Ar-RaziAt‑Tawbah · 9:60

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

At-Tawbah 9:60

9:60Page 196

۞ إِنَّمَا ٱلصَّدَقَٰتُ لِلۡفُقَرَآءِ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱلۡعَٰمِلِينَ عَلَيۡهَا وَٱلۡمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمۡ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَٱلۡغَٰرِمِينَ وَفِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِۖ فَرِيضَةٗ مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ٦٠

Zakāh expenditures are only for the poor and for the needy and for those employed for it1 and for bringing hearts together [for Islām] and for freeing captives [or slaves] and for those in debt and for the cause of Allāh and for the [stranded] traveler - an obligation [imposed] by Allāh. And Allāh is Knowing and Wise.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ والمَساكِينِ والعامِلِينَ عَلَيْها والمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهم وفي الرِّقابِ والغارِمِينَ وفي سَبِيلِ اللَّهِ واِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ المُنافِقِينَ لَمّا لَمَزُوا الرَّسُولَ ﷺ في الصَّدَقاتِ، بَيَّنَ لَهم أنَّ مَصْرِفَ الصَّدَقاتِ هَؤُلاءِ، ولا تَعَلُّقَ لِي بِها، ولا آخُذُ لِنَفْسِي نَصِيبًا مِنها، فَلَمْ يَبْقَ لَهم طَعْنٌ في الرَّسُولِ بِسَبَبِ أخْذِ الصَّدَقاتِ. وهَهُنا مَقاماتٌ:

المَقامُ الأوَّلُ: بَيانُ الحِكْمَةِ في أخْذِ القَلِيلِ مِن أمْوالِ الأغْنِياءِ، وصَرْفِها إلى المُحْتاجِينَ مِنَ النّاسِ.

والمَقامُ الثّانِي: بَيانُ حالِ هَؤُلاءِ الأصْنافِ الثَّمانِيَةِ المَذْكُورِينَ في هَذِهِ الآيَةِ.

أمّا المَقامُ الأوَّلُ فَنَقُولُ: الحِكْمَةُ في إيجابِ الزَّكاةِ أُمُورٌ، بَعْضُها مَصالِحُ عائِدَةٌ إلى مُعْطِي الزَّكاةِ، وبَعْضُها عائِدَةٌ إلى آخِذِ الزَّكاةِ.

أمّا القِسْمُ الأوَّلُ فَهو أُمُورٌ: الأوَّلُ: أنَّ المالَ مَحْبُوبٌ بِالطَّبْعِ، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ القُدْرَةَ صِفَةٌ مِن صِفاتِ الكَمالِ مَحْبُوبَةٌ لِذاتِها، ولِعَيْنِها لا لِغَيْرِها؛ لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ كُلَّ شَيْءٍ فَهو مَحْبُوبٌ لِمَعْنًى آخَرَ، وإلّا لَزِمَ إمّا التَّسَلْسُلُ وإمّا الدَّوْرُ، وهُما مُحالانِ، فَوَجَبَ الِانْتِهاءُ في الأشْياءِ المَحْبُوبَةِ إلى ما يَكُونُ مَحْبُوبًا لِذاتِهِ. والكَمالُ مَحْبُوبٌ لِذاتِهِ، والنُّقْصانُ مَكْرُوهٌ لِذاتِهِ، فَلَمّا كانَتِ القُدْرَةُ صِفَةَ كَمالٍ، وصِفَةُ الكَمالِ مَحْبُوبَةٌ لِذاتِها، كانَتِ القُدْرَةُ مَحْبُوبَةً لِذاتِها، والمالُ سَبَبٌ لِحُصُولِ تِلْكَ القُدْرَةِ، ولِكَمالِها في حَقِّ البَشَرِ فَكانَ أقْوى أسْبابِ القُدْرَةِ في حَقِّ البَشَرِ هو المالَ، والَّذِي يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ المَحْبُوبُ فَهو مَحْبُوبٌ، فَكانَ المالُ مَحْبُوبًا؛ فَهَذا هو السَّبَبُ في كَوْنِهِ مَحْبُوبًا، إلّا أنَّ الِاسْتِغْراقَ في حُبِّهِ يُذْهِبُ النَّفْسَ عَنْ حُبِّ اللَّهِ وعَنِ التَّأهُّبِ لِلْآخِرَةِ فاقْتَضَتْ

صفحة ٨١

حِكْمَةُ الشَّرْعِ تَكْلِيفَ مالِكِ المالِ بِإخْراجِ طائِفَةٍ مِنهُ مِن يَدِهِ؛ لِيَصِيرَ ذَلِكَ الإخْراجُ كَسْرًا مِن شِدَّةِ المَيْلِ إلى المالِ، ومَنعًا مِنِ انْصِرافِ النَّفْسِ بِالكُلِّيَّةِ إلَيْها وتَنْبِيهًا لَها عَلى أنَّ سَعادَةَ الإنْسانِ لا تَحْصُلُ عِنْدَ الِاشْتِغالِ بِطَلَبِ المالِ، وإنَّما تَحْصُلُ بِإنْفاقِ المالِ في طَلَبِ مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى، فَإيجابُ الزَّكاةِ عِلاجٌ صالِحٌ مُتَعَيِّنٌ؛ لِإزالَةِ مَرَضِ حُبِّ الدُّنْيا عَنِ القَلْبِ، فاللَّهُ سُبْحانَهُ أوْجَبَ الزَّكاةَ لِهَذِهِ الحِكْمَةِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها﴾ [التوبة: ١٠٣] . أيْ: تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ عَنِ الِاسْتِغْراقِ في طَلَبِ الدُّنْيا.

والوَجْهُ الثّانِي: وهو أنَّ كَثْرَةَ المالِ تُوجِبُ شِدَّةَ القُوَّةِ وكَمالَ القُدْرَةِ، وتَزايُدَ المالِ يُوجِبُ تَزايُدَ القُدْرَةِ، وتَزايُدَ القُدْرَةِ يُوجِبُ تَزايُدَ الِالتِذاذِ بِتِلْكَ القُدْرَةِ، وتَزايُدَ تِلْكَ اللَّذّاتِ يَدْعُو الإنْسانَ إلى أنْ يَسْعى في تَحْصِيلِ المالِ الَّذِي صارَ سَبَبًا لِحُصُولِ هَذِهِ اللَّذّاتِ المُتَزايِدَةِ، وبِهَذا الطَّرِيقِ تَصِيرُ المَسْألَةُ مَسْألَةَ الدَّوْرِ؛ لِأنَّهُ إذا بالَغَ في السَّعْيِ ازْدادَ المالُ وذَلِكَ يُوجِبُ ازْدِيادَ القُدْرَةِ، وهو يُوجِبُ ازْدِيادَ اللَّذَّةِ، وهو يَحْمِلُ الإنْسانَ عَلى أنْ يَزِيدَ في طَلَبِ المالِ، ولَمّا صارَتِ المَسْألَةُ مَسْألَةَ الدَّوْرِ، لَمْ يَظْهَرْ لَها مَقْطَعٌ ولا آخَرُ، فَأثْبَتَ الشَّرْعُ لَها مَقْطَعًا آخَرَ وهو أنَّهُ أوْجَبَ عَلى صاحِبِهِ صَرْفَ طائِفَةٍ مِن تِلْكَ الأمْوالِ إلى الإنْفاقِ في طَلَبِ مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى؛ لِيَصْرِفَ النَّفْسَ عَنْ ذَلِكَ الطَّرِيقِ الظَّلْمانِيِّ الَّذِي لا آخِرَ لَهُ، ويَتَوَجَّهَ إلى عالَمِ عُبُودِيَّةِ اللَّهِ وطَلَبِ رِضْوانِهِ.

والوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ كَثْرَةَ المالِ سَبَبٌ لِحُصُولِ الطُّغْيانِ والقَسْوَةِ في القَلْبِ، وسَبَبُهُ ما ذَكَرْنا مِن أنَّ كَثْرَةَ المالِ سَبَبٌ لِحُصُولِ القُدْرَةِ، والقُدْرَةُ مَحْبُوبَةٌ لِذاتِها، والعاشِقُ إذا وصَلَ لِمَعْشُوقِهِ اسْتَغْرَقَ فِيهِ، فالإنْسانُ يَصِيرُ غَرِقًا في طَلَبِ المالِ، فَإنْ عَرَضَ لَهُ مانِعٌ يَمْنَعُهُ عَنْ طَلَبِهِ اسْتَعانَ بِمالِهِ وقُدْرَتِهِ عَلى دَفْعِ ذَلِكَ المانِعِ، وهَذا هو المُرادُ بِالطُّغْيانِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ [العلق: ٦] . فَإيجابُ الزَّكاةِ يُقَلِّلُ الطُّغْيانَ، ويَرُدُّ القَلْبَ إلى طَلَبِ رِضْوانِ الرَّحْمَنِ.

والوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ النَّفْسَ النّاطِقَةَ لَها قُوَّتانِ؛ نَظَرِيَّةٌ وعَمَلِيَّةٌ، فالقُوَّةُ النَّظَرِيَّةُ كَمالُها في التَّعْظِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ، والقُوَّةُ العَمَلِيَّةُ كَمالُها في الشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ، فَأوْجَبَ اللَّهُ الزَّكاةَ؛ لِيَحْصُلَ لِجَوْهَرِ الرُّوحِ هَذا الكَمالُ، وهو اتِّصافُهُ بِكَوْنِهِ مُحْسِنًا إلى الخَلْقِ، ساعِيًا في إيصالِ الخَيْراتِ إلَيْهِمْ، دافِعًا لِلْآفاتِ عَنْهم، ولِهَذا السِّرِّ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «”تَخَلَّقُوا بِأخْلاقِ اللَّهِ“» .

والوَجْهُ الخامِسُ: أنَّ الخَلْقَ إذا عَلِمُوا في الإنْسانِ كَوْنَهُ ساعِيًا في إيصالِ الخَيْراتِ إلَيْهِمْ، وفي دَفْعِ الآفاتِ عَنْهم أحَبُّوهُ بِالطَّبْعِ ومالَتْ نُفُوسُهم إلَيْهِ لا مَحالَةَ، عَلى ما قالَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «”جُبِلَتِ القُلُوبُ عَلى حُبِّ مَن أحْسَنَ إلَيْها وبُغْضِ مَن أساءَ إلَيْها“» . فالفُقَراءُ إذا عَلِمُوا أنَّ الرَّجُلَ الغَنِيَّ يَصْرِفُ إلَيْهِمْ طائِفَةً مِن مالِهِ، وأنَّهُ كُلَّما كانَ مالُهُ أكْثَرَ كانَ الَّذِي يَصْرِفُهُ إلَيْهِمْ مِن ذَلِكَ المالِ أكْثَرَ، أمَدُّوهُ بِالدُّعاءِ والهِمَّةِ، ولِلْقُلُوبِ آثارٌ ولِلْأرْواحِ حَرارَةٌ، فَصارَتْ تِلْكَ الدَّعَواتُ سَبَبًا لِبَقاءِ ذَلِكَ الإنْسانِ في الخَيْرِ والخِصْبِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ فَيَمْكُثُ في الأرْضِ﴾ [الرعد: ١٧] . وبِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «”حَصِّنُوا أمْوالَكم بِالزَّكاةِ“» .

والوَجْهُ السّادِسُ: أنَّ الِاسْتِغْناءَ عَنِ الشَّيْءِ أعْظَمُ مِنَ الِاسْتِغْناءِ بِالشَّيْءِ؛ فَإنَّ الِاسْتِغْناءَ بِالشَّيْءِ يُوجِبُ الِاحْتِياجَ إلَيْهِ، إلّا أنَّهُ يُتَوَسَّلُ بِهِ إلى الِاسْتِغْناءِ عَنْ غَيْرِهِ، فَأمّا الِاسْتِغْناءُ عَنِ الشَّيْءِ فَهو الغِنى التّامُّ؛ ولِذَلِكَ فَإنَّ الِاسْتِغْناءَ عَنِ الشَّيْءِ صِفَةُ الحَقِّ، والِاسْتِغْناءَ بِالشَّيْءِ صِفَةُ الخَلْقِ، فاللَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أعْطى بَعْضَ عَبِيدِهِ

صفحة ٨٢

أمْوالًا كَثِيرَةً فَقَدْ رَزَقَهُ نَصِيبًا وافِرًا مِن بابِ الِاسْتِغْناءِ بِالشَّيْءِ، فَإذا أمَرَهُ بِالزَّكاةِ كانَ المَقْصُودُ أنْ يَنْقُلَهُ مِن دَرَجَةِ الِاسْتِغْناءِ بِالشَّيْءِ، إلى المَقامِ الَّذِي هو أعْلى مِنهُ، وأشْرَفُ مِنهُ، وهو الِاسْتِغْناءُ عَنِ الشَّيْءِ.

والوَجْهُ السّابِعُ: أنَّ المالَ سُمِّيَ مالًا لِكَثْرَةِ مَيْلِ كُلِّ أحَدٍ إلَيْهِ، فَهو غادٍ ورائِحٌ، وهو سَرِيعُ الزَّوالِ مُشْرِفٌ عَلى التَّفَرُّقِ، فَما دامَ يَبْقى في يَدِهِ كانَ كالمُشْرِفِ عَلى الهَلاكِ والتَّفَرُّقِ، فَإذا أنْفَقَهُ الإنْسانُ في وُجُوهِ البِرِّ والخَيْرِ والمَصالِحِ بَقِيَ بَقاءً لا يُمْكِنُ زَوالُهُ، فَإنَّهُ يُوجِبُ المَدْحَ في الدُّنْيا والثَّوابَ الدّائِمَ في الآخِرَةِ، وسَمِعْتُ واحِدًا يَقُولُ: الإنْسانُ لا يَقْدِرُ أنْ يَذْهَبَ بِذَهَبِهِ إلى القَبْرِ، فَقُلْتُ: بَلْ يُمْكِنُهُ ذَلِكَ فَإنَّهُ إذا أنْفَقَهُ في طَلَبِ الرِّضْوانِ الأكْبَرِ فَقَدْ ذَهَبَ بِهِ إلى القَبْرِ وإلى القِيامَةِ.

والوَجْهُ الثّامِنُ: وهو أنَّ بَذْلَ المالِ تَشَبُّهٌ بِالمَلائِكَةِ والأنْبِياءِ، وإمْساكُهُ تَشَبُّهٌ بِالبُخَلاءِ المَذْمُومِينَ، فَكانَ البَذْلُ أوْلى.

والوَجْهُ التّاسِعُ: أنَّ إفاضَةَ الخَيْرِ والرَّحْمَةِ مِن صِفاتِ الحَقِّ سُبْحانَهُ وتَعالى، والسَّعْيُ في تَحْصِيلِ هَذِهِ الصِّفَةِ بِقَدْرِ القُدْرَةِ تَخَلُّقٌ بِأخْلاقِ اللَّهِ، وذَلِكَ مُنْتَهى كَمالاتِ الإنْسانِيَّةِ.

والوَجْهُ العاشِرُ: أنَّ الإنْسانَ لَيْسَ لَهُ إلّا ثَلاثَةُ أشْياءَ: الرُّوحُ والبَدَنُ والمالُ. فَإذا أُمِرَ بِالإيمانِ فَقَدْ صارَ جَوْهَرُ الرُّوحِ مُسْتَغْرِقًا في هَذا التَّكْلِيفِ، ولَمّا أُمِرَ بِالصَّلاةِ فَقَدْ صارَ اللِّسانُ مُسْتَغْرِقًا بِالذِّكْرِ والقِراءَةِ، والبَدَنُ مُسْتَغْرِقًا في تِلْكَ الأعْمالِ، بَقِيَ المالُ؛ فَلَوْ لَمْ يَصِرِ المالُ مَصْرُوفًا إلى أوْجُهِ البِرِّ والخَيْرِ لَزِمَ أنْ يَكُونَ شُحُّ الإنْسانِ بِمالِهِ فَوْقَ شُحِّهِ بِرُوحِهِ وبَدَنِهِ، وذَلِكَ جَهْلٌ؛ لِأنَّ مَراتِبَ السِّعاداتِ ثَلاثٌ:

أُولاها: السِّعاداتُ الرُّوحانِيَّةُ.

وثانِيها: السِّعاداتُ البَدَنِيَّةُ، وهي المَرْتَبَةُ الوُسْطى.

وثالِثُها: السَّعاداتُ الخارِجِيَّةُ، وهي المالُ والجاهُ. فَهَذِهِ المَراتِبُ تَجْرِي مَجْرى خادِمِ السَّعاداتِ النَّفْسانِيَّةِ، فَإذا صارَ الرُّوحُ مَبْذُولًا في مَقامِ العُبُودِيَّةِ، ثُمَّ حَصَلَ الشُّحُّ بِبَذْلِ المالِ لَزِمَ جَعْلُ الخادِمِ في مَرْتَبَةٍ أعْلى مِنَ المَخْدُومِ الأصْلِيِّ، وذَلِكَ جَهْلٌ. فَثَبَتَ أنَّهُ يَجِبُ عَلى العاقِلِ أيْضًا بَذْلُ المالِ في طَلَبِ مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى.

والوَجْهُ الحادِيَ عَشَرَ: أنَّ العُلَماءَ قالُوا: شُكْرُ النِّعْمَةِ عِبارَةٌ عَنْ صَرْفِها إلى طَلَبِ مَرْضاةِ المُنْعِمِ، والزَّكاةُ شُكْرُ النِّعْمَةِ، فَوَجَبَ القَوْلُ بِوُجُوبِها لِما ثَبَتَ أنَّ شُكْرَ المُنْعِمِ واجِبٌ.

والوَجْهُ الثّانِيَ عَشَرَ: أنَّ إيجابَ الزَّكاةِ يُوجِبُ حُصُولَ الأُلْفِ بِالمَوَدَّةِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ، وزَوالَ الحِقْدِ والحَسَدِ عَنْهم، وكُلُّ ذَلِكَ مِنَ المُهِمّاتِ، فَهَذِهِ وُجُوهٌ مُعْتَبَرَةٌ في بَيانِ الحِكْمَةِ النّاشِئَةِ مِن إيجابِ الزَّكاةِ العائِدَةِ إلى مُعْطِي الزَّكاةِ، فَأمّا المَصالِحُ العائِدَةُ مِن إيجابِ الزَّكاةِ إلى مَن يَأْخُذُ الزَّكاةَ فَهي كَثِيرَةٌ، الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ الأمْوالَ، ولَيْسَ المَطْلُوبُ مِنها أعْيانَها وذَواتِها؛ فَإنَّ الذَّهَبَ والفِضَّةَ لا يُمْكِنُ الِانْتِفاعُ بِهِما في أعْيانِهِما إلّا في الأمْرِ القَلِيلِ، بَلِ المَقْصُودُ مِن خَلْقِهِما أنْ يُتَوَسَّلَ بِهِما إلى تَحْصِيلِ المَنافِعِ ودَفْعِ المَفاسِدِ، فالإنْسانُ إذا حَصَلَ لَهُ مِنَ المالِ بِقَدْرِ حاجَتِهِ كانَ هو أوْلى بِإمْساكِهِ؛ لِأنَّهُ يُشارِكُهُ سائِرَ المُحْتاجِينَ في صِفَةِ الحاجَةِ، وهو مُمْتازٌ عَنْهم بِكَوْنِهِ ساعِيًا في تَحْصِيلِ ذَلِكَ المالِ، فَكانَ اخْتِصاصُهُ بِذَلِكَ المالِ أوْلى مِنِ اخْتِصاصِ غَيْرِهِ، وأمّا إذا فَضَلَ المالُ عَلى قَدْرِ الحاجَةِ، وحَضَرَ إنْسانٌ آخَرُ مُحْتاجٌ، فَهَهُنا حَصَلَ سَبَبانِ، كُلُّ واحِدٍ مِنهُما يُوجِبُ تَمَلُّكَ ذَلِكَ المالِ. أمّا في حَقِّ المالِكِ، فَهو أنَّهُ سَعى في اكْتِسابِهِ وتَحْصِيلِهِ، وأيْضًا شِدَّةُ تَعَلُّقِ قَلْبِهِ بِهِ، فَإنَّ ذَلِكَ التَّعَلُّقَ أيْضًا نَوْعٌ مِن أنْواعِ الحاجَةِ. وأمّا في حَقِّ الفَقِيرِ، فاحْتِياجُهُ إلى ذَلِكَ المالِ

صفحة ٨٣

يُوجِبُ تَعَلُّقَهُ بِهِ، فَلَمّا وُجِدَ هَذانِ السَّبَبانِ المُتَدافِعانِ اقْتَضَتِ الحِكْمَةُ الإلَهِيَّةُ رِعايَةَ كُلِّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ السَّبَبَيْنِ بِقَدْرِ الإمْكانِ، فَيُقالُ: حَصَلَ لِلْمالِكِ حَقُّ الِاكْتِسابِ وحَقُّ تَعَلُّقِ قَلْبِهِ بِهِ، وحَصَلَ لِلْفَقِيرِ حَقُّ الِاحْتِياجِ، فَرَجَّحْنا جانِبَ المالِكِ، وأبْقَيْنا عَلَيْهِ الكَثِيرَ، وصَرَفْنا إلى الفَقِيرِ يَسِيرًا مِنهُ تَوْفِيقًا بَيْنَ الدَّلائِلِ بِقَدْرِ الإمْكانِ.

الثّانِي: أنَّ المالَ الفاضِلَ عَنِ الحاجاتِ الأصْلِيَّةِ إذا أمْسَكَهُ الإنْسانُ في بَيْتِهِ يَبْقى مُعَطَّلًا عَنِ المَقْصُودِ الَّذِي لِأجْلِهِ خُلِقَ المالُ، وذَلِكَ سَعْيٌ في المَنعِ مِن ظُهُورِ حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى، وهو غَيْرُ جائِزٍ، فَأمَرَ اللَّهُ بِصَرْفِ طائِفَةٍ مِنهُ إلى الفَقِيرِ؛ حَتّى لا تَصِيرَ تِلْكَ الحِكْمَةُ مُعَطَّلَةً بِالكُلِّيَّةِ.

الثّالِثُ: أنَّ الفُقَراءَ عِيالُ اللَّهِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ إلّا عَلى اللَّهِ رِزْقُها﴾ [هود: ٦] . والأغْنِياءُ خُزّانُ اللَّهِ؛ لِأنَّ الأمْوالَ الَّتِي في أيْدِيهِمْ أمْوالُ اللَّهِ، ولَوْلا أنَّ اللَّهَ تَعالى ألْقاها في أيْدِيهِمْ وإلّا لَما مَلَكُوا مِنها حَبَّةً، فَكَمْ مِن عاقِلٍ ذَكِيٍّ يَسْعى أشَدَّ السَّعْيِ، ولا يَمْلِكُ مِلْءَ بَطْنِهِ طَعامًا، وكَمْ مِن أبْلَهٍ جِلْفٍ تَأْتِيهِ الدُّنْيا عَفْوًا صَفْوًا.

إذا ثَبَتَ هَذا فَلَيْسَ بِمُسْتَبْعَدٍ أنْ يَقُولَ المَلِكُ لِخازِنِهِ: اصْرِفْ طائِفَةً مِمّا في تِلْكَ الخِزانَةِ إلى المُحْتاجِينَ مِن عَبِيدِي.

الوَجْهُ الرّابِعُ: أنْ يُقالَ: المالُ بِالكُلِّيَّةِ في يَدِ الغَنِيِّ مَعَ أنَّهُ غَيْرُ مُحْتاجٍ إلَيْهِ، وإهْمالُ جانِبِ الفَقِيرِ العاجِزِ عَنِ الكَسْبِ بِالكُلِّيَّةِ لا يَلِيقُ بِحِكْمَةِ الحَكِيمِ الرَّحِيمِ، فَوَجَبَ أنْ يَجِبَ عَلى الغَنِيِّ صَرْفُ طائِفَةٍ مِن ذَلِكَ المالِ إلى الفَقِيرِ.

الوَجْهُ الخامِسُ: أنَّ الشَّرْعَ لَمّا أبْقى في يَدِ المالِكِ أكْثَرَ ذَلِكَ المالِ وصَرَفَ إلى الفَقِيرِ مِنهُ جُزْءًا قَلِيلًا، تَمَكَّنَ المالِكُ مِن جَبْرِ ذَلِكَ النُّقْصانِ بِسَبَبِ أنْ يَتَّجِرَ بِما بَقِيَ في يَدِهِ مِن ذَلِكَ المالِ ويَرْبَحَ ويَزُولَ ذَلِكَ النُّقْصانُ. أمّا الفَقِيرُ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ أصْلًا، فَلَوْ لَمْ يُصْرَفْ إلَيْهِ طائِفَةٌ مِن أمْوالِ الأغْنِياءِ لَبَقِيَ مُعَطَّلًا، ولَيْسَ لَهُ ما يَجْبُرُهُ، فَكانَ ذَلِكَ أوْلى.

الوَجْهُ السّادِسُ: أنَّ الأغْنِياءَ لَوْ لَمْ يَقُومُوا بِإصْلاحِ مُهِمّاتِ الفُقَراءِ فَرُبَّما حَمَلَهم شِدَّةُ الحاجَةِ ومَضَرَّةُ المَسْكَنَةِ عَلى الِالتِحاقِ بِأعْداءِ المُسْلِمِينَ، أوْ عَلى الإقْدامِ عَلى الأفْعالِ المُنْكَرَةِ؛ كالسَّرِقَةِ وغَيْرِها، فَكانَ إيجابُ الزَّكاةِ يُفِيدُ هَذِهِ الفائِدَةَ، فَوَجَبَ القَوْلُ بِوُجُوبِها.

الوَجْهُ السّابِعُ: قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «”الإيمانُ نِصْفانِ؛ نِصْفٌ صَبْرٌ ونِصْفٌ شُكْرٌ“» والمالُ مَحْبُوبٌ بِالطَّبْعِ، فَوِجْدانُهُ يُوجِبُ الشُّكْرَ، وفُقْدانُهُ يُوجِبُ الصَّبْرَ، وكَأنَّهُ قِيلَ: أيُّها الغَنِيُّ، أعْطَيْتُكَ المالَ فَشَكَرْتَ فَصِرْتَ مِنَ الشّاكِرِينَ، فَأخْرِجْ مِن يَدِكَ نَصِيبًا مِنهُ حَتّى تَصْبِرَ عَلى فُقْدانِ ذَلِكَ المِقْدارِ؛ فَتَصِيرَ بِسَبَبِهِ مِنَ الصّابِرِينَ، وأيُّها الفَقِيرُ، ما أعْطَيْتُكَ الأمْوالَ الكَثِيرَةَ فَصَبَرْتَ فَصِرْتَ مِنَ الصّابِرِينَ، ولَكِنَّنِي أُوجِبُ عَلى الغَنِيِّ أنْ يَصْرِفَ إلَيْكَ طائِفَةً مِن ذَلِكَ المالِ؛ حَتّى إذا حَلَّ ذَلِكَ المِقْدارُ في مِلْكِكَ شَكَرْتَنِي، فَصِرْتَ مِنَ الشّاكِرِينَ، فَكانَ إيجابُ الزَّكاةِ سَبَبًا في جَعْلِ جَمِيعِ المُكَلَّفِينَ مَوْصُوفِينَ بِصِفَةِ الصَّبْرِ والشُّكْرِ مَعًا.

الوَجْهُ الثّامِنُ: كَأنَّهُ سُبْحانَهُ يَقُولُ لِلْفَقِيرِ: إنْ كُنْتُ قَدْ مَنَعْتُكَ الأمْوالَ الكَثِيرَةَ، ولَكِنِّي جَعَلْتُ نَفْسِي مَدْيُونًا مِن قِبَلِكَ، وإنْ كُنْتُ قَدْ أعْطَيْتُ الغَنِيَّ أمْوالًا كَثِيرَةً لَكِنِّي كَلَّفْتُهُ أنْ يَعْدُوَ خَلْفَكَ، وأنْ يَتَضَرَّعَ إلَيْكَ حَتّى تَأْخُذَ ذَلِكَ القَدْرَ مِنهُ، فَتَكُونَ كالمُنْعِمِ عَلَيْهِ بِأنْ خَلَّصْتَهُ مِنَ النّارِ.

صفحة ٨٤

فَإنْ قالَ الغَنِيُّ: قَدْ أنْعَمْتُ عَلَيْكَ بِهَذا الدِّينارِ، فَقُلْ أيُّها الفَقِيرُ: بَلْ أنا المُنْعِمُ عَلَيْكَ حَيْثُ خَلَّصْتُكَ في الدُّنْيا مِنَ الذَّمِّ والعارِ، وفي الآخِرَةِ مِن عَذابِ النّارِ.

فَهَذِهِ جُمْلَةٌ مِنَ الوُجُوهِ في حِكْمَةِ إيجابِ الزَّكاةِ، بَعْضُها يَقِينِيَّةٌ وبَعْضُها إقْناعِيَّةٌ، والعالِمُ بِأسْرارِ حُكْمِ اللَّهِ وحِكْمَتِهِ لَيْسَ إلّا اللَّهَ. واللَّهُ أعْلَمُ.

* * *

المَقامُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ. وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿إنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ﴾ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا حَقَّ في الصَّدَقاتِ لِأحَدٍ إلّا لِهَذِهِ الأصْنافِ الثَّمانِيَةِ، وذَلِكَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، وأيْضًا فَلَفْظَةُ ”إنَّما“ تُفِيدُ الحَصْرَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّ كَلِمَةَ ”إنَّما“ مُرَكَّبَةٌ مِن ”إنَّ“ و”ما“ وكَلِمَةُ إنَّ لِلْإثْباتِ، وكَلِمَةُ ما لِلنَّفْيِ، فَعِنْدَ اجْتِماعِهِما وجَبَ بَقاؤُهُما عَلى هَذا المَفْهُومِ، فَوَجَبَ أنْ يُفِيدَ الثُّبُوتَ المَذْكُورَ، وعَدَمَ ما يُغايِرُهُ.

الثّانِي: أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ تَمَسَّكَ في نَفْيِ رِبا الفَضْلِ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «”إنَّما الرِّبا في النَّسِيئَةِ“» . ولَوْلا أنَّ هَذا اللَّفْظَ يُفِيدُ الحَصْرَ، وإلّا لَما كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، وأيْضًا تَمَسَّكَ بَعْضُ الصَّحابَةِ في أنَّ الإكْسالَ لا يُوجِبُ الِاغْتِسالَ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «”إنَّما الماءُ مِنَ الماءِ“»، ولَوْلا أنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ تُفِيدُ الحَصْرَ وإلّا لَما كانَ كَذَلِكَ. وقالَ تَعالى: ﴿إنَّما اللَّهُ إلَهٌ واحِدٌ﴾ [النساء: ١٧١] . والمَقْصُودُ بَيانُ نَفْيِ الإلَهِيَّةِ لِلْغَيْرِ.

والثّالِثُ: الشِّعْرُ، قالَ الأعْشى:

ولَسْتُ بِالأكْثَرِ مِنهم حَصًى وإنَّما العِزَّةُ لِلْكاثِرِ

وقالَ الفَرَزْدَقُ:

أنا الذّائِدُ الحامِي الذِّمارَ وإنَّما ∗∗∗ يُدافِعُ عَنْ أحْسابِهِمْ أنا أوْ مِثْلِي

فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّ كَلِمَةَ ”إنَّما“ لِلْحَصْرِ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ الصَّدَقاتِ لا تُصْرَفُ إلّا لِهَذِهِ الأصْنافِ الثَّمانِيَةِ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ لِرَجُلٍ: ”إنْ كُنْتَ مِنَ الأصْنافِ الثَّمانِيَةِ فَلَكَ فِيها حَقٌّ وإلّا فَهو صُداعٌ في الرَّأْسِ، وداءٌ في البَطْنِ“» وقالَ: «”لا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ ولا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ“» .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أخْبَرَ عَنِ المُنافِقِينَ أنَّهم يَلْمِزُونَ الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ في أخْذِ الصَّدَقاتِ، بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ إنَّما يَأْخُذُها لِهَؤُلاءِ الأصْنافِ الثَّمانِيَةِ، ولا يَأْخُذُها لِنَفْسِهِ ولا لِأقارِبِهِ ومُتَّصِلِيهِ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ أخْذَ القَلِيلِ مِن مالِ الغَنِيِّ لِيُصْرَفَ إلى الفَقِيرِ في دَفْعِ حاجَتِهِ هو الحِكْمَةُ المُعَيَّنَةُ، والمَصْلَحَةُ اللّازِمَةُ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ هَمْزُ المُنافِقِينَ ولَمْزُهم عَيْنَ السَّفَهِ والجَهالَةِ. فَكانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَقُولُ: «”ما أُوتِيكم شَيْئًا ولا أمْنَعُكم، إنَّما أنا خازِنٌ أضَعُ حَيْثُ أُمِرْتُ“» .

* * *

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّهُ يَجُوزُ صَرْفُ الصَّدَقَةِ إلى بَعْضِ هَؤُلاءِ الأصْنافِ فَقَطْ، وهو قَوْلُ عُمَرَ وحُذَيْفَةَ وابْنِ عَبّاسٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وأبِي العالِيَةِ والنَّخَعِيِّ، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: لَوْ نَظَرْتُ إلى أهْلِ بَيْتٍ مِنَ المُسْلِمِينَ فُقَراءَ مُتَعَفِّفِينَ فَحَبَوْتُهم بِها كانَ أحَبَّ إلَيَّ، وقالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: لا بُدَّ مِن صَرْفِها إلى الأصْنافِ الثَّمانِيَةِ، وهو قَوْلُ عِكْرِمَةَ والزُّهْرِيِّ وعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، واحْتَجَّ بِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذِهِ القِسْمَةَ في نَصِّ الكِتابِ. ثُمَّ أكَّدَها بِقَوْلِهِ: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ قالَ: ولا بُدَّ في كُلِّ صِنْفٍ مِن ثَلاثَةٍ؛ لِأنَّ أقَلَّ الجَمْعِ ثَلاثَةٌ؛ فَإنْ دَفَعَ سَهْمَ الفُقَراءِ إلى فَقِيرَيْنِ ضَمِنَ نَصِيبَ الثّالِثِ، وهو ثُلُثُ سَهْمِ الفُقَراءِ. قالَ: ولا بُدَّ مِنَ التَّسْوِيَةِ في أنْصِباءِ هَذِهِ الأصْنافِ الثَّمانِيَةِ، مِثْلُ أنَّكَ إنْ وجَدْتَ خَمْسَةَ أصْنافٍ ولَزِمَكَ أنْ تَتَصَدَّقَ بِعَشَرَةِ

صفحة ٨٥

دَراهِمَ، جُعِلَتِ العَشَرَةُ خَمْسَةَ أسْهُمٍ، كُلُّ سَهْمٍ دِرْهَمانِ، ولا يَجُوزُ التَّفاضُلُ، ثُمَّ يَلْزَمُكَ أنْ تَدْفَعَ إلى كُلِّ صِنْفٍ دِرْهَمَيْنِ وأقَلُّ عَدَدِهِمْ ثَلاثَةٌ، ولا يَلْزَمُكَ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهم، فَلَكَ أنْ تُعْطِيَ فَقِيرًا دِرْهَمًا وفَقِيرًا خَمْسَةَ أسْداسِ دِرْهَمٍ وفَقِيرًا سُدُسَ دِرْهَمٍ، هَذِهِ صِفَةُ قِسْمَةِ الصَّدَقاتِ عَلى مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ. قالَ المُصَنِّفُ الدّاعِي إلى اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الآيَةُ لا دَلالَةَ فِيها عَلى قَوْلِ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ؛ لِأنَّهُ تَعالى جَعَلَ الصَّدَقاتِ لِهَؤُلاءِ الأصْنافِ الثَّمانِيَةِ، وذَلِكَ لا يَقْتَضِي في صَدَقَةِ زَيْدٍ بِعَيْنِهِ أنْ تَكُونَ لِجُمْلَةِ هَؤُلاءِ الثَّمانِيَةِ. والدَّلِيلُ عَلَيْهِ العَقْلُ والنَّقْلُ.

أمّا النَّقْلُ: فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٤١] الآيَةَ، فَأثْبَتَ خُمُسَ الغَنِيمَةِ لِهَؤُلاءِ الطَّوائِفِ الخَمْسِ، ثُمَّ لَمْ يَقُلْ أحَدٌ: إنَّ كُلَّ شَيْءٍ يُغْنَمُ بِعَيْنِهِ فَإنَّهُ يَجِبُ تَفْرِقَتُهُ عَلى هَذِهِ الطَّوائِفِ، بَلِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ المُرادَ إثْباتُ مَجْمُوعِ الغَنِيمَةِ لِهَؤُلاءِ الأصْنافِ، فَأمّا أنْ يَكُونَ كُلُّ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ الغَنِيمَةِ مُوَزَّعًا عَلى كُلِّ هَؤُلاءِ فَلا، فَكَذا هَهُنا مَجْمُوعُ الصَّدَقاتِ تَكُونُ لِمَجْمُوعِ هَذِهِ الأصْنافِ الثَّمانِيَةِ. فَأمّا أنْ يُقالَ: إنَّ صَدَقَةَ زَيْدٍ بِعَيْنِها يَجِبُ تَوْزِيعُها عَلى هَذِهِ الأصْنافِ الثَّمانِيَةِ، فاللَّفْظُ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ البَتَّةَ.

وأمّا العَقْلُ: فَهو أنَّ الحُكْمَ الثّابِتَ في مَجْمُوعٍ لا يُوجَبُ ثُبُوتُهُ في كُلِّ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ ذَلِكَ المَجْمُوعِ، ولا يَلْزَمُ أنْ لا يَبْقى فَرْقٌ بَيْنَ الكُلِّ وبَيْنَ الجُزْءِ. فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ لَفْظَ الآيَةِ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى ما ذَكَرَهُ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ قَوْلِنا وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّ الرَّجُلَ الَّذِي لا يَمْلِكُ إلّا عِشْرِينَ دِينارًا لَمّا وجَبَ عَلَيْهِ إخْراجُ نِصْفُ دِينارٍ، فَلَوْ كَلَّفْناهُ أنْ نَجْعَلَهُ عَلى أرْبَعَةٍ وعِشْرِينَ قِسْمًا لَصارَ كُلُّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الأقْسامِ حَقِيرًا صَغِيرًا غَيْرَ مُنْتَفَعٍ بِهِ في مُهِمٍّ مُعْتَبَرٍ. الثّانِي: أنَّ هَذا التَّوْقِيفَ لَوْ كانَ مُعْتَبَرًا لَكانَ أوْلى النّاسِ بِرِعايَتِهِ أكابِرُ الصَّحابَةِ، ولَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَوَصَلَ هَذا الخَبَرُ إلى عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، وإلى ابْنِ عَبّاسٍ، وحُذَيْفَةَ وسائِرِ الأكابِرِ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَما خالَفُوا فِيهِ، وحَيْثُ خالَفُوا فِيهِ عَلِمْنا أنَّهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ. الثّالِثُ: وهو أنَّ الشّافِعِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ لَهُ اخْتِلافُ رَأْيٍ في جَوازِ نَقْلِ الصَّدَقاتِ؛ أمّا لَمْ يَقُلْ أحَدٌ بِوُجُوبِ نَقْلِ الصَّدَقاتِ، فالإنْسانُ إذا كانَ في بَعْضِ القُرى ولا يَكُونُ هُناكَ مُكاتَبٌ، ولا مُجاهِدٌ غازٍ، ولا عامِلٌ، ولا أحَدٌ مِنَ المُؤَلَّفَةِ، ولا يَمُرُّ بِهِ أحَدٌ مِنَ الغُرَباءِ، واتَّفَقَ أنَّهُ لَمْ يَحْضُرْ في تِلْكَ القَرْيَةِ مَن كانَ مَدْيُونًا فَكَيْفَ تَكْلِيفُهُ ؟ فَإنْ قُلْنا: وجَبَ عَلَيْهِ أنْ يُسافِرَ بِما وجَبَ عَلَيْهِ مِنَ الزَّكاةِ إلى بَلَدٍ يَجِدُ هَذِهِ الأصْنافَ فِيهِ، فَذاكَ قَوْلٌ لَمْ يَقُلْ بِهِ أحَدٌ، وإذا أسْقَطْنا عَنْهُ ذَلِكَ فَحِينَئِذٍ يَصِحُّ قَوْلُنا، فَهَذا ما نَقُولُهُ في هَذا البابِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

* * *

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: في تَعْرِيفِ الأصْنافِ الثَّمانِيَةِ، فالأوَّلُ والثّانِي هُمُ الفُقَراءُ والمَساكِينُ، ولا شَكَّ أنَّهم هُمُ المُحْتاجُونَ الَّذِي لا يَفِي خَرْجُهم بِدَخْلِهِمْ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا، فَقالَ بَعْضُهم: الَّذِي يَكُونُ أشَدَّ حاجَةً هو الفَقِيرُ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ وأصْحابِهِ. وقالَ آخَرُونَ: الَّذِي أشَدُّ حاجَةً هو المِسْكِينُ، وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ وأصْحابِهِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: لا فَرْقَ بَيْنَ الفُقَراءِ والمَساكِينِ، واللَّهُ تَعالى وصَفَهم بِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ، والمَقْصُودُ شَيْءٌ واحِدٌ، وهو قَوْلُ أبِي يُوسُفَ ومُحَمَّدٍ رَحِمَهُما اللَّهُ، واخْتِيارُ أبِي عَلِيٍّ الجُبّائِيِّ، وفائِدَتُهُ تَظْهَرُ في هَذِهِ المَسْألَةِ، وهو أنَّهُ لَوْ أوْصى لِفُلانٍ ولِلْفُقَراءِ والمَساكِينِ، فالَّذِينَ قالُوا: الفُقَراءُ غَيْرُ المَساكِينِ قالُوا: لِفُلانٍ الثُّلُثَ، والَّذِينَ قالُوا: الفُقَراءُ هُمُ المَساكِينُ قالُوا لِفُلانٍ النِّصْفُ. وقالَ الجُبّائِيُّ: إنَّهُ

صفحة ٨٦

تَعالى ذَكَرَهم بِاسْمَيْنِ لِتَوْكِيدِ أمْرِهِمْ في الصَّدَقاتِ؛ لِأنَّهم هُمُ الأُصُولُ في الأصْنافِ الثَّمانِيَةِ. وأيْضًا الفائِدَةُ فِيهِ أنْ يُصْرَفَ إلَيْهِمْ مِنَ الصَّدَقاتِ سَهْمانِ لا كَسائِرِهِمْ.

واعْلَمْ أنَّ فائِدَةَ هَذا الِاخْتِلافِ لا تَظْهَرُ في تَفْرِقَةِ الصَّدَقاتِ، وإنَّما تَظْهَرُ في الوَصايا، وهو أنَّ رَجُلًا لَوْ قالَ: أوْصَيْتُ لِلْفُقَراءِ بِمِائَتَيْنِ، ولِلْمَساكِينِ بِخَمْسِينَ، وجَبَ دَفْعُ المِائَتَيْنِ عِنْدَ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ إلى مَن كانَ أشَدَّ حاجَةً، وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ إلى مَن كانَ أقَلَّ حاجَةً، وحُجَّةُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ وُجُوهٌ:

الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى إنَّما أثْبَتَ الصَّدَقاتِ لِهَؤُلاءِ الأصْنافِ؛ دَفْعًا لِحاجَتِهِمْ وتَحْصِيلًا لِمَصْلَحَتِهِمْ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِي وقَعَ الِابْتِداءُ بِذِكْرِهِ يَكُونُ أشَدَّ حاجَةً؛ لِأنَّ الظّاهِرَ وُجُوبُ تَقْدِيمِ الأهَمِّ عَلى المُهِمِّ، ألا تَرى أنَّهُ يُقالُ: أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ؛ ومَن فَضَّلَ عُثْمانَ عَلى عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ في ذِكْرِهِما: عُثْمانُ وعَلِيٌّ، ومَن فَضَّلَ عَلِيًّا عَلى عُثْمانَ يَقُولُ: عَلِيٌّ وعُثْمانُ، وأنْشَدَ عُمَرُ قَوْلَ الشّاعِرِ:

كَفى الشَّيْبُ والإسْلامُ لِلْمَرْءِ ناهِيًا

فَقالَ: هَلّا قَدَّمَ الإسْلامَ عَلى الشَّيْبِ ! فَلَمّا وقَعَ الِابْتِداءُ بِذِكْرِ الفُقَراءِ وجَبَ أنْ تَكُونَ حاجَتُهم أشَدَّ مِن حاجَةِ المَساكِينِ.

الوَجْهُ الثّانِي: قالَ أحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ: الفَقِيرُ أسْوَأُ حالًا مِنَ المِسْكِينِ؛ لِأنَّ الفَقِيرَ أصْلُهُ في اللُّغَةِ: المَفْقُورُ الَّذِي نُزِعَتْ فِقْرَةٌ مِن فِقارِ ظَهْرِهِ، فَصُرِفَ عَنْ مَفْقُورٍ إلى فَقِيرٍ، كَما قِيلَ: مَطْبُوخٌ وطَبِيخٌ، ومَجْرُوحٌ وجَرِيحٌ، فَثَبَتَ أنَّ الفَقِيرَ إنَّما سُمِّيَ فَقِيرًا لِزَمانَتِهِ مَعَ حاجَتِهِ الشَّدِيدَةِ، وتَمْنَعُهُ الزَّمانَةُ مِنَ التَّقَلُّبِ في الكَسْبِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لا حالَ في الإقْلالِ والبُؤْسِ آكَدُ مِن هَذِهِ الحالِ. وأنْشَدُوا لِلَبِيدٍ:

لَمّا رَأى لُبَدُ النُّسُورَ تَطايَرَتْ ∗∗∗ رَفَعَ القَوادِمَ كالفَقِيرِ الأعْزَلِ

قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: في هَذا البَيْتِ: الفَقِيرُ المَكْسُورُ الفَقارِ، يُضْرَبُ مَثَلًا لِكُلِّ ضَعِيفٍ لا يَتَقَلَّبُ في الأُمُورِ. ومِمّا يَدُلُّ عَلى إشْعارِ لَفْظِ الفَقِيرِ بِالشِّدَّةِ العَظِيمَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ﴾ ﴿تَظُنُّ أنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٤ - ٢٥] . جَعَلَ لَفْظَ الفاقِرَةِ كِنايَةً عَنْ أعْظَمِ أنْواعِ الشَّرِّ والدَّواهِي.

الوَجْهُ الثّالِثُ: ما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يَتَعَوَّذُ مِنَ الفَقْرِ، وقالَ: «”كادَ الفَقْرُ أنْ يَكُونَ كُفْرًا“»، ثُمَّ قالَ: «”اللَّهُمَّ أحْيِنِي مِسْكِينًا، وأمِتْنِي مِسْكِينًا، واحْشُرْنِي في زُمْرَةِ المَساكِينِ“»، فَلَوْ كانَ المِسْكِينُ أسْوَأ حالًا مِنَ الفَقِيرِ لَتَناقَضَ الحَدِيثانِ؛ لِأنَّهُ تَعَوَّذَ مِنَ الفَقْرِ، ثُمَّ سَألَ حالًا أسْوَأ مِنهُ، أمّا إذا قُلْنا: الفَقْرُ أشَدُّ مِنَ المَسْكَنَةِ فَلا تَناقُضَ البَتَّةَ.

الوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ كَوْنَهُ مِسْكِينًا، لا يُنافِي كَوْنَهُ مالِكًا لِلْمالِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ﴾ [الكهف: ٧٩] . فَوَصَفَ بِالمَسْكَنَةِ مَن لَهُ سَفِينَةٌ مِن سُفُنِ البَحْرِ تُساوِي جُمْلَةً مِنَ الدَّنانِيرِ، ولَمْ نَجِدْ في كِتابِ اللَّهِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ الإنْسانَ سُمِّيَ فَقِيرًا مَعَ أنَّهُ يَمْلِكُ شَيْئًا.

فَإنْ قالُوا: الدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ الغَنِيُّ وأنْتُمُ الفُقَراءُ﴾ [محمد: ٣٨] . فَوَصَفَ الكُلَّ بِالفَقْرِ مَعَ أنَّهم يَمْلِكُونَ أشْياءَ.

صفحة ٨٧

قُلْنا: هَذا بِالضِّدِّ أوْلى؛ لِأنَّهُ تَعالى وصَفَهم بِكَوْنِهِمْ فُقَراءَ بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ تَعالى، فَإنَّ أحَدًا سِوى اللَّهِ تَعالى لا يَمْلِكُ البَتَّةَ شَيْئًا بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ، فَصَحَّ قَوْلُنا.

الوَجْهُ الخامِسُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ ﴿يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ﴾ ﴿أوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦] . والمُرادُ مِنَ المِسْكِينِ ذِي المَتْرَبَةِ: الفَقِيرُ الَّذِي قَدْ أُلْصِقَ بِالتُّرابِ مِن شِدَّةِ الفَقْرِ، فَتَقْيِيدُ المِسْكِينِ بِهَذا القَيْدِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ قَدْ يَحْصُلُ مِسْكِينٌ خالٍ عَنْ وصْفِ كَوْنِهِ ذا مَتْرَبَةٍ؛ وإنَّما يَكُونُ كَذَلِكَ بِتَقْدِيرِ أنْ يَمْلِكَ شَيْئًا، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ كَوْنَهُ مِسْكِينًا لا يُنافِي كَوْنَهُ مالِكًا لِبَعْضِ الأشْياءِ.

الوَجْهُ السّادِسُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: الفَقِيرُ هو المُحْتاجُ الَّذِي لا يَجِدُ شَيْئًا. قالَ: وهم أهْلُ الصُّفَّةِ، صُفَّةِ مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وكانُوا نَحْوَ أرْبَعِمِائَةِ رَجُلٍ لا مَنزِلَ لَهم، فَمَن كانَ مِنَ المُسْلِمِينَ عِنْدَهُ فَضْلٌ أتاهم بِهِ إذا أمْسَوْا، والمَساكِينُ: هُمُ الطَّوّافُونَ الَّذِينَ يَسْألُونَ النّاسَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском