Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Al-Anfal 8:39–45
8:39–40Page 181
وَقَٰتِلُوهُمۡ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتۡنَةٞ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ كُلُّهُۥ لِلَّهِۚ فَإِنِ ٱنتَهَوۡاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ ٣٩
And fight against them until there is no fitnah1 and [until] the religion [i.e., worship], all of it, is for Allāh.2 And if they cease - then indeed, Allāh is Seeing of what they do.
وَإِن تَوَلَّوۡاْ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَوۡلَىٰكُمۡۚ نِعۡمَ ٱلۡمَوۡلَىٰ وَنِعۡمَ ٱلنَّصِيرُ ٤٠
But if they turn away - then know that Allāh is your protector. Excellent is the protector, and excellent is the helper.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ويَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإنِ انْتَهَوْا فَإنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ﴿وإنْ تَوَلَّوْا فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَوْلاكم نِعْمَ المَوْلى ونِعْمَ النَّصِيرُ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ إنِ انْتَهَوْا عَنْ كُفْرِهِمْ حَصَلَ لَهُمُ الغُفْرانُ، وإنْ عادُوا فَهم مُتَوَعَّدُونَ بِسُنَّةِ الأوَّلِينَ، أتْبَعَهُ بِأنْ أمَرَ بِقِتالِهِمْ إذا أصَرُّوا فَقالَ: ﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ قالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: كانَ المُؤْمِنُونَ في مَبْدَأِ الدَّعْوَةِ يُفْتَنُونَ عَنْ دِينِ اللَّهِ، فافْتَتَنَ مِنَ المُسْلِمِينَ بَعْضُهم وأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المُسْلِمِينَ أنْ يَخْرُجُوا إلى الحَبَشَةِ، وفِتْنَةٌ ثانِيَةٌ وهو أنَّهُ لَمّا بايَعَتِ الأنْصارُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَيْعَةَ العَقَبَةِ، تَآمَرَتْ قُرَيْشٌ أنْ يَفْتِنُوا المُؤْمِنِينَ بِمَكَّةَ عَنْ دِينِهِمْ، فَأصابَ المُؤْمِنِينَ جَهْدٌ شَدِيدٌ، فَهَذا هو المُرادُ مِنَ الفِتْنَةِ، فَأمَرَ اللَّهُ تَعالى بِقِتالِهِمْ حَتّى تَزُولَ هَذِهِ الفِتْنَةُ، وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنَّ مُبالَغَةَ النّاسِ في حُبِّهِمْ أدْيانَهم أشَدُّ مِن مُبالَغَتِهِمْ في حُبِّهِمْ أرْواحَهم، فالكافِرُ أبَدًا يَسْعى بِأعْظَمِ وُجُوهِ السَّعْيِ في إيذاءِ المُؤْمِنِينَ وفي إلْقاءِ الشُّبُهاتِ في قُلُوبِهِمْ، وفي إلْقائِهِمْ في وُجُوهِ المِحْنَةِ والمَشَقَّةِ، وإذا وقَعَتِ المُقاتَلَةُ زالَ الكُفْرُ والمَشَقَّةُ، وخَلَصَ الإسْلامُ وزالَتْ تِلْكَ الفِتَنُ بِالكُلِّيَّةِ، قالَ القاضِي: إنَّهُ تَعالى أمَرَ بِقِتالِهِمْ ثُمَّ بَيَّنَ العِلَّةَ الَّتِي بِها أوْجَبَ قِتالَهم، فَقالَ: ﴿حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ ويَخْلُصُ الدِّينُ الَّذِي هو دِينُ اللَّهِ مِن سائِرِ الأدْيانِ، وإنَّما يَحْصُلُ هَذا المَقْصُودُ إذا زالَ الكُفْرُ بِالكُلِّيَّةِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الآيَةِ﴿وقاتِلُوهُمْ﴾ لِأجْلِ أنْ يَحْصُلَ هَذا المَعْنى، أوْ يَكُونَ المُرادُ﴿وقاتِلُوهُمْ﴾ لِغَرَضِ أنْ يَحْصُلَ هَذا المَعْنى، فَإنْ كانَ المُرادُ مِنَ الآيَةِ هو الأوَّلُ وجَبَ أنْ يَحْصُلَ هَذا المَعْنى مِنَ القِتالِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ﴿ويَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ﴾ في أرْضِ مَكَّةَ وما حَوالَيْها؛ لِأنَّ المَقْصُودَ حَصَلَ هُنا، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«لا يَجْتَمِعُ دِينانِ في جَزِيرَةِ العَرَبِ» “، ولا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى جَمِيعِ البِلادِ، إذْ لَوْ كانَ ذَلِكَ مُرادًا لَما بَقِيَ الكُفْرُ فِيها مَعَ حُصُولِ القِتالِ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ بِهِ، وأمّا إذا كانَ المُرادُ مِنَ الآيَةِ هو الثّانِي، وهو قَوْلُهُ: قاتِلُوهم لِغَرَضِ أنْ يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ، فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ لَمْ يَمْتَنِعْ حَمْلُهُ عَلى إزالَةِ الكُفْرِ عَنْ جَمِيعِ العالَمِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ كُلُّ ما كانَ غَرَضًا لِلْإنْسانِ فَإنَّهُ يَحْصُلُ، فَكانَ المُرادُ الأمْرَ بِالقِتالِ لِحُصُولِ هَذا الغَرَضِ سَواءٌ حَصَلَ في نَفْسِ الأمْرِ أوْ لَمْ يَحْصُلْ.
ثُمَّ قالَ: ﴿فَإنِ انْتَهَوْا فَإنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ والمَعْنى﴿فَإنِ انْتَهَوْا﴾ عَنِ الكُفْرِ وسائِرِ المَعاصِي بِالتَّوْبَةِ والإيمانِ﴿فَإنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ عالِمٌ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ يُوَصِّلُ إلَيْهِمْ ثَوابَهُمْ﴿وإنْ تَوَلَّوْا﴾ يَعْنِي عَنِ التَّوْبَةِ والإيمانِ﴿فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ﴾ أيْ ولِيُّكُمُ الَّذِي يَحْفَظُكم ويَرْفَعُ البَلاءَ عَنْكم، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ تَعالى﴿نِعْمَ المَوْلى ونِعْمَ النَّصِيرُ﴾ وكُلُّ ما كانَ في حِمايَةِ هَذا المَوْلى وفي حِفْظِهِ وكِفايَتِهِ، كانَ آمِنًا مِنَ الآفاتِ مَصُونًا عَنِ المُخَوِّفاتِ.
8:41Page 182
۞ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا غَنِمۡتُم مِّن شَيۡءٖ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُۥ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِ إِن كُنتُمۡ ءَامَنتُم بِٱللَّهِ وَمَآ أَنزَلۡنَا عَلَىٰ عَبۡدِنَا يَوۡمَ ٱلۡفُرۡقَانِ يَوۡمَ ٱلۡتَقَى ٱلۡجَمۡعَانِۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ٤١
And know that anything you obtain of war booty - then indeed, for Allāh is one fifth of it and for the Messenger1 and for [his] near relatives2 and the orphans, the needy, and the [stranded] traveler,3 if you have believed in Allāh and in that which We sent down to Our Servant4 on the day of criterion [i.e., decisive encounter] - the day when the two armies met [at Badr]. And Allāh, over all things, is competent.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ وما أنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الفُرْقانِ يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِالمُقاتَلَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وقاتِلُوهُمْ﴾ وكانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ عِنْدَ المُقاتَلَةِ قَدْ تَحْصُلُ الغَنِيمَةُ، لا جَرَمَ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى حُكْمَ الغَنِيمَةِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الغُنْمُ: الفَوْزُ بِالشَّيْءِ، يُقالُ: غَنِمَ يَغْنَمُ غُنْمًا فَهو غانِمٌ، والغَنِيمَةُ في الشَّرِيعَةِ ما دَخَلَتْ في أيْدِي المُسْلِمِينَ مِن أمْوالِ المُشْرِكِينَ عَلى سَبِيلِ القَهْرِ بِالخَيْلِ والرِّكابِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ”ما“ في قَوْلِهِ: ﴿أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ﴾ مَوْصُولَةٌ وقَوْلُهُ: ﴿مِن شَيْءٍ﴾ يَعْنِي أيَّ شَيْءٍ كانَ حَتّى الخَيْطِ﴿فَأنَّ لِلَّهِ﴾ خَبَرُ ”أنَّ“ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَحَقٌّ أوْ فَواجِبٌ أنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ، ورَوى النَّخَعِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ”فَإنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ“ بِالكَسْرِ، وتَقْدِيرُهُ عَلى قِراءَةِ النَّخَعِيِّ: فَلِلَّهِ خُمُسُهُ، والمَشْهُورُ آكَدُ وأثْبَتُ لِلْإيجابِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَلا بُدَّ مِن إثْباتِ الخُمُسِ فِيهِ، ولا سَبِيلَ إلى الإخْلالِ بِهِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ إذا حُذِفَ الخَبَرُ واحْتَمَلَ وُجُوهًا كَثِيرَةً مِنَ المُقَدَّراتِ كَقَوْلِكَ: ثابِتٌ، واجِبٌ، حَقٌّ، لازِمٌ، كانَ أقْوى لِإيجابِهِ مِنَ النَّصِّ عَلى واحِدٍ، وقُرِئَ ”خُمْسَهُ“ بِالسُّكُونِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في كَيْفِيَّةِ قِسْمَةِ الغَنائِمِ.
اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَقْتَضِي أنْ يُؤْخَذَ خُمْسُها، وفي كَيْفِيَّةِ قِسْمَةِ ذَلِكَ الخُمْسِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: وهو المَشْهُورُ أنَّ ذَلِكَ الخُمْسَ يُخْمَسُ، فَسَهْمٌ لِرَسُولِ اللَّهِ، وسَهْمٌ لِذَوِي قُرْباهُ مِن بَنِي هاشِمٍ وبَنِي المُطَّلِبِ، دُونَ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ وبَنِي نَوْفَلٍ، لِما رُوِيَ «عَنْ عُثْمانَ وجُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ أنَّهُما قالا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: هَؤُلاءِ إخْوَتُكَ بَنُو هاشِمٍ لا يُنْكَرُ فَضْلُهم لِكَوْنِكَ مِنهم أرَأيْتَ إخْوانَنا بَنِي المُطَّلِبِ أعْطَيْتَهم وحَرَمْتَنا، وإنَّما نَحْنُ وهم بِمَنزِلَةٍ واحِدَةٍ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”إنَّهم لَمْ يُفارِقُونا في جاهِلِيَّةٍ ولا إسْلامٍ إنَّما بَنُو هاشِمٍ وبَنُو المُطَّلِبِ شَيْءٌ واحِدٌ وشَبَّكَ بَيْنَ أصابِعِهِ» “، وثَلاثَةُ أسْهُمٍ لِلْيَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ، وأمّا بَعْدَ وفاةِ الرَّسُولِ ﷺ، فَعِنْدَ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ: أنَّهُ يُقَسَّمُ عَلى خَمْسَةِ أسْهُمٍ: سَهْمٌ لِرَسُولِ اللَّهِ، يُصْرَفُ إلى ما كانَ يَصْرِفُهُ إلَيْهِ مِن مَصالِحِ المُسْلِمِينَ كَعُدَّةِ الغُزاةِ مِنَ الكُراعِ والسِّلاحِ، وسَهْمٌ لِذَوِي القُرْبى مِن أغْنِيائِهِمْ وفُقَرائِهِمْ يُقَسَّمُ بَيْنَهم لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ، والباقِي لِلْفِرَقِ الثَّلاثَةِ وهم: اليَتامى، والمَساكِينُ، وابْنُ السَّبِيلِ.
وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: إنَّ بَعْدَ وفاةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ سَهْمُهُ ساقِطٌ بِسَبَبِ مَوْتِهِ، وكَذَلِكَ سَهْمُ ذَوِي القُرْبى، وإنَّما يُعْطَوْنَ لِفَقْرِهِمْ، فَهم أُسْوَةُ سائِرِ الفُقَراءِ، ولا يُعْطى أغْنِياؤُهم فَيُقْسَمُ عَلى اليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ. وقالَ مالِكٌ: الأمْرُ في الخُمْسِ مُفَوَّضٌ إلى رَأْيِ الإمامِ، إنْ رَأى قِسْمَتَهُ عَلى هَؤُلاءِ فَعَلَ، وإنْ رَأى إعْطاءَ بَعْضِهِمْ دُونَ بَعْضٍ فَلَهُ ذَلِكَ.
صفحة ١٣٣
واعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ مُطابِقٌ لِقَوْلِ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ وصَرِيحٌ فِيهِ، فَلا يَجُوزُ العُدُولُ عَنْهُ إلّا لِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ أقْوى مِنها، وكَيْفَ وقَدْ قالَ في آخِرِ الآيَةِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ﴾ يَعْنِي: إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ فاحْكُمُوا بِهَذِهِ القِسْمَةِ، وهو يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مَتى لَمْ يَحْصُلِ الحُكْمُ بِهَذِهِ القِسْمَةِ، لَمْ يَحْصُلِ الإيمانُ بِاللَّهِ.
والقَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ أبِي العالِيَةِ: إنَّ خُمْسَ الغَنِيمَةِ يُقَسَّمُ عَلى سِتَّةِ أقْسامٍ: فَواحِدٌ مِنها لِلَّهِ، وواحِدٌ لِرَسُولِ اللَّهِ، والثّالِثُ لِذَوِي القُرْبى، والثَّلاثَةُ الباقِيَةُ لِلْيَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ قالُوا: والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى جَعَلَ خُمْسَ الغَنِيمَةِ لِلَّهِ، ثُمَّ لِلطَّوائِفِ الخَمْسَةِ، ثُمَّ القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ مِنهم مَن قالَ: يُصْرَفُ سَهْمُ اللَّهِ إلى الرَّسُولِ، ومِنهم مَن قالَ: يُصْرَفُ إلى عِمارَةِ الكَعْبَةِ، وقالَ بَعْضُهم: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَضْرِبُ يَدَهُ في هَذا الخُمْسِ، فَما قَبَضَ عَلَيْهِ مِن شَيْءٍ جَعَلَهُ لِلْكَعْبَةِ، وهو الَّذِي سُمِّيَ لِلَّهِ تَعالى.
والقائِلُونَ بِالقَوْلِ الأوَّلِ أجابُوا عَنْهُ: بِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِلَّهِ﴾ لَيْسَ المَقْصُودُ مِنهُ إثْباتَ نَصِيبٍ لِلَّهِ، فَإنَّ الأشْياءَ كُلَّها مُلْكٌ لِلَّهِ ومِلْكُهُ، وإنَّما المَقْصُودُ مِنهُ افْتِتاحُ الكَلامِ بِذِكْرِ اللَّهِ عَلى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿قُلِ الأنْفالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ [الأنْفالِ: ١]، واحْتَجَّ القَفّالُ عَلى صِحَّةِ هَذا القَوْلِ بِما رُوِيَ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ لَهم في غَنائِمِ خَيْبَرَ: ”ما لِي مِمّا أفاءَ اللَّهُ عَلَيْكم إلّا الخُمُسَ والخُمُسُ مَرْدُودٌ فِيكم» “ فَقَوْلُهُ: «ما لِي إلّا الخُمُسُ» يَدُلُّ عَلى أنَّ سَهْمَ اللَّهِ وسَهْمَ الرَّسُولِ واحِدٌ، وعَلى الإضْمامِ سَهْمُهُ السُّدْسُ لا الخُمْسُ، وإنْ قُلْنا: إنَّ السَّهْمَيْنِ يَكُونانِ لِلرَّسُولِ، صارَ سَهْمُهُ أزْيَدَ مِنَ الخُمْسِ، وكِلا القَوْلَيْنِ يُنافِي ظاهِرَ قَوْلِهِ: ”«ما لِي إلّا الخُمْسُ» “ هَذا هو الكَلامُ في قِسْمَةِ خُمْسِ الغَنِيمَةِ، وأمّا الباقِي وهو أرْبَعَةُ أخْماسِ الغَنِيمَةِ فَهي لِلْغانِمِينَ؛ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ حازُوهُ واكْتَسَبُوهُ كَما يُكْتَسَبُ الكَلَأُ بِالِاحْتِشاشِ، والطَّيْرُ بِالِاصْطِيادِ، والفُقَهاءُ اسْتَنْبَطُوا مِن هَذِهِ الآيَةِ مَسائِلَ كَثِيرَةً مَذْكُورَةً في كُتُبِ الفِقْهِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ قِسْمَةُ الغَنائِمِ في دارِ الحَرْبِ، كَما هو قَوْلُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ﴾ يَقْتَضِي ثُبُوتَ المِلْكِ لِهَؤُلاءِ في الغَنِيمَةِ، وإذا حَصَلَ المِلْكُ لَهم فِيهِ وجَبَ جَوازُ القِسْمَةِ؛ لِأنَّهُ لا مَعْنًى لِلْقِسْمَةِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ إلّا صَرْفُ المِلْكِ إلى المالِكِ، وذَلِكَ جائِزٌ بِالِاتِّفاقِ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اخْتَلَفُوا في ذَوِي القُرْبى، قِيلَ: هم بَنُو هاشِمٍ، وقالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: هم بَنُو هاشِمٍ وبَنُو المُطَّلِبِ، واحْتَجَّ بِالخَبَرِ الَّذِي رَوَيْناهُ، وقِيلَ: آلُ عَلِيٍّ، وجَعْفَرٍ، وعَقِيلٍ، وآلُ عَبّاسٍ، ووَلَدُ الحارِثِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: حَكى صاحِبُ ”الكَشّافِ“ عَنِ الكَلْبِيِّ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بِبَدْرٍ، وقالَ الواقِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: كانَ الخُمْسُ في غَزْوَةِ بَنِي قَيْنُقاعَ بَعْدَ بَدْرٍ بِشَهْرٍ وثَلاثَةِ أيّامٍ لِلنِّصْفِ مِن شَوّالٍ عَلى رَأْسِ عِشْرِينَ شَهْرًا مِنَ الهِجْرَةِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ﴾ والمَعْنى اعْلَمُوا أنَّ خُمْسَ الغَنِيمَةِ مَصْرُوفٌ إلى هَذِهِ الوُجُوهِ الخَمْسَةِ فاقْطَعُوا عَنْهُ أطْماعَكم واقْنَعُوا بِالأخْماسِ الأرْبَعَةِ﴿إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ وما أنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا﴾ يَعْنِي: إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ وبِالمُنْزَلِ عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الفُرْقانِ، يَوْمَ بَدْرٍ، والجَمْعانِ: الفَرِيقانِ مِنَ المُسْلِمِينَ والكافِرِينَ، والمُرادُ مِنهُ ما أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِنَ الآياتِ، والمَلائِكَةِ، والفَتْحِ في ذَلِكَ اليَوْمِ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أيْ يَقْدِرُ عَلى نَصْرِكم وأنْتُمْ قَلِيلُونَ ذَلِيلُونَ واللَّهُ أعْلَمُ.
8:42Page 182
إِذۡ أَنتُم بِٱلۡعُدۡوَةِ ٱلدُّنۡيَا وَهُم بِٱلۡعُدۡوَةِ ٱلۡقُصۡوَىٰ وَٱلرَّكۡبُ أَسۡفَلَ مِنكُمۡۚ وَلَوۡ تَوَاعَدتُّمۡ لَٱخۡتَلَفۡتُمۡ فِي ٱلۡمِيعَٰدِ وَلَٰكِن لِّيَقۡضِيَ ٱللَّهُ أَمۡرٗا كَانَ مَفۡعُولٗا لِّيَهۡلِكَ مَنۡ هَلَكَ عَنۢ بَيِّنَةٖ وَيَحۡيَىٰ مَنۡ حَيَّ عَنۢ بَيِّنَةٖۗ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ ٤٢
[Remember] when you were on the near side of the valley, and they were on the farther side, and the caravan was lower [in position] than you. If you had made an appointment [to meet], you would have missed the appointment. But [it was] so that Allāh might accomplish a matter already destined - that those who perished [through disbelief] would perish upon evidence and those who lived [in faith] would live upon evidence; and indeed, Allāh is Hearing and Knowing.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ أنْتُمْ بِالعُدْوَةِ الدُّنْيا وهم بِالعُدْوَةِ القُصْوى والرَّكْبُ أسْفَلَ مِنكم ولَوْ تَواعَدْتُمْ لاخْتَلَفْتُمْ في المِيعادِ ولَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَن هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ ويَحْيا مَن حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وإنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ .
وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: ﴿إذْ أنْتُمْ بِالعُدْوَةِ الدُّنْيا﴾ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمَرٍ مَعْناهُ: واذْكُرُوا إذْ أنْتُمْ كَذا وكَذا، كَما قالَ تَعالى: ﴿واذْكُرُوا إذْ أنْتُمْ قَلِيلٌ﴾ [الأنْفالِ: ٢٦] .
والثّانِي: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿إذْ﴾ بَدَلًا عَنْ يَوْمِ الفُرْقانِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو ”بِالعِدْوَةِ“ بِكَسْرِ العَيْنِ في الحَرْفَيْنِ، والباقُونَ بِالضَّمِّ، وهُما لُغَتانِ، قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: عُدْوَةُ الوادِي وعِدْوَتُهُ جانِبُهُ، والجَمْعُ عُدًى، وعِدًى. قالَ الأخْفَشُ: الكَسْرُ كَلامُ العَرَبِ لَمْ يُسْمَعْ عَنْهم غَيْرُ ذَلِكَ، وقالَ أحْمَدُ بْنُ يَحْيى: الضَّمُّ في العُدْوَةِ أكْثَرُ اللُّغَتَيْنِ، وحَكى صاحِبُ ”الكَشّافِ“ الضَّمَّ والفَتْحَ والكَسْرَ، قالَ: وقُرِئَ بِهِنَّ و”بِالعُدْيَةِ“ عَلى قَلْبِ الواوِ ياءً؛ لِأنَّ بَيْنَها وبَيْنَ الكَسْرِ حاجِزًا غَيْرَ حَصِينٍ، كَما في الفِتْيَةِ، وأمّا ”الدُّنْيا“ فَتَأْنِيثُ الأدْنى وضِدُّهُ ”القُصْوى“ وهو تَأْنِيثُ الأقْصى، وكُلُّ شَيْءٍ تَنَحّى عَنْ شَيْءٍ فَقَدْ قَصا، والأقْصى والقُصْوى كالأكْبَرِ والكُبْرى.
فَإنْ قِيلَ: كِلْتاهُما فُعْلى مِن بابِ الواوِ، فَلِمَ جاءَتْ إحْداهُما بِالياءِ والثّانِيَةُ بِالواوِ ؟
قُلْنا: القِياسُ قَلْبُ الواوِ ياءً، كالعُلْيا، وأمّا القُصْوى، فَقَدْ جاءَ شاذًّا، وأكْثَرُ اسْتِعْمالِهِ عَلى أصْلِهِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: المُرادُ بِالعُدْوَةِ الدُّنْيا ما يَلِي جانِبَ المَدِينَةِ، وبِالقُصْوى ما يَلِي جانِبَ مَكَّةَ وكانَ الماءُ في العُدْوَةِ الَّتِي نَزَلَ بِها المُشْرِكُونَ، وكانَ اسْتِظْهارُهم مِن هَذا الوَجْهِ أشَدَّ، ”والرَّكْبُ“ العِيرُ الَّتِي خَرَجُوا لَها كانَتْ في مَوْضِعٍ﴿أسْفَلَ مِنكُمْ﴾ إلى ساحِلِ البَحْرِ﴿ولَوْ تَواعَدْتُمْ﴾ أنْتُمْ وأهْلُ مَكَّةَ عَلى القِتالِ لَخالَفَ بَعْضُكم بَعْضًا لِقِلَّتِكم وكَثْرَتِهِمْ﴿ولَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولًا﴾ أيْ أنَّهُ يُثَبِّتُكُمُ اللَّهُ، ويَنْصُرُكم، لِيَقْضِيَ أمْرًا كانَ مَفْعُولًا، واجِبًا أنْ يَخْرُجَ إلى الفِعْلِ، وقَوْلُهُ: ﴿لِيَهْلِكَ مَن هَلَكَ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿لِيَقْضِيَ﴾، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: لا شَكَّ أنَّ عَسْكَرَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ في أوَّلِ الأمْرِ كانُوا في غايَةِ الخَوْفِ والضَّعْفِ بِسَبَبِ القِلَّةِ وعَدَمِ الأُهْبَةِ، ونَزَلُوا بَعِيدِينَ عَنِ الماءِ، وكانَتِ الأرْضُ الَّتِي نَزَلُوا فِيها أرْضًا رَمْلِيَّةً تَغُوصُ فِيها أرْجُلُهم، وأمّا الكُفّارُ فَكانُوا في غايَةِ القُوَّةِ بِسَبَبِ الكَثْرَةِ في العَدَدِ، وبِسَبَبِ حُصُولِ الآلاتِ والأدَواتِ؛ لِأنَّهم كانُوا قَرِيبِينَ مِنَ الماءِ؛ ولِأنَّ الأرْضَ الَّتِي نَزَلُوا فِيها كانَتْ صالِحَةً لِلْمَشْيِ؛ ولِأنَّ العِيرَ كانُوا خَلْفَ ظُهُورِهِمْ، وكانُوا يَتَوَقَّعُونَ مَجِيءَ المَدَدِ مِنَ العِيرِ إلَيْهِمْ ساعَةً فَساعَةً، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قَلَبَ القِصَّةَ وعَكَسَ القَضِيَّةَ، وجَعَلَ الغَلَبَةَ لِلْمُسْلِمِينَ، والدَّمارَ عَلى الكافِرِينَ فَصارَ ذَلِكَ مِن أعْظَمِ المُعْجِزاتِ وأقْوى البَيِّناتِ
صفحة ١٣٥
عَلى صِدْقِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فِيما أخْبَرَ عَنْ رَبِّهِ مِن وعْدِ النَّصْرِ والفَتْحِ والظَّفَرِ.
فَقَوْلُهُ: ﴿لِيَهْلِكَ مَن هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ إشارَةٌ إلى هَذا المَعْنى، وهو أنَّ الَّذِينَ هَلَكُوا إنَّما هَلَكُوا بَعْدَ مُشاهَدَةِ هَذِهِ المُعْجِزَةِ، والمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ بَقُوا في الحَياةِ شاهَدُوا هَذِهِ المُعْجِزَةَ القاهِرَةَ، والمُرادُ مِنَ البَيِّنَةِ هَذِهِ المُعْجِزَةُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولًا﴾ وفي قَوْلِهِ: ﴿لِيَهْلِكَ مَن هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ لامُ الغَرَضِ، وظاهِرُهُ يَقْتَضِي تَعْلِيلَ أفْعالِ اللَّهِ وأحْكامِهِ بِالأغْراضِ والمَصالِحِ، إلّا أنّا نَصْرِفُ هَذا الكَلامَ عَنْ ظاهِرِهِ بِالدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ المَشْهُورَةِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿لِيَهْلِكَ مَن هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ ظاهِرُهُ يَقْتَضِي أنَّهُ تَعالى أرادَ مِنَ الكُلِّ العِلْمَ والمَعْرِفَةَ والخَيْرَ والصَّلاحَ، وذَلِكَ يَقْدَحُ في قَوْلِ أصْحابِنا: أنَّهُ تَعالى أرادَ الكُفْرَ مِنَ الكافِرِ، لَكِنّا نَتْرُكُ هَذا الظّاهِرَ بِالدَّلائِلِ المَعْلُومَةِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ويَحْيا مَن حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، والبَزِّيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، ونُصَيْرُ عَنِ الكِسائِيِّ ”مَن حَيِيَ“ بِإظْهارِ الياءَيْنِ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ كَثِيرٍ بِرِوايَةِ القَوّاسِ، وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ والكِسائِيُّ بِياءٍ مُشَدَّدَةٍ عَلى الإدْغامِ، فَأمّا الإدْغامُ فَلِلُزُومِ الحَرَكَةِ في الثّانِي، فَجَرى مَجْرى رَدَّ؛ لِأنَّهُ في المُصْحَفِ مَكْتُوبٌ بِياءٍ واحِدَةٍ، وأمّا الإظْهارُ فَلِامْتِناعِ الإدْغامِ في مُضارِعِهِ مِن ”يَحْيى“ فَجَرى عَلى مُشاكَلَتِهِ، وأجازَ بَعْضُ الكُوفِيِّينَ الإدْغامَ في ”يَحْيى“ .
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى خَتَمَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أيْ يَسْمَعُ دُعاءَكم ويَعْلَمُ حاجَتَكم وضَعْفَكم، فَأصْلَحَ مُهِمَّكم.
8:43Page 182
إِذۡ يُرِيكَهُمُ ٱللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلٗاۖ وَلَوۡ أَرَىٰكَهُمۡ كَثِيرٗا لَّفَشِلۡتُمۡ وَلَتَنَٰزَعۡتُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ سَلَّمَۚ إِنَّهُۥ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ٤٣
[Remember, O Muḥammad], when Allāh showed them to you in your dream as few; and if He had shown them to you as many, you [believers] would have lost courage and would have disputed in the matter [of whether to fight], but Allāh saved [you from that]. Indeed, He is Knowing of that within the breasts.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ في مَنامِكَ قَلِيلًا ولَوْ أراكَهم كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ ولَتَنازَعْتُمْ في الأمْرِ ولَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾
اعْلَمْ أنَّ هَذا هو النَّوْعُ الثّانِي مِنَ النِّعَمِ الَّتِي أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلى أهْلِ بَدْرٍ، وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: ﴿إذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ اذْكُرْ، أوْ هو بَدَلٌ ثانٍ مِن يَوْمَ الفُرْقانِ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أيْ يَعْلَمُ المَصالِحَ إذْ يُقَلِّلُهم في أعْيُنِكم.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ مُجاهِدٌ: أرى اللَّهُ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلامُ كُفّارَ قُرَيْشٍ في مَنامِهِ قَلِيلًا فَأخْبَرَ بِذَلِكَ أصْحابَهُ. فَقالُوا: رُؤْيا النَّبِيِّ حَقٌّ، القَوْمُ قَلِيلٌ، فَصارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِجَراءَتِهِمْ وقُوَّةِ قُلُوبِهِمْ.
فَإنْ قِيلَ: رُؤْيَةُ الكَثِيرِ قَلِيلًا غَلَطٌ، فَكَيْفَ يَجُوزُ مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ ؟
صفحة ١٣٦
قُلْنا: مَذْهَبُنا أنَّهُ تَعالى يَفْعَلُ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ، وأيْضًا لَعَلَّهُ تَعالى أراهُ البَعْضَ دُونَ البَعْضِ فَحَكَمَ الرَّسُولُ عَلى أُولَئِكَ الَّذِينَ رَآهم بِأنَّهم قَلِيلُونَ. وعَنِ الحَسَنِ: هَذِهِ الإراءَةُ كانَتْ في اليَقَظَةِ. قالَ: والمُرادُ مِنَ المَنامِ العَيْنُ الَّتِي هي مَوْضِعُ النَّوْمِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ أراكَهم كَثِيرًا﴾ لَذَكَرْتَهُ لِلْقَوْمِ ولَوْ سَمِعُوا ذَلِكَ لَفَشِلُوا ولَتَنازَعُوا، ومَعْنى التَّنازُعِ في الأمْرِ الِاخْتِلافُ الَّذِي يُحاوِلُ بِهِ كُلُّ واحِدٍ نَزْعَ صاحِبِهِ عَمّا هو عَلَيْهِ، والمَعْنى: لاضْطَرَبَ أمْرُكم واخْتَلَفَتْ كَلِمَتُكُمْ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾ أيْ سَلَّمَكم مِنَ المُخالَفَةِ فِيما بَيْنَكم. وقِيلَ: سَلَّمَ اللَّهُ لَهم أمْرَهم حَتّى أظْهَرَهم عَلى عَدُوِّهِمْ، وقِيلَ: سَلَّمَهم مِنَ الهَزِيمَةِ يَوْمَ بَدْرٍ، والأظْهَرُ أنَّ المُرادَ: ولَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَكم مِنَ التَّنازُعِ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ يَعْلَمُ ما يَحْصُلُ فِيها مِنَ الجَراءَةِ والجُبْنِ والصَّبْرِ والجَزَعِ.
8:44Page 182
وَإِذۡ يُرِيكُمُوهُمۡ إِذِ ٱلۡتَقَيۡتُمۡ فِيٓ أَعۡيُنِكُمۡ قَلِيلٗا وَيُقَلِّلُكُمۡ فِيٓ أَعۡيُنِهِمۡ لِيَقۡضِيَ ٱللَّهُ أَمۡرٗا كَانَ مَفۡعُولٗاۗ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرۡجَعُ ٱلۡأُمُورُ ٤٤
And [remember] when He showed them to you, when you met, as few in your eyes, and He made you [appear] as few in their eyes so that Allāh might accomplish a matter already destined. And to Allāh are [all] matters returned.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ يُرِيكُمُوهم إذِ التَقَيْتُمْ في أعْيُنِكم قَلِيلًا ويُقَلِّلُكم في أعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولًا وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾
اعْلَمْ أنَّ هَذا هو النَّوْعُ الثّالِثُ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي أظْهَرَها اللَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، والمُرادُ أنَّ القَلِيلَ الَّذِي حَصَلَ في النَّوْمِ تَأكَّدَ ذَلِكَ بِحُصُولِهِ في اليَقَظَةِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ”وإذْ يُرِيكُمُوهم“ الضَّمِيرانِ مَفْعُولانِ يَعْنِي إذْ يُبَصِّرُكم إيّاهم، و”قَلِيلًا“ نُصِبَ عَلى الحالِ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى قَلَّلَ عَدَدَ المُشْرِكِينَ في أعْيُنِ المُؤْمِنِينَ، وقَلَّلَ أيْضًا عَدَدَ المُؤْمِنِينَ في أعْيُنِ المُشْرِكِينَ. والحِكْمَةُ في التَّقْلِيلِ الأوَّلِ تَصْدِيقُ رُؤْيا الرَّسُولِ ﷺ، وأيْضًا لِتَقْوى قُلُوبُهم وتَزْدادَ جَراءَتُهم عَلَيْهِمْ، والحِكْمَةُ في التَّقْلِيلِ الثّانِي: أنَّ المُشْرِكِينَ لَمّا اسْتَقَلُّوا عَدَدَ المُسْلِمِينَ لَمْ يُبالِغُوا في الِاسْتِعْدادِ والتَّأهُّبِ والحَذَرِ، فَصارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِاسْتِيلاءِ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَجُوزُ أنْ يُرِيَهُمُ الكَثِيرَ قَلِيلًا ؟
قُلْنا: أمّا عَلى ما قُلْنا فَذاكَ جائِزٌ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ الإدْراكَ في حَقِّ البَعْضِ دُونَ البَعْضِ، وأمّا المُعْتَزِلَةُ فَقالُوا: لَعَلَّ العَيْنَ مُنِعَتْ مِن إدْراكِ الكُلِّ، أوْ لَعَلَّ الكَثِيرَ مِنهم كانُوا في غايَةِ البُعْدِ فَما حَصَلَتْ رُؤْيَتُهم.
ثُمَّ قالَ: ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولًا﴾ .
فَإنْ قِيلَ: ذَكَرَ هَذا الكَلامَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ، فَكانَ ذِكْرُهُ هَهُنا مَحْضَ التَّكْرارِ.
قُلْنا: المَقْصُودُ مِن ذِكْرِهِ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ هو أنَّهُ تَعالى فَعَلَ تِلْكَ الأفْعالَ لِيَحْصُلَ اسْتِيلاءُ المُؤْمِنِينَ عَلى المُشْرِكِينَ عَلى وجْهٍ يَكُونُ مُعْجِزَةً دالَّةً عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ، والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِهِ هَهُنا لَيْسَ هو ذَلِكَ المَعْنى، بَلِ المَقْصُودُ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَهُنا أنَّهُ قَلَّلَ عَدَدَ المُؤْمِنِينَ في أعْيُنِ المُشْرِكِينَ، فَبَيَّنَ هَهُنا أنَّهُ إنَّما فَعَلَ ذَلِكَ لِيَصِيرَ ذَلِكَ سَبَبًا لِئَلّا يُبالِغَ الكُفّارُ في تَحْصِيلِ الِاسْتِعْدادِ والحَذَرِ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ سَبَبًا لِانْكِسارِهِمْ.
ثُمَّ قالَ: ﴿وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ والغَرَضُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ أحْوالَ الدُّنْيا غَيْرُ مَقْصُودَةٍ لِذَواتِها، وإنَّما المُرادُ مِنها ما يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ زادًا لِيَوْمِ المَعادِ.
8:45Page 182
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا لَقِيتُمۡ فِئَةٗ فَٱثۡبُتُواْ وَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيرٗا لَّعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ٤٥
O you who have believed, when you encounter a company [from the enemy forces], stand firm and remember Allāh much that you may be successful.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا لَقِيتُمْ فِئَةً فاثْبُتُوا واذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ولا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وتَذْهَبَ رِيحُكم واصْبِرُوا إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ ﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ بَطَرًا ورِئاءَ النّاسِ ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ واللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنْواعَ نِعَمِهِ عَلى الرَّسُولِ وعَلى المُؤْمِنِينَ يَوْمَ بَدْرٍ عَلَّمَهم إذا التَقَوْا بِالفِئَةِ وهي الجَماعَةُ مِنَ المُحارِبِينَ نَوْعَيْنِ مِنَ الأدَبِ:
الأوَّلُ: الثَّباتُ وهو أنْ يُوَطِّنُوا أنْفُسَهم عَلى اللِّقاءِ ولا يُحَدِّثُوها بِالتَّوَلِّي.
والثّانِي: أنْ يَذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا، وفي تَفْسِيرِ هَذا الذِّكْرِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: أنْ يَكُونُوا بِقُلُوبِهِمْ ذاكِرِينَ اللَّهَ وبِألْسِنَتِهِمْ ذاكِرِينَ اللَّهَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أمَرَ اللَّهُ أوْلِياءَهُ بِذِكْرِهِ في أشَدِّ أحْوالِهِمْ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الإنْسانَ لا يَجُوزُ أنْ يُخْلِيَ قَلْبَهُ ولِسانَهُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، ولَوْ أنَّ رَجُلًا أقْبَلَ مِنَ المَغْرِبِ إلى المَشْرِقِ يُنْفِقُ الأمْوالَ سَخاءً، والآخَرَ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ يَضْرِبُ بِسَيْفِهِ في سَبِيلِ اللَّهِ، كانَ الذّاكِرُ لِلَّهِ أعْظَمَ أجْرًا.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِن هَذا الذِّكْرِ الدُّعاءُ بِالنَّصْرِ والظَّفَرِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لا يَحْصُلُ إلّا بِمَعُونَةِ اللَّهِ تَعالى.
ثُمَّ قالَ: ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ مُقاتَلَةَ الكافِرِ إنْ كانَتْ لِأجْلِ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى كانَ ذَلِكَ جارِيًا مَجْرى بَذْلِ الرُّوحِ في طَلَبِ مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى، وهَذا هو أعْظَمُ مَقاماتِ العُبُودِيَّةِ، فَإنْ غَلَبَ الخَصْمَ فازَ بِالثَّوابِ والغَنِيمَةِ، وإنْ صارَ مَغْلُوبًا فازَ بِالشَّهادَةِ والدَّرَجاتِ العالِيَةِ، أمّا إنْ كانَتِ المُقاتَلَةُ لا لِلَّهِ بَلْ لِأجْلِ الثَّناءِ في الدُّنْيا وطَلَبِ المالِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ وسِيلَةً إلى الفَلاحِ والنَّجاحِ.
فَإنْ قِيلَ: فَهَذِهِ الآيَةُ تُوجِبُ الثَّباتَ عَلى كُلِّ حالٍ، وهَذا يُوهِمُ أنَّها ناسِخَةٌ لِآيَةِ التَّحَرُّفِ والتَّحَيُّزِ.
قُلْنا: هَذِهِ الآيَةُ تُوجِبُ الثَّباتَ في الجُمْلَةِ، والمُرادُ مِنَ الثَّباتِ الجِدُّ في المُحارَبَةِ، وآيَةُ التَّحَرُّفِ والتَّحَيُّزِ لا تَقْدَحُ في حُصُولِ الثَّباتِ في المُحارَبَةِ بَلْ كانَ الثَّباتُ في هَذا المَقْصُودِ لا يَحْصُلُ إلّا بِذَلِكَ التَّحَرُّفِ والتَّحَيُّزِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى مُؤَكِّدًا لِذَلِكَ: ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ في سائِرِ ما يَأْمُرُ بِهِ؛ لِأنَّ الجِهادَ لا يَنْفَعُ إلّا مَعَ التَّمَسُّكِ بِسائِرِ الطّاعاتِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences