Ar-RaziAt‑Tawbah · 9:41–43

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

At-Tawbah 9:41–43

9:41Page 194

ٱنفِرُواْ خِفَافٗا وَثِقَالٗا وَجَٰهِدُواْ بِأَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٤١

Go forth, whether light or heavy,1 and strive with your wealth and your lives in the cause of Allāh. That is better for you, if you only knew.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالًا وجاهِدُوا بِأمْوالِكم وأنْفُسِكم في سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا تَوَعَّدَ مَن لا يَنْفِرُ مَعَ الرَّسُولِ، وضَرَبَ لَهُ مِنَ الأمْثالِ ما وصَفْنا، أتْبَعَهُ بِهَذا الأمْرِ الجَزْمِ، فَقالَ: ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالًا﴾ والمُرادُ انْفِرُوا سَواءٌ كُنْتُمْ عَلى الصِّفَةِ الَّتِي يَخِفُّ عَلَيْكُمُ الجِهادُ، أوْ عَلى الصِّفَةِ الَّتِي يَثْقُلُ، وهَذا الوَصْفُ يَدْخُلُ تَحْتَهُ أقْسامٌ كَثِيرَةٌ، والمُفَسِّرُونَ ذَكَرُوها:

فالأوَّلُ: ﴿خِفافًا﴾ في النُّفُورِ لِنَشاطِكم لَهُ﴿وثِقالًا﴾ عَنْهُ لِمَشَقَّتِهِ عَلَيْكم.

الثّانِي: ﴿خِفافًا﴾ لِقِلَّةِ عِيالِكُمْ﴿وثِقالًا﴾ لِكَثْرَتِها.

الثّالِثُ: ﴿خِفافًا﴾ مِنَ السِّلاحِ﴿وثِقالًا﴾ مِنهُ.

الرّابِعُ: رُكْبانًا ومُشاةً.

الخامِسُ: شُبّانًا وشُيُوخًا.

السّادِسُ: مَهازِيلَ وسِمانًا.

السّابِعُ: صِحاحًا ومِراضًا والصَّحِيحُ ما ذَكَرْنا إذِ الكُلُّ داخِلٌ فِيهِ؛ لِأنَّ الوَصْفَ المَذْكُورَ وصْفٌ كُلِّيٌّ، يَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ هَذِهِ الجُزْئِيّاتِ.

فَإنْ قِيلَ: أتَقُولُونَ إنَّ هَذا الأمْرَ يَتَناوَلُ جَمِيعَ النّاسِ حَتّى المَرْضى والعاجِزِينَ ؟

صفحة ٥٧

قُلْنا: ظاهِرُهُ يَقْتَضِي ذَلِكَ، «عَنِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ أنَّهُ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أعَلَيَّ أنْ أنْفِرَ ؟ قالَ: ”ما أنْتَ إلّا خَفِيفٌ أوْ ثَقِيلٌ“ فَرَجَعَ إلى أهْلِهِ، ولَبِسَ سِلاحَهُ، ووَقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ»﴾ ) [النُّورِ: ٦١] وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّ أبا أيُّوبَ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ الرَّسُولِ ﷺ، ولَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْ غَزَواتِ المُسْلِمِينَ، ويَقُولُ: قالَ اللَّهُ: ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالًا﴾ فَلا أجِدُنِي إلّا خَفِيفًا أوْ ثَقِيلًا.

وعَنْ صَفْوانَ بْنِ عَمْرٍو قالَ: كُنْتُ والِيًا عَلى حِمْصَ، فَلَقِيتُ شَيْخًا قَدْ سَقَطَ حاجِباهُ، مِن أهْلِ دِمَشْقَ عَلى راحِلَتِهِ يُرِيدُ الغَزْوَ، قُلْتُ: يا عَمِّ أنْتَ مَعْذُورٌ عِنْدَ اللَّهِ، فَرَفَعَ حاجِبَيْهِ وقالَ: يا ابْنَ أخِي اسْتَنْفَرَنا اللَّهُ خِفافًا وثِقالًا، ألا إنَّ مَن أحَبَّهُ ابْتَلاهُ، وعَنِ الزُّهْرِيِّ: خَرَجَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ إلى الغَزْوِ، وقَدْ ذَهَبَتْ إحْدى عَيْنَيْهِ، فَقِيلَ لَهُ: إنَّكَ عَلِيلٌ صاحِبُ ضَرَرٍ، فَقالَ: اسْتَنْفَرَ اللَّهُ الخَفِيفَ والثَّقِيلَ، فَإنْ عَجَزْتُ عَنِ الجِهادِ كَثَّرْتُ السَّوادَ، وحَفِظْتُ المَتاعَ.

وقِيلَ لِلْمِقْدادِ بْنِ الأسْوَدِ وهو يُرِيدُ الغَزْوَ: أنْتَ مَعْذُورٌ، فَقالَ: أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْنا في سُورَةِ بَراءَةَ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالًا﴾ .

واعْلَمْ أنَّ القائِلِينَ بِهَذا القَوْلِ الَّذِي قَرَّرْناهُ يَقُولُونَ: هَذِهِ الآيَةُ صارَتْ مَنسُوخَةً بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ﴾ وقالَ عَطاءٌ الخُراسانِيُّ: مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ [التَّوْبَةِ: ١٢٢] .

ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: اتَّفَقُوا عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في غَزْوَةِ تَبُوكَ، واتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ خَلَّفَ النِّساءَ، وخَلَّفَ مِنَ الرِّجالِ أقْوامًا، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا الوُجُوبَ لَيْسَ عَلى الأعْيانِ، لَكِنَّهُ مِن فُرُوضِ الكِفاياتِ، فَمَن أمَرَهُ الرَّسُولُ بِأنْ يَخْرُجَ، لَزِمَهُ ذَلِكَ خِفافًا وثِقالًا، ومَن أمَرَهُ بِأنْ يَبْقى هُناكَ، لَزِمَهُ أنْ يَبْقى ويَتْرُكَ النَّفْرَ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَلا حاجَةَ إلى التِزامِ النَّسْخِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وجاهِدُوا بِأمْوالِكم وأنْفُسِكم في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:

القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الجِهادَ إنَّما يَجِبُ عَلى مَن لَهُ المالُ والنَّفْسُ، فَدَلَّ عَلى أنَّ مَن لَمْ يَكُنْ لَهُ نَفْسٌ سَلِيمَةٌ صالِحَةٌ لِلْجِهادِ، ولا مالٌ يَتَقَوّى بِهِ عَلى تَحْصِيلِ آلاتِ الجِهادِ لا يَجِبُ عَلَيْهِ الجِهادُ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الجِهادَ يَجِبُ بِالنَّفْسِ إذا انْفَرَدَ وقَوِيَ عَلَيْهِ، وبِالمالِ إذا ضَعُفَ عَنِ الجِهادِ بِنَفْسِهِ، فَيَلْزَمُ عَلى هَذا القَوْلِ أنَّ مَن عَجَزَ أنْ يُنِيبَ عَنْهُ نَفَرًا بِنَفَقَةٍ مِن عِنْدِهِ، فَيَكُونُ مُجاهِدًا بِمالِهِ لَمّا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ، وقَدْ ذَهَبَ إلى هَذا القَوْلِ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ .

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَصِحُّ أنْ يُقالَ: الجِهادُ خَيْرٌ مِنَ القُعُودِ عَنْهُ، ولا خَيْرَ في القُعُودِ عَنْهُ.

قُلْنا: الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:

الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ لَفْظَ﴿خَيْرٍ﴾ يُسْتَعْمَلُ في مَعْنَيَيْنِ:

أحَدُهُما: بِمَعْنى هَذا خَيْرٌ مِن ذاكَ.

والثّانِي: بِمَعْنى أنَّهُ في نَفْسِهِ خَيْرٌ كَقَوْلِهِ: ﴿إنِّي لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القَصَصِ: ٢٤] وقَوْلِهِ: ﴿وإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العادِياتِ: ٨] ويُقالُ: الثَّرِيدُ خَيْرٌ مِنَ اللَّهِ، أيْ: هو خَيْرٌ في نَفْسِهِ، وقَدْ حَصَلَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكم خَيْرٌ لَكُمْ﴾ المُرادُ هَذا الثّانِي، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَسْقُطُ السُّؤالُ.

الوَجْهُ الثّانِي: سَلَّمْنا أنَّ المُرادَ كَوْنُهُ خَيْرًا مِن غَيْرِهِ، إلّا أنَّ التَّقْدِيرَ: أنَّ ما يُسْتَفادُ بِالجِهادِ مِن نَعِيمِ الآخِرَةِ خَيْرٌ مِمّا يَسْتَفِيدُهُ القاعِدُ عَنْهُ مِنَ الرّاحَةِ والدَّعَةِ والتَّنَعُّمِ بِهِما، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾

صفحة ٥٨

لِأنَّ ما يَحْصُلُ مِنَ الخَيْراتِ في الآخِرَةِ عَلى الجِهادِ لا يُدْرَكُ إلّا بِالتَّأمُّلِ، ولا يَعْرِفُهُ إلّا المُؤْمِنُ الَّذِي عَرَفَ بِالدَّلِيلِ أنَّ القَوْلَ بِالقِيامَةِ حَقٌّ، وأنَّ القَوْلَ بِالثَّوابِ والعِقابِ حَقٌّ وصِدْقٌ.

9:42Page 194

لَوۡ كَانَ عَرَضٗا قَرِيبٗا وَسَفَرٗا قَاصِدٗا لَّٱتَّبَعُوكَ وَلَٰكِنۢ بَعُدَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلشُّقَّةُۚ وَسَيَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ لَوِ ٱسۡتَطَعۡنَا لَخَرَجۡنَا مَعَكُمۡ يُهۡلِكُونَ أَنفُسَهُمۡ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ إِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ ٤٢

Had it been a near [i.e., easy] gain and a moderate trip, they [i.e., the hypocrites] would have followed you, but distant to them was the journey. And they will swear by Allāh,1 "If we were able, we would have gone forth with you," destroying themselves [through false oaths], and Allāh knows that indeed they are liars.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ كانَ عَرَضًا قَرِيبًا وسَفَرًا قاصِدًا لاتَّبَعُوكَ ولَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكم يُهْلِكُونَ أنْفُسَهم واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بالَغَ في تَرْغِيبِهِمْ في الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ، وكانَ قَدْ ذَكَرَ قَوْلَهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكم إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ﴾ [التَّوْبَةِ: ٣٨] عادَ إلى تَقْرِيرِ كَوْنِهِمْ مُتَثاقِلِينَ، وبَيَّنَ أنَّ أقْوامًا، مَعَ كُلِّ ما تَقَدَّمَ مِنَ الوَعِيدِ والحَثِّ عَلى الجِهادِ، تَخَلَّفُوا في غَزْوَةِ تَبُوكَ، وبَيَّنَ أنَّهُ﴿لَوْ كانَ عَرَضًا قَرِيبًا وسَفَرًا قاصِدًا لاتَّبَعُوكَ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: العَرَضُ ما عَرَضَ لَكَ مِن مَنافِعِ الدُّنْيا، يُقالُ: الدُّنْيا عَرَضٌ حاضِرٌ يَأْكُلُ مِنهُ البَرُّ والفاجِرُ، قالالزَّجّاجُ: فِيهِ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: لَوْ كانَ المَدْعُوُّ إلَيْهِ سَفَرًا قاصِدًا، فَحُذِفَ اسْمُ﴿كانَ﴾ لِدَلالَةِ ما تَقَدَّمَ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ: ﴿وسَفَرًا قاصِدًا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ سَهْلًا قَرِيبًا، وإنَّما قِيلَ لِمِثْلِ هَذا قاصِدًا؛ لِأنَّ المُتَوَسِّطَ بَيْنَ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ، يُقالُ لَهُ: مُقْتَصِدٌ، قالَ تَعالى: ﴿فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنهم مُقْتَصِدٌ﴾ [فاطِرٍ: ٣٢] وتَحْقِيقُهُ أنَّ المُتَوَسِّطَ بَيْنَ الكَثْرَةِ والقِلَّةِ يَقْصِدُهُ كُلُّ أحَدٍ، فَسُمِّيَ قاصِدًا، وتَفْسِيرُ القاصِدِ: ذُو قَصْدٍ، كَقَوْلِهِمْ: لابِنٌ وتامِرٌ ورابِحٌ.

قَوْلُهُ: ﴿ولَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾ قالَ اللَّيْثُ: الشُّقَّةُ بُعْدُ مَسِيرِهِ إلى أرْضٍ بَعِيدَةٍ، يُقالُ: شُقَّةٌ شاقَّةٌ، والمَعْنى: بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشّاقَّةُ البَعِيدَةُ، والسَّبَبُ في هَذا الِاسْمِ أنَّهُ شَقَّ عَلى الإنْسانِ سُلُوكُها، ونَقَلَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ عَنْ عِيسى بْنِ عُمَرَ: أنَّهُ قَرَأ﴿بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾ بِكَسْرِ العَيْنِ والشِّينِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، ومَعْنى الكَلامِ أنَّهُ لَوْ كانَتِ المَنافِعُ قَرِيبَةً والسَّفَرُ قَرِيبًا لاتَّبَعُوكَ طَمَعًا مِنهم في الفَوْزِ بِتِلْكَ المَنافِعِ، ولَكِنْ طالَ السَّفَرُ فَكانُوا كالآيِسِينَ مِنَ الفَوْزِ بِالغَنِيمَةِ، بِسَبَبِ أنَّهم كانُوا يَسْتَعْظِمُونَ غَزْوَ الرُّومِ، فَلِهَذا السَّبَبِ تَخَلَّفُوا، ثُمَّ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ إذا رَجَعَ مِنَ الجِهادِ يَجِدُهُمْ﴿وسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ﴾ إمّا عِنْدَما يُعاتِبُهم بِسَبَبِ التَّخَلُّفِ، وإمّا ابْتِداءً عَلى طَرِيقَةِ إقامَةِ العُذْرِ في التَّخَلُّفِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهم يُهْلِكُونَ أنْفُسَهم بِسَبَبِ ذَلِكَ الكَذِبِ والنِّفاقِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الأيْمانَ الكاذِبَةَ تُوجِبُ الهَلاكَ، ولِهَذا قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«اليَمِينُ الغَمُوسُ تَدَعُ الدِّيارَ بَلاقِعَ» “ .

ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ في قَوْلِهِمْ ما كُنّا نَسْتَطِيعُ الخُرُوجَ، فَإنَّهم كانُوا مُسْتَطِيعِينَ الخُرُوجَ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالًا﴾ إنَّما يَتَناوَلُ مَن كانَ قادِرًا مُتَمَكِّنًا، إذْ عَدَمُ الِاسْتِطاعَةِ عُذْرٌ في التَّخَلُّفِ.

* * *

صفحة ٥٩

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اسْتَدَلَّ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى بُطْلانِ أنَّ الِاسْتِطاعَةَ مَعَ الفِعْلِ، فَقالَ: لَوْ كانَتِ الِاسْتِطاعَةُ مَعَ الفِعْلِ لَكانَ مَن يَخْرُجُ إلى القِتالِ لَمْ يَكُنْ مُسْتَطِيعًا إلى القِتالِ، ولَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَكانُوا صادِقِينَ في قَوْلِهِمْ: ما كُنّا نَسْتَطِيعُ ذَلِكَ، ولَمّا كَذَّبَهُمُ اللَّهُ تَعالى في هَذا القَوْلِ، عَلِمْنا أنَّ الِاسْتِطاعَةَ قَبْلَ الفِعْلِ، واسْتَدَلَّ الكَعْبِيُّ بِهَذا الوَجْهِ أيْضًا لَهُ، وسَألَ نَفْسَهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ: ما كانَ لَهم زادٌ ولا راحِلَةٌ، وما أرادُوا بِهِ نَفْسَ القُدْرَةِ.

وأجابَ: إنْ كانَ مَن لا راحِلَةَ لَهُ يُعْذَرُ في تَرْكِ الخُرُوجِ، فَمَن لا اسْتِطاعَةَ لَهُ أوْلى بِالعُذْرِ، وأيْضًا الظّاهِرُ مِنَ الِاسْتِطاعَةِ قُوَّةُ البَدَنِ دُونَ وُجُودِ المالِ، وإذا أُرِيدَ بِهِ المالُ، فَإنَّما يُرادُ؛ لِأنَّهُ يُعِينُ عَلى ما يَفْعَلُهُ الإنْسانُ بِقُوَّةِ البَدَنِ، فَلا مَعْنى لِتَرْكِ الحَقِيقَةِ مِن غَيْرِ ضَرُورَةٍ.

وأجابَ أصْحابُنا: بِأنَّ المُعْتَزِلَةَ سَلَّمُوا أنَّ القُدْرَةَ عَلى الفِعْلِ لا تَتَقَدَّمُ عَلى الفِعْلِ، إلّا بِوَقْتٍ واحِدٍ، فَأمّا أنْ تَتَقَدَّمَ عَلَيْهِ بِأوْقاتٍ كَثِيرَةٍ فَذَلِكَ مُمْتَنِعٌ، فَإنَّ الإنْسانَ الجالِسَ في المَكانِ لا يَكُونُ قادِرًا في هَذا الزَّمانِ أنْ يَفْعَلَ فِعْلًا في مَكانٍ بَعِيدٍ عَنْهُ، بَلْ إنَّما يَقْدِرُ عَلى أنْ يَفْعَلَ فِعْلًا في المَكانِ المُلاصِقِ لِمَكانِهِ، فَإذا ثَبَتَ أنَّ القُدْرَةَ عِنْدَ القَوْمِ لا تَتَقَدَّمُ الفِعْلَ إلّا بِزَمانٍ واحِدٍ، فالقَوْمُ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ما كانُوا قادِرِينَ عَلى أُصُولِ المُعْتَزِلَةِ، فَيَلْزَمُهم مِن هَذِهِ الآيَةِ ما ألْزَمُوهُ عَلَيْنا، وعِنْدَ هَذا يَجِبُ عَلَيْنا وعَلَيْهِمْ أنْ نَحْمِلَ الِاسْتِطاعَةَ عَلى الزّادِ والرّاحِلَةِ، وحِينَئِذٍ يَسْقُطُ الِاسْتِدْلالُ.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالُوا: الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أخْبَرَ عَنْهم أنَّهم سَيَحْلِفُونَ، وهَذا إخْبارٌ عَنْ غَيْبٍ يَقَعُ في المُسْتَقْبَلِ، والأمْرُ لَمّا وقَعَ كَما أخْبَرَ، كانَ هَذا إخْبارًا عَنِ الغَيْبِ، فَكانَ مُعْجِزًا، واللَّهُ أعْلَمُ.

9:43Page 194

عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمۡ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعۡلَمَ ٱلۡكَٰذِبِينَ ٤٣

Allāh has pardoned you, [O Muḥammad, but] why did you give them permission [to remain behind]? [You should not have] until it was evident to you who were truthful and you knew [who were] the liars.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهم حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وتَعْلَمَ الكاذِبِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَوْ كانَ عَرَضًا قَرِيبًا وسَفَرًا قاصِدًا لاتَّبَعُوكَ﴾ أنَّهُ تَخَلَّفَ قَوْمٌ مِن ذَلِكَ الغَزْوِ، ولَيْسَ فِيهِ بَيانُ أنَّ ذَلِكَ التَّخَلُّفَ، كانَ بِإذْنِ الرَّسُولِ أمْ لا ؟ فَلَمّا قالَ بَعْدَهُ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ دَلَّ هَذا عَلى أنَّ فِيهِمْ مَن تَخَلَّفَ بِإذْنِهِ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ بَعْضُهم بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى صُدُورِ الذَّنْبِ عَنِ الرَّسُولِ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ﴾ والعَفْوُ يَسْتَدْعِي سابِقَةَ الذَّنْبِ.

والثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ وهَذا اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى الإنْكارِ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ ذَلِكَ الإذْنَ كانَ مَعْصِيَةً وذَنْبًا.

قالَ قَتادَةُ وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: اثْنانِ فَعَلَهُما الرَّسُولُ، لَمْ يُؤْمَرْ بِشَيْءٍ فِيهِما، إذْنُهُ لِلْمُنافِقِينَ، وأخْذُهُ الفِداءَ مِنَ الأسارى، فَعاتَبَهُ اللَّهُ كَما تَسْمَعُونَ.

والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: لا نُسَلِّمُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ﴾ يُوجِبُ الذَّنْبَ، ولِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى مُبالَغَةِ اللَّهِ في تَعْظِيمِهِ وتَوْقِيرِهِ، كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِغَيْرِهِ إذا كانَ مُعَظَّمًا عِنْدَهُ: عَفا اللَّهُ عَنْكَ ما صَنَعْتَ في أمْرِي ؟ ورَضِيَ اللَّهُ عَنْكَ، ما جَوابُكَ عَنْ كَلامِي ؟ وعافاكَ اللَّهُ ما عَرَفْتَ حَقِّي! فَلا يَكُونُ غَرَضُهُ مِن هَذا الكَلامِ، إلّا مَزِيدَ التَّبْجِيلِ والتَّعْظِيمِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ الجَهْمِ فِيما يُخاطِبُ بِهِ المُتَوَكِّلَ، وقَدْ أمَرَ بِنَفْيِهِ:

صفحة ٦٠

عَفا اللَّهُ عَنْكَ ألا حُرْمَةٌ تَعُودُ بِعَفْوِكَ أنْ أُبْعَدا

ألَمْ تَرَ عَبْدًا عَدا طَوْرَهُ ∗∗∗ ومَوْلًى عَفا ورَشِيدًا هَدى

أقِلْنِي أقالَكَ مَن لَمْ يَزَلْ ∗∗∗ يَقِيكَ ويَصْرِفُ عَنْكَ الرَّدى

والجَوابُ عَنِ الثّانِي أنْ نَقُولَ: لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ﴿لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ الإنْكارُ؛ لِأنّا نَقُولُ: إمّا أنْ يَكُونَ صَدَرَ عَنِ الرَّسُولِ ذَنْبٌ في هَذِهِ الواقِعَةِ أوْ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهُ ذَنْبٌ، فَإنْ قُلْنا: إنَّهُ ما صَدَرَ عَنْهُ ذَنْبٌ، امْتَنَعَ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ إنْكارًا عَلَيْهِ، وإنْ قُلْنا: إنَّهُ كانَ قَدْ صَدَرَ عَنْهُ ذَنْبٌ، فَقَوْلُهُ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ﴾ يَدُلُّ عَلى حُصُولِ العَفْوِ عَنْهُ، وبَعْدَ حُصُولِ العَفْوِ عَنْهُ يَسْتَحِيلُ أنْ يَتَوَجَّهَ الإنْكارُ عَلَيْهِ، فَثَبَتَ أنَّهُ عَلى جَمِيعِ التَّقادِيرِ يَمْتَنِعُ أنْ يُقالَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى كَوْنِ الرَّسُولِ مُذْنِبًا، وهَذا جَوابٌ شافٍ قاطِعٌ، وعِنْدَ هَذا يُحْمَلُ قَوْلُهُ: ﴿لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ عَلى تَرْكِ الأوْلى والأكْمَلِ، لا سِيَّما وهَذِهِ الواقِعَةُ كانَتْ مِن جِنْسِ ما يَتَعَلَّقُ بِالحُرُوبِ ومَصالِحِ الدُّنْيا.

* * *

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّ الرَّسُولَ ﷺ، كانَ يَحْكُمُ بِمُقْتَضى الِاجْتِهادِ في بَعْضِ الوَقائِعِ، واحْتُجَّ عَلَيْهِ بِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فاعْتَبِرُوا ياأُولِي الأبْصارِ﴾ [الحَشْرِ: ٢] أمْرٌ لِأُولِي الأبْصارِ بِالِاعْتِبارِ والِاجْتِهادِ، والرَّسُولُ كانَ سَيِّدًا لَهم، فَكانَ داخِلًا تَحْتَ هَذا الأمْرِ، ثُمَّ أكَّدُوا ذَلِكَ بِهَذِهِ الآيَةِ فَقالُوا: إمّا أنْ يُقالَ إنَّهُ تَعالى أذِنَ لَهُ في ذَلِكَ الإذْنِ أوْ مَنَعَهُ عَنْهُ، أوْ ما أذِنَ لَهُ فِيهِ، وما مَنَعَهُ عَنْهُ والأوَّلُ باطِلٌ، وإلّا امْتَنَعَ أنْ يَقُولَ لَهُ: لِمَ أذِنْتَ لَهم، والثّانِي باطِلٌ أيْضًا؛ لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَلْزَمُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ حَكَمَ بِغَيْرِ ما أنْزَلَ اللَّهُ فَيَلْزَمُ دُخُولُهُ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾ [المائِدَةِ: ٤٤] و﴿أُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [المائِدَةِ: ٤٥]﴿وأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ [المائِدَةِ: ٤٧] وذَلِكَ باطِلٌ بِصَرِيحِ القَوْلِ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا القِسْمُ الثّالِثُ، وهو أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أذِنَ في تِلْكَ الواقِعَةِ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ، فَإمّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَبْنِيًّا عَلى الِاجْتِهادِ أوْ ما كانَ كَذَلِكَ، والثّانِي باطِلٌ؛ لِأنَّهُ حُكْمٌ بِمُجَرَّدِ التَّشَهِّي وهو باطِلٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أضاعُوا الصَّلاةَ واتَّبَعُوا الشَّهَواتِ﴾ [مَرْيَمَ: ٥٩] فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أذِنَ في تِلْكَ الواقِعَةِ، بِناءً عَلى الِاجْتِهادِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، كانَ يَحْكُمُ بِمُقْتَضى الِاجْتِهادِ.

فَإنْ قِيلَ: فَهَذا بِأنْ يَدُلَّ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ لَهُ الحُكْمُ بِالِاجْتِهادِ أوْلى؛ لِأنَّهُ تَعالى مَنَعَهُ مِن هَذا الحُكْمِ بِقَوْلِهِ: ﴿لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ .

قُلْنا: إنَّهُ تَعالى ما مَنَعَهُ مِن ذَلِكَ الإذْنِ مُطْلَقًا؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وتَعْلَمَ الكاذِبِينَ﴾ والحُكْمُ المَمْدُودُ إلى غايَةٍ بِكَلِمَةِ حَتّى يَجِبُ انْتِهاؤُهُ عِنْدَ حُصُولِ تِلْكَ الغايَةِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ قَوْلِنا.

فَإنْ قالُوا: فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن ذَلِكَ التَّبَيُّنِ هو التَّبَيُّنَ بِطَرِيقِ الوَحْيِ ؟

قُلْنا: ما ذَكَرْتُمُوهُ مُحْتَمَلٌ إلّا أنَّ عَلى التَّقْدِيرِ الَّذِي ذَكَرْتُمْ يَصِيرُ تَكْلِيفُهُ أنْ لا يَحْكُمَ البَتَّةَ، وأنْ يَصْبِرَ حَتّى يَنْزِلَ الوَحْيُ ويَظْهَرَ النَّصُّ، فَلَمّا تَرَكَ ذَلِكَ، كانَ ذَلِكَ كَبِيرَةً، وعَلى التَّقْدِيرِ الَّذِي ذَكَرْنا كانَ ذَلِكَ الخَطَأُ خَطَأً واقِعًا في الِاجْتِهادِ، فَدَخَلَ تَحْتَ قَوْلِهِ: ”«ومَنِ اجْتَهَدَ فَأخْطَأ فَلَهُ أجْرٌ واحِدٌ» “ فَكانَ حَمْلُ الكَلامِ عَلَيْهِ أوْلى.

* * *

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى وُجُوبِ الِاحْتِرازِ عَنِ العَجَلَةِ، ووُجُوبِ التَّثَبُّتِ والتَّأنِّي وتَرْكِ

صفحة ٦١

الِاغْتِرارِ بِظَواهِرِ الأُمُورِ والمُبالَغَةِ في التَّفَحُّصِ، حَتّى يُمْكِنَهُ أنْ يُعامِلَ كُلَّ فَرِيقٍ بِما يَسْتَحِقُّهُ مِنَ التَّقْرِيبِ أوِ الإبْعادِ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ قَتادَةُ: عاتَبَهُ اللَّهُ كَما تَسْمَعُونَ في هَذِهِ الآيَةِ، ثُمَّ رَخَّصَ لَهُ في سُورَةِ النُّورِ فَقالَ: ﴿فَإذا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَن شِئْتَ مِنهُمْ﴾ [النور: ٦٢] .

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ: قَوْلُهُ: ﴿لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ لَيْسَ فِيهِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الإذْنَ في ماذا، فَيَحْتَمِلُ أنَّ بَعْضَهُمُ اسْتَأْذَنَ في القُعُودِ فَأذِنَ لَهُ، ويَحْتَمِلُ أنَّ بَعْضَهُمُ اسْتَأْذَنَ في الخُرُوجِ فَأذِنَ لَهُ، مَعَ أنَّهُ ما كانَ خُرُوجُهم مَعَهُ صَوابًا؛ لِأجْلِ أنَّهم كانُوا عُيُونًا لِلْمُنافِقِينَ عَلى المُسْلِمِينَ، فَكانُوا يُثِيرُونَ الفِتَنَ ويَبْغُونَ الغَوائِلَ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ ما كانَ في خُرُوجِهِمْ مَعَ الرَّسُولِ مَصْلَحَةٌ. قالَ القاضِي: هَذا بَعِيدٌ؛ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في غَزْوَةِ تَبُوكَ عَلى وجْهِ الذَّمِّ لِلْمُتَخَلِّفِينَ والمَدْحِ لِلْمُبادِرِينَ، وأيْضًا ما بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى ذَمِّ القاعِدِينَ وبَيانِ حالِهِمْ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском