Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Al-Fajr 89:20–30
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلّا بَل لا تُكْرِمُونَ اليَتِيمَ﴾ ﴿ولا تَحاضُّونَ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ ﴿وتَأْكُلُونَ التُّراثَ أكْلًا لَمًّا﴾ ﴿وتُحِبُّونَ المالَ حُبًّا جَمًّا﴾
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم تِلْكَ الشُّبْهَةَ قالَ: (كَلّا) وهو رَدْعٌ لِلْإنْسانِ عَنْ تِلْكَ المَقالَةِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى لَمْ أبْتَلِهِ بِالغِنى لِكَرامَتِهِ عَلَيَّ، ولَمْ أبْتَلِهِ بِالفَقْرِ لِهَوانِهِ عَلَيَّ، بَلْ ذَلِكَ إمّا عَلى مَذْهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ فَمِن مَحْضِ القَضاءِ أوِ القَدَرِ والمَشِيئَةِ، والحُكْمُ الَّذِي تَنَزَّهَ عَنِ التَّعْلِيلِ بِالعِلَلِ، وإمّا عَلى مَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ فَبِسَبَبِ مَصالِحٍ خَفِيَّةٍ لا يَطَّلِعُ عَلَيْها إلّا هو، فَقَدْ يُوَسِّعُ عَلى الكافِرِ لا لِكَرامَتِهِ، ويُقَتِّرُ عَلى المُؤْمِنِ لا لِهَوانِهِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى مِن أقْوالِهِمْ تِلْكَ الشُّبْهَةَ فَكَأنَّهُ قالَ: بَلْ لَهم فِعْلٌ هو شَرٌّ مِن هَذا القَوْلِ، وهو أنَّ اللَّهَ تَعالى يُكْرِمُهم بِكَثْرَةِ المالِ، فَلا يُؤَدُّونَ ما يَلْزَمُهم فِيهِ مِن إكْرامِ اليَتِيمِ، فَقالَ: ﴿بَل لا تُكْرِمُونَ اليَتِيمَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ أبُو عَمْرٍو: (يُكْرِمُونَ) وما بَعْدَهُ بِالياءِ المَنقُوطَةِ مِن تَحْتُ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ الإنْسانِ وكانَ يُرادُ بِهِ الجِنْسُ والكَثْرَةُ، وهو عَلى لَفْظَةِ الغَيْبَةِ حُمِلَ ”يُكْرِمُونَ“ و”يُحِبُّونَ“ عَلَيْهِ، ومَن قَرَأ بِالتّاءِ فالتَّقْدِيرُ: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ ذَلِكَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ مُقاتِلٌ: كانَ قُدامَةُ بْنُ مَظْعُونٍ يَتِيمًا في حَجْرِ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، فَكانَ يَدْفَعُهُ عَنْ حَقِّهِ.
واعْلَمْ أنَّ تَرْكَ إكْرامِ اليَتِيمِ عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: تَرْكُ بِرِّهِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَحاضُّونَ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ .
والثّانِي: دَفْعُهُ عَنْ حَقِّهِ الثّابِتِ لَهُ في المِيراثِ وأكْلُ مالِهِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتَأْكُلُونَ التُّراثَ أكْلًا لَمًّا﴾ .
والثّالِثُ: أخْذُ مالِهِ مِنهُ وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وتُحِبُّونَ المالَ حُبًّا جَمًّا﴾ أيْ تَأْخُذُونَ أمْوالَ اليَتامى وتَضُمُّونَها إلى أمْوالِكم، أمّا قَوْلُهُ: ﴿ولا تَحاضُّونَ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: ولا تُطْعِمُونَ مِسْكِينًا، والمَعْنى لا تَأْمُرُونَ بِإطْعامِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ العَظِيمِ﴾ ﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الحاقة: ٣٤] ومَن قَرَأ ولا ”تَحاضُّونَ“ أرادَ تَتَحاضُّونَ فَحُذِفَ تاءُ تَتَفاعَلُونَ، والمَعْنى: ”يَحُضُّ بَعْضُكم بَعْضًا“ وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ ”ولا تُحاضُّونَ“ بِضَمِّ التّاءِ مِنَ المُحاضَّةِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وتَأْكُلُونَ التُّراثَ أكْلًا لَمًّا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
صفحة ١٥٧
المَسْألَةُ الأُولى: قالُوا: أصْلُ التُّراثِ وُراثٌ، والتّاءُ تُبَدَّلُ مِنَ الواوِ المَضْمُومَةِ نَحْوَ تُجاهٍ ووُجاهٍ مِن واجَهْتُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ اللَّيْثُ: اللَّمُّ الجَمْعُ الشَّدِيدُ، ومِنهُ كَتِيبَةٌ مَلْمُومَةٌ وحَجَرٌ مَلْمُومٌ، والآكِلُ يَلُمُّ الثَّرِيدَ فَيَجْعَلُهُ لُقَمًا ثُمَّ يَأْكُلُهُ ويُقالُ لَمَمْتُ ما عَلى الخُوانِ ألُمُّهُ أيْ أكَلْتُهُ أجْمَعَ، فَمَعْنى اللَّمِّ في اللُّغَةِ الجَمْعُ، وأمّا التَّفْسِيرُ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: قالَ الواحِدِيُّ: والمُفَسِّرُونَ يَقُولُونَ في قَوْلِهِ: ﴿أكْلًا لَمًّا﴾ أيْ شَدِيدًا وهو حَلُّ مَعْنًى ولَيْسَ بِتَفْسِيرٍ، وتَفْسِيرُهُ أنَّ اللَّمَّ مَصْدَرٌ جُعِلَ نَعْتًا لِلْأكْلِ، والمُرادُ بِهِ الفاعِلُ أيْ: آكِلًا لامًا أيْ جائِعًا كَأنَّهم يَسْتَوْعِبُونَهُ بِالأكْلِ، قالَ الزَّجّاجُ: كانُوا يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى إسْرافًا وبِدارًا، فَقالَ اللَّهُ: ﴿وتَأْكُلُونَ التُّراثَ أكْلًا لَمًّا﴾ أيْ: تُراثَ اليَتامى ”لَمًّا“ أيْ تَلُمُّونَ جَمِيعَهُ، وقالَ الحَسَنُ: أيْ يَأْكُلُونَ نَصِيبَهم ونَصِيبَ صاحِبِهِمْ، فَيَجْمَعُونَ نَصِيبَ غَيْرِهِمْ إلى نَصِيبِهِمْ.
وثانِيها: أنَّ المالَ الَّذِي يَبْقى مِنَ المَيِّتِ بَعْضُهُ حَلالٌ، وبَعْضُهُ شُبْهَةٌ وبَعْضُهُ حَرامٌ، فالوارِثُ يَلُمُّ الكُلَّ أيْ: يَضُمُّ البَعْضَ إلى البَعْضِ ويَأْخُذُ الكُلَّ ويَأْكُلُهُ.
وثالِثُها: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الذَّمُّ مُتَوَجِّهًا إلى الوارِثِ الَّذِي ظَفِرَ بِالمالِ سَهْلًا مَهْلًا مِن غَيْرِ أنْ يَعْرَقَ فِيهِ جَبِينُهُ فَيُسْرِفَ في إنْفاقِهِ ويَأْكُلَهُ أكْلًا لَمًّا واسِعًا جامِعًا بَيْنَ ألْوانِ المُشْتَهَياتِ مِنَ الأطْعِمَةِ والأشْرِبَةِ والفَواكِهِ، كَما يَفْعَلُهُ الوُرّاثُ الباطِلُونَ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتُحِبُّونَ المالَ حُبًّا جَمًّا﴾ فاعْلَمْ أنَّ الجَمَّ هو الكَثْرَةُ يُقالُ: جَمَّ الشَّيْءُ يَجُمُّ جُمُومًا يُقالُ ذَلِكَ في المالِ وغَيْرِهِ فَهو شَيْءٌ جَمٌّ وجامٌّ وقالَ أبُو عَمْرٍو جَمَّ يَجُمُ أيْ يَكْثُرُ، والمَعْنى: ويُحِبُّونَ المالَ حُبًّا كَثِيرًا شَدِيدًا، فَبَيَّنَ أنَّ حِرْصَهم عَلى الدُّنْيا فَقَطْ وأنَّهم عادِلُونَ عَنْ أمْرِ الآخِرَةِ.
89:21–23Page 593
كـَلَّآۖ إِذَا دُكَّتِ ٱلۡأَرۡضُ دَكّٗا دَكّٗا ٢١
No! When the earth has been leveled - pounded and crushed
وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلۡمَلَكُ صَفّٗا صَفّٗا ٢٢
And your Lord has come1 and the angels, rank upon rank,
وَجِاْيٓءَ يَوۡمَئِذِۭ بِجَهَنَّمَۚ يَوۡمَئِذٖ يَتَذَكَّرُ ٱلۡإِنسَٰنُ وَأَنَّىٰ لَهُ ٱلذِّكۡرَىٰ ٢٣
And brought [within view], that Day, is Hell - that Day, man will remember, but how [i.e., what good] to him will be the remembrance?
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلّا إذا دُكَّتِ الأرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾ ﴿وجاءَ رَبُّكَ والمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ ﴿وجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ وأنّى لَهُ الذِّكْرى﴾
اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: (كَلّا) رَدْعٌ لَهم عَنْ ذَلِكَ وإنْكارٌ لِفِعْلِهِمْ أيْ لا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ الأمْرُ هَكَذا في الحِرْصِ عَلى الدُّنْيا وقَصْرِ الهِمَّةِ والجِهادِ عَلى تَحْصِيلِها والِاتِّكالِ عَلَيْها وتَرْكِ المُواساةِ مِنها وجَمْعِها مِن حَيْثُ تَتَهَيَّأُ مِن حِلٍّ أوْ حَرامٍ، وتَوَهَّمَ أنْ لا حِسابَ ولا جَزاءَ. فَإنَّ مَن كانَ هَذا حالَهُ يَنْدَمُ حِينَ لا تَنْفَعُهُ النَّدامَةُ ويَتَمَنّى أنْ لَوْ كانَ أفْنى عُمْرَهُ في التَّقَرُّبِ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ والمُواساةِ مِنَ المالِ إلى اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ إذا جاءَ يَوْمٌ مَوْصُوفٌ بِصِفاتٍ ثَلاثَةٍ فَإنَّهُ يَحْصُلُ ذَلِكَ التَّمَنِّي وتِلْكَ النَّدامَةُ.
الصِّفَةُ الأُولى: مِن صِفاتِ ذَلِكَ اليَوْمِ قَوْلُهُ: ﴿إذا دُكَّتِ الأرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾ قالَ الخَلِيلُ: الدَّكُّ كَسْرُ الحائِطِ والجَبَلِ، والدَّكْداكُ رَمْلٌ مُتَلَبِّدٌ، ورَجُلٌ مِدَكٌّ شَدِيدُ الوَطْءِ عَلى الأرْضِ، وقالَ المُبَرِّدُ: الدَّكُّ حَطُّ المُرْتَفِعِ بِالبَسْطِ، وانْدَكَّ سَنامُ البَعِيرِ إذا انْفَرَشَ في ظَهْرِهِ، وناقَةٌ دَكّاءُ إذا كانَتْ كَذَلِكَ ومِنهُ الدُّكّانُ لِاسْتِوائِهِ في الِانْفِراشِ، فَمَعْنى الدَّكِّ عَلى قَوْلِ الخَلِيلِ: كَسْرُ كُلِّ شَيْءٍ عَلى وجْهِ الأرْضِ مِن جَبَلٍ أوْ شَجَرٍ حِينَ زُلْزِلَتْ فَلَمْ
صفحة ١٥٨
يَبْقَ عَلى ظَهْرِها شَيْءٌ، وعَلى قَوْلِ المُبَرِّدِ: مَعْناهُ أنَّها اسْتَوَتْ في الِانْفِراشِ فَذَهَبَتْ دُورُها وقُصُورُها وسائِرُ أبْنِيَتِها حَتّى تَصِيرَ كالصَّخْرَةِ المَلْساءِ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ: تُمَدُّ الأرْضُ يَوْمَ القِيامَةِ.
واعْلَمْ أنَّ التَّكْرارَ في قَوْلِهِ: ﴿دَكًّا دَكًّا﴾ مَعْناهُ دَكًّا بَعْدَ دَكٍّ كَقَوْلِكَ حَسِبْتُهُ بابًا بابًا وعَلِمْتُهُ حَرْفًا حَرْفًا أيْ: كُرِّرَ عَلَيْها الدَّكُّ حَتّى صارَتْ هَباءً مَنثُورًا. واعْلَمْ أنَّ هَذا التَّدَكْدُكَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُتَأخِّرًا عَنِ الزَّلْزَلَةِ، فَإذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زَلْزَلَةً بَعْدَ زَلْزَلَةٍ وحُرِّكَتْ تَحْرِيكًا بَعْدَ تَحْرِيكٍ انْكَسَرَتِ الجِبالُ الَّتِي عَلَيْها وانْهَدَمَتِ التِّلالُ وامْتَلَأتِ الأغْوارُ وصارَتْ مَلْساءَ، وذَلِكَ عِنْدَ انْقِضاضِ الدُّنْيا وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرّاجِفَةُ﴾ ﴿تَتْبَعُها الرّادِفَةُ﴾ [النازعات: ٦] وقالَ: ﴿وحُمِلَتِ الأرْضُ والجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً﴾ [الحاقة: ١٤] وقالَ: ﴿إذا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾ ﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾ [الواقعة: ٤] .
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: مِن صِفاتِ ذَلِكَ اليَوْمِ قَوْلُهُ: ﴿وجاءَ رَبُّكَ والمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ العَقْلِيِّ أنَّ الحَرَكَةَ عَلى اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، لِأنَّ كُلَّ ما كانَ كَذَلِكَ كانَ جِسْمًا والجِسْمُ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ أزَلِيًّا فَلا بُدَّ فِيهِ مِنَ التَّأْوِيلِ، وهو أنَّ هَذا مِن بابِ حَذْفِ المُضافِ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ، ثُمَّ ذَلِكَ المُضافُ ما هو ؟ فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: وجاءَ أمْرُ رَبِّكَ بِالمُحاسَبَةِ والمُجازاةِ.
وثانِيها: وجاءَ قَهْرُ رَبِّكَ كَما يُقالُ جاءَتْنا بَنُو أُمَيَّةَ أيْ: قَهْرُهم.
وثالِثُها: وجاءَ جَلائِلُ آياتِ رَبِّكَ لِأنَّ هَذا يَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ، وفي ذَلِكَ اليَوْمِ تَظْهَرُ العَظائِمُ وجَلائِلُ الآياتِ، فَجُعِلَ مَجِيئُها مَجِيئًا لَهُ تَفْخِيمًا لِشَأْنِ تِلْكَ الآياتِ.
ورابِعُها: وجاءَ ظُهُورُ رَبِّكَ، وذَلِكَ لِأنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ تَصِيرُ في ذَلِكَ اليَوْمِ ضَرُورِيَّةً فَصارَ ذَلِكَ كَظُهُورِهِ وتَجَلِّيهِ لِلْخَلْقِ، فَقِيلَ: ﴿وجاءَ رَبُّكَ﴾ أيْ زالَتِ الشُّبْهَةُ وارْتَفَعَتِ الشُّكُوكُ.
خامِسُها: أنَّ هَذا تَمْثِيلٌ لِظُهُورِ آياتِ اللَّهِ وتَبْيِينِ آثارِ قَهْرِهِ وسُلْطانِهِ، مُثِّلَتْ حالُهُ في ذَلِكَ بِحالِ المَلِكِ إذا حَضَرَ بِنَفْسِهِ، فَإنَّهُ يَظْهَرُ بِمُجَرَّدِ حُضُورِهِ مِن آثارِ الهَيْبَةِ والسِّياسَةِ ما لا يَظْهَرُ بِحُضُورِ عَساكِرِهِ كُلِّها.
وسادِسُها: أنَّ الرَّبَّ هو المُرَبِّي، ولَعَلَّ مَلَكًا هو أعْظَمُ المَلائِكَةِ هو مُرَبِّي لِلنَّبِيِّ ﷺ جاءَ فَكانَ هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وجاءَ رَبُّكَ﴾ .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿والمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ فالمَعْنى أنَّهُ تَنَزَّلَ مَلائِكَةُ كُلِّ سَماءٍ فَيَصْطَفُّونَ صَفًّا بَعْدَ صَفٍّ مُحَدِّقِينَ بِالجِنِّ والإنْسِ.
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: مِن صِفاتِ ذَلِكَ اليَوْمِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِلْغاوِينَ﴾ [الشعراء: ٩١] قالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: جِيءَ بِها يَوْمَ القِيامَةِ مَزْمُومَةً بِسَبْعِينَ ألْفَ زِمامٍ مَعَ كُلِّ زِمامٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ يَجُرُّونَها حَتّى تَنْصَبَّ عَنْ يَسارِ العَرْشِ فَتَشْرُدُ شَرْدَةً لَوْ تُرِكَتْ لَأحْرَقَتْ أهْلَ الجَمْعِ، قالَ الأُصُولِيُّونَ: ومَعْلُومٌ أنَّها لا تَنْفَكُّ عَنْ مَكانِها، فالمُرادُ ﴿وبُرِّزَتِ﴾ أيْ ظَهَرَتْ حَتّى رَآها الخَلْقُ، وعَلِمَ الكافِرُ أنَّ مَصِيرَهُ إلَيْها، ثُمَّ قالَ: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ﴾ واعْلَمْ أنَّ تَقْدِيرَ الكَلامِ: إذا دُكَّتِ الأرْضُ وحَصَلَ كَذا وكَذا فَيَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ، وفي تَذَكُّرِهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ يَتَذَكَّرُ ما فَرَّطَ فِيهِ لِأنَّهُ حِينَ كانَ في الدُّنْيا كانَتْ هِمَّتُهُ تَحْصِيلَ الدُّنْيا، ثُمَّ إنَّهُ في الآخِرَةِ يَتَذَكَّرُ أنَّ ذَلِكَ كانَ ضَلالًا، وكانَ الواجِبُ عَلَيْهِ أنْ تَكُونَ هِمَّتُهُ تَحْصِيلَ الآخِرَةِ.
الثّانِي: يَتَذَكَّرُ أيْ: يَتَّعِظُ، والمَعْنى أنَّهُ ما كانَ يَتَّعِظُ في الدُّنْيا فَيَصِيرُ في الآخِرَةِ مُتَّعِظًا فَيَقُولُ: ﴿يالَيْتَنا نُرَدُّ ولا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا﴾ [الأنعام: ٢٧] .
الثّالِثُ: يَتَذَكَّرُ يَتُوبُ وهو مَرْوِيٌّ عَنِ الحَسَنِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أنّى لَهُمُ الذِّكْرى وقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مُبِينٌ﴾ [الدخان: ١٣]:
صفحة ١٥٩
واعْلَمْ أنَّ بَيْنَ قَوْلِهِ: (يَتَذَكَّرُ) وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وأنّى لَهُ الذِّكْرى﴾ تَناقُضًا فَلا بُدَّ مِن إضْمارِ المُضافِ والمَعْنى ومِن أيْنَ لَهُ مَنفَعَةُ الذِّكْرى.
ويَتَفَرَّعُ عَلى هَذِهِ الآيَةِ مَسْألَةٌ أُصُولِيَّهٌ، وهي أنَّ قَبُولَ التَّوْبَةِ عِنْدَنا غَيْرُ واجِبٍ عَلى اللَّهِ عَقْلًا، وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هو واجِبٌ. فَنَقُولُ: الدَّلِيلُ عَلى قَوْلِنا أنَّ الآيَةَ دَلَّتْ هَهُنا عَلى أنَّ الإنْسانَ يَعْلَمُ في الآخِرَةِ أنَّ الَّذِي يَعْمَلُهُ في الدُّنْيا لَمْ يَكُنْ أصْلَحَ لَهُ وإنَّ الَّذِي تَرَكَهُ كانَ أصْلَحَ لَهُ، ومَهْما عَرَفَ ذَلِكَ لا بُدَّ وأنْ يَنْدَمَ عَلَيْهِ، وإذا حَصَلَ النَّدَمُ فَقَدْ حَصَلَتِ التَّوْبَةُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى نَفى كَوْنَ تِلْكَ التَّوْبَةِ نافِعَةً بِقَوْلِهِ: ﴿وأنّى لَهُ الذِّكْرى﴾ فَعَلِمْنا أنَّ التَّوْبَةَ لا يَجِبُ عَقْلًا قَبُولُها، فَإنْ قِيلَ: القَوْمُ إنَّما نَدِمُوا عَلى أفْعالِهِمْ لا لِوَجْهِ قُبْحِها بَلْ لِتُرَتِّبِ العِقابِ عَلَيْها، فَلا جَرَمَ ما كانَتِ التَّوْبَةُ صَحِيحَةً ؟ قُلْنا: القَوْمُ لَمّا عَلِمُوا أنَّ النَّدَمَ عَلى القَبِيحِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ لِوَجْهِ قُبْحِهِ حَتّى يَكُونَ نافِعًا وجَبَ أنْ يَكُونَ نَدَمُهم واقِعًا عَلى هَذا الوَجْهِ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُونَ آتِينَ بِالتَّوْبَةِ الصَّحِيحَةِ مَعَ عَدَمِ القَبُولِ، فَصَحَّ قَوْلُنا.
89:24Page 594
يَقُولُ يَٰلَيۡتَنِي قَدَّمۡتُ لِحَيَاتِي ٢٤
He will say, "Oh, I wish I had sent ahead [some good] for my life."1
ثُمَّ شَرَحَ تَعالى ما يَقُولُهُ هَذا الإنْسانُ فَقالَ تَعالى: ﴿يَقُولُ يالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: لِلْآيَةِ تَأْوِيلاتٌ:
أحَدُهُما: ﴿يالَيْتَنِي قَدَّمْتُ﴾ في الدُّنْيا الَّتِي كانَتْ حَياتِي فِيها مُنْقَطِعَةً لِحَياتِي هَذِهِ الَّتِي هي دائِمَةٌ غَيْرُ مُنْقَطِعَةٍ، وإنَّما قالَ: ﴿لِحَياتِي﴾ ولَمْ يَقُلْ: ”لِهَذِهِ الحَياةِ“ عَلى مَعْنى أنَّ الحَياةَ كَأنَّها لَيْسَتْ إلّا الحَياةَ في الدّارِ الآخِرَةِ، قالَ تَعالى: ﴿وإنَّ الدّارَ الآخِرَةَ لَهي الحَيَوانُ﴾ [العنكبوت: ٦٤] أيْ لَهي الحَياةُ.
وثانِيها: أنَّهُ تَعالى قالَ في حَقِّ الكافِرِ: ﴿ويَأْتِيهِ المَوْتُ مِن كُلِّ مَكانٍ وما هو بِمَيِّتٍ﴾ [إبراهيم: ١٧] وقالَ: ﴿فَإنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ [طه: ٧٤] وقالَ: ﴿ويَتَجَنَّبُها الأشْقى﴾ ﴿الَّذِي يَصْلى النّارَ الكُبْرى﴾ ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ [الأعلى: ١٣] فَهَذِهِ الآيَةُ دَلَّتْ عَلى أنَّ أهْلَ النّارِ في الآخِرَةِ كَأنَّهُ لا حَياةَ لَهم، والمَعْنى فَيا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ عَمَلًا يُوجِبُ نَجاتِي مِنَ النّارِ حَتّى أكُونَ مِنَ الأحْياءِ.
.
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ المَعْنى: فَيا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ وقْتَ حَياتِي في الدُّنْيا، كَقَوْلِكَ جِئْتُهُ لِعَشْرِ لَيالٍ خَلَوْنَ مِن رَجَبٍ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اسْتَدَلَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الِاخْتِيارَ كانَ في أيْدِيهِمْ ومُعَلَّقًا بِقَصْدِهِمْ وإرادَتِهِمْ وأنَّهم ما كانُوا مَحْجُوبِينَ عَنِ الطّاعاتِ مُجْتَرِئِينَ عَلى المَعاصِي، وجَوابُهُ: أنَّ فِعْلَهم كانَ مُعَلَّقًا بِقَصْدِهِمْ، فَقَصْدُهم إنْ كانَ مُعَلَّقًا بِقَصْدٍ آخَرَ لَزِمَ التَّسَلْسُلُ، وإنْ كانَ مُعَلَّقًا بِقَصْدِ اللَّهِ فَقَدْ بَطَلَ الِاعْتِزالُ.
89:25–28Page 594
فَيَوۡمَئِذٖ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُۥٓ أَحَدٞ ٢٥
So on that Day, none will punish [as severely] as His punishment,
وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُۥٓ أَحَدٞ ٢٦
And none will bind [as severely] as His binding [of the evildoers].
يَٰٓأَيَّتُهَا ٱلنَّفۡسُ ٱلۡمُطۡمَئِنَّةُ ٢٧
[To the righteous it will be said], "O reassured soul,
ٱرۡجِعِيٓ إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةٗ مَّرۡضِيَّةٗ ٢٨
Return to your Lord, well-pleased and pleasing [to Him],
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أحَدٌ﴾ ﴿ولا يُوثِقُ وثاقَهُ أحَدٌ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
صفحة ١٦٠
المَسْألَةُ الأُولى: قِراءَةُ العامَّةِ ”يُعَذِّبُ“ و”يُوثِقُ“ بِكَسْرِ العَيْنِ فِيهِما، قالَ مُقاتِلٌ: مَعْناهُ: فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَ اللَّهِ أحَدٌ مِنَ الخَلْقِ ولا يُوثِقُ وثاقَ اللَّهِ أحَدٌ مِنَ الخَلْقِ، والمَعْنى لا يَبْلُغُ أحَدٌ مِنَ الخَلْقِ كَبَلاغِ اللَّهِ في العَذابِ والوَثاقِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هَذا التَّفْسِيرُ ضَعِيفٌ لِأنَّهُ لَيْسَ يَوْمَ القِيامَةِ مُعَذِّبٌ سِوى اللَّهِ فَكَيْفَ يُقالُ: لا يُعَذِّبُ أحَدٌ في مِثْلِ عَذابِهِ، وأُجِيبُ عَنْ هَذا الِاعْتِراضِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ التَّقْدِيرَ لا يُعَذِّبُ أحَدٌ في الدُّنْيا عَذابَ اللَّهِ الكافِرَ يَوْمَئِذٍ، ولا يُوثِقُ أحَدٌ في الدُّنْيا وثاقَ اللَّهِ الكافِرَ يَوْمَئِذٍ، والمَعْنى: مِثْلَ عَذابِهِ ووَثاقِهِ في الشِّدَّةِ والمُبالَغَةِ.
الثّانِي: أنَّ المَعْنى لا يَتَوَلّى يَوْمَ القِيامَةِ عَذابَ اللَّهِ أحَدٌ، أيِ: الأمْرُ يَوْمَئِذٍ أمْرُهُ ولا أمْرَ لِغَيْرِهِ.
الثّالِثُ: وهو قَوْلُ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ لا يُعَذِّبُ أحَدٌ مِنَ الزَّبانِيَةِ مِثْلَ ما يُعَذِّبُونَهُ، فالضَّمِيرُ في عَذابِهِ عائِدٌ إلى الإنْسانِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ: لا يُعَذَّبُ ولا يَوْثَقُ بِفَتْحِ العَيْنِ فِيها واخْتارَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وعَنْ أبِي عَمْرٍو أنَّهُ رَجَعَ إلَيْها في آخِرِ عُمْرِهِ، لِما رُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأهُما بِالفَتْحِ، والضَّمِيرُ لِلْإنْسانِ المَوْصُوفِ، وقِيلَ: هو أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ ولِهَذِهِ القِراءَةِ تَفْسِيرانِ:
أحَدُهُما: لا يُعَذِّبُ أحَدٌ مِثْلَ عَذابِهِ ولا يُوثِقُ بِالسَّلاسِلِ والأغْلالِ مِثْلَ وثاقِهِ، لِتَناهِيهِ في كُفْرِهِ وفَسادِهِ.
والثّانِي: أنَّهُ لا يُعَذَّبُ أحَدٌ مِنَ النّاسِ عَذابَ الكافِرِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنعام: ١٦٤] قالَ الواحِدِيُّ وهَذِهِ أوْلى الأقْوالِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: العَذابُ في القِراءَتَيْنِ بِمَعْنى التَّعْذِيبِ والوَثاقُ بِمَعْنى الإيثاقِ، كالعَطاءِ بِمَعْنى الإعْطاءِ في قَوْلِهِ:
أكُفْرًا بَعْدَ رَدِّ المَوْتِ عَنْ وبَعْدَ عَطائِكَ المِائَةَ الرِّتاعا
89:29–30Page 594
فَٱدۡخُلِي فِي عِبَٰدِي ٢٩
And enter among My [righteous] servants
وَٱدۡخُلِي جَنَّتِي ٣٠
And enter My Paradise."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ﴾ ﴿ارْجِعِي إلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ حالَ مَنِ اطْمَأنَّ إلى الدُّنْيا، وصَفَ حالَ مَنِ اطْمَأنَّ إلى مَعْرِفَتِهِ وعُبُودِيَّتِهِ، فَقالَ: ﴿ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: تَقْدِيرُ هَذا الكَلامِ: يَقُولُ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِ: ﴿ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ﴾ فَإمّا أنْ يُكَلِّمَهُ إكْرامًا لَهُ كَما كَلَّمَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أوْ عَلى لِسانِ مَلَكٍ، وقالَ القَفّالُ: هَذا وإنْ كانَ أمْرًا في الظّاهِرِ لَكِنَّهُ خَبَرٌ في المَعْنى، والتَّقْدِيرُ أنَّ النَّفْسَ إذا كانَتْ مُطْمَئِنَّةً رَجَعَتْ إلى اللَّهِ، وقالَ اللَّهُ لَها: ﴿فادْخُلِي في عِبادِي﴾ ﴿وادْخُلِي جَنَّتِي﴾ قالَ: ومَجِيءُ الأمْرِ بِمَعْنى الخَبَرِ كَثِيرٌ في كَلامِهِمْ، كَقَوْلِهِمْ: إذا لَمْ تَسْتَحِ فاصْنَعْ ما شِئْتَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الِاطْمِئْنانُ هو الِاسْتِقْرارُ والثَّباتُ، وفي كَيْفِيَّةِ هَذا الِاسْتِقْرارِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنْ تَكُونَ مُتَيَقِّنَةً بِالحَقِّ، فَلا يُخالِجُها شَكٌّ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] .
وثانِيها: النَّفْسُ الآمِنَةُ الَّتِي لا يَسْتَفِزُّها خَوْفٌ ولا حَزَنٌ، ويَشْهَدُ لِهَذا التَّفْسِيرِ قِراءَةُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ يا أيَّتُها النَّفْسُ الآمِنَةُ المُطْمَئِنَّةُ، وهَذِهِ الخاصَّةُ قَدْ تَحْصُلُ عِنْدَ المَوْتِ عِنْدَ سَماعِ قَوْلِهِ: ﴿ألّا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا وأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ﴾ [فصلت: ٣٠] وتَحْصُلُ عِنْدَ البَعْثِ، وعِنْدَ دُخُولِ الجَنَّةِ لا مَحالَةَ.
وثالِثُها: وهو تَأْوِيلٌ مُطابِقٌ لِلْحَقائِقِ
صفحة ١٦١
العَقْلِيَّةِ، فَنَقُولُ: القُرْآنُ والبُرْهانُ تَطابَقا عَلى أنَّ هَذا الِاطْمِئْنانَ لا يَحْصُلُ إلّا بِذِكْرِ اللَّهِ، أمّا القُرْآنُ فَقَوْلُهُ: ﴿ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨] وأمّا البُرْهانُ فَمِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ القُوَّةَ العاقِلَةَ إذا أخَذَتْ تَتَرَقّى في سِلْسِلَةِ الأسْبابِ والمُسَبِّباتِ، فَكُلَّما وصَلَ إلى سَبَبٍ يَكُونُ هو مُمْكِنًا لِذاتِهِ طَلَبَ العَقْلُ لَهُ سَبَبًا آخَرَ، فَلَمْ يَقِفِ العَقْلُ عِنْدَهُ، بَلْ لا يَزالُ يَنْتَقِلُ مِن كُلِّ شَيْءٍ إلى ما هو أعْلى مِنهُ، حَتّى يَنْتَهِيَ في ذَلِكَ التَّرَقِّي إلى واجِبِ الوُجُودِ لِذاتِهِ مَقْطَعُ الحاجاتِ ومُنْتَهى الضَّرُوراتِ، فَلَمّا وقَفَتِ الحاجَةُ دُونَهُ وقَفَ العَقْلُ عِنْدَهُ واطْمَأنَّ إلَيْهِ، ولَمْ يَنْتَقِلْ عَنْهُ إلى غَيْرِهِ، فَإذًا كُلَّما كانَتِ القُوَّةُ العاقِلَةُ ناظِرَةً إلى شَيْءٍ مِنَ المُمْكِناتِ مُلْتِفَةً إلَيْهِ اسْتَحالَ أنْ تَسْتَقِرَّ عِنْدَهُ، وإذا نَظَرْتَ إلى جَلالِ واجِبِ الوُجُودِ، وعَرَفْتَ أنَّ الكُلَّ مِنهُ اسْتَحالَ أنْ تَنْتَقِلَ عَنْهُ، فَثَبَتَ أنَّ الِاطْمِئْنانَ لا يَحْصُلُ إلّا بِذِكْرِ واجِبِ الوُجُودِ.
الثّانِي: أنَّ حاجاتِ العَبْدِ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ وكُلُّ ما سِوى اللَّهِ تَعالى فَهو مُتَناهِي البَقاءِ والقُوَّةِ إلّا بِإمْدادِ اللَّهِ، وغَيْرُ المُتَناهِي لا يَصِيرُ مَجْبُورًا بِالمُتَناهِي، فَلا بُدَّ في مُقابَلَةِ حاجَةِ العَبْدِ الَّتِي لا نِهايَةَ لَها مِن كَمالِ اللَّهِ الَّذِي لا نِهايَةَ لَهُ، حَتّى يَحْصُلَ الِاسْتِقْرارُ، فَثَبَتَ أنَّ كُلَّ مَن آثَرَ مَعْرِفَةَ اللَّهِ لا لِشَيْءٍ غَيْرِ اللَّهِ فَهو غَيْرُ مُطْمَئِنٍّ، ولَيْسَتْ نَفْسُهُ نَفْسًا مُطْمَئِنَّةً، أمّا مَن آثَرَ مَعْرِفَةَ اللَّهِ لِشَيْءٍ سِواهُ فَنَفْسُهُ هي النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ، وكُلُّ مَن كانَ كَذَلِكَ كانَ أُنْسُهُ بِاللَّهِ وشَوْقُهُ إلى اللَّهِ وبَقاؤُهُ بِاللَّهِ وكَلامُهُ مَعَ اللَّهِ، فَلا جَرَمَ يُخاطِبُ عِنْدَ مُفارَقَتِهِ الدُّنْيا بِقَوْلِهِ: ﴿ارْجِعِي إلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ وهَذا كَلامٌ لا يَنْتَفِعُ الإنْسانُ بِهِ إلّا إذا كانَ كامِلًا في القُوَّةِ الفِكْرِيَّةِ الإلَهِيَّةِ أوْ في التَّجْرِيدِ والتَّفْرِيدِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ مُطْلَقَ النَّفْسِ في القُرْآنِ فَقالَ: ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ [الشمس: ٧] وقالَ: ﴿تَعْلَمُ ما في نَفْسِي ولا أعْلَمُ ما في نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦] وقالَ: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] وتارَةً وصَفَها بِكَوْنِها أمّارَةً بِالسُّوءِ، فَقالَ: ﴿إنَّ النَّفْسَ لَأمّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣] وتارَةً بِكَوْنِها لَوّامَةً، فَقالَ: ﴿بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ [القيامة: ٢] وتارَةً بِكَوْنِها مُطْمَئِنَّةً كَما في هَذِهِ الآيَةِ. واعْلَمْ أنَّ نَفْسَ ذاتِكَ وحَقِيقَتِكَ وهي الَّتِي تُشِيرُ إلَيْها بِقَوْلِكَ: (أنا) حِينَ تُخْبِرُ عَنْ نَفْسِكَ بِقَوْلِكَ فَعَلْتُ ورَأيْتُ وسَمِعْتُ وغَضِبْتُ واشْتَهَيْتُ وتَخَيَّلْتُ وتَذَكَّرْتُ، إلّا أنَّ المُشارَ إلَيْهِ بِهَذِهِ الإشارَةِ لَيْسَ هو هَذِهِ البِنْيَةَ لِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ المُشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِكَ: (أنا) قَدْ يَكُونُ مَعْلُومًا حالَ ما تَكُونُ هَذِهِ البِنْيَةُ المَخْصُوصَةُ غَيْرَ مَعْلُومَةٍ، والمَعْلُومُ غَيْرُ ما هو غَيْرُ مَعْلُومٍ.
والثّانِي: أنَّ هَذِهِ البِنْيَةَ مُتَبَدِّلَةُ الأجْزاءِ والمُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِكَ: (أنا) غَيْرُ مُتَبَدِّلٍ، فَإنِّي أعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنِّي أنا الَّذِي كُنْتُ مَوْجُودًا قَبْلَ هَذا اليَوْمِ بِعِشْرِينَ سَنَةً، والمُتَبَدِّلُ غَيْرُ ما هو غَيْرُ مُتَبَدِّلٍ، فَإذًا لَيْسَتِ النَّفْسُ عِبارَةً عَنْ هَذِهِ البِنْيَةِ، وتَقُولُ: قالَ قَوْمٌ إنَّ النَّفْسَ لَيْسَتْ بِجِسْمٍ لِأنّا قَدْ نَعْقِلُ المُشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (أنا) حالَ ما أكُونُ غافِلًا عَنِ الجِسْمِ الَّذِي حَقِيقَتُهُ المُخْتَصُّ بِالحَيِّزِ الذّاهِبِ في الطُّولِ والعَرْضِ والعُمْقِ. والمَعْلُومُ مُغايِرٌ لِما لَيْسَ بِمَعْلُومٍ، وجَوابُ المُعارَضَةِ بِالنَّفْسِ مَذْكُورٌ في كِتابِنا المُسَمّى بِلُبابِ الإشاراتِ، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ هو جَوْهَرٌ جُسْمانِيٌّ لَطِيفٌ صافٍ بَعِيدٌ عَنْ مُشابَهَةِ الأجْرامِ العُنْصُرِيَّةِ نُورانِيٌّ سَماوِيٌّ مُخالِفٌ بِالماهِيَّةِ لِهَذِهِ الأجْسامِ السُّفْلِيَّةِ، فَإذا صارَتْ مُشابِكَةً لِهَذا البَدَنِ الكَثِيفِ صارَ البَدَنُ حَيًّا وإنْ فارَقَتْهُ صارَ البَدَنُ مَيِّتًا، وعَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ يَكُونُ وصْفُها بِالمَجِيءِ والرُّجُوعِ بِمَعْنى التَّدْبِيرِ وتَرْكِهِ، وعَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي يَكُونُ ذَلِكَ الوَصْفُ حَقِيقًا.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: مِنَ القُدَماءِ مَن زَعَمَ أنَّ النُّفُوسَ أزَلِيَّةٌ، واحْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ وهي قَوْلُهُ: ﴿ارْجِعِي إلى رَبِّكِ﴾ فَإنَّ هَذا إنَّما يُقالُ لِما كانَ مَوْجُودًا قَبْلَ هَذا البَدَنِ.
صفحة ١٦٢
واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ يَتَفَرَّعُ عَلى أنَّ هَذا الخِطابَ مَتى يُوجَدُ ؟ وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ إنَّما يُوجَدُ عِنْدَ المَوْتِ، وهَهُنا تَقْوى حُجَّةُ القائِلِينَ بِتَقَدُّمِ الأرْواحِ عَلى الأجْسادِ، إلّا أنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن تَقَدُّمِها عَلَيْها قِدَمُها.
الثّانِي: أنَّهُ إنَّما يُوجَدُ عِنْدَ البَعْثِ والقِيامَةِ، والمَعْنى: ارْجِعِي إلى ثَوابِ رَبِّكِ، فادْخُلِي في عِبادِي، أيِ ادْخُلِي في الجَسَدِ الَّذِي خَرَجْتِ مِنهُ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: المُجَسِّمَةُ تَمَسَّكُوا بِقَوْلِهِ: (إلى رَبِّكِ) وكَلِمَةُ ”إلى“ لِانْتِهاءِ الغايَةِ وجَوابُهُ: إلى حُكْمِ رَبِّكِ، أوْ إلى ثَوابِ رَبِّكِ أوْ إلى إحْسانِ رَبِّكِ والجَوابُ الحَقِيقِيُّ المُفَرَّعُ عَلى القاعِدَةِ العَقْلِيَّةِ الَّتِي قَرَّرْناها: أنَّ القُوَّةَ العَقْلِيَّةَ بِسَيْرِها العَقْلِيِّ تَتَرَقّى مِن مَوْجُودٍ إلى مَوْجُودٍ آخَرَ، ومِن سَبَبٍ إلى سَبَبٍ حَتّى تَنْتَهِيَ إلى حَضْرَةِ واجِبِ الوُجُودِ، فَهُناكَ انْتِهاءُ الغاياتِ وانْقِطاعُ الحَرَكاتِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿راضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ فالمَعْنى: راضِيَةً بِالثَّوابِ مَرْضِيَّةً عَنْكِ في الأعْمالِ الَّتِي عَمِلْتِها في الدُّنْيا، ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا التَّفْسِيرِ، ما «رُوِيَ أنَّ رَجُلًا قَرَأ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ هَذِهِ الآياتِ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: ما أحْسَنَ هَذا فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”أما إنَّ المَلَكَ سَيَقُولُها لَكَ“» .
* *
ثُمَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فادْخُلِي في عِبادِي﴾ ﴿وادْخُلِي جَنَّتِي﴾
وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قِيلَ: نَزَلَتْ في حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وقِيلَ: في خُبَيْبِ بْنِ عَدِيٍّ الَّذِي صَلَبَهُ أهْلُ مَكَّةَ، وجَعَلُوا وجْهَهُ إلى المَدِينَةِ، فَقالَ: اللَّهُمَّ إنْ كانَ لِي عِنْدَكَ خَيْرٌ فَحَوِّلْ وجْهِي نَحْوَ بَلْدَتِكَ، فَحَوَّلَ اللَّهُ وجْهَهُ نَحْوَها، فَلَمْ يَسْتَطِعْ
أحَدٌ أنْ يُحَوِّلَهُ، وأنْتَ قَدْ عَرَفْتَ أنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فادْخُلِي في عِبادِي﴾ أيِ: انْضَمِّي إلى عِبادِي المُقَرَّبِينَ، وهَذِهِ حالَةٌ شَرِيفَةٌ، وذَلِكَ لِأنَّ الأرْواحَ الشَّرِيفَةَ القُدْسِيَّةَ تَكُونُ كالمَرايا المَصْقُولَةِ، فَإذا انْضَمَّ بَعْضُها إلى البَعْضِ حَصَلَتْ فِيما بَيْنَها حالَةٌ شَبِيهَةٌ بِالحالَةِ الحاصِلَةِ عِنْدَ تَقابُلِ المَرايا المَصْقُولَةِ مِنِ انْعِكاسِ الأشِعَّةِ مِن بَعْضِها عَلى بَعْضٍ، فَيَظْهَرُ في كُلِّ واحِدٍ مِنها كُلُّ ما ظَهَرَ في كُلِّها، وبِالجُمْلَةِ فَيَكُونُ ذَلِكَ الِانْضِمامُ سَبَبًا لِتَكامُلِ تِلْكَ السَّعاداتِ وتَعاظُمِ تِلْكَ الدَّرَجاتِ الرُّوحانِيَّةِ، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأمّا إنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩٠] وذَلِكَ هو السَّعادَةُ الرُّوحانِيَّةُ، ثُمَّ قالَ: ﴿وادْخُلِي جَنَّتِي﴾ وهَذا إشارَةٌ إلى السَّعادَةِ الجُسْمانِيَّةِ، ولَمّا كانَتِ الجَنَّةُ الرُّوحانِيَّةُ غَيْرَ مُتَراخِيَةٍ عَنِ المَوْتِ في حَقِّ السُّعَداءِ، لا جَرَمَ قالَ: ﴿فادْخُلِي في عِبادِي﴾ فَذُكِرَ بِفاءِ التَّعْقِيبِ، ولَمّا كانَتِ الجَنَّةُ الجُسْمانِيَّةُ لا يَحْصُلُ الفَوْزُ بِها إلّا بَعْدَ قِيامِ القِيامَةِ الكُبْرى، لا جَرَمَ قالَ: ﴿وادْخُلِي جَنَّتِي﴾ فَذَكَرَهُ بِالواوِ لا بِالفاءِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ، وصَلّى اللَّهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences