَوْقُ النَّوْمِ أيْضًا مَجازٌ، ولِأنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدًا﴾ أيْ لا يَسْتَنْشِقُونَ فِيها نَفَسًا بارِدًا، ولا هَواءً بارِدًا، والهَواءُ المُسْتَنْشَقُ مَمَرُّهُ الفَمُ والأنْفُ، فَجازَ إطْلاقُ لَفْظِ الذَّوْقِ عَلَيْهِ. والجَوابُ عَنِ الثّانِي: أنَّهُ لَمْ يَقُلْ: لا يَذُوقُونَ فِيها البَرْدَ، بَلْ قالَ: لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدًا واحِدًا، وهو البَرْدُ الَّذِي يَنْتَفِعُونَ بِهِ ويَسْتَرِيحُونَ إلَيْهِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذَكَرُوا في الحَمِيمِ أنَّهُ الصُّفْرُ المُذابُ، وهو باطِلٌ، بَلِ الحَمِيمُ الماءُ الحارُّ المَغْلِيُّ جِدًّا.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ذَكَرُوا في الغَسّاقِ وُجُوهًا:
أحَدُها: قالَ أبُو مُعاذٍ: كُنْتُ أسْمَعُ مَشايِخَنا يَقُولُونَ: الغَسّاقُ فارِسِيَّةٌ مُعَرَّبَةٌ يَقُولُونَ لِلشَّيْءِ الَّذِي يَتَقَذَّرُونَهُ:
صفحة ١٥
خاشاك.
وثانِيها: أنَّ الغَسّاقُ هو الشَّيْءُ البارِدُ الَّذِي لا يُطاقُ، وهو الَّذِي يُسَمّى بِالزَّمْهَرِيرِ.
وثالِثُها: الغَسّاقُ ما يَسِيلُ مِن أعْيُنِ أهْلِ النّارِ وجُلُودِهِمْ مِنَ الصَّدِيدِ والقَيْحِ والعَرَقِ وسائِرِ الرُّطُوباتِ المُسْتَقْذَرَةِ، وفي كِتابِ الخَلِيلِ: غَسَقَتْ عَيْنُهُ، تَغْسِقُ غَسْقًا وغَسَقاقًا.
ورابِعُها: الغَسّاقُ هو المُنْتِنُ، ودَلِيلُهُ ما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ”«لَوْ أنَّ دَلْوًا مِنَ الغَسّاقِ يُهْراقُ عَلى الدُّنْيا لَأنْتَنَ أهْلُ الدُّنْيا» “ .
وخامِسُها: أنَّ الغاسِقَ هو المُظْلِمُ، قالَ تَعالى: ﴿ومِن شَرِّ غاسِقٍ إذا وقَبَ﴾ [الفَلَقِ: ٣] فَيَكُونُ الغَسّاقُ شَرابًا أسْوَدَ مَكْرُوهًا يُسْتَوْحَشُ كَما يُسْتَوْحَشُ الشَّيْءُ المُظْلِمُ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنْ فَسَّرْنا الغَسّاقَ بِالبارِدِ كانَ التَّقْدِيرُ: لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدًا إلّا غَسّاقًا ولا شَرابًا إلّا حَمِيمًا، إلّا أنَّهُما جُمِعا لِأجْلِ انْتِظامِ الآيِ، ومِثْلُهُ مِنَ الشِّعْرِ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
كَأنَّ قُلُوبَ الطَّيْرِ رَطْبًا ويابِسًا ∗∗∗ لَدى وكْرِها العُنّابُ والحَشَفُ البالِي
والمَعْنى كَأنَّ قُلُوبَ الطَّيْرِ رَطْبًا العُنّابُ ويابِسًا الحَشَفُ البالِي. أمّا إنْ فَسَّرْنا الغَسّاقَ بِالصَّدِيدِ أوْ بِالنَّتْنِ احْتَمَلَ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ بِالحَمِيمِ والغَسّاقِ راجِعًا إلى البَرْدِ والشَّرابِ مَعًا، وأنْ يَكُونَ مُخْتَصًّا بِالشَّرابِ فَقَطْ.
أمّا الِاحْتِمالُ الأوَّلُ: فَهو أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: لا يَذُوقُونَ فِيها شَرابًا إلّا الحَمِيمَ البالِغَ في الحَمِيمِ والصَّدِيدَ المُنْتِنَ.
وأمّا الِاحْتِمالُ الثّانِي: فَهو أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: لا يَذُوقُونَ فِيها شَرابًا إلّا الحَمِيمَ البالِغَ في السُّخُونَةِ أوِ الصَّدِيدَ المُنْتِنَ، واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ، فَإنْ قِيلَ: الصَّدِيدُ لا يُشْرَبُ فَكَيْفَ اسْتُثْنِيَ مِنَ الشَّرابِ؟ قُلْنا: إنَّهُ مائِعٌ فَأُمْكِنَ أنْ يُشْرَبَ في الجُمْلَةِ، فَإنْ ثَبَتَ أنَّهُ غَيْرُ مُمْكِنٍ كانَ ذَلِكَ اسْتِثْناءً مِن غَيْرِ الجِنْسِ، ووَجْهُهُ مَعْلُومٌ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وعاصِمٌ مِن رِوايَةِ حَفْصٍ عَنْهُ: (غَسّاقًا) بِالتَّشْدِيدِ، فَكَأنَّهُ فَعّالٌ بِمَعْنى مَيّالٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ، مِثْلُ شَرابٍ، والأوَّلُ نَعْتٌ والثّانِي اسْمٌ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ أنْواعَ عُقُوبَةِ الكُفّارِ بَيَّنَ فِيما بَعْدَهُ أنَّهُ: ﴿جَزاءً وِفاقًا﴾ وفي المَعْنى وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى أنْزَلَ بِهِمْ عُقُوبَةً شَدِيدَةً بِسَبَبِ أنَّهم أتَوْا بِمَعْصِيَةٍ شَدِيدَةٍ فَيَكُونُ العِقابُ (وِفاقًا) لِلذَّنْبِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشُّورى: ٤٠] .
والثّانِي: أنَّهُ (وِفاقًا) مِن حَيْثُ لَمْ يَزِدْ عَلى قَدْرِ الِاسْتِحْقاقِ ولَمْ يَنْقُصْ عَنْهُ، وذَكَرَ النَّحْوِيُّونَ فِيهِ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنْ يَكُونَ الوِفاقُ والمُوافِقُ واحِدًا في اللُّغَةِ والتَّقْدِيرُ جَزاءً مُوافِقًا.
وثانِيها: أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى المَصْدَرِ والتَّقْدِيرُ جَزاءً وافَقَ أعْمالَهم (وِفاقًا) .
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ وُصِفَ بِالمَصْدَرِ كَما يُقالُ: فُلانٌ فَضْلٌ وكَرَمٌ؛ لِكَوْنِهِ كامِلًا في ذَلِكَ المَعْنى، كَذَلِكَ هاهُنا لَمّا كانَ ذَلِكَ الجَزاءُ كامِلًا في كَوْنِهِ عَلى وفْقِ الِاسْتِحْقاقِ وصَفَ الجَزاءَ بِكَوْنِهِ (وِفاقًا) .
ورابِعُها: أنْ يَكُونَ بِحَذْفِ المُضافِ والتَّقْدِيرُ جَزاءً ذا وِفاقٍ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: ”وفّاقًا“ فَعّالًا مِنَ الوَفْقِ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَكُونُ هَذا العَذابُ البالِغُ في الشِّدَّةِ الغَيْرُ المُتَناهِي بِحَسَبِ المُدَّةِ (وِفاقًا) لِلْإتْيانِ بِالكُفْرِ لَحْظَةً واحِدَةً، وأيْضًا فَعَلى قَوْلِ أهْلِ السُّنَّةِ إذا كانَ الكُفْرُ واقِعًا بِخَلْقِ اللَّهِ وإيجادِهِ فَكَيْفَ يَكُونُ هَذا وِفاقًا لَهُ؟ وأمّا عَلى مَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ فَكانَ عِلْمُ اللَّهِ بِعَدَمِ إيمانِهِمْ حاصِلًا ووُجُودُ إيمانِهِمْ مُنافٍ بِالذّاتِ لِذَلِكَ العِلْمِ، فَمَعَ قِيامِ أحَدِ المُتَنافِيَيْنِ كانَ التَّكْلِيفُ بِإدْخالِ المُنافِي الثّانِي في الوُجُودِ مُمْتَنِعًا لِذاتِهِ وعَيْنِهِ، ويَكُونُ تَكْلِيفًا بِالجَمْعِ بَيْنَ المُتَنافِيَيْنِ، فَكَيْفَ
صفحة ١٦
يَكُونُ مِثْلُ هَذا العَذابِ الشَّدِيدِ الدّائِمِ وِفاقًا لِمِثْلِ هَذا الجُرْمِ؟ قُلْنا: يَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ عَلى الإجْمالِ أنَّ ذَلِكَ الجَزاءَ كانَ عَلى وفْقِ جُرْمِهِمْ شَرَحَ أنْواعَ جَرائِمِهِمْ، وهي بَعْدَ ذَلِكَ نَوْعانِ:
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences