Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
At-Tawbah 9:118–121
9:118Page 206
وَعَلَى ٱلثَّلَٰثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّىٰٓ إِذَا ضَاقَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَرۡضُ بِمَا رَحُبَتۡ وَضَاقَتۡ عَلَيۡهِمۡ أَنفُسُهُمۡ وَظَنُّوٓاْ أَن لَّا مَلۡجَأَ مِنَ ٱللَّهِ إِلَّآ إِلَيۡهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيۡهِمۡ لِيَتُوبُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ١١٨
And [He also forgave] the three who were left alone [i.e., boycotted, regretting their error] to the point that the earth closed in on them in spite of its vastness1 and their souls confined [i.e., anguished] them and they were certain that there is no refuge from Allāh except in Him. Then He turned to them so they could repent. Indeed, Allāh is the Accepting of Repentance,2 the Merciful.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتّى إذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ وضاقَتْ عَلَيْهِمْ أنْفُسُهم وظَنُّوا أنْ لا مَلْجَأ مِنَ اللَّهِ إلّا إلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إنَّ اللَّهَ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: هَذا مَعْطُوفٌ عَلى الآيَةِ الأُولى، والتَّقْدِيرُ: لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلى النَّبِيِّ والمُهاجِرِينَ والأنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ في ساعَةِ العُسْرَةِ وعَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا، والفائِدَةُ في هَذا العَطْفِ أنّا بَيَّنّا أنَّ مَن ضُمَّ ذِكْرُ تَوْبَتِهِ إلى تَوْبَةِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -، كانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى تَعْظِيمِهِ وإجْلالِهِ، وهَذا العَطْفُ يُوجِبُ أنْ يَكُونَ قَبُولُ تَوْبَةِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وتَوْبَةِ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ في حُكْمٍ واحِدٍ، وذَلِكَ يُوجِبُ إعْلاءَ شَأْنِهِمْ وكَوْنَهم مُسْتَحِقِّينَ لِذَلِكَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةَ هُمُ المَذْكُورُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأمْرِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٠٦] واخْتَلَفُوا في السَّبَبِ الَّذِي لِأجْلِهِ وُصِفُوا بِكَوْنِهِمْ مُخَلَّفِينَ وذَكَرُوا وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ أنَّ هَؤُلاءِ أُمِرُوا بِالتَّخَلُّفِ، أوْ حَصَلَ الرِّضا مِنَ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِذَلِكَ، بَلْ هو كَقَوْلِكَ لِصاحِبِكَ أيْنَ خَلَّفْتَ فَلانًا فَيَقُولُ: بِمَوْضِعِ كَذا لا يُرِيدُ بِهِ أنَّهُ أمَرَهُ بِالتَّخَلُّفِ بَلْ لَعَلَّهُ نَهاهُ عَنْهُ وإنَّما يُرِيدُ أنَّهُ تَخَلَّفَ عَنْهُ.
وثانِيها: لا يَمْتَنِعُ أنَّ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةَ كانُوا عَلى عَزِيمَةِ الذِّهابِ إلى الغَزْوِ فَأذِنَ لَهُمُ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قَدْرَ ما يُحَصِّلُ الآلاتِ والأدَواتِ فَلَمّا بَقُوا مُدَّةً ظَهَرَ التَّوانِي والكَسَلُ فَصَحَّ أنْ يُقالَ: خَلَّفَهُمُ الرَّسُولُ.
وثالِثُها: أنَّهُ حَكى قِصَّةَ أقْوامٍ وهُمُ المُرادُونَ بِقَوْلِهِ: ﴿وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأمْرِ اللَّهِ﴾ فالمُرادُ مِن كَوْنِ هَؤُلاءِ مُخَلَّفِينَ كَوْنُهم مُؤَخَّرِينَ في قَبُولِ التَّوْبَةِ عَنِ الطّائِفَةِ الأُولى. قالَ كَعْبُ بْنُ مالِكٍ وهو أحَدُ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةِ: قَوْلُ اللَّهِ تَعالى في حَقِّنا: ﴿وعَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ لَيْسَ مِن تَخَلُّفِنا إنَّما هو تَأْخِيرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أمْرَنا لِيُشِيرَ بِهِ إلى قَوْلِهِ: ﴿وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأمْرِ اللَّهِ﴾ .
صفحة ١٧٣
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ (خَلَفُوا) أيْ خَلَفُوا الغازِينَ بِالمَدِينَةِ، أيْ: صارُوا خُلَفاءَ لِلَّذِينَ ذَهَبُوا إلى الغَزْوِ وفَسَدُوا مِنَ الخالِفَةِ وخُلُوفِ الفَمِ، وقَرَأ جَعْفَرٌ الصّادِقُ (خالَفُوا) وقَرَأ الأعْمَشُ (وعَلى الثَّلاثَةِ المُخَلَّفِينَ) .
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: هَؤُلاءِ الثَّلاثَةُ هم؛ كَعْبُ بْنُ مالِكٍ الشّاعِرُ، وهِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ آيَةُ اللِّعانِ، ومُرارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ، ولِلنّاسِ في هَذِهِ القِصَّةِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهم ذَهَبُوا خَلْفَ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -، قالَ الحَسَنُ: كانَ لِأحَدِهِمْ أرْضٌ ثَمَنُها مِائَةُ ألْفِ دِرْهَمٍ فَقالَ: يا أرْضاهُ ما خَلَّفَنِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ إلّا أمْرُكِ، اذْهَبِي فَأنْتِ في سَبِيلِ اللَّهِ فَلَأُكابِدَنَّ المَفاوِزَ حَتّى أصِلَ إلى النَّبِيِّ ﷺ وفَعَلَ، وكانَ لِلثّانِي أهْلٌ فَقالَ: يا أهْلاهُ ما خَلَّفَنِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلّا أمْرُكِ فَلَأُكابِدَنَّ المَفاوِزَ حَتّى أصِلَ إلَيْهِ وفَعَلَ، والثّالِثُ: ما كانَ لَهُ مالَ ولا أهْلٌ فَقالَ: ما لِي سَبَبٌ إلّا الضَّنُّ بِالحَياةِ واللَّهِ لَأُكابِدَنَّ المَفاوِزَ حَتّى أصِلَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَحِقُوا بِالرَّسُولِ ﷺ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى﴿وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأمْرِ اللَّهِ﴾ .
والقَوْلُ الثّانِي وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ: أنَّهم ما ذَهَبُوا خَلْفَ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - «قالَ كَعْبٌ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّ حَدِيثِي فَلَمّا أبْطَأْتُ عَنْهُ في الخُرُوجِ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”ما الَّذِي حَبَسَ كَعْبًا“ فَلَمّا قَدِمَ المَدِينَةَ اعْتَذَرَ المُنافِقُونَ فَعَذَرَهم وأتَيْتُهُ وقُلْتُ: إنَّ كُراعِي وزادِي كانَ حاضِرًا واحْتَبَسْتُ بِذَنْبِي فاسْتَغْفِرْ لِي فَأبى الرَّسُولُ ذَلِكَ، ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ نَهى عَنْ مُجالَسَةِ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةِ، وأمَرَ بِمُبايَنَتِهِمْ حَتّى أمَرَ بِذَلِكَ نِساءَهم، فَضاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ، وجاءَتِ امْرَأةُ هِلالِ بْنِ أُمَيَّةَ وقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ بَكى هِلالٌ حَتّى خِفْتُ عَلى بَصَرِهِ، حَتّى إذا مَضى خَمْسُونَ يَوْمًا أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلى النَّبِيِّ والمُهاجِرِينَ﴾ وأنْزَلَ قَوْلَهُ: ﴿وعَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ فَعِنْدَ ذَلِكَ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى حُجْرَتِهِ وهو عِنْدُ أُمِّ سَلَمَةَ فَقالَ: ”اللَّهُ أكْبَرُ قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ عُذْرَ أصْحابِنا“ فَلَمّا صَلّى الفَجْرَ ذَكَرَ ذَلِكَ لِأصْحابِهِ وبَشَّرَهم بِأنَّ اللَّهَ تابَ عَلَيْهِمْ، فانْطَلَقُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وتَلا عَلَيْهِمْ ما نَزَلَ فِيهِمْ. فَقالَ كَعْبٌ: تَوْبَتِي إلى اللَّهِ تَعالى أنْ أُخْرِجَ مالِي صَدَقَةً فَقالَ: ”لا“ قُلْتُ: فَنَصِفُهُ قالَ: ”لا“ قُلْتُ: فَثُلْثُهُ قالَ: ”نَعَمْ“» واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةِ بِصِفاتٍ ثَلاثَةٍ:
الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿حَتّى إذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْناهُ: أنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - صارَ مُعْرِضًا عَنْهم ومَنَعَ المُؤْمِنِينَ مِن مُكالَمَتِهِمْ وأمَرَ أزْواجَهم بِاعْتِزالِهِمْ وبَقُوا عَلى هَذِهِ الحالَةِ خَمْسِينَ يَوْمًا، وقِيلَ: أكْثَرُ، ومَعْنى (وضاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ) تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في هَذِهِ السُّورَةِ.
والصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وضاقَتْ عَلَيْهِمْ أنْفُسُهُمْ﴾ والمُرادُ ضِيقُ صُدُورِهِمْ بِسَبَبِ الهَمِّ والغَمِّ ومُجانَبَةِ الأوْلِياءِ والأحِبّاءِ، ونَظَرِ النّاسِ لَهم بِعَيْنِ الإهانَةِ.
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وظَنُّوا أنْ لا مَلْجَأ مِنَ اللَّهِ إلّا إلَيْهِ﴾ ويَقْرُبُ مَعْناهُ مِن قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في دُعائِهِ: ”«أعُوذُ بِرِضاكَ مِن سَخَطِكَ وأعُوذُ بِعَفْوِكَ مِن غَضَبِكَ وأعُوذُ بِكَ مِنكَ» “ ومِنَ النّاسِ مَن قالَ مَعْنى قَوْلِهِ:(وظَنُّوا) أيْ عَلِمُوا كَما في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ (البَقَرَةِ: ٤٦) والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ
صفحة ١٧٤
هَذا الوَصْفَ في حَقِّهِمْ في مَعْرِضِ المَدْحِ والثَّناءِ، ولا يَكُونُ كَذَلِكَ إلّا وكانُوا عالِمِينَ بِأنَّهُ لا مَلْجَأ مِنَ اللَّهِ إلّا إلَيْهِ. وقالَ آخَرُونَ: وُقِفَ أمْرُهم عَلى الوَحْيِ وهم ما كانُوا قاطِعِينَ أنَّ اللَّهَ يُنَزِّلُ الوَحْيَ بِبَراءَتِهِمْ عَنِ النِّفاقِ ولَكِنَّهم كانُوا يُجَوِّزُونَ أنْ تَطُولَ المُدَّةُ في بَقائِهِمْ في الشِّدَّةِ فالطَّعْنُ عادَ إلى تَجْوِيزِ كَوْنِ تِلْكَ المُدَّةِ قَصِيرَةً، ولَمّا وصَفَهُمُ اللَّهُ بِهَذِهِ الصِّفاتِ الثَّلاثِ.
* * *
قالَ: ﴿ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ لا بُدَّ هَهُنا مِن إضْمارٍ. والتَّقْدِيرُ: حَتّى إذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ وضاقَتْ عَلَيْهِمْ أنْفُسُهم وظَنُّوا أنْ لا مَلْجَأ مِنَ اللَّهِ إلّا إلَيْهِ، تابَ عَلَيْهِمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ، فَما الفائِدَةُ في هَذا التَّكْرِيرِ ؟
قُلْنا: هَذا التَّكْرِيرُ حَسَنٌ لِلتَّأْكِيدِ كَما أنَّ السُّلْطانَ إذا أرادَ أنْ يُبالِغَ في تَقْرِيرِ العَفْوِ لِبَعْضِ عَبِيدِهِ يَقُولُ عَفَوْتُ عَنْكَ ثُمَّ عَفَوْتُ عَنْكَ.
فَإنْ قِيلَ: فَما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ ؟
قُلْنا فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قالَ أصْحابُنا: المَقْصُودُ مِنهُ بَيانُ أنَّ فِعْلَ العَبْدِ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعالى فَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ التَّوْبَةَ فِعْلُ اللَّهِ وقَوْلُهُ:(لِيَتُوبُوا) يَدُلُّ عَلى أنَّها فِعْلُ العَبْدِ، فَهَذا صَرِيحُ قَوْلِنا، ونَظِيرُهُ(فَلْيَضْحَكُوا) مَعَ قَوْلِهِ: ﴿وأنَّهُ هو أضْحَكَ وأبْكى﴾ [النجم: ٤٣] وقَوْلِهِ: ﴿كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ﴾ [الأنفال: ٥] مَعَ قَوْلِهِ: ﴿إذْ أخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [التوبة: ٤٠] وقَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ﴾ [يونس: ٢٢] مَعَ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ سِيرُوا﴾ [النمل: ٦٩] .
والثّانِي: المُرادُ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ في الماضِي لِيَكُونَ ذَلِكَ داعِيًا لَهم إلى التَّوْبَةِ في المُسْتَقْبَلِ.
والثّالِثُ: أصْلُ التَّوْبَةِ الرُّجُوعُ، فالمُرادُ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَرْجِعُوا إلى حالِهِمْ وعادَتِهِمْ في الِاخْتِلاطِ بِالمُؤْمِنِينَ وزَوالِ المُبايَنَةِ فَتَسْكُنَ نُفُوسُهم عِنْدَ ذَلِكَ.
الرّابِعُ: ﴿تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ أيْ لِيَدُومُوا عَلى التَّوْبَةِ، ولا يُراجِعُوا ما يُبْطِلُها.
الخامِسُ: ﴿ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ﴾ لِيَنْتَفِعُوا بِالتَّوْبَةِ ويَتَوَفَّرَ عَلَيْهِمْ ثَوابُها وهَذانِ النَّفْعانِ لا يَحْصُلانِ إلّا بَعْدَ تَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ قَبُولَ التَّوْبَةِ غَيْرُ واجِبٍ عَلى اللَّهِ عَقْلًا، قالُوا: لِأنَّ شَرائِطَ التَّوْبَةِ في حَقِّ هَؤُلاءِ قَدْ حَصَلَتْ مِن أوَّلِ الأمْرِ، ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما قَبِلَهم ولَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهِمْ وتَرَكَهم مُدَّةَ خَمْسِينَ يَوْمًا أوْ أكْثَرَ، ولَوْ كانَ قَبُولُ التَّوْبَةِ واجِبًا عَقْلًا، لَما جازَ ذَلِكَ.
أجابَ الجُبّائِيُّ عَنْهُ بِأنْ قالَ: يُقالُ إنَّ تِلْكَ التَّوْبَةَ صارَتْ مَقْبُولَةً مِن أوَّلِ الأمْرِ، لَكِنَّهُ يُقالُ: أرادَ تَشْدِيدَ التَّكْلِيفِ عَلَيْهِمْ لِئَلّا يَتَجَرَّأ أحَدٌ عَلى التَّخَلُّفِ عَنِ الرَّسُولِ فِيما يَأْمُرُ بِهِ مِن جِهادٍ وغَيْرِهِ. وأيْضًا لَمْ يَكُنْ نَهْيُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْ كَلامِهِمْ عُقُوبَةً، بَلْ كانَ عَلى سَبِيلِ التَّشْدِيدِ في التَّكْلِيفِ. قالَ القاضِي: وإنَّما خَصَّ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - هَؤُلاءِ الثَّلاثَةَ بِهَذا التَّشْدِيدِ؛ لِأنَّهم أذْعَنُوا بِالحَقِّ واعْتَرَفُوا بِالذَّنْبِ، فالَّذِي يَجْرِي عَلَيْهِمْ وهَذِهِ حالُهم في الزَّجْرِ أبْلَغُ مِمّا يَجْرِي عَلى مَن يُظْهِرُ العُذْرَ مِنَ المُنافِقِينَ.
والجَوابُ: أنّا مُتَمَسِّكُونَ بِظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ﴾ وكَلِمَةُ (ثُمَّ) لِلتَّراخِي، فَمُقْتَضى هَذا اللَّفْظِ تَأْخِيرُ قَبُولِ التَّوْبَةِ، فَإنْ حَمَلْتُمْ ذَلِكَ عَلى تَأْخِيرِ إظْهارِ هَذا القَبُولِ كانَ ذَلِكَ عُدُولًا عَنِ الظّاهِرِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ.
صفحة ١٧٥
فَإنْ قالُوا: المُوجِبُ لِهَذا العُدُولِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ﴾ [الشورى: ٢٥] .
قُلْنا: صِيغَةُ يَقْبَلُ لِلْمُسْتَقْبَلِ، وهو لا يُفِيدُ الفَوْرَ أصْلًا بِالإجْماعِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى خَتَمَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ ذِكْرَ الرَّحِيمِ عَقِيبَ ذِكْرِ التَّوّابِ، يَدُلُّ عَلى أنَّ قَبُولَ التَّوْبَةِ لِأجْلِ مَحْضِ الرَّحْمَةِ والكَرَمِ، لا لِأجْلِ الوُجُوبِ، وذَلِكَ يُقَوِّي قَوْلَنا في أنَّهُ لا يَجِبُ عَقْلًا عَلى اللَّهِ قَبُولُ التَّوْبَةِ.
9:119Page 206
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّٰدِقِينَ ١١٩
O you who have believed, fear Allāh and be with those who are true.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكَمَ بِقَبُولِ تَوْبَةِ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةِ، ذَكَرَ ما يَكُونُ كالزّاجِرِ عَنْ فِعْلِ ما مَضى، وهو التَّخَلُّفُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في الجِهادِ فَقالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ في مُخالَفَةِ أمْرِ الرَّسُولِ﴿وكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾ يَعْنِي مَعَ الرَّسُولِ وأصْحابِهِ في الغَزَواتِ، ولا تَكُونُوا مُتَخَلِّفِينَ عَنْها وجالِسِينَ مَعَ المُنافِقِينَ في البُيُوتِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِالكَوْنِ مَعَ الصّادِقِينَ، ومَتى وجَبَ الكَوْنُ مَعَ الصّادِقِينَ فَلا بُدَّ مِن وُجُودِ الصّادِقِينَ في كُلِّ وقْتٍ، وذَلِكَ يَمْنَعُ مِن إطْباقِ الكُلِّ عَلى الباطِلِ، ومَتى امْتَنَعَ إطْباقُ الكُلِّ عَلى الباطِلِ، وجَبَ إذا أطْبَقُوا عَلى شَيْءٍ أنْ يَكُونُوا مُحِقِّينَ. فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ إجْماعَ الأُمَّةِ حُجَّةٌ.
فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾ أيْ كُونُوا عَلى طَرِيقَةِ الصّادِقِينَ، كَما أنَّ الرَّجُلَ إذا قالَ لِوَلَدِهِ: كُنْ مَعَ الصّالِحِينَ، لا يُفِيدُ إلّا ذَلِكَ ؟ سَلَّمْنا ذَلِكَ، لَكِنْ نَقُولُ: إنَّ هَذا الأمْرَ كانَ مَوْجُودًا في زَمانِ الرَّسُولِ فَقَطْ، فَكانَ هَذا أمْرًا بِالكَوْنِ مَعَ الرَّسُولِ، فَلا يَدُلُّ عَلى وُجُودِ صادِقٍ في سائِرِ الأزْمِنَةِ، سَلَّمْنا ذَلِكَ، لَكِنْ لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الصّادِقُ هو المَعْصُومَ الَّذِي يَمْتَنِعُ خُلُوُّ زَمانِ التَّكْلِيفِ عَنْهُ كَما تَقُولُهُ الشِّيعَةُ ؟
والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾ أمْرٌ بِمُوافَقَةِ الصّادِقِينَ، ونَهْيٌ عَنْ مُفارَقَتِهِمْ، وذَلِكَ مَشْرُوطٌ بِوُجُودِ الصّادِقِينَ وما لا يَتِمُّ الواجِبُ إلّا بِهِ فَهو واجِبٌ، فَدَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى وُجُودِ الصّادِقِينَ. وقَوْلُهُ: إنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى أنْ يَكُونُوا عَلى طَرِيقَةِ الصّادِقِينَ. فَنَقُولُ: إنَّهُ عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ. قَوْلُهُ: هَذا الأمْرُ مُخْتَصٌّ بِزَمانِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - .
قُلْنا: هَذا باطِلٌ لِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ ثَبَتَ بِالتَّواتُرِ الظّاهِرِ مِن دِينِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أنَّ التَّكالِيفَ المَذْكُورَةَ في القُرْآنِ مُتَوَجِّهَةٌ عَلى المُكَلَّفِينَ إلى قِيامِ القِيامَةِ، فَكانَ الأمْرُ في هَذا التَّكْلِيفِ كَذَلِكَ.
والثّانِي: أنَّ الصِّيغَةَ تَتَناوَلُ الأوْقاتَ كُلَّها بِدَلِيلِ صِحَّةِ الِاسْتِثْناءِ.
والثّالِثُ: لَمّا لَمْ يَكُنِ الوَقْتُ المُعَيَّنُ مَذْكُورًا في لَفْظِ الآيَةِ لَمْ يَكُنْ حَمْلُ الآيَةِ عَلى البَعْضِ أوْلى مِن حَمْلِهِ عَلى الباقِي، فَإمّا أنْ لا يُحْمَلَ عَلى شَيْءٍ مِنَ الأوْقاتِ فَيُفْضِي إلى التَّعْطِيلِ وهو باطِلٌ، أوْ عَلى الكُلِّ وهو المَطْلُوبُ.
والرّابِعُ: وهو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ أمْرٌ لَهم بِالتَّقْوى، وهَذا الأمْرُ إنَّما يَتَناوَلُ مَن يَصِحُّ مِنهُ أنْ لا يَكُونَ مُتَّقِيًا، وإنَّما يَكُونُ كَذَلِكَ لَوْ كانَ جائِزَ الخَطَأِ، فَكانَتِ الآيَةُ دالَّةً عَلى أنَّ مَن كانَ جائِزَ الخَطَأِ وجَبَ كَوْنُهُ مُقْتَدِيًا بِمَن
صفحة ١٧٦
كانَ واجِبَ العِصْمَةِ، وهُمُ الَّذِينَ حَكَمَ اللَّهُ تَعالى بِكَوْنِهِمْ صادِقِينَ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ واجِبٌ عَلى جائِزِ الخَطَأِ كَوْنُهُ مَعَ المَعْصُومِ عَنِ الخَطَأِ حَتّى يَكُونَ المَعْصُومُ عَنِ الخَطَأِ مانِعًا لِجائِزِ الخَطَأِ عَنِ الخَطَأِ، وهَذا المَعْنى قائِمٌ في جَمِيعِ الأزْمانِ، فَوَجَبَ حُصُولُهُ في كُلِّ الأزْمانِ. قَوْلُهُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ هو كَوْنَ المُؤْمِنِ مَعَ المَعْصُومِ المَوْجُودِ في كُلِّ زَمانٍ ؟
قُلْنا: نَحْنُ نَعْتَرِفُ بِأنَّهُ لا بُدَّ مِن مَعْصُومٍ في كُلِّ زَمانٍ، إلّا أنّا نَقُولُ: ذَلِكَ المَعْصُومُ هو مَجْمُوعُ الأُمَّةِ، وأنْتُمْ تَقُولُونَ: ذَلِكَ المَعْصُومُ واحِدٌ مِنهم، فَنَقُولُ: هَذا الثّانِي باطِلٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى أوْجَبَ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْ يَكُونَ مَعَ الصّادِقِينَ، وإنَّما يُمْكِنُهُ ذَلِكَ لَوْ كانَ عالِمًا بِأنَّ ذَلِكَ الصّادِقَ مَن هو لا الجاهِلَ بِأنَّهُ مَن هو، فَلَوْ كانَ مَأْمُورًا بِالكَوْنِ مَعَهُ كانَ ذَلِكَ تَكْلِيفَ ما لا يُطاقُ، وأنَّهُ لا يَجُوزُ، لَكِنّا لا نَعْلَمُ إنْسانًا مُعَيَّنًا مَوْصُوفًا بِوَصْفِ العِصْمَةِ، والعِلْمُ بِأنّا لا نَعْلَمُ هَذا الإنْسانَ حاصِلٌ بِالضَّرُورَةِ، فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾ لَيْسَ أمْرًا بِالكَوْنِ مَعَ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ، ولَمّا بَطَلَ هَذا بَقِيَ أنَّ المُرادَ مِنهُ الكَوْنُ مَعَ مَجْمُوعِ الأُمَّةِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ قَوْلَ مَجْمُوعِ الأُمَّةِ حَقٌّ وصَوابٌ ولا مَعْنى لِقَوْلِنا: الإجْماعُ حُجَّةٌ إلّا ذَلِكَ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى فَضْلِ الصِّدْقِ وكَمالِ دَرَجَتِهِ، والَّذِي يُؤَيِّدُهُ مِنَ الوُجُوهِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: رُوِيَ «أنَّ واحِدًا جاءَ إلى النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ: إنِّي رَجُلٌ أُرِيدُ أنْ أُؤْمِنَ بِكَ إلّا أنِّي أُحِبُّ الخَمْرَ والزِّنا والسَّرِقَةَ والكَذِبَ، والنّاسُ يَقُولُونَ إنَّكَ تُحَرِّمُ هَذِهِ الأشْياءَ ولا طاقَةَ لِي عَلى تَرْكِها بِأسْرِها، فَإنْ قَنِعْتَ مِنِّي بِتَرْكِ واحِدٍ مِنها آمَنتُ بِكَ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ ”اتْرُكِ الكَذِبَ“ فَقَبِلَ ذَلِكَ ثُمَّ أسْلَمَ، فَلَمّا خَرَجَ مِن عِنْدِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَرَضُوا عَلَيْهِ الخَمْرَ، فَقالَ: إنْ شَرِبْتُ وسَألَنِي الرَّسُولُ عَنْ شُرْبِها وكَذَبْتُ فَقَدْ نَقَضْتُ العَهْدَ، وإنْ صَدَقْتُ أقامَ الحَدَّ عَلَيَّ فَتَرَكَها ثُمَّ عَرَضُوا عَلَيْهِ الزِّنا، فَجاءَ ذَلِكَ الخاطِرُ فَتَرَكَهُ، وكَذا في السَّرِقَةِ، فَعادَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقالَ: ما أحْسَنَ ما فَعَلْتَ، لَمّا مَنَعَتْنِي عَنِ الكَذِبِ انْسَدَّتْ أبْوابُ المَعاصِي عَلَيَّ، وتابَ عَنِ الكُلِّ» .
الثّانِي: رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ قالَ: عَلَيْكم بِالصِّدْقِ فَإنَّهُ يُقَرِّبُ إلى البِرِّ والبِرُّ يُقَرِّبُ إلى الجَنَّةِ، وإنَّ العَبْدَ لَيَصْدُقُ فَيُكْتَبُ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا، وإيّاكم والكَذِبَ فَإنَّ الكَذِبَ يُقَرِّبُ إلى الفُجُورِ، والفُجُورُ يُقَرِّبُ إلى النّارِ، وإنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ حَتّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذّابًا، ألا تَرى أنَّهُ يُقالُ: صَدَقْتَ وبَرَرْتَ وكَذَبْتَ وفَجَرْتَ.
الثّالِثُ: قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْ إبْلِيسَ: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ ( ص: ٨٢ - ٨٣) إنَّ إبْلِيسَ إنَّما ذَكَرَ هَذا الِاسْتِثْناءَ؛ لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَذْكُرْهُ لَصارَ كاذِبًا في ادِّعاءِ إغْواءِ الكُلِّ، فَكَأنَّهُ اسْتَنْكَفَ عَنِ الكَذِبِ فَذَكَرَ هَذا الِاسْتِثْناءَ، وإذا كانَ الكَذِبُ شَيْئًا يَسْتَنْكِفُ مِنهُ إبْلِيسُ، فالمُسْلِمُ أوْلى أنْ يَسْتَنْكِفَ مِنهُ.
الرّابِعُ: مِن فَضائِلِ الصِّدْقِ أنَّ الإيمانَ مِنهُ لا مِن سائِرِ الطّاعاتِ، ومِن مَعايِبِ الكَذِبِ أنَّ الكُفْرَ مِنهُ لا مِن سائِرِ الذُّنُوبِ، واخْتَلَفَ النّاسُ في أنَّ المُقْتَضِي لِقُبْحِهِ ما هو ؟ فَقالَ أصْحابُنا: المُقْتَضِي لِقُبْحِهِ هو كَوْنُهُ مُخِلًّا لِمَصالِحِ العالَمِ ومَصالِحِ النَّفْسِ، وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: المُقْتَضِي لِقُبْحِهِ هو كَوْنُهُ كَذِبًا ودَلِيلُنا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ﴾ (الحُجُراتِ: ٦) يَعْنِي لا تَقْبَلُوا قَوْلَ الفاسِقِ فَرُبَّما كانَ كَذِبًا، فَيَتَوَلَّدُ عَنْ قَبُولِ ذَلِكَ الكَذِبِ فِعْلٌ تَصِيرُونَ نادِمِينَ عَلَيْهِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما أوْجَبَ رَدَّ ما يَجُوزُ كَوْنُهُ كَذِبًا لِاحْتِمالِ كَوْنِهِ مُفْضِيًا إلى ما يُضادُّ المَصالِحَ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُقْتَضِي لِقُبْحِ الكَذِبِ إفْضاؤُهُ إلى المَفاسِدِ، واحْتَجَّ القاضِي
صفحة ١٧٧
عَلى قَوْلِهِ بِأنَّ مَن دُفِعَ إلى طَلَبِ مَنفَعَةٍ أوْ دَفْعِ مَضَرَّةٍ وأمْكَنَهُ الوُصُولُ إلى ذَلِكَ بِأنْ يَكْذِبَ وبِأنْ يَصْدُقَ فَقَدْ عُلِمَ بِبَدِيهَةِ العَقْلِ أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَعْدِلَ عَنِ الصِّدْقِ إلى الكَذِبِ، ولَوْ أمْكَنَهُ أنْ يَصِلَ إلى ذَلِكَ بِصِدْقَيْنِ لَجازَ أنْ يَعْدِلَ مِن أحَدِهِما إلى الآخَرِ، فَلَوْ كانَ الكَذِبُ يَحْسُنُ لِمَنفَعَةٍ أوْ إزالَةِ مَضَرَّةٍ لَكانَ حالُهُ حالَ الصِّدْقِ. ولَمّا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ عُلِمَ أنَّهُ لا يَكُونُ إلّا قَبِيحًا، ولِأنَّهُ لَوْ جازَ أنْ يَحْسُنَ لَوَجَبَ أنْ يَجُوزَ أنْ يَأْمُرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ إذا كانَ مَصْلَحَةً، وذَلِكَ يُؤَدِّي إلى أنْ لا يُوثَقَ بِأخْبارِهِ، هَذا ما ذَكَرَهُ في التَّفْسِيرِ، فَيُقالُ لَهُ في الجَوابِ عَنِ الأوَّلِ إنَّ الإنْسانَ لَمّا تَقَرَّرَ عِنْدَهُ مِن أوَّلِ عُمُرِهِ تَقْبِيحُ الكَذِبِ لِأجْلِ كَوْنِهِ مُخِلًّا لِمَصالِحِ العالَمِ، صارَ ذَلِكَ نُصْبَ عَيْنِهِ وصُورَةَ خَيالِهِ فَتِلْكَ الصُّورَةُ النّادِرَةُ إذا اتَّفَقْتَ لِلْحُكْمِ عَلَيْها حَكَمَتِ العادَةُ الرّاسِخَةُ عَلَيْها بِالقُبْحِ، فَلَوْ فَرَضْتُمْ كَوْنَ الإنْسانِ خالِيًا عَنْ هَذِهِ العادَةِ وفَرَضْتُمُ اسْتِواءَ الصِّدْقِ والكَذِبِ في الإفْضاءِ إلى المَطْلُوبِ ؟ فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ لا نُسَلِّمُ حُصُولَ التَّرْجِيحِ، ويُقالُ لَهُ في الجَوابِ عَنِ الحُجَّةِ الثّانِيَةِ: إنَّكم تُثْبِتُونَ امْتِناعَ الكَذِبِ عَلى اللَّهِ تَعالى بِكَوْنِهِ قَبِيحًا لِكَوْنِهِ كَذِبًا، فَلَوْ أثْبَتُّمْ هَذا المَعْنى بِامْتِناعِ صُدُورِهِ عَنِ اللَّهِ لَزِمَ الدَّوْرُ وهو باطِلٌ.
9:120–121Page 206
مَا كَانَ لِأَهۡلِ ٱلۡمَدِينَةِ وَمَنۡ حَوۡلَهُم مِّنَ ٱلۡأَعۡرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ ٱللَّهِ وَلَا يَرۡغَبُواْ بِأَنفُسِهِمۡ عَن نَّفۡسِهِۦۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ لَا يُصِيبُهُمۡ ظَمَأٞ وَلَا نَصَبٞ وَلَا مَخۡمَصَةٞ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَطَـُٔونَ مَوۡطِئٗا يَغِيظُ ٱلۡكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنۡ عَدُوّٖ نَّيۡلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِۦ عَمَلٞ صَٰلِحٌۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٢٠
It was not [proper] for the people of Madīnah and those surrounding them of the bedouins that they remain behind after [the departure of] the Messenger of Allāh or that they prefer themselves over his self.1 That is because they are not afflicted by thirst or fatigue or hunger in the cause of Allāh, nor do they tread on any ground that enrages the disbelievers, nor do they inflict upon an enemy any infliction but that it is registered for them as a righteous deed. Indeed, Allāh does not allow to be lost the reward of the doers of good.
وَلَا يُنفِقُونَ نَفَقَةٗ صَغِيرَةٗ وَلَا كَبِيرَةٗ وَلَا يَقۡطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمۡ لِيَجۡزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحۡسَنَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٢١
Nor do they spend an expenditure, small or large, or cross a valley but that it is registered for them that Allāh may reward them for the best of what they were doing.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانَ لِأهْلِ المَدِينَةِ ومَن حَوْلَهم مِنَ الأعْرابِ أنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ولا يَرْغَبُوا بِأنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأنَّهم لا يُصِيبُهم ظَمَأٌ ولا نَصَبٌ ولا مَخْمَصَةٌ في سَبِيلِ اللَّهِ ولا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الكُفّارَ ولا يَنالُونَ مِن عَدُوٍّ نَيْلًا إلّا كُتِبَ لَهم بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿ولا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً ولا يَقْطَعُونَ وادِيًا إلّا كُتِبَ لَهم لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أمَرَ بِقَوْلِهِ: ﴿وكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾ بِوُجُوبِ الكَوْنِ في مُوافَقَةِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في جَمِيعِ الغَزَواتِ والمَشاهِدِ، أكَّدَ ذَلِكَ فَنَهى في هَذِهِ الآيَةِ عَنِ التَّخَلُّفِ عَنْهُ. فَقالَ: ﴿ما كانَ لِأهْلِ المَدِينَةِ ومَن حَوْلَهم مِنَ الأعْرابِ أنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ والأعْرابُ الَّذِينَ كانُوا حَوْلَ المَدِينَةِ مُزَيْنَةُ، وجُهَيْنَةُ، وأشْجَعُ، وأسْلَمُ، وغِفارٌ، هَكَذا قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقِيلَ: بَلْ هَذا يَتَناوَلُ جَمِيعَ الأعْرابِ الَّذِينَ كانُوا حَوْلَ المَدِينَةِ فَإنَّ اللَّفْظَ عامٌّ، والتَّخْصِيصُ تَحَكُّمٌ، وعَلى القَوْلَيْنِ فَلَيْسَ لَهم أنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، ولا يَطْلُبُوا لِأنْفُسِهِمِ الحِفْظَ والدَّعَةَ حالَ ما يَكُونُ رَسُولُ اللَّهِ في الحَرِّ والمَشَقَّةِ، وقَوْلُهُ: ﴿ولا يَرْغَبُوا بِأنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ يُقالُ: رَغِبْتُ بِنَفْسِي عَنْ هَذا الأمْرِ أيْ تَوَقَّفْتُ عَنْهُ وتَرَكْتُهُ، وأنا أرْغَبُ بِفُلانٍ عَنْ هَذا أيْ أبْخَلُ بِهِ عَلَيْهِ ولا أتْرُكُهُ. والمَعْنى: لَيْسَ لَهم أنْ يَكْرَهُوا لِأنْفُسِهِمْ ما يَرْضاهُ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِنَفْسِهِ.
صفحة ١٧٨
واعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ هَذِهِ الألْفاظِ وُجُوبُ الجِهادِ عَلى كُلِّ هَؤُلاءِ، إلّا أنّا نَقُولُ: المَرْضى والضُّعَفاءُ والعاجِزُونَ مَخْصُوصُونَ بِدَلِيلِ العَقْلِ وأيْضًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ (البَقَرَةِ: ٢٨٦) وأيْضًا بِقَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ﴾ (النُّورِ: ٦١) الآيَةَ وأمّا أنَّ الجِهادَ غَيْرُ واجِبٍ عَلى كُلِّ أحَدٍ بِعَيْنِهِ، فَقَدْ دَلَّ الإجْماعُ عَلَيْهِ فَيَكُونُ مَخْصُوصًا مِن هَذا العُمُومِ وبَقِيَ ما وراءَ هاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ داخِلًا تَحْتَ هَذا العُمُومِ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا مَنَعَ مِنَ التَّخَلُّفِ بَيَّنَ أنَّهُ لا يُصِيبُهم في ذَلِكَ السَّفَرِ نَوْعٌ مِن أنْواعِ المَشَقَّةِ إلّا وهو يُوجِبُ الثَّوابَ العَظِيمَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى ثُمَّ إنَّهُ ذَكَرَ أُمُورًا خَمْسَةً:
أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم لا يُصِيبُهم ظَمَأٌ﴾ وهو شِدَّةُ العَطَشِ، يُقالُ ظَمِئَ فُلانٌ إذا اشْتَدَّ عَطَشُهُ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿ولا نَصَبٌ﴾ ومَعْناهُ الإعْياءُ والتَّعَبُ.
وثالِثُها: ﴿ولا مَخْمَصَةٌ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يُرِيدُ مَجاعَةً شَدِيدَةً يَظْهَرُ بِها ضُمُورُ البَطْنِ ومِنهُ يُقالُ: فُلانٌ خَمِيصُ البَطْنِ.
ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿ولا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الكُفّارَ﴾ أيْ ولا يَضَعُ الإنْسانُ قَدَمَهُ ولا يَضَعُ فَرَسُهُ حافِرَهُ ولا يَضَعُ بِعِيرُهُ خُفَّهُ بِحَيْثُ يَصِيرُ ذَلِكَ سَبَبًا لِغَيْظِ الكُفّارِ، قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: يُقالُ غاظَهُ وغَيَّظَهُ وأغاظَهُ بِمَعْنًى واحِدٍ، أيْ أغْضَبَهُ.
وخامِسُها: قَوْلُهُ: ﴿ولا يَنالُونَ مِن عَدُوٍّ نَيْلًا﴾ أيْ أسْرًا وقَتْلًا وهَزِيمَةً قَلِيلًا كانَ أوْ كَثِيرًا﴿إلّا كُتِبَ لَهم بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ﴾ أيْ إلّا كانَ ذَلِكَ قُرْبَةً لَهم عِنْدَ اللَّهِ، ونَقُولُ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ مَن قَصَدَ طاعَةَ اللَّهِ كانَ قِيامُهُ وقُعُودُهُ ومِشْيَتُهُ وحَرَكَتُهُ وسُكُونُهُ كُلُّها حَسَناتٍ مَكْتُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ. وكَذا القَوْلُ في طَرَفِ المَعْصِيَةِ فَما أعْظَمَ بَرَكَةُ الطّاعَةِ وما أعْظَمَ شُؤْمُ المَعْصِيَةِ ! واخْتَلَفُوا فَقالَ قَتادَةُ: هَذا الحُكْمُ مِن خَواصِّ رَسُولِ اللَّهِ إذا غَزا بِنَفْسِهِ فَلَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَتَخَلَّفَ عَنْهُ إلّا بِعُذْرٍ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هَذا حِينَ كانَ المُسْلِمُونَ قَلِيلِينَ فَلَمّا كَثُرُوا نَسَخَها اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ (التَّوْبَةِ: ١٢٢) وقالَ عَطِيَّةُ: ما كانَ لَهم أنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ إذا دَعاهم وأمَرَهم وهَذا هو الصَّحِيحُ، لِأنَّهُ تَتَعَيَّنُ الإجابَةُ والطّاعَةُ لِرَسُولِ اللَّهِ إذا أمَرَ وكَذَلِكَ غَيْرُهُ مِنَ الوُلاةِ والأئِمَّةِ إذا نُدِبُوا وعُيِّنُوا؛ لِأنّا لَوْ سَوَّغْنا لِلْمَندُوبِ أنْ يَتَقاعَدَ لَمْ يَخْتَصَّ بِذَلِكَ بَعْضٌ دُونِ بَعْضٍ ولَأدّى ذَلِكَ إلى تَعْطِيلِ الجِهادِ.
ثُمَّ قالَ: ﴿ولا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً﴾ يُرِيدُ تَمْرَةً فَما فَوْقَها وعَلاقَةَ سَوْطٍ فَما فَوْقَها﴿ولا يَقْطَعُونَ وادِيًا﴾، والوادِي كُلُّ مُفْرَجٍ بَيْنَ جِبالٍ وآكامٍ يَكُونُ مَسْلَكًا لِلسَّيْلِ، والجَمْعُ الأوْدِيَةُ، إلّا كَتَبَ اللَّهُ لَهم ذَلِكَ الإنْفاقَ وذَلِكَ المَسِيرَ.
ثُمَّ قالَ: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ الأحْسَنَ مِن صِفَةِ فِعْلِهِمْ، وفِيها الواجِبُ والمَندُوبُ والمُباحُ واللَّهُ تَعالى يَجْزِيهِمْ عَلى الأحْسَنِ، وهو الواجِبُ والمَندُوبُ، دُونَ المُباحِ.
والثّانِي: أنَّ الأحْسَنَ صِفَةٌ لِلْجَزاءِ، أيْ يَجْزِيهِمْ جَزاءً هو أحْسَنُ مِن أعْمالِهِمْ وأجَلُّ وأفْضَلُ، وهو الثَّوابُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences