Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
الغاشية
Al-Ghashiyah
The Overwhelming · Meccan · 26 ayahs
88:1–3Page 592
هَلۡ أَتَىٰكَ حَدِيثُ ٱلۡغَٰشِيَةِ ١
Has there reached you the report of the Overwhelming [event]?
وُجُوهٞ يَوۡمَئِذٍ خَٰشِعَةٌ ٢
[Some] faces, that Day, will be humbled,
عَامِلَةٞ نَّاصِبَةٞ ٣
Working [hard] and exhausted.1
صفحة ١٣٧
سُورَةُ الغاشِيَةِ
وهِيَ عِشْرُونَ وسِتُّ آياتٍ، مَكِّيَّةٌ
﷽
﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾ ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾
﷽
﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾ ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾
اعْلَمْ أنَّ في قَوْلِهِ: ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾ مَسْألَتَيْنِ:
المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في الغاشِيَةِ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّها القِيامَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ العَذابُ﴾ [العنكبوت: ٥٥] إنَّما سُمِّيَتِ القِيامَةُ بِهَذا الِاسْمِ، لِأنَّ ما أحاطَ بِالشَّيْءِ مِن جَمِيعِ جِهاتِهِ فَهو غاشٍ لَهُ، والقِيامَةُ كَذَلِكَ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّها تَرِدُ عَلى الخَلْقِ بَغْتَةً وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَأمِنُوا أنْ تَأْتِيَهم غاشِيَةٌ مِن عَذابِ اللَّهِ﴾ [يوسف: ١٠٧] .
والثّانِي: أنَّها تَغْشى النّاسَ جَمِيعًا مِنَ الأوَّلِينَ والآخَرِينَ.
والثّالِثُ: أنَّها تَغْشى النّاسَ بِالأهْوالِ والشَّدائِدِ.
القَوْلُ الثّانِي: الغاشِيَةُ هي النّارُ أيْ تَغْشى وُجُوهَ الكَفَرَةِ وأهْلِ النّارِ قالَ تَعالى: ﴿وتَغْشى وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ [إبراهيم: ٥٠] ﴿ومِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾ [الأعراف: ٤١] وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ومُقاتِلٍ.
القَوْلُ الثّالِثُ: الغاشِيَةُ أهْلُ النّارِ يَغْشَوْنَها ويَقَعُونَ فِيها، والأوَّلُ أقْرَبُ، لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَصِيرُ المَعْنى أنَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكُونُ بَعْضُ النّاسِ في الشَّقاوَةِ، وبَعْضُهم في السَّعادَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّما قالَ: ﴿هَلْ أتاكَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى عَرَّفَ رَسُولَ اللَّهِ مِن حالِها وحالِ النّاسِ فِيها ما لَمْ يَكُنْ هو ولا قَوْمُهُ عارِفًا بِهِ عَلى التَّفْصِيلِ، لِأنَّ العَقْلَ إنْ دَلَّ فَإنَّهُ لا يَدُلُّ إلّا عَلى أنَّ حالَ العُصاةِ مُخالِفَةٌ لِحالِ المُطِيعِينَ. فَأمّا كَيْفِيَّةُ تِلْكَ التَّفاصِيلِ فَلا سَبِيلَ لِلْعَقْلِ إلَيْها، فَلَمّا عَرَّفَهُ اللَّهُ تَفْصِيلَ تِلْكَ الأحْوالِ، لا جَرَمَ قالَ: ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾ .
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾ ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ وصْفٌ لِأهْلِ الشَّقاوَةِ، وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: المُرادُ بِالوُجُوهِ أصْحابُ الوُجُوهِ وهُمُ الكُفّارُ، بِدَلِيلِ أنَّهُ تَعالى وصَفَ الوُجُوهَ بِأنَّها
صفحة ١٣٨
خاشِعَةٌ عامِلَةٌ ناصِبَةٌ، وذَلِكَ مِن صِفاتِ المُكَلَّفِ، لَكِنَّ الخُشُوعَ يَظْهَرُ في الوَجْهِ فَعَلَّقَهُ بِالوَجْهِ لِذَلِكَ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] . وقَوْلُهُ: ﴿خاشِعَةٌ﴾ أيْ: ذَلِيلَةٌ قَدْ عَراهُمُ الخِزْيُ والهَوانُ، كَما قالَ: ﴿ولَوْ تَرى إذِ المُجْرِمُونَ ناكِسُو رُءُوسِهِمْ﴾ [السجدة: ١٢] وقالَ: ﴿وتَراهم يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤١] وإنَّما يَظْهَرُ الذُّلُّ في الوَجْهِ، لِأنَّهُ ضِدُّ الكِبْرِ الَّذِي مَحَلُّهُ الرَّأْسُ والدِّماغُ. وأمّا العامِلَةُ فَهي الَّتِي تَعْمَلُ الأعْمالَ، ومَعْنى النَّصَبِ: الدَّؤُوبُ في العَمَلِ مَعَ التَّعَبِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الوُجُوهُ المُمْكِنَةُ في هَذِهِ الصِّفاتِ الثَّلاثَةِ لا تَزِيدُ عَلى ثَلاثَةٍ، لِأنَّهُ إمّا أنْ يُقالَ: هَذِهِ الصِّفاتُ بِأسْرِها حاصِلَةٌ في الآخِرَةِ، أوْ هي بِأسْرِها حاصِلَةٌ في الدُّنْيا، أوْ بَعْضُها في الآخِرَةِ وبَعْضُها في الدُّنْيا.
أمّا الوَجْهُ الأوَّلُ: وهو أنَّها بِأسْرِها حاصِلَةٌ في الآخِرَةِ فَهو أنَّ الكُفّارَ يَكُونُونَ يَوْمَ القِيامَةِ خاشِعِينَ أيْ ذَلِيلِينَ، وذَلِكَ لِأنَّها في الدُّنْيا تَكَبَّرَتْ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ، وعامِلِينَ لِأنَّها تَعْمَلُ في النّارِ عَمَلًا تَتْعَبُ فِيهِ وهو جَرُّها السَّلاسِلَ والأغْلالَ الثَّقِيلَةَ، عَلى ما قالَ: ﴿فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا﴾ [الحاقة: ٣٢] وخَوْضُها في النّارِ كَما تَخُوضُ الإبِلُ في الوَحْلِ بِحَيْثُ تَرْتَقِي عَنْهُ تارَةً وتَغُوصُ فِيهِ أُخْرى والتَّقَحُّمُ في حَرِّ جَهَنَّمَ والوُقُوفُ عُراةً حُفاةً جِياعًا عِطاشًا في العَرَصاتِ قَبْلَ دُخُولِ النّارِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ، وناصِبِينَ لِأنَّهم دائِمًا يَكُونُونَ في ذَلِكَ العَمَلِ قالَ الحَسَنُ: هَذِهِ الصِّفاتُ كانَ يَجِبُ أنْ تَكُونَ حاصِلَةً في الدُّنْيا لِأجْلِ اللَّهِ تَعالى، فَلَمّا لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ سَلَّطَها اللَّهُ عَلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى سَبِيلِ العِقابِ.
وأمّا الوَجْهُ الثّانِي: وهو أنَّها بِأسْرِها حاصِلَةٌ في الدُّنْيا، فَقِيلَ: هم أصْحابُ الصَّوامِعِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى وعَبَدَةِ الأوْثانِ والمَجُوسِ، والمَعْنى أنَّها خَشَعَتْ لِلَّهِ وعَمِلَتْ ونَصِبَتْ في أعْمالِها مِنَ الصَّوْمِ الدّائِبِ والتَّهَجُّدِ الواصِبِ، وذَلِكَ لِأنَّهم لَمّا اعْتَقَدُوا في اللَّهِ ما لا يَلِيقُ بِهِ، فَكَأنَّهم أطاعُوا ذاتًا مَوْصُوفَةً بِالصِّفاتِ الَّتِي تَخَيَّلُوها فَهم في الحَقِيقَةِ ما عَبَدُوا اللَّهَ وإنَّما عَبَدُوا ذَلِكَ المُتَخَيَّلَ الَّذِي لا وُجُودَ لَهُ، فَلا جَرَمَ لا تَنْفَعُهم تِلْكَ العِبادَةُ أصْلًا.
وأمّا الوَجْهُ الثّالِثُ: وهو أنَّ بَعْضَ تِلْكَ الصِّفاتِ حاصِلٌ في الآخِرَةِ وبَعْضَها في الدُّنْيا فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّها خاشِعَةٌ في الآخِرَةِ، مَعَ أنَّها كانَتْ في الدُّنْيا عامِلَةً ناصِبَةً، والمَعْنى أنَّها لَمْ تَنْتَفِعْ بِعَمَلِها ونَصَبِها في الدُّنْيا، ولا يَمْتَنِعُ وصْفُهم بِبَعْضِ أوْصافِ الآخِرَةِ، ثُمَّ يُذْكَرُ بَعْضُ أوْصافِ الدُّنْيا ثُمَّ يُعادُ ذِكْرُ الآخِرَةِ، إذا كانَ المَعْنى في ذَلِكَ مَفْهُومًا فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: وُجُوهٌ يَوْمَ القِيامَةِ خاشِعَةٌ، لِأنَّها كانَتْ في الدُّنْيا عامِلَةً ناصِبَةً في غَيْرِ طاعَةِ اللَّهِ، فَهي إذَنْ تَصْلى نارًا حامِيَةً في الآخِرَةِ.
ثانِيها: أنَّها خاشِعَةٌ عامِلَةٌ في الدُّنْيا، ولَكِنَّها ناصِبَةٌ في الآخِرَةِ، فَخُشُوعُها في الدُّنْيا خَوْفُها الدّاعِي لَها إلى الإعْراضِ عَنْ لَذائِذِ الدُّنْيا وطَيِّباتِها، وعَمَلُها هو صَلاتُها وصَوْمُها، ونَصَبُها في الآخِرَةِ هو مُقاساةُ العَذابِ عَلى ما قالَ تَعالى: ﴿وبَدا لَهم مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر: ٤٧] وقُرِئَ ”عامِلَةٌ ناصِبَةٌ“ عَلى الشَّتْمِ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَعْدَ أنْ وصَفَهم بِهَذِهِ الصِّفاتِ الثَّلاثَةِ شَرَحَ بَعْدَ ذَلِكَ كَيْفِيَّةَ مَكانِهِمْ ومَشْرَبِهِمْ ومَطْعَمِهِمْ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنها.
أمّا مَكانُهم فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَصْلى نارًا حامِيَةً﴾ يُقالُ: صَلى بِالنّارِ يَصْلى أيْ لَزِمَها واحْتَرَقَ بِها وقُرِئَ بِنَصْبِ التّاءِ وحُجَّتُهُ قَوْلُهُ: ﴿إلّا مَن هو صالِي الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ١٦٣] وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ بِرَفْعِ التّاءِ
صفحة ١٣٩
مِن أصْلَيْتُهُ النّارَ لِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ الجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ [الحاقة: ٣١] وقَوْلِهِ: ﴿ونُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ [النساء: ١١٥] و”صِلُوهُ“ مِثْلُ ”أصْلُوهُ“، وقَرَأ قَوْمٌ ”تَصَلّى“ بِالتَّشْدِيدِ، وقِيلَ: المَصْلى عِنْدَ العَرَبِ أنْ يَحْفِرُوا حَفِيرًا فَيَجْمَعُوا فِيهِ جَمْرًا كَثِيرًا، ثُمَّ يَعْمِدُوا إلى شاةٍ فَيَدُسُّوها وسَطَهُ، فَأمّا ما يُشْوى فَوْقَ الجَمْرِ أوْ عَلى المِقْلاةِ أوْ في التَّنُّورِ فَلا يُسَمّى مَصْلى. وقَوْلُهُ: ﴿حامِيَةً﴾ أيْ قَدْ أُوقِدَتْ وأُحْمِيَتِ المُدَّةَ الطَّوِيلَةَ، فَلا حَرَّ يَعْدِلُ حَرَّها، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قَدْ حَمِيَتْ فَهي تَتَلَظّى عَلى أعْداءِ اللَّهِ.
88:5–6Page 592
تُسۡقَىٰ مِنۡ عَيۡنٍ ءَانِيَةٖ ٥
They will be given drink from a boiling spring.
لَّيۡسَ لَهُمۡ طَعَامٌ إِلَّا مِن ضَرِيعٖ ٦
For them there will be no food except from a poisonous, thorny plant
وأمّا مَشْرُوبُهم فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ الآنِي الَّذِي قَدِ انْتَهى حَرُّهُ مِنَ الإيناءِ بِمَعْنى التَّأْخِيرِ. وفي الحَدِيثِ: ”«أنَّ رَجُلًا أخَّرَ حُضُورَ الجُمُعَةِ ثُمَّ تَخَطّى رِقابَ النّاسِ، فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: آنَيْتَ وآذَيْتَ» “ ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ حَرَّها بَلَغَ إلى حَيْثُ لَوْ وقَعَتْ مِنها قَطْرَةٌ عَلى جِبالِ الدُّنْيا لَذابَتْ.
وأمّا مَطْعُومُهم فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا مِن ضَرِيعٍ﴾ واخْتَلَفُوا في أنَّ الضَّرِيعَ. ما هو ؟ عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: قالَ الحَسَنُ: لا أدْرِي ما الضَّرِيعُ ولَمْ أسْمَعْ فِيهِ مِنَ الصَّحابَةِ شَيْئًا.
وثانِيها: رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أيْضًا أنَّهُ قالَ: الضَّرِيعُ بِمَعْنى المُضْرِعِ كالألِيمِ والسَّمِيعِ والبَدِيعِ بِمَعْنى المُؤْلِمِ والمُسْمِعِ والمُبْدِعِ، ومَعْناهُ إلّا مِن طَعامٍ يَحْمِلُهم عَلى أنْ يَضْرَعُوا ويَذِلُّوا عِنْدَ تَناوُلِهِ لِما فِيهِ مِنَ الخُشُونَةِ والمَرارَةِ والحَرارَةِ.
وثالِثُها: أنَّ الضَّرِيعَ ما يَبِسَ مِنَ الشِّبْرِقِ، وهو جِنْسٌ مِنَ الشَّوْكِ تَرْعاهُ الإبِلُ ما دامَ رَطْبًا، فَإذا يَبِسَ تَحامَتْهُ وهو سُمٌّ قاتِلٌ، قالَ أبُو ذُؤَيْبٍ:
رَعى الشِّبْرِقَ الرَّيّانَ حَتّى إذا ذَوى وعادَ ضَرِيعًا عادَ عَنْهُ النَّحائِصُ
جَمْعُ نُحُوصٍ وهي الحائِلُ مِنَ الإبِلِ، وهَذا قَوْلُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ وأكْثَرِ أهْلِ اللُّغَةِ.
ورابِعُها: قالَ الخَلِيلُ في كِتابِهِ: ويُقالُ لِلْجِلْدَةِ الَّتِي عَلى العَظْمِ تَحْتَ اللَّحْمِ هي الضَّرِيعُ، فَكَأنَّهُ تَعالى وصَفَهُ بِالقِلَّةِ، فَلا جَرَمَ لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ.
وخامِسُها: قالَ أبُو الجَوْزاءِ: الضَّرِيعُ السَّلا، ويَقْرُبُ مِنهُ ما رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ شَجَرَةٌ ذاتُ شَوْكٍ، ثُمَّ قالَ أبُو الجَوْزاءِ: وكَيْفَ يَسْمَنُ مَن كانَ يَأْكُلُ الشَّوْكَ ! وفي الخَبَرِ: الضَّرِيعُ شَيْءٌ يَكُونُ في النّارِ شَبِيهُ الشَّوْكِ أمَرُّ مِنَ الصَّبْرِ، وأنْتَنُ مِنَ الجِيفَةِ وأشَدُّ حَرًّا مِنَ النّارِ، قالَ القَفّالُ: والمَقْصِدُ مِن ذِكْرِ هَذا الشَّرابِ وهَذا الطَّعامِ بَيانُ نِهايَةِ ذُلِّهِمْ وذَلِكَ لِأنَّ القَوْمَ لَمّا أقامُوا في تِلْكَ السَّلاسِلِ والأغْلالِ تِلْكَ المُدَّةَ الطَّوِيلَةَ عِطاشًا جِياعًا، ثُمَّ أُلْقُوا في النّارِ فَرَأوْا فِيها ماءً وشَيْئًا مِنَ النَّباتِ، فَأحَبَّ أُولَئِكَ القَوْمُ تَسْكِينَ ما بِهِمْ مِنَ العَطَشِ والجُوعِ فَوَجَدُوا الماءَ حَمِيمًا لا يَرْوِي بَلْ يَشْوِي، ووَجَدُوا النَّباتَ مِمّا لا يُشْبِعُ ولا يُغْنِي مَن جُوعٍ، فَأيِسُوا وانْقَطَعَتْ أطْماعُهم في إزالَةِ ما بِهِمْ مِنَ الجُوعِ والعَطَشِ، كَما قالَ: ﴿وإنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كالمُهْلِ﴾ [الكهف: ٢٩] وبَيَّنَ أنَّ هَذِهِ الحالَةَ لا تَزُولُ ولا تَنْقَطِعُ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنها، وهَهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: قالَ تَعالى في سُورَةِ الحاقَّةِ: ﴿فَلَيْسَ لَهُ اليَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ﴾ ﴿ولا طَعامٌ إلّا مِن غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٦] وقالَ هَهُنا: ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا مِن ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية: ٦] والضَّرِيعُ غَيْرُ الغِسْلِينِ.
والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ النّارَ دَرَكاتٌ فَمِن أهْلِ النّارِ مَن طَعامُهُ الزَّقُّومُ، ومِنهم مَن طَعامُهُ الغِسْلِينُ،
صفحة ١٤٠
ومِنهم مَن طَعامُهُ الضَّرِيعُ، ومِنهم مَن شَرابُهُ الحَمِيمُ، ومِنهم مَن شَرابُهُ الصَّدِيدُ، لِكُلِّ بابٍ مِنهم جُزْءٌ مَقْسُومٌ.
الثّانِي: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الغِسْلِينُ مِنَ الضَّرِيعِ ويَكُونُ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ: مالِي طَعامٌ إلّا مِنَ الشّاةِ، ثُمَّ يَقُولُ: مالِي طَعامٌ إلّا مِنَ اللَّبَنِ، ولا تَناقُضَ لِأنَّ اللَّبَنَ مِنَ الشّاةِ.
السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ يُوجَدُ النَّبْتُ في النّارِ ؟
الجَوابُ: مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: لَيْسَ المُرادُ أنَّ الضَّرِيعَ نَبْتٌ في النّارِ يَأْكُلُونَهُ، ولَكِنَّهُ ضَرْبٌ مِثْلُهُ، أيْ: أنَّهم يَقْتاتُونَ بِما لا يُشْبِعُهم أوْ يُعَذَّبُونَ بِالجُوعِ كَما يُعَذَّبُ مَن قُوتُهُ الضَّرِيعُ.
الثّانِي: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ النَّبْتَ يُوجَدُ في النّارِ ؟ فَإنَّهُ لَمّا لَمْ يُسْتَبْعَدْ بَقاءُ بَدَنِ الإنْسانِ مَعَ كَوْنِهِ لَحْمًا ودَمًا في النّارِ أبَدَ الآبادِ، فَكَذا هَهُنا وكَذا القَوْلُ في سَلاسِلِ النّارِ وأغْلالِها وعَقارِبِها وحَيّاتِها.
88:7–8Page 592
لَّا يُسۡمِنُ وَلَا يُغۡنِي مِن جُوعٖ ٧
Which neither nourishes nor avails against hunger.
وُجُوهٞ يَوۡمَئِذٖ نَّاعِمَةٞ ٨
[Other] faces, that Day, will show pleasure.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾ فَهو مَرْفُوعُ المَحَلِّ أوْ مَجْرُورُهُ عَلى وصْفِ طَعامٍ أوْ ضَرِيعٍ، وأمّا المَعْنى فَفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّ طَعامَهم لَيْسَ مِن جِنْسِ مَطاعِمِ الإنْسِ، وذَلِكَ لِأنَّ هَذا نَوْعٌ مِن أنْواعِ الشَّوْكِ والشَّوْكُ مِمّا يَرْعاهُ الإبِلُ، وهَذا النَّوْعُ مِمّا يَنْفِرُ عَنْهُ الإبِلُ، فَإذَنْ مَنفَعَتا الغِذاءِ مُنْتَفِيَتانِ عَنْهُ، وهُما إماطَةُ الجُوعِ وإفادَةُ القُوَّةِ والسِّمَنِ في البَدَنِ.
وثانِيها: أنْ يَكُونَ المَعْنى: لا طَعامَ لَهم أصْلًا لِأنَّ الضَّرِيعَ لَيْسَ بِطَعامٍ لِلْبَهائِمِ فَضْلًا عَنِ الإنْسِ لِأنَّ الطَّعامَ ما أشْبَعَ وأسْمَنَ وهو مِنهُما بِمَعْزِلٍ، كَما تَقُولُ: لَيْسَ لِفُلانٍ ظِلٌّ إلّا الشَّمْسَ تُرِيدُ نَفْيَ الظِّلِّ عَلى التَّوْكِيدِ.
وثالِثُها: رُوِيَ أنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ قالَتْ: إنَّ الضَّرِيعَ لَتَسْمَنُ عَلَيْهِ إبِلُنا، فَنَزَلَتْ: ﴿لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾ فَلا يَخْلُو إمّا أنْ يَتَعَنَّتُوا بِذَلِكَ الكَلامِ كَذِبًا فَيُرَدُّ قَوْلُهم بِنَفْيِ السِّمَنِ والشِّبَعِ، وإمّا أنْ يَصْدُقُوا فَيَكُونَ المَعْنى أنَّ طَعامَهم مِن ضَرِيعٍ لَيْسَ مِن جِنْسِ ضَرِيعِكم، إنَّما هو مِن ضَرِيعٍ غَيْرِ مُسْمِنٍ ولا مُغْنٍ مِن جُوعٍ، قالَ القاضِي: يَجِبُ في كُلِّ طَعامِهِمْ أنْ لا يُغْنِيَ مِن جُوعٍ لِأنَّ ذَلِكَ نَفْعٌ ورَأْفَةٌ، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ في العِقابِ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ وعِيدَ الكُفّارِ، أتْبَعَهُ بِشَرْحِ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ، فَذَكَرَ وصْفَ أهْلِ الثَّوابِ أوَّلًا، ثُمَّ وصَفَ دارَ الثَّوابِ ثانِيًا، أمّا وصْفُ أهْلِ الثَّوابِ فَبِأمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: في ظاهِرِهِمْ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ناعِمَةٌ﴾ أيْ ذاتُ بَهْجَةٍ وحُسْنٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ [المطففين: ٢٤] أوْ مُتَنَعِّمَةٌ.
88:9–13Page 592
لِّسَعۡيِهَا رَاضِيَةٞ ٩
With their effort [they are] satisfied
فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٖ ١٠
In an elevated garden,
لَّا تَسۡمَعُ فِيهَا لَٰغِيَةٗ ١١
Wherein they will hear no unsuitable speech.1
فِيهَا عَيۡنٞ جَارِيَةٞ ١٢
Within it is a flowing spring.
فِيهَا سُرُرٞ مَّرۡفُوعَةٞ ١٣
Within it are couches raised high
والثّانِي: في باطِنِهِمْ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِسَعْيِها راضِيَةٌ﴾ وفِيهِ تَأْوِيلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهم حَمِدُوا سَعْيَهم واجْتِهادَهم في العَمَلِ لِلَّهِ؛ لِما فازُوا بِسَبَبِهِ مِنَ العاقِبَةِ الحَمِيدَةِ، كالرَّجُلِ يَعْمَلُ العَمَلَ فَيُجْزى عَلَيْهِ بِالجَمِيلِ، ويُظْهِرُ لَهُ مِنهُ عاقِبَةً مَحْمُودَةً فَيَقُولُ: ما أحْسَنَ ما عَمِلْتُ، ولَقَدْ وُفِّقْتُ لِلصَّوابِ فِيما صَنَعْتُ، فَيُثَنِي عَلى عَمَلِ نَفْسِهِ ويَرْضاهُ.
والثّانِي: المُرادُ لِثَوابِ سَعْيِها في الدُّنْيا راضِيَةٌ إذا شاهَدُوا ذَلِكَ الثَّوابَ، وهَذا أوْلى إذِ المُرادُ أنَّ الَّذِي يُشاهِدُونَهُ مِنَ الثَّوابِ العَظِيمِ يَبْلُغُ حَدَّ الرِّضا حَتّى لا يُرِيدُوا أكْثَرَ مِنهُ، وأمّا وصْفُ دارِ الثَّوابِ فاعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَها بِأُمُورٍ سَبْعَةٍ:
صفحة ١٤١
أحَدُها قَوْلُهُ: ﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ هو العُلُوُّ في المَكانِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ هو العُلُوُّ في الدَّرَجَةِ والشَّرَفِ والمَنقَبَةِ، أمّا العُلُوُّ في المَكانِ فَذاكَ لِأنَّ الجَنَّةَ دَرَجاتٌ بَعْضُها أعْلى مِن بَعْضٍ، قالَ عَطاءٌ: الدَّرَجَةُ مِثْلُ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: ”لا تَسْمَعُ“ ثَلاثُ قِراءاتٍ:
أحَدُها: قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ ”لاغِيَةً“ بِالنَّصْبِ والمُخاطَبُ بِهَذا الخِطابِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هو النَّبِيَّ ﷺ وأنْ يَكُونَ لا تَسْمَعُ يا مُخاطَبَ فِيها لاغِيَةً، وهَذا يُفِيدُ السَّماعَ في الخِطابِ كَقَوْلِهِ: ﴿وإذا رَأيْتَ ثَمَّ رَأيْتَ﴾ [الإنسان: ٢٠] وقَوْلِهِ: ﴿إذا رَأيْتَهم حَسِبْتَهُمْ﴾ [الإنسان: ١٩] ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ التّاءُ عائِدَةً إلى وُجُوهِ، والمَعْنى لا تَسْمَعُ الوُجُوهُ فِيها لاغِيَةً.
وثانِيها: قَرَأ نافِعٌ بِالتّاءِ المَنقُوطَةِ مِن فَوْقُ مَرْفُوعَةً عَلى التَّأْنِيثِ ”لاغِيَةٌ“ بِالرَّفْعِ.
وثالِثُها: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ”لا يُسْمَعُ“ بِالياءِ المَنقُوطَةِ مِن تَحْتُ مَضْمُومَةً عَلى التَّذْكِيرِ ”لاغِيَةٌ“ بِالرَّفْعِ، وذَلِكَ جائِزٌ لِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ هَذا الضَّرْبَ مِنَ المُؤَنَّثِ إذا تَقَدَّمَ فِعْلُهُ وكانَ بَيْنَ الفِعْلِ والِاسْمِ حائِلٌ حَسُنَ التَّذْكِيرُ، قالَ الشّاعِرُ:
إنِ امْرَأٌ غَرَّهُ مِنكُنَّ واحِدَةٌ بَعْدِي وبَعْدَكِ في الدُّنْيا لَمَغْرُورُ
والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِاللّاغِيَةِ اللَّغْوُ، فالتَّأْنِيثُ عَلى اللَّفْظِ والتَّذْكِيرُ عَلى المَعْنى.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِأهْلِ اللُّغَةِ في قَوْلِهِ: ﴿لاغِيَةً﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ يُقالُ: لَغا يَلْغُو لَغْوًا ولاغِيَةً، فاللّاغِيَةُ واللَّغْوُ شَيْءٌ واحِدٌ، ويَتَأكَّدُ هَذا الوَجْهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا﴾ [الواقعة: ٢٥] .
وثانِيها: أنْ يَكُونَ صِفَةً والمَعْنى لا يَسْمَعُ كَلِمَةً لاغِيَةً.
وثالِثُها: قالَ الأخْفَشُ: ”لاغِيَةً“ أيْ كَلِمَةً ذاتَ لَغْوٍ كَما تَقُولُ: فارِسٌ ودارِعٌ لِصاحِبِ الفَرَسِ والدِّرْعِ، وأمّا أهْلُ التَّفْسِيرِ فَلَهم وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ الجَنَّةَ مُنَزَّهَةٌ عَنِ اللَّغْوِ لِأنَّها مَنزِلُ جِيرانِ اللَّهِ تَعالى وإنَّما نالُوها بِالجِدِّ والحَقِّ لا بِاللَّغْوِ والباطِلِ، وهَكَذا كُلُّ مَجْلِسٍ في الدُّنْيا شَرِيفٌ مُكَرَّمٌ فَإنَّهُ يَكُونُ مُبَرَّأً عَنِ اللَّغْوِ وكُلُّ ما كانَ أبْلَغَ في هَذا كانَ أكْثَرَ جَلالَةً، هَذا ما قَرَّرَهُ القَفّالُ.
والثّانِي: قالَ الزَّجّاجُ لا يَتَكَلَّمُ أهْلُ الجَنَّةِ إلّا بِالحِكْمَةِ والثَّناءِ عَلى اللَّهِ تَعالى عَلى ما رَزَقَهم مِنَ النَّعِيمِ الدّائِمِ.
والثّالِثُ: عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ يُرِيدُ لا تَسْمَعُ فِيها كَذِبًا ولا بُهْتانًا ولا كُفْرًا بِاللَّهِ ولا شَتْمًا.
والرّابِعُ: قالَ مُقاتِلٌ: لا يَسْمَعُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ الحَلِفَ عِنْدَ شَرابٍ كَما يَحْلِفُ أهْلُ الدُّنْيا إذا شَرِبُوا الخَمْرَ، وأحْسَنُ الوُجُوهِ ما قَرَّرَهُ القَفّالُ.
الخامِسُ: قالَ القاضِي: اللَّغْوُ ما لا فائِدَةَ فِيهِ، فاللَّهُ تَعالى نَفى عَنْهم ذَلِكَ ويَنْدَرِجُ فِيهِ ما يُؤْذِي سامِعَهُ عَلى طَرِيقِ الأوْلى.
88:14–16Page 592
وَأَكۡوَابٞ مَّوۡضُوعَةٞ ١٤
And cups put in place
وَنَمَارِقُ مَصۡفُوفَةٞ ١٥
And cushions lined up
وَزَرَابِيُّ مَبۡثُوثَةٌ ١٦
And carpets spread around.
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ لِلْجَنَّةِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ﴾ قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: يُرِيدُ عُيُونًا في غايَةِ الكَثْرَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ﴾ [الانفطار: ٥] قالَ القَفّالُ: فِيها عَيْنُ شَرابٍ جارِيَةٌ عَلى وجْهِ الأرْضِ في غَيْرِ أُخْدُودٍ وتَجْرِي لَهم كَما أرادُوا، قالَ الكَلْبِيُّ: لا أدْرِي بِماءٍ أوْ غَيْرِهِ.
صفحة ١٤٢
الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ أيْ عالِيَةٌ في الهَواءِ وذَلِكَ لِأجْلِ أنْ يَرى المُؤْمِنَ إذا جَلَسَ عَلَيْها جَمِيعَ ما أعْطاهُ رَبُّهُ في الجَنَّةِ مِنَ النَّعِيمِ والمُلْكِ، وقالَ خارِجَةُ بْنُ مُصْعَبٍ: بَلَغَنا أنَّها بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ فَيَرْتَفِعُ ما شاءَ اللَّهُ فَإذا جاءَ ولِيُّ اللَّهِ لِيَجْلِسَ عَلَيْها تَطامَنَتْ لَهُ فَإذا اسْتَوى عَلَيْها ارْتَفَعَتْ إلى حَيْثُ شاءَ اللَّهُ، والأوَّلُ أوْلى، وإنْ كانَ الثّانِي أيْضًا غَيْرَ مُمْتَنِعٍ لِأنَّ ذَلِكَ بِما كانَ أعْظَمَ في سُرُورِ المُكَلَّفِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي سُرُرٌ ألْواحُها مِن ذَهَبٍ مُكَلَّلَةٌ بِالزَّبَرْجَدِ والدُّرِّ والياقُوتِ مُرْتَفِعَةٌ في السَّماءِ.
الصِّفَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ الأكْوابُ الكِيزانُ الَّتِي لا عُرى لَها قالَ قَتادَةُ: فَهي دُونُ الأبارِيقِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿مَوْضُوعَةٌ﴾ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّها مُعَدَّةٌ لِأهْلِها كالرَّجُلِ يَلْتَمِسُ مِنَ الرَّجُلِ شَيْئًا فَيَقُولُ هو هَهُنا مَوْضُوعٌ بِمَعْنى مُعَدٍّ.
وثانِيها: مَوْضُوعَةٌ عَلى حافّاتِ العُيُونِ الجارِيَةِ كُلَّما أرادُوا الشُّرْبَ وجَدُوها مَمْلُوءَةً مِنَ الشَّرابِ.
وثالِثُها: مَوْضُوعَةٌ بَيْنَ أيْدِيهِمْ لِاسْتِحْسانِهِمْ إيّاها بِسَبَبِ كَوْنِها مِن ذَهَبٍ أوْ فِضَّةٍ أوْ مِن جَوْهَرٍ، وتَلَذُّذِهِمْ بِالشَّرابِ مِنها.
ورابِعُها: أنْ يَكُونَ المُرادُ مَوْضُوعَةً عَنْ حَدِّ الكِبَرِ أيْ هي أوْساطٌ بَيْنَ الصِّغَرِ والكِبَرِ كَقَوْلِهِ: ﴿قَدَّرُوها تَقْدِيرًا﴾ [الإنسان: ١٦]
الصِّفَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾ . النَّمارِقُ هي الوَسائِدُ في قَوْلِ الجَمِيعِ واحِدُها ”نُمْرُقَةٌ“ بِضَمِّ النُّونِ، وزادَ الفَرّاءُ سَماعًا عَنِ العَرَبِ ”نِمْرِقَةً“ بِكَسْرِ النُّونِ، قالَ الكَلْبِيُّ: وسائِدُ مَصْفُوفَةٌ بَعْضُها إلى جانِبِ بَعْضٍ أيْنَما أرادَ أنْ يَجْلِسَ جَلَسَ عَلى واحِدَةٍ واسْتَنَدَ إلى أُخْرى.
الصِّفَةُ السّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ يَعْنِي البُسُطَ والطَّنافِسَ واحِدُها زِرْبِيَّةٌ وزِرْبِيٌّ بِكَسْرِ الزّايِ في قَوْلِ جَمِيعِ أهْلِ اللُّغَةِ، وتَفْسِيرُ ”مَبْثُوثَةٌ“ مَبْسُوطَةٌ مَنشُورَةٌ أوْ مُفَرَّقَةٌ في المَجالِسِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences