Ar-RaziAt‑Tawbah · 9:27–28

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

At-Tawbah 9:27–28

9:27Page 191

ثُمَّ يَتُوبُ ٱللَّهُ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ عَلَىٰ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٢٧

Then Allāh will accept repentance after that for whom He wills; and Allāh is Forgiving and Merciful.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَمْ تُغْنِ عَنْكم شَيْئًا﴾ ومَعْنى الإغْناءِ إعْطاءُ ما يَدْفَعُ الحاجَةَ فَقَوْلُهُ: ﴿فَلَمْ تُغْنِ عَنْكم شَيْئًا﴾ أيْ: لَمْ تُعْطِكم شَيْئًا يَدْفَعُ حاجَتَكم، والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ أنَّ اللَّهَ تَعالى أعْلَمَهم أنَّهم لا يَغْلِبُونَ بِكَثْرَتِهِمْ، وإنَّما يَغْلِبُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ، فَلَمّا أُعْجِبُوا بِكَثْرَتِهِمْ صارُوا مُنْهَزِمِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿وضاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ﴾ يُقالُ: رَحُبَ يَرْحُبُ رَحْبًا ورَحابَةً، فَقَوْلُهُ: ﴿بِما رَحُبَتْ﴾ أيْ: بِرَحَبِها، ومَعْناهُ مَعَ رَحَبِها ”فَما“ هَهُنا مَعَ الفِعْلِ بِمَنزِلَةِ المَصْدَرِ، والمَعْنى: أنَّكم لِشِدَّةِ ما لَحِقَكم مِنَ الخَوْفِ ضاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ فَلَمْ تَجِدُوا فِيها مَوْضِعًا يَصْلُحُ لِفِرارِكم عَنْ عَدُوِّكم، «قالَ البَراءُ بْنُ عازِبٍ: كانَتْ هَوازِنُ رُماةً، فَلَمّا حَمَلْنا عَلَيْهِمُ انْكَشَفُوا، وكَبَبْنا عَلى الغَنائِمِ فاسْتَقْبَلُونا بِالسِّهامِ، وانْكَشَفَ المُسْلِمُونَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ولَمْ يَبْقَ مَعَهُ إلّا العَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ وأبُو سُفْيانَ بْنُ الحارِثِ، قالَ البَراءُ: والَّذِي لا إلَهَ إلّا هو ما ولّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دُبُرَهُ قَطُّ، قالَ: ورَأيْتُهُ وأبُو سُفْيانَ آخِذٌ بِالرِّكابِ، والعَبّاسُ آخِذٌ بِلِجامِ دابَّتِهِ وهو يَقُولُ: ”أنا النَّبِيُّ لا كَذِبَ، أنا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ“ وطَفِقَ يُرْكِضُ بَغْلَتَهُ نَحْوَ الكُفّارِ لا يُبالِي، وكانَتْ بَغْلَتُهُ شَهْباءَ، ثُمَّ قالَ لِلْعَبّاسِ: نادِ المُهاجِرِينَ والأنْصارَ، وكانَ العَبّاسُ رَجُلًا صَيِّتًا، فَجَعَلَ يُنادِي يا عِبادَ اللَّهِ، يا أصْحابَ الشَّجَرَةِ، يا أصْحابَ سُورَةِ البَقَرَةِ، فَجاءَ المُسْلِمُونَ حِينَ سَمِعُوا صَوْتَهُ عُنُقًا واحِدًا، وأخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ كَفًّا مِنَ الحَصى فَرَماهم بِها وقالَ: ”شاهَتِ الوُجُوهُ“ فَما زالَ أمْرُهم مُدْبِرًا، وحَدُّهم كَلِيلًا حَتّى هَزَمَهُمُ اللَّهُ تَعالى، ولَمْ يَبْقَ مِنهم يَوْمَئِذٍ أحَدٌ إلّا وقَدِ امْتَلَأتْ عَيْناهُ مِن ذَلِكَ التُّرابِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ»﴾ .

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ الكَثْرَةَ لا تَنْفَعُ، وأنَّ الَّذِي أوْجَبَ النَّصْرَ ما كانَ إلّا مِنَ اللَّهِ ذَكَرَ أُمُورًا ثَلاثَةً:

أحَدُها: إنْزالُ السَّكِينَةِ، والسَّكِينَةُ ما يَسْكُنُ إلَيْهِ القَلْبُ والنَّفْسُ، ويُوجِبُ الأمَنَةَ والطُّمَأْنِينَةَ، وأظُنُّ وجْهَ الِاسْتِعارَةِ فِيهِ أنَّ الإنْسانَ إذا خافَ فَرَّ وفُؤادُهُ مُتَحَرِّكٌ، وإذا أمِنَ سَكَنَ وثَبَتَ، فَلَمّا كانَ الأمْنُ مُوجِبًا لِلسُّكُونِ جَعَلَ لَفْظَ السَّكِينَةِ كِنايَةً عَنِ الأمْنِ.

واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الفِعْلَ مَوْقُوفٌ عَلى حُصُولِ الدّاعِي، ويَدُلُّ عَلى أنَّ حُصُولَ الدّاعِي لَيْسَ إلّا مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى.

صفحة ١٩

أمّا بَيانُ الأوَّلِ: فَهو أنَّ حالَ انْهِزامِ القَوْمِ لَمْ تَحْصُلْ داعِيَةُ السُّكُونِ والثَّباتِ في قُلُوبِهِمْ، فَلا جَرَمَ لَمْ يَحْصُلِ السُّكُونُ والثَّباتُ، بَلْ فَرَّ القَوْمُ وانْهَزَمُوا، ولَمّا حَصَلَتِ السَّكِينَةُ الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنْ داعِيَةِ السُّكُونِ والثَّباتِ رَجَعُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وثَبَتُوا عِنْدَهُ وسَكَنُوا، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ حُصُولَ الفِعْلِ مَوْقُوفٌ عَلى حُصُولِ الدّاعِيَةِ.

وأمّا بَيانُ الثّانِي: وهو أنَّ حُصُولَ تِلْكَ الدّاعِيَةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى فَهو صَرِيحٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ﴾ والعَقْلُ أيْضًا دَلَّ عَلَيْهِ، وهو أنَّهُ لَوْ كانَ حُصُولُ ذَلِكَ الدّاعِي في القَلْبِ مِن جِهَةِ العَبْدِ، لَتَوَقَّفَ عَلى حُصُولِ داعٍ آخَرَ، ولَزِمَ التَّسَلْسُلُ وهو مُحالٌ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ واعْلَمْ أنَّ هَذا هو الأمْرُ الثّانِي الَّذِي فَعَلَهُ اللَّهُ في ذَلِكَ اليَوْمِ، ولا خِلافَ أنَّ المُرادَ إنْزالُ المَلائِكَةِ، ولَيْسَ في الظّاهِرِ ما يَدُلُّ عَلى عِدَّةِ المَلائِكَةِ كَما هو مَذْكُورٌ في قِصَّةِ بَدْرٍ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أمَدَّ اللَّهُ نَبِيَّهَ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ، ولَعَلَّهُ إنَّما ذَكَرَ هَذا العَدَدَ قِياسًا عَلى يَوْمِ بَدْرٍ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ كانَ في المُشْرِكِينَ يَوْمَ حُنَيْنٍ قالَ: لَمّا كَشَفْنا المُسْلِمِينَ جَعَلْنا نَسُوقُهم، فَلَمّا انْتَهَيْنا إلى صاحِبِ البَغْلَةِ الشَّهْباءِ، تَلَقّانا رِجالٌ بِيضُ الوُجُوهِ حِسانٌ، فَقالُوا: شاهَتِ الوُجُوهُ ارْجِعُوا، فَرَجَعْنا فَرَكِبُوا أكْتافَنا، وأيْضًا اخْتَلَفُوا أنَّ المَلائِكَةَ هَلْ قاتَلُوا ذَلِكَ اليَوْمَ ؟ والرِّوايَةُ الَّتِي نَقَلْناها عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ تَدُلُّ عَلى أنَّهم قاتَلُوا، ومِنهم مَن قالَ: إنَّ المَلائِكَةَ ما قاتَلُوا إلّا يَوْمَ بَدْرٍ، وأمّا فائِدَةُ نُزُولِهِمْ في هَذا اليَوْمِ فَهو إلْقاءُ الخَواطِرِ الحَسَنَةِ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وهَذا هو الأمْرُ الثّالِثُ الَّذِي فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في ذَلِكَ اليَوْمِ، والمُرادُ مِن هَذا التَّعْذِيبِ قَتْلُهم وأسْرُهم، وأخْذُ أمْوالِهِمْ وسَبْيُ ذَرارِيِّهِمْ، واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذا عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ خَلْقُ اللَّهِ؛ لِأنَّ المُرادَ مِنَ التَّعْذِيبِ لَيْسَ إلّا الأخْذَ والأسْرَ، وهو تَعالى نَسَبَ تِلْكَ الأشْياءَ إلى نَفْسِهِ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ﴾ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ فَصارَ مَجْمُوعُ هَذَيْنِ الكَلامَيْنِ دَلِيلًا بَيِّنًا ثابِتًا، وفي هَذِهِ المَسْألَةِ قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: إنَّما نَسَبَ تَعالى ذَلِكَ الفِعْلَ إلى نَفْسِهِ؛ لِأنَّهُ حَصَلَ بِأمْرِهِ، وقَدْ سَبَقَ جَوابُهُ غَيْرَ مَرَّةٍ.

ثُمَّ قالَ: ﴿وذَلِكَ جَزاءُ الكافِرِينَ﴾ والمُرادُ أنَّ ذَلِكَ التَّعْذِيبَ هو جَزاءُ الكافِرِينَ، واعْلَمْ أنَّ أهْلَ الحَقِيقَةِ تَمَسَّكُوا في مَسْألَةِ الجَلْدِ مَعَ التَّعْزِيرِ بِقَوْلِهِ: ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي فاجْلِدُوا﴾ [النُّورِ: ٢] قالُوا: الفاءُ تَدُلُّ عَلى كَوْنِ الجَلْدِ جَزاءً، والجَزاءُ اسْمٌ لِلْكافِي، وكَوْنُ الجَلْدِ كافِيًا يَمْنَعُ كَوْنَ غَيْرِهِ مَشْرُوعًا مَعَهُ، فَنَقُولُ في الجَوابِ عَنْهُ: الجَزاءُ لَيْسَ اسْمًا لِلْكافِي، وذَلِكَ بِاعْتِبارِ أنَّهُ تَعالى سَمّى هَذا التَّعْذِيبَ جَزاءً، مَعَ أنَّ المُسْلِمِينَ أجْمَعُوا عَلى أنَّ العُقُوبَةَ الدّائِمَةَ في القِيامَةِ مُدَّخَرَةٌ لَهم، فَدَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ الجَزاءَ لَيْسَ اسْمًا لِما يَقَعُ بِهِ الكِفايَةُ.

ثُمَّ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَلى مَن يَشاءُ﴾ يَعْنِي: أنَّ مَعَ كُلِّ ما جَرى عَلَيْهِمْ مِنَ الخِذْلانِ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يَتُوبُ عَلَيْهِمْ. قالَ أصْحابُنا: إنَّهُ تَعالى قَدْ يَتُوبُ عَلى بَعْضِهِمْ بِأنْ يُزِيلَ عَنْ قَلْبِهِ الكُفْرَ، ويَخْلُقَ فِيهِ الإسْلامَ، قالَ القاضِي: مَعْناهُ فَإنَّهم بَعْدَ أنْ جَرى عَلَيْهِمْ ما جَرى، إذا أسْلَمُوا وتابُوا فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يَقْبَلُ تَوْبَتَهم، وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ﴾ ظاهِرُهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ تِلْكَ التَّوْبَةَ إنَّما حَصَلَتْ

صفحة ٢٠

لَهم مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى وتَمامُ الكَلامِ في هَذا المَعْنى مَذْكُورٌ في سُورَةِ البَقَرَةِ في قَوْلِهِ:(فَتابَ عَلَيْهِ) ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ: غَفُورٌ لِمَن تابَ، رَحِيمٌ لِمَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا، واللَّهُ أعْلَمُ.

9:28Page 191

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّمَا ٱلۡمُشۡرِكُونَ نَجَسٞ فَلَا يَقۡرَبُواْ ٱلۡمَسۡجِدَ ٱلۡحَرَامَ بَعۡدَ عَامِهِمۡ هَٰذَاۚ وَإِنۡ خِفۡتُمۡ عَيۡلَةٗ فَسَوۡفَ يُغۡنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦٓ إِن شَآءَۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ٢٨

O you who have believed, indeed the polytheists are unclean, so let them not approach al-Masjid al-Ḥarām after this, their [final] year. And if you fear privation, Allāh will enrich you from His bounty if He wills. Indeed, Allāh is Knowing and Wise.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هَذا وإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إنْ شاءَ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾

وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ هي الشُّبْهَةُ الثّالِثَةُ الَّتِي وقَعَتْ في قُلُوبِ القَوْمِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ ﷺ لَمّا أمَرَ عَلِيًّا أنْ يَقْرَأ عَلى مُشْرِكِي مَكَّةَ أوَّلَ سُورَةِ بَراءَةَ، ويَنْبِذَ إلَيْهِمْ عَهْدَهم، وأنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ ورَسُولُهُ، قالَ أُناسٌ: يا أهْلَ مَكَّةَ سَتَعْلَمُونَ ما تَلْقَوْنَهُ مِنَ الشِّدَّةِ لِانْقِطاعِ السُّبُلِ وفَقْدِ الحُمُولاتِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ لِدَفْعِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ، وأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْها بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ أيْ: فَقْرًا وحاجَةً﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ فَهَذا وجْهُ النَّظْمِ، وهو حَسَنٌ مُوافِقٌ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الأكْثَرُونَ لَفْظُ المُشْرِكِينَ يَتَناوَلُ عَبَدَةَ الأوْثانِ، وقالَ قَوْمٌ: بَلْ يَتَناوَلُ جَمِيعَ الكُفّارِ، وقَدْ سَبَقَتْ هَذِهِ المَسْألَةُ، وصَحَّحْنا هَذا القَوْلَ بِالدَّلائِلِ الكَثِيرَةِ، والَّذِي يُفِيدُ هَهُنا التَّمَسُّكُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النِّساءِ: ٤٨] ومَعْلُومٌ أنَّهُ باطِلٌ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: النَّجَسُ مَصْدَرُ: نَجِسَ نَجَسًا وقَذِرَ قَذَرًا، ومَعْناهُ ذُو نَجَسٍ، وقالَ اللَّيْثُ: النَّجَسُ الشَّيْءُ القَذِرُ مِنَ النّاسِ ومِن كُلِّ شَيْءٍ، ورَجُلٌ نَجِسٌ، وقَوْمٌ أنْجاسٌ، ولُغَةٌ أُخْرى رَجُلٌ نَجِسٌ وقَوْمٌ نُجْسٌ وفُلانٌ نَجِسٌ، ورَجُلٌ نَجَسٌ وامْرَأةٌ نَجَسٌ. واخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِ كَوْنِ المُشْرِكِ نَجَسًا نَقَلَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ أعْيانَهم نَجِسَةٌ كالكِلابِ والخَنازِيرِ، وعَنِ الحَسَنِ مَن صافَحَ مُشْرِكًا تَوَضَّأ، وهَذا هو قَوْلُ الهادِي مِن أئِمَّةِ الزَّيْدِيَّةِ، وأمّا الفُقَهاءُ فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى طَهارَةِ أبْدانِهِمْ.

واعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ القُرْآنِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِمْ أنْجاسًا فَلا يُرْجَعُ عَنْهُ إلّا بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، ولا يُمْكِنُ ادِّعاءُ الإجْماعِ فِيهِ لِما بَيَّنّا أنَّ الِاخْتِلافَ فِيهِ حاصِلٌ، واحْتَجَّ القاضِي عَلى طَهارَتِهِمْ بِما رُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ شَرِبَ مِن أوانِيهِمْ، وأيْضًا لَوْ كانَ جِسْمُهُ نَجِسًا لَمْ يُبَدَّلْ ذَلِكَ بِسَبَبِ الإسْلامِ، والقائِلُونَ بِالقَوْلِ الأوَّلِ أجابُوا عَنْهُ: بِأنَّ القُرْآنَ أقْوى مِن خَبَرِ الواحِدِ، وأيْضًا فَبِتَقْدِيرِ صِحَّةِ الخَبَرِ وجَبَ أنْ يُعْتَقَدَ أنَّ حِلَّ الشُّرْبِ مِن أوانِيهِمْ كانَ مُتَقَدِّمًا عَلى نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مِن آخِرِ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ، وأيْضًا كانَتِ المُخالَطَةُ مَعَ الكُفّارِ جائِزَةً فَحَرَّمَها اللَّهُ تَعالى، وكانَتِ المُعاهَداتُ مَعَهم حاصِلَةً فَأزالَها اللَّهُ، فَلا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ أيْضًا: الشُّرْبُ مِن أوانِيهِمْ كانَ جائِزًا فَحَرَّمَهُ اللَّهُ تَعالى.

الثّانِي: أنَّ الأصْلَ حِلُّ الشُّرْبِ مِن أيِّ إناءٍ كانَ، فَلَوْ

صفحة ٢١

قُلْنا: إنَّهُ حُرِّمَ بِحُكْمِ الآيَةِ، ثُمَّ حَلَّ بِحُكْمِ الخَبَرِ فَقَدْ حَصَلَ نَسْخانِ، أمّا إذا قُلْنا: إنَّهُ كانَ حِلًّا لا بِحُكْمِ الأصْلِ، والرَّسُولُ شَرِبَ مِن آنِيَتِهِمْ بِحُكْمِ الأصْلِ، ثُمَّ جاءَ التَّحْرِيمُ بِحُكْمِ هَذِهِ الآيَةِ لَمْ يَحْصُلِ النَّسْخُ إلّا مَرَّةً واحِدَةً، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ هَذا أوْلى، أمّا قَوْلُ القاضِي: لَوْ كانَ الكافِرُ نَجِسَ الجِسْمِ لَما تَبَدَّلَتِ النَّجاسَةُ بِالطَّهارَةِ بِسَبَبِ الإسْلامِ. فَجَوابُهُ أنَّهُ قِياسٌ في مُعارَضَةِ النَّصِّ الصَّرِيحِ، وأيْضًا أنَّ أصْحابَ هَذا المَذْهَبِ يَقُولُونَ إنَّ الكافِرَ إذا أسْلَمَ وجَبَ عَلَيْهِ الِاغْتِسالُ إزالَةً لِلنَّجاسَةِ الحاصِلَةِ بِحُكْمِ الكُفْرِ، فَهَذا تَقْرِيرُ هَذا القَوْلِ، وأمّا جُمْهُورُ الفُقَهاءِ فَإنَّهم حَكَمُوا بِكَوْنِ الكافِرِ طاهِرًا في جِسْمِهِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: مَعْناهُ أنَّهم لا يَغْتَسِلُونَ مِنَ الجَنابَةِ، ولا يَتَوَضَّئُونَ مِنَ الحَدَثِ.

الثّانِي: المُرادُ أنَّهم بِمَنزِلَةِ الشَّيْءِ النَّجِسِ في وُجُوبِ النُّفْرَةِ عَنْهُ.

الثّالِثُ: أنَّ كُفْرَهُمُ الَّذِي هو صِفَةٌ لَهم بِمَنزِلَةِ النَّجاسَةِ المُلْتَصِقَةِ بِالشَّيْءِ.

واعْلَمْ أنَّ كُلَّ هَذِهِ الوُجُوهِ عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ.

* * *

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم: أعْضاءُ المُحْدِثِ نَجِسَةٌ نَجاسَةً حُكْمِيَّةً، وبَنَوْا عَلَيْهِ أنَّ الماءَ المُسْتَعْمَلَ في الوُضُوءِ والجَنابَةِ نَجِسٌ، ثُمَّ رَوى أبُو يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ نَجِسٌ نَجاسَةً خَفِيفَةً، ورَوى الحَسَنُ بْنُ زِيادٍ: أنَّهُ نَجِسٌ نَجاسَةً غَلِيظَةً، ورَوى مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ أنَّ ذَلِكَ الماءَ طاهِرٌ.

واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ يَدُلُّ عَلى فَسادِ هَذا القَوْلِ؛ لِأنَّ كَلِمَةَ ”إنَّما“ لِلْحَصْرِ، وهَذا يَقْتَضِي أنْ لا نَجَسَ إلّا المُشْرِكُ، فالقَوْلُ بِأنَّ أعْضاءَ المُحْدِثِ نَجِسَةٌ مُخالِفٌ لِهَذا النَّصِّ، والعَجَبُ أنَّ هَذا النَّصَّ صَرِيحٌ في أنَّ المُشْرِكَ نَجَسٌ، وفي أنَّ المُؤْمِنَ لَيْسَ بِنَجَسٍ، ثُمَّ إنَّ قَوْمًا ما قَلَبُوا القَضِيَّةَ، وقالُوا: المُشْرِكُ طاهِرٌ والمُؤْمِنُ حالَ كَوْنِهِ مُحْدِثًا أوْ جُنُبًا نَجِسٌ، وزَعَمُوا أنَّ المِياهَ الَّتِي اسْتَعْمَلَها المُشْرِكُونَ في أعْضائِهِمْ بَقِيَتْ طاهِرَةً مُطَهِّرَةً، والمِياهَ الَّتِي يَسْتَعْمِلُها أكابِرُ الأنْبِياءِ في أعْضائِهِمْ نَجِسَةٌ نَجاسَةً غَلِيظَةً، وهَذا مِنَ العَجائِبِ، ومِمّا يُؤَكِّدُ القَوْلَ بِطَهارَةِ أعْضاءِ المُسْلِمِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«المُؤْمِنُ لا يَنْجُسُ حَيًّا ولا مَيِّتًا» “ فَصارَ هَذا الخَبَرُ مُطابِقًا لِلْقُرْآنِ، ثُمَّ الِاعْتِباراتُ الحُكْمِيَّةُ طابَقَتِ القُرْآنَ، والأخْبارَ في هَذا البابِ؛ لِأنَّ المُسْلِمِينَ أجْمَعُوا عَلى أنَّ إنْسانًا لَوْ حَمَلَ مُحْدِثًا في صَلاتِهِ لَمْ تَبْطُلْ صَلاتُهُ، ولَوْ كانَتْ يَدُهُ رَطْبَةً، فَوَصَلَتْ إلى يَدِ مُحْدِثٍ لَمْ تَنْجُسْ يَدُهُ، ولَوْ عَرِقَ المُحْدِثُ ووَصَلَتْ تِلْكَ النَّداوَةُ إلى ثَوْبِهِ لَمْ يَنْجُسْ ذَلِكَ الثَّوْبُ، فالقُرْآنُ والخَبَرُ والإجْماعُ تَطابَقَتْ عَلى القَوْلِ بِطَهارَةِ أعْضاءِ المُحْدِثِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ مُخالَفَتُهُ ؟ وشُبْهَةُ المُخالِفِ أنَّ الوُضُوءَ يُسَمّى طَهارَةً، والطَّهارَةُ لا تَكُونُ إلّا بَعْدَ سَبْقِ النَّجاسَةِ، وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ الطَّهارَةَ قَدْ تُسْتَعْمَلُ في إزالَةِ الأوْزارِ والآثامِ، قالَ اللَّهُ تَعالى في صِفَةِ أهْلِ البَيْتِ: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾ [الأحْزابِ: ٣٣] ولَيْسَتْ هَذِهِ الطَّهارَةُ إلّا عَنِ الآثامِ والأوْزارِ، وقالَ في صِفَةِ مَرْيَمَ: ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وطَهَّرَكِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٤٢] والمُرادُ تَطْهِيرُها عَنِ التُّهْمَةِ الفاسِدَةِ.

وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: جاءَتِ الأخْبارُ الصَّحِيحَةُ في أنَّ الوُضُوءَ تَطْهِيرُ الأعْضاءِ عَنِ الآثامِ والأوْزارِ، فَلَمّا فَسَّرَ الشّارِعُ كَوْنَ الوُضُوءِ طَهارَةً بِهَذا المَعْنى، فَما الَّذِي حَمَلَنا عَلى مُخالَفَتِهِ، والذَّهابِ إلى شَيْءٍ يُبْطِلُ القُرْآنَ والأخْبارَ والأحْكامَ الإجْماعِيَّةَ ؟

* * *

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: الكُفّارُ يُمْنَعُونَ مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ خاصَّةً،

صفحة ٢٢

وعِنْدَ مالِكٍ: يُمْنَعُونَ مِن كُلِّ المَساجِدِ، وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: لا يُمْنَعُونَ مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ، ولا مِن سائِرِ المَساجِدِ، والآيَةُ بِمَنطُوقِها تُبْطِلُ قَوْلَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ، وبِمَفْهُومِها تُبْطِلُ قَوْلَ مالِكٍ، أوْ نَقُولُ: الأصْلُ عَدَمُ المَنعِ، وخالَفْناهُ في المَسْجِدِ الحَرامِ لِهَذا النَّصِّ الصَّرِيحِ القاطِعِ، فَوَجَبَ أنْ يَبْقى في غَيْرِهِ عَلى وِفْقِ الأصْلِ.

المَسْألَةُ السّادِسَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ المُرادَ مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ هَلْ هو نَفْسُ المَسْجِدِ أوِ المُرادُ مِنهُ جَمِيعُ الحَرَمِ ؟ والأقْرَبُ هو هَذا الثّانِي، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ مَوْضِعَ التِّجاراتِ لَيْسَ هو عَيْنَ المَسْجِدِ، فَلَوْ كانَ المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ المَنعَ مِنَ المَسْجِدِ خاصَّةً لَما خافُوا بِسَبَبِ هَذا المَنعِ مِنَ العَيْلَةِ، وإنَّما يَخافُونَ العَيْلَةَ إذا مُنِعُوا مِن حُضُورِ الأسْواقِ والمَواسِمِ، وهَذا اسْتِدْلالٌ حَسَنٌ مِنَ الآيَةِ، ويَتَأكَّدُ هَذا القَوْلُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ إلى المَسْجِدِ الأقْصى﴾ [الإسْراءِ: ١] مَعَ أنَّهم أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ إنَّما رُفِعَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن بَيْتِ أُمِّ هانِئٍ، وأيْضًا يَتَأكَّدُ هَذا بِما رُوِيَ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«لا يَجْتَمِعُ دِينانِ في جَزِيرَةِ العَرَبِ» “ .

واعْلَمْ أنَّ أصْحابَنا قالُوا: الحَرَمُ حَرامٌ عَلى المُشْرِكِينَ، ولَوْ كانَ الإمامُ بِمَكَّةَ فَجاءَ رَسُولُ المُشْرِكِينَ فَلْيَخْرُجْ إلى الحِلِّ لِاسْتِماعِ الرِّسالَةِ، وإنْ دَخَلَ مُشْرِكٌ الحَرَمَ مُتَوارِيًا فَمَرِضَ فِيهِ أخْرَجْناهُ مَرِيضًا، وإنْ ماتَ ودُفِنَ ولُمْ يُعْلَمْ نَبَشْناهُ وأخْرَجْنا عِظامَهُ إذا أمْكَنَ.

* * *

المَسْألَةُ السّابِعَةُ: لا شُبْهَةَ في أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿بَعْدَ عامِهِمْ هَذا﴾ السَّنَةُ الَّتِي حَصَلَ فِيها النِّداءُ بِالبَراءَةِ مِنَ المُشْرِكِينَ، وهي السَّنَةُ التّاسِعَةُ مِنَ الهِجْرَةِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ والعَيْلَةُ الفَقْرُ، يُقالُ: عالَ الرَّجُلُ يَعِيلُ عَيْلَةً إذا افْتَقَرَ، والمَعْنى: إنْ خِفْتُمْ فَقْرًا بِسَبَبِ مَنعِ الكُفّارِ﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ هَذا الفَضْلِ وُجُوهًا:

الأوَّلُ: قالَ مُقاتِلٌ: أسْلَمَ أهْلُ جُدَّةَ وصَنْعاءَ وحُنَيْنٍ، وحَمَلُوا الطَّعامَ إلى مَكَّةَ وكَفاهُمُ اللَّهُ الحاجَةَ إلى مُبايَعَةِ الكُفّارِ.

والثّانِي: قالَ الحَسَنُ: جَعَلَ اللَّهُ ما يُوجَدُ مِنَ الجِزْيَةِ بَدَلًا مِن ذَلِكَ. وقِيلَ: أغْناهم بِالفَيْءِ.

الثّالِثُ: قالَ عِكْرِمَةُ: أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ المَطَرَ، وكَثُرَ خَيْرُهم.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ إخْبارٌ عَنْ غَيْبٍ في المُسْتَقْبَلِ عَلى سَبِيلِ الجَزْمِ في حادِثَةٍ عَظِيمَةٍ، وقَدْ وقَعَ الأمْرُ مُطابِقًا لِذَلِكَ الخَبَرِ فَكانَ مُعْجِزَةً.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنْ شاءَ﴾ ولِسائِلٍ أنْ يَسْألَ فَيَقُولَ: الغَرَضُ بِهَذا الخَبَرِ إزالَةُ الخَوْفِ بِالعَيْلَةِ، وهَذا الشَّرْطُ يَمْنَعُ مِن إفادَةِ هَذا المَقْصُودِ، وجَوابُهُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنْ لا يَحْصُلَ الِاعْتِمادُ عَلى حُصُولِ هَذا المَطْلُوبِ، فَيَكُونَ الإنْسانُ أبَدًا مُتَضَرِّعًا إلى اللَّهِ تَعالى في طَلَبِ الخَيْراتِ ودَفْعِ الآفاتِ.

الثّانِي: أنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِ هَذا الشَّرْطِ تَعْلِيمُ رِعايَةِ الأدَبِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفَتْحِ: ٢٧] .

الثّالِثُ: أنَّ المَقْصُودَ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ حُصُولَ هَذا المَعْنى لا يَكُونُ في كُلِّ الأوْقاتِ وفي جَمِيعِ الأُمُورِ؛ لِأنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ في دُعائِهِ: ﴿وارْزُقْ أهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ﴾ [البَقَرَةِ: ١٢٦] وكَلِمَةُ ”مِن“ تُفِيدُ التَّبْعِيضَ، فَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿إنْ شاءَ﴾ المُرادُ مِنهُ ذَلِكَ التَّبْعِيضُ.

صفحة ٢٣

ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أيْ: عَلِيمٌ بِأحْوالِكم، وحَكِيمٌ لا يُعْطِي ولا يَمْنَعُ إلّا عَنْ حِكْمَةٍ وصَوابٍ، واللَّهُ أعْلَمُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском