Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
At-Tawbah 9:60, continued
وجْهُ الِاسْتِدْلالِ: أنَّ شِدَّةَ فَقْرِ أهْلِ الصُّفَّةِ مَعْلُومَةٌ بِالتَّواتُرِ، فَلَمّا فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ الفُقَراءَ بِهِمْ، وفَسَّرَ المَساكِينَ بِالطَّوّافِينَ، ثُمَّ ثَبَتَ أنَّ أحْوالَ المُحْتاجِ الَّذِي لا يَسْألُ أحَدًا شَيْئًا أشَدُّ مِن أحْوالِ مَن يَحْتاجُ ثُمَّ يَسْألُ النّاسَ ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ، ظَهَرَ أنَّ الفَقِيرَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ أسْوَأ حالًا مِنَ المِسْكِينِ.
الوَجْهُ السّابِعُ: أنَّ المَسْكَنَةَ لَفْظٌ مَأْخُوذٌ مِنَ السُّكُونِ، فالفَقِيرُ إذا سَألَ النّاسَ وتَضَرَّعَ إلَيْهِمْ وعَلِمَ أنَّهُ مَتى تَضَرَّعَ إلَيْهِمْ أعْطَوْهُ شَيْئًا فَقَدْ سَكَنَ قَلْبُهُ، وزالَ عَنْهُ الخَوْفُ والقَلَقُ، ويَحْتَمِلُ أنَّهُ سُمِّيَ بِهَذا الِاسْمِ لِأنَّهُ إذا أُجِيبَ بِالرَّدِّ ومُنِعَ سَكَنَ، ولَمْ يَضْطَرِبْ وأعادَ السُّؤالَ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ جَعَلَ التَمَسْكُنَ كِنايَةً عَنِ السُّؤالِ والتَّضَرُّعِ عِنْدَ الغَيْرِ، ويُقالُ: تَمَسْكَنَ الرَّجُلُ إذا لانَ وتَواضَعَ، ومِنهُ «قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِلْمُصَلِّي: ”تَأنَّ وتَمَسْكَنْ“»، ويُرِيدُ تَواضَعْ وتَخَشَّعْ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ المِسْكِينَ هو السّائِلُ.
إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى قالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿وفِي أمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: ١٩] . فَلَمّا ثَبَتَ بِما ذَكَرْنا هَهُنا أنَّ المِسْكِينَ هو السّائِلُ، وجَبَ أنْ يَكُونَ المَحْرُومُ هو الفَقِيرَ، ولا شَكَّ أنَّ المَحْرُومَ مُبالَغَةٌ في تَقْرِيرِ أمْرِ الحِرْمانِ، فَثَبَتَ أنَّ الفَقِيرَ أسْوَأُ حالًا مِنَ المِسْكِينِ.
الوَجْهُ الثّامِنُ: أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ”«أحْيِنِي مِسْكِينًا» “ الحَدِيثَ، والظّاهِرُ أنَّهُ تَعالى أجابَ دُعاءَهُ فَأماتَهُ مِسْكِينًا، وهو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حِينَ تُوُفِّيَ كانَ يَمْلِكُ أشْياءَ كَثِيرَةً، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ كَوْنَهُ مِسْكِينًا لا يُنافِي كَوْنَهُ مالِكًا لِبَعْضِ الأشْياءِ، أمّا الفَقِيرُ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى الحاجَةِ الشَّدِيدَةِ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «”كادَ الفَقْرُ أنْ يَكُونَ كُفْرًا“»، فَثَبَتَ بِهَذا أنَّ الفَقْرَ أشَدُّ حالًا مِنَ المَسْكَنَةِ.
الوَجْهُ التّاسِعُ: أنَّ النّاسَ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ الفَقْرَ والغِنى ضِدّانِ، كَما أنَّ السَّوادَ والبَياضَ ضِدّانِ، ولَمْ يَقُلْ أحَدٌ: إنَّ الغِنى والمَسْكَنَةَ ضِدّانِ، بَلْ قالُوا: التَّرَفُّعُ والتَّمَسُكُنَ ضِدّانِ؛ فَمَن كانَ مُنْقادًا لِكُلِّ أحَدٍ، خائِفًا مِنهم، مُتَحَمِّلًا لِشَرِّهِمْ، ساكِتًا عَنْ جَوابِهِمْ، مُتَضَرِّعًا إلَيْهِمْ، قالُوا: إنَّ فُلانًا يُظْهِرُ الذُّلَّ والمَسْكَنَةَ، وقالُوا: إنَّهُ مِسْكِينٌ عاجِزٌ، وأمّا الفَقِيرُ فَجَعَلُوهُ عِبارَةً عَنْ ضِدِّ الغَنِيِّ، وعَلى هَذا فَقَدَ يَصِفُونَ الرَّجُلَ الغَنِيَّ بِكَوْنِهِ مِسْكِينًا، إذا كانَ يُظْهِرُ مِن نَفْسِهِ الخُضُوعَ والطّاعَةَ وتَرْكَ المُعارَضَةِ، وقَدْ يَصِفُونَ الرَّجُلَ الفَقِيرَ بِكَوْنِهِ مُتَرَفِّعًا عَنِ التَّواضُعِ والمَسْكَنَةِ، فَثَبَتَ أنَّ الفَقْرَ عِبارَةٌ عَنْ عَدَمِ المالِ، والمَسْكَنَةَ عِبارَةٌ عَنْ إظْهارِ التَّواضُعِ، والأوَّلُ يُنافِي حُصُولَ المالِ، والثّانِي لا يُنافِي حُصُولَهُ.
صفحة ٨٨
الوَجْهُ العاشِرُ: «قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِمُعاذٍ في الزَّكاةِ: ”خُذْها مِن أغْنِيائِهِمْ، ورُدَّها عَلى فُقَرائِهِمْ“»، ولَوْ كانَتِ الحاجَةُ في المَساكِينِ أشَدَّ لَوَجَبَ أنْ يَقُولَ: ورُدَّها عَلى مَساكِينِهِمْ؛ لِأنَّ ذِكْرَ الأهَمِّ أوْلى، فَهَذِهِ الوُجُوهُ الَّتِي ذَكَرْناها تَدُلُّ عَلى أنَّ الفَقِيرَ أسْوَأُ مِنَ المِسْكِينِ، واحْتَجَّ القائِلُونَ بِأنَّ المِسْكِينَ أسْوَأُ حالًا مِنَ الفَقِيرِ بِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: احْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦] . وصَفَ المِسْكِينَ بِكَوْنِهِ ذا مَتْرَبَةٍ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى نِهايَةِ الضُّرِّ والشِّدَّةِ، وأيْضًا أنَّهُ تَعالى جَعَلَ الكَفّاراتِ مِنَ الأطْعِمَةِ لَهُ، ولا فاقَةَ أعْظَمُ مِنَ الحاجَةِ إلى إزالَةِ الجُوعِ.
الثّانِي: احْتَجُّوا بِقَوْلِ الرّاعِي:
أمّا الفَقِيرُ الَّذِي كانَتْ حَلُوبَتُهُ ∗∗∗ وفْقَ العِيالِ فَلَمْ يُتْرَكْ لَهُ سَبَدُ
سَمّاهُ فَقِيرًا ولَهُ حَلُوبَةٌ.
الثّالِثُ: قالُوا: المِسْكِينُ هو الَّذِي يَسْكُنُ حَيْثُ يَحْضُرُ لِأجْلِ أنَّهُ لَيْسَ لَهُ بَيْتٌ يَسْكُنُ فِيهِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى نِهايَةِ الضُّرِّ والبُؤْسِ.
الرّابِعُ: نَقَلُوا عَنِ الأصْمَعِيِّ، وعَنْ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ أنَّهُما قالا: الفَقِيرُ الَّذِي لَهُ ما يَأْكُلُ، والمِسْكِينُ الَّذِي لا شَيْءَ لَهُ، وقالَ يُونُسُ: الفَقِيرُ قَدْ يَكُونُ لَهُ بَعْضُ ما يَكْفِيهِ، والمِسْكِينُ هو الَّذِي لا شَيْءَ لَهُ، وقُلْتُ لِأعْرابِيٍّ: أفَقِيرٌ أنْتَ ؟ قالَ: لا واللَّهِ بَلْ مِسْكِينٌ.
والجَوابُ عَنْ تَمَسُّكِهِمْ بِالآيَةِ: أنّا بَيَّنّا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ حُجَّةٌ لَنا، فَإنَّهُ لَمّا قَيَّدَ المِسْكِينَ المَذْكُورَ هَهُنا بِكَوْنِهِ ذا مَتْرَبَةٍ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ قَدْ يُوجَدُ مِسْكِينٌ لا بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وإلّا لَمْ يَبْقَ لِهَذا القَيْدِ فائِدَةٌ. قَوْلُهُ: إنَّهُ صَرْفُ الطَّعامِ الواجِبِ في الكَفّاراتِ إلَيْهِ، قُلْنا: نَعَمْ إنَّهُ أوْجَبَ صَرْفَهُ إلى المِسْكِينِ المُقَيَّدِ بِقَيْدِ كَوْنِهِ ذا مَتْرَبَةٍ، وهَذا لا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أوْجَبَ الصَّرْفَ إلى مُطْلَقِ المِسْكِينِ.
والجَوابُ عَنِ اسْتِدْلالِهِمْ بِبَيْتِ الرّاعِي: أنَّهُ ذَكَرَ أنَّ هَذا الَّذِي هو الآنَ مَوْصُوفٌ بِكَوْنِهِ فَقِيرًا فَقَدْ كانَتْ لَهُ حَلُوبَةٌ، ثُمَّ السَّيِّدُ لَمْ يَتْرُكْ لَهُ شَيْئًا، فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: كانَتْ لَهُ حَلُوبَةٌ، ثُمَّ لَمّا لَمْ يُتْرَكْ لَهُ شَيْءٌ وُصِفَ بِكَوْنِهِ فَقِيرًا ؟
والجَوابُ عَنْ قَوْلِهِمْ: المِسْكِينُ هو الَّذِي يَسْكُنُ حَيْثُ يَحْضُرُ لِأجْلِ أنَّهُ لَيْسَ لَهُ بَيْتٌ.
قُلْنا: بَلِ المِسْكِينُ هو الطَّوّافُ عَلى النّاسِ الَّذِي يَكْثُرُ إقْدامُهُ عَلى السُّؤالِ، وسُمِّيَ مِسْكِينًا إمّا لِسُكُونِهِ عِنْدَما يَنْتَهِرُونَهُ ويَرُدُّونَهُ، وإمّا لِسُكُونِ قَلْبِهِ بِسَبَبِ عِلْمِهِ أنَّ النّاسَ لا يُضَيِّعُونَهُ مَعَ كَثْرَةِ سُؤالِهِ إيّاهم، وأمّا الرِّواياتُ الَّتِي ذَكَرُوها عَنْ أبِي عَمْرٍو ويُونُسَ، فَهَذا مُعارَضٌ بِقَوْلِ الشّافِعِيِّ، وابْنِ الأنْبارِيِّ رَحِمَهُما اللَّهُ، وأيْضًا نَقَلَ القَفّالُ في ”تَفْسِيرِهِ“ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أنَّهُ قالَ: الفُقَراءُ فُقَراءُ المُهاجِرِينَ، والمَساكِينُ الَّذِينَ لَمْ يُهاجِرُوا، وعَنِ الحَسَنِ: الفَقِيرُ الجالِسُ في بَيْتِهِ، والمِسْكِينُ الَّذِي يَسْعى، وعَنْ مُجاهِدٍ: الفَقِيرُ الَّذِي لا يَسْألُ، والمِسْكِينُ الَّذِي يَسْألُ، وعَنِ الزُّهْرِيِّ: الفُقَراءُ هُمُ المُتَعَفِّفُونَ الَّذِينَ لا يَخْرُجُونَ، والمَساكِينُ الَّذِينَ يَسْألُونَ. قالَ مَوْلانا الدّاعِي إلى اللَّهِ: هَذِهِ الأقْوالُ كُلُّها مُتَوافِقَةٌ عَلى أنَّ الفَقِيرَ لا يَسْألُ، والمِسْكِينَ يَسْألُ، ومَن سَألَ وجَدَ، فَكانَ المِسْكِينُ أسْهَلَ وأقَلَّ حاجَةً.
الصِّنْفُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والعامِلِينَ عَلَيْها﴾ وهُمُ السُّعاةُ لِجِبايَةِ الصَّدَقَةِ، وهَؤُلاءِ يُعْطَوْنَ مِنَ الصَّدَقاتِ بِقَدْرِ أُجُورِ أعْمالِهِمْ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ، وقَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وابْنِ زَيْدٍ، وقالَ مُجاهِدٌ والضَّحّاكُ: يُعْطَوْنَ الثُّمُنَ مِنَ الصَّدَقاتِ، وظاهِرُ اللَّفْظِ مَعَ مُجاهِدٍ إلّا أنَّ الشّافِعِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ: هَذا أُجْرَةُ
صفحة ٨٩
العَمَلِ، فَيَتَقَدَّرُ بِقَدْرِ العَمَلِ، والصَّحِيحُ أنَّ مَوْلى الهاشِمِيِّ والمُطَّلِبِيِّ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عامِلًا عَلى الصَّدَقاتِ لِيَنالَهُ مِنها؛ لِأنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أبى أنْ يَبْعَثَ أبا رافِعٍ عامِلًا عَلى الصَّدَقاتِ، وقالَ: أما عَلِمْتَ أنَّ مَوْلى القَوْمِ مِنهم. وإنَّما قالَ: ﴿والعامِلِينَ عَلَيْها﴾؛ لِأنَّ كَلِمَةَ عَلى تُفِيدُ الوَلايَةِ، كَما يُقالُ: فُلانٌ عَلى بَلَدِ كَذا إذا كانَ والِيًا عَلَيْهِ.
الصِّنْفُ الرّابِعُ: «قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم قَوْمٌ أشْرافٌ مِنَ الأحْياءِ، أعْطاهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ، وكانُوا خَمْسَةَ عَشَرَ رَجُلًا: أبُو سُفْيانَ، والأقْرَعُ بْنُ حابِسٍ، وعُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ، وحُوَيْطِبُ بْنُ عَبْدِ العُزّى، وسَهْلُ بْنُ عَمْرٍو مِن بَنِي عامِرٍ، والحارْثُ بْنُ هِشامٍ، وسُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو الجُهَنِيُّ، وأبُو السَّنابِلِ، وحَكِيمُ بْنُ حِزامٍ، ومالِكُ بْنُ عَوْفٍ، وصَفْوانُ بْنُ أُمَيَّةَ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَرْبُوعٍ، والجَدُّ بْنُ قَيْسٍ، وعَمْرُو بْنُ مِرْداسٍ، والعَلاءُ بْنُ الحارِثِ؛ أعْطى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كُلَّ رَجُلٍ مِنهم مِائَةً مِنَ الإبِلِ، ورَغَّبَهم في الإسْلامِ، إلّا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَرْبُوعٍ أعْطاهُ خَمْسِينَ مِنَ الإبِلِ، وأعْطى حَكِيمَ بْنَ حِزامٍ سَبْعِينَ مِنَ الإبِلِ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما كُنْتُ أرى أنَّ أحَدًا مِنَ النّاسِ أحَقُّ بِعَطائِكَ مِنِّي. فَزادَهُ عَشَرَةً، ثُمَّ سَألَهُ فَزادَهُ عَشَرَةً، وهَكَذا حَتّى بَلَغَ مِائَةً، ثُمَّ قالَ حَكِيمٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أعَطِيَّتُكَ الأُولى الَّتِي رَغِبْتُ عَنْها خَيْرٌ أمْ هَذِهِ الَّتِي قَنِعْتُ بِها ؟ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”بَلِ الَّتِي رَغِبْتَ عَنْها“ فَقالَ: واللَّهِ لا آخُذُ غَيْرَها. فَقِيلَ: ماتَ حَكِيمٌ وهو أكْثَرُ قُرَيْشٍ مالًا» . وشَقَّ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تِلْكَ العَطايا لَكِنْ ألَّفَهم بِذَلِكَ. قالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: هَذِهِ العَطايا إنَّما كانَتْ يَوْمَ حُنَيْنٍ ولا تَعَلُّقَ لَها بِالصَّدَقاتِ، ولا أدْرِي لِأيِّ سَبَبٍ ذَكَرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما هَذِهِ القِصَّةَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، ولَعَلَّ المُرادَ بَيانُ أنَّهُ لا يَمْتَنِعُ في الجُمْلَةِ صَرْفُ الأمْوالِ إلى المُؤَلَّفَةِ، فَأمّا أنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ تَفْسِيرًا لِصَرْفِ الزَّكاةِ إلَيْهِمْ فَلا يَلِيقُ بِابْنِ عَبّاسٍ. ونَقَلَ القَفّالُ أنَّ أبا بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أعْطى عَدِيَّ بْنَ حاتِمٍ لَمّا جاءَهُ بِصَدَقاتِهِ وصَدَقاتِ قَوْمِهِ أيّامَ الرِّدَّةِ، وقالَ: المَقْصُودُ أنْ يَسْتَعِينَ الإمامُ بِهِمْ عَلى اسْتِخْراجِ الصَّدَقاتِ مِنَ المُلّاكِ.
قالَ الواحِدِيُّ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أغْنى المُسْلِمِينَ عَنْ تَألُّفِ قُلُوبِ المُشْرِكِينَ، فَإنْ رَأى الإمامُ أنْ يُؤَلِّفَ قُلُوبَ قَوْمٍ لِبَعْضِ المَصالِحِ الَّتِي يَعُودُ نَفْعُها عَلى المُسْلِمِينَ إذا كانُوا مُسْلِمِينَ جازَ؛ إذْ لا يَجُوزُ صَرْفُ شَيْءٍ مِن زَكَواتِ الأمْوالِ إلى المُشْرِكِينَ، فَأمّا المُؤَلَّفَةُ مِنَ المُشْرِكِينَ فَإنَّما يُعْطَوْنَ مِن مالِ الفَيْءِ، لا مِنَ الصَّدَقاتِ، وأقُولُ: إنَّ قَوْلَ الواحِدِيِّ: إنَّ اللَّهَ أغْنى المُسْلِمِينَ عَنْ تَألُّفِ قُلُوبِ المُشْرِكِينَ؛ بِناءً عَلى أنَّهُ رُبَّما يُوهَمُ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ دَفَعَ قِسْمًا مِنَ الزَّكاةِ إلَيْهِمْ، لَكِنّا بَيَّنّا أنَّ هَذا لَمْ يَحْصُلِ البَتَّةَ، وأيْضًا فَلَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى كَوْنِ المُؤَلَّفَةِ مُشْرِكِينَ، بَلْ قالَ: ﴿والمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾، وهَذا عامٌّ في المُسْلِمِ وغَيْرِهِ، والصَّحِيحُ أنَّ هَذا الحُكْمَ غَيْرُ مَنسُوخٍ، وأنَّ لِلْإمامِ أنْ يَتَألَّفَ قَوْمًا عَلى هَذا الوَصْفِ، ويَدْفَعَ إلَيْهِمْ سَهْمَ المُؤَلَّفَةِ؛ لِأنَّهُ لا دَلِيلَ عَلى نَسْخِهِ البَتَّةَ.
الصِّنْفُ الخامِسُ: قَوْلُهُ: ﴿وفِي الرِّقابِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: وفِيهِ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: وفي فَكِّ الرِّقابِ. وقَدْ مَضى الِاسْتِقْصاءُ في ”تَفْسِيرِهِ“ في سُورَةِ البَقَرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿والسّائِلِينَ وفي الرِّقابِ﴾ [البقرة: ١٧٧] . ثُمَّ في تَفْسِيرِ الرِّقابِ أقْوالٌ:
القَوْلُ الأوَّلُ: إنَّ سَهْمَ الرِّقابِ مَوْضُوعٌ في المُكاتَبِينَ لِيَعْتِقُوا بِهِ، وهَذا مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ، واللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، واحْتَجُّوا بِما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ قالَ: قَوْلُهُ: ﴿وفِي الرِّقابِ﴾ يُرِيدُ المُكاتَبَ، وتَأكَّدَ هَذا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وآتُوهم مِن مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ﴾ [النور: ٣٣] .
صفحة ٩٠
والقَوْلُ الثّانِي: وهو مَذْهَبُ مالِكٍ، وأحْمَدَ، وإسْحاقَ أنَّهُ مَوْضُوعٌ لِعِتْقِ الرِّقابِ يُشْتَرى بِهِ عَبِيدٌ فَيَعْتِقُونَ.
والقَوْلُ الثّالِثُ: قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ وأصْحابِهِ، وقَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، والنَّخَعِيِّ، أنَّهُ لا يُعْتَقُ مِنَ الزَّكاةِ رَقَبَةٌ كامِلَةٌ، ولَكِنْ يُعْطى مِنها في رَقَبَةٍ، ويُعانُ بِها مُكاتَبٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وفِي الرِّقابِ﴾ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ لَهُ فِيهِ مَدْخَلٌ، وذَلِكَ يُنافِي كَوْنَهُ تامًّا فِيهِ.
والقَوْلُ الرّابِعُ: قَوْلُ الزُّهْرِيِّ، قالَ: سَهْمُ الرِّقابِ نِصْفانِ؛ نِصْفٌ لِلْمُكاتَبِينَ مِنَ المُسْلِمِينَ، ونِصْفٌ يُشْتَرى بِهِ رِقابٌ مِمَّنْ صَلَّوْا وصامُوا، وقَدُمَ إسْلامُهم، فَيَعْتِقُونَ مِنَ الزَّكاةِ، قالَ أصْحابُنا: والِاحْتِياطُ في سَهْمِ الرِّقابِ دَفْعُهُ إلى السَّيِّدِ بِإذْنِ المُكاتَبِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى أثْبَتَ الصَّدَقاتِ لِلْأصْنافِ الأرْبَعَةِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم بِلامِ التَّمْلِيكِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿إنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ﴾ ولَمّا ذَكَرَ الرِّقابَ أبْدَلَ حَرْفَ اللّامِ بِحَرْفِ في فَقالَ: ﴿وفِي الرِّقابِ﴾ فَلا بُدَّ لِهَذا الفَرْقِ مِن فائِدَةٍ، وتِلْكَ الفائِدَةُ هي أنَّ تِلْكَ الأصْنافَ الأرْبَعَةَ المُتَقَدِّمَةَ يُدْفَعُ إلَيْهِمْ نَصِيبُهم مِنَ الصَّدَقاتِ، حَتّى يَتَصَرَّفُوا فِيها كَما شاءُوا، وأمّا: ﴿وفِي الرِّقابِ﴾ فَيُوضَعُ نَصِيبُهم في تَخْلِيصِ رَقَبَتِهِمْ عَنِ الرِّقِّ، ولا يُدْفَعُ إلَيْهِمْ ولا يُمَكَّنُوا مِنَ التَّصَرُّفِ في ذَلِكَ النَّصِيبِ كَيْفَ شاءُوا، بَلْ يُوضَعُ في الرِّقابِ بِأنْ يُؤَدّى عَنْهم، وكَذا القَوْلُ في الغارِمِينَ يُصْرَفُ المالُ في قَضاءِ دُيُونِهِمْ، وفي الغُزاةِ يُصْرَفُ المالُ إلى إعْدادِ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ في الغَزْوِ، وابْنُ السَّبِيلِ كَذَلِكَ.
والحاصِلُ: أنَّ في الأصْنافِ الأرْبَعَةِ الأُوَلِ يُصْرَفُ المالُ إلَيْهِمْ حَتّى يَتَصَرَّفُوا فِيهِ كَما شاءُوا، وفي الأرْبَعَةِ الأخِيرَةِ لا يُصْرَفُ المالُ إلَيْهِمْ، بَلْ يُصْرَفُ إلى جِهاتِ الحاجاتِ المُعْتَبَرَةِ في الصِّفاتِ الَّتِي لِأجْلِها اسْتَحَقُّوا سَهْمَ الزَّكاةِ.
الصِّنْفُ السّادِسُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والغارِمِينَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أصْلُ الغُرْمِ في اللُّغَةِ: لُزُومُ ما يَشُقُّ، والغَرامُ: العَذابُ اللّازِمُ، وسُمِّيَ العِشْقُ غَرامًا؛ لِكَوْنِهِ أمْرًا شاقًّا ولازِمًا، ومِنهُ: فُلانٌ مُغْرَمٌ بِالنِّساءِ إذا كانَ مُولَعًا بِهِنَّ، وسُمِّيَ الدَّيْنُ غَرامًا؛ لِكَوْنِهِ شاقًّا عَلى الإنْسانِ ولازِمًا لَهُ، فالمُرادُ بِالغارِمِينَ: المَدْيُونُونَ، ونَقُولُ: الدَّيْنُ إنْ حَصَلَ بِسَبَبِ مَعْصِيَةٍ لا يَدْخُلُ في الآيَةِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِن صَرْفِ المالِ المَذْكُورِ في الآيَةِ الإعانَةُ، والمَعْصِيَةُ لا تَسْتَوْجِبُ الإعانَةَ، وإنْ حَصَلَ لا بِسَبَبِ مَعْصِيَةٍ فَهو قِسْمانِ: دَيْنٌ حَصَلَ بِسَبَبِ نَفَقاتٍ ضَرُورِيَّةٍ أوْ في مَصْلَحَةٍ، ودَيْنٌ حَصَلَ بِسَبَبِ حَمالاتٍ وإصْلاحِ ذاتِ بَيْنٍ، والكُلُّ داخِلٌ في الآيَةِ، ورَوى الأصَمُّ في ”تَفْسِيرِهِ“ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا قَضى بِالغُرَّةِ في الجَنِينِ، قالَتِ العاقِلَةُ: لا نَمْلِكُ الغُرَّةَ يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ لِحَمْدِ بْنِ مالِكِ بْنِ النّابِغَةِ: ”أعِنْهم بِغُرَّةٍ مِن صَدَقاتِهِمْ“ . وكانَ حَمْدٌ عَلى الصَّدَقَةِ يَوْمَئِذٍ» .
الصِّنْفُ السّابِعُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: يَعْنِي الغُزاةَ. قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: يَجُوزُ لَهُ أنْ يَأْخُذَ مِن مالِ الزَّكاةِ وإنْ كانَ غَنِيًّا، وهو مَذْهَبُ مالِكٍ، وإسْحاقَ، وأبِي عُبَيْدٍ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ وصاحِباهُ رَحِمَهُمُ اللَّهُ: لا يُعْطى الغازِي إلّا إذا كانَ مُحْتاجًا.
واعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ اللَّفْظِ في قَوْلِهِ: ﴿وفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ لا يُوجِبُ القَصْرَ عَلى كُلِّ الغُزاةِ، فَلِهَذا المَعْنى نَقَلَ القَفّالُ في تَفْسِيرِهِ عَنْ بَعْضِ الفُقَهاءِ: أنَّهم أجازُوا صَرْفَ الصَّدَقاتِ إلى جَمِيعِ وُجُوهِ الخَيْرِ؛ مِن تَكْفِينِ المَوْتى، وبِناءِ الحُصُونِ، وعِمارَةِ المَساجِدِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ عامٌّ في الكُلِّ.
والصِّنْفُ الثّامِنُ: ابْنُ السَّبِيلِ قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: ابْنُ السَّبِيلِ المُسْتَحِقُّ لِلصَّدَقَةِ، وهو الَّذِي يُرِيدُ السَّفَرَ في غَيْرِ مَعْصِيَةٍ فَيَعْجِزُ عَنْ بُلُوغِ سَفَرِهِ إلّا بِمَعُونَةٍ. قالَ الأصْحابُ: ومَن أنْشَأ السَّفَرَ مِن بَلَدِهِ لِحاجَةٍ،
صفحة ٩١
جازَ أنْ يُدْفَعَ إلَيْهِ سَهْمُ ابْنِ السَّبِيلِ، فَهَذا هو الكَلامُ في شَرْحِ هَذِهِ الأصْنافِ الثَّمانِيَةِ.
* * *
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: في أحْكامِ هَذِهِ الأقْسامِ:
الحُكْمُ الأوَّلُ:
اتَّفَقُوا عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّما الصَّدَقاتُ﴾ دَخَلَ فِيهِ الزَّكاةُ الواجِبَةُ؛ لِأنَّ الزَّكاةَ الواجِبَةَ مُسَمّاةٌ بِالصَّدَقَةِ، قالَ تَعالى: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] . وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «: ”لَيْسَ فِيما دُونَ خَمْسَةِ ذَوْدٍ، ولَيْسَ فِيما دُونَ خَمْسَةِ أوْسُقٍ صَدَقَةٌ“» . واخْتَلَفُوا في أنَّهُ هَلْ تُدْخُلُ فِيها الصَّدَقَةُ المَندُوبَةُ ؟ فَمِنهم مَن قالَ: تَدْخُلُ فِيها؛ لِأنَّ لَفْظَ الصَّدَقَةِ مُخْتَصٌّ بِالمَندُوبَةِ، فَإذا أدْخَلْنا فِيهِ الزَّكاةَ الواجِبَةَ فَلا أقَلَّ مِن أنْ تَدْخُلَ فِيهِ أيْضًا الصَّدَقَةُ المَندُوبَةُ، وتَكُونُ الفائِدَةُ أنَّ مَصارِفَ جَمِيعِ الصَّدَقاتِ لَيْسَ إلّا هَؤُلاءِ، والأقْرَبُ: أنَّ المُرادَ مِن لَفْظِ الصَّدَقاتِ هَهُنا هو الزَّكَواتُ الواجِبَةُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى أثْبَتَ هَذِهِ الصَّدَقاتِ بِلامِ التَّمْلِيكِ لِلْأصْنافِ الثَّمانِيَةِ، والصَّدَقَةُ المَمْلُوكَةُ لَهم لَيْسَتْ إلّا الزَّكاةَ الواجِبَةَ.
الثّانِي: أنَّ ظاهِرَ هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَصْرِفَ الصَّدَقاتِ لَيْسَ إلّا لِهَؤُلاءِ الثَّمانِيَةِ، وهَذا الحَصْرُ إنَّما يَصِحُّ لَوْ حَمَلْنا هَذِهِ الصَّدَقاتِ عَلى الزَّكَواتِ الواجِبَةِ، أمّا لَوْ أدْخَلْنا فِيها المَندُوباتِ لَمْ يَصِحَّ هَذا الحَصْرُ؛ لِأنَّ الصَّدَقاتِ المَندُوبَةَ يَجُوزُ صَرْفُها إلى بِناءِ المَساجِدِ، والرِّباطاتِ، والمَدارِسِ، وتَكْفِينِ المَوْتى وتَجْهِيزِهِمْ وسائِرِ الوُجُوهِ.
الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ﴾ إنَّما يَحْسُنُ ذِكْرُهُ لَوْ كانَ قَدْ سَبَقَ بَيانُ تِلْكَ الصَّدَقاتِ وأقْسامِها حَتّى يَنْصَرِفَ هَذا الكَلامُ إلَيْهِ، والصَّدَقاتُ الَّتِي سَبَقَ بَيانُها وتَفْصِيلُها هي الصَّدَقاتُ الواجِبَةُ، فَوَجَبَ انْصِرافُ هَذا الكَلامِ إلَيْها.
الحُكْمُ الثّانِي
دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ هَذِهِ الزَّكاةَ يَتَوَلّى أخْذَها وتَفْرِقَتَها الإمامُ، ومَن يَلِي مِن قِبَلِهِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ لِلْعامِلِينَ سَهْمًا فِيها، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ في أداءِ هَذِهِ الزَّكَواتِ مِن عامِلٍ، والعامِلُ هو الَّذِي نَصَبَهُ الإمامُ لِأخْذِ الزَّكَواتِ، فَدَلَّ هَذا النَّصُّ عَلى أنَّ الإمامَ هو الَّذِي يَأْخُذُ هَذِهِ الزَّكَواتِ، وتَأكَّدَ هَذا النَّصُّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾ . فالقَوْلُ بِأنَّ المالِكَ يَجُوزُ لَهُ إخْراجُ زَكاةِ الأمْوالِ الباطِنَةِ بِنَفْسِهِ إنَّما يُعْرَفُ بِدَلِيلٍ آخَرَ، ويُمْكِنُ أنْ يُتَمَسَّكَ في إثْباتِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وفِي أمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: ١٩] . فَإذا كانَ ذَلِكَ الحَقُّ حَقًّا لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ وجَبَ أنْ يَجُوزَ لَهُ دَفْعُهُ إلَيْهِ ابْتِداءً.
الحُكْمُ الثّالِثُ:
نَصُّ القُرْآنِ يَدُلُّ عَلى أنَّ العامِلَ لَهُ في مالِ الزَّكاةِ حَقٌّ، واخْتَلَفُوا في أنَّ الإمامَ هَلْ لَهُ فِيهِ حَقٌّ ؟ فَمِنهم مَن أثْبَتَهُ، قالَ: لِأنَّ العامِلَ إنَّما قَدَرَ عَلى ذَلِكَ العَمَلِ بِتَقْوِيَتِهِ وإمارَتِهِ، فالعامِلُ في الحَقِيقَةِ هو الإمامُ، ومِنهم مَن مَنَعَهُ، وقالَ: الآيَةُ دَلَّتْ عَلى حَصْرِ مالِ الزَّكاةِ في هَؤُلاءِ الثَّمانِيَةِ، والإمامُ خارِجٌ عَنْهم فَلا يُصْرَفُ هَذا المالُ إلَيْهِ.
الحُكْمُ الرّابِعُ:
اخْتَلَفُوا في هَذا العامِلِ إذا كانَ غَنِيًّا هَلْ يَأْخُذُ النَّصِيبَ ؟ قالَ الحَسَنُ: لا يَأْخُذُ إلّا مَعَ الحاجَةِ، وقالَ
صفحة ٩٢
الباقُونَ: يَأْخُذُ وإنْ كانَ غَنِيًّا؛ لِأنَّهُ يَأْخُذُهُ أُجْرَةً عَلى العَمَلِ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا، فَقالَ بَعْضُهم: لِلْعامِلِ في مالِ الزَّكاةِ الثُّمُنُ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَسَّمَ الزَّكاةَ عَلى ثَمانِيَةِ أصْنافٍ، فَوَجَبَ أنْ يَحْصُلَ لَهُ الثُّمُنُ، كَما أنَّ مَن أوْصى بِمالٍ لِثَمانِيَةِ أنْفُسٍ حَصَلَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم ثُمُنُهُ، وقالَ الأكْثَرُونَ: بَلْ حَقُّهُ بِقَدْرِ مُؤْنَتِهِ عِنْدَ الجِبايَةِ والجَمْعِ.
الحُكْمُ الخامِسُ:
اتَّفَقُوا عَلى أنَّ مالَ الزَّكاةِ لا يَخْرُجُ عَنْ هَذِهِ الثَّمانِيَةِ، واخْتَلَفُوا أنَّهُ هَلْ يَجُوزُ وضْعُهُ في بَعْضِ الأصْنافِ فَقَطْ ؟ وقَدْ سَبَقَ دَلائِلُ هاتَيْنِ المَسْألَتَيْنِ، إلّا أنّا إذا قُلْنا: يَجُوزُ وضْعُهُ في بَعْضِ الأصْنافِ فَقَطْ فَهَذا إنَّما يَجُوزُ في غَيْرِ العامِلِ، وأمّا وضْعُهُ بِالكُلِّيَّةِ في العامِلِ فَذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ بِالِاتِّفاقِ.
الحُكْمُ السّادِسُ:
أنَّ العامِلَ والمُؤَلَّفَةَ مَفْقُودانِ في هَذا الزَّمانِ، فَفِيهِ الأصْنافُ السِّتَّةُ، والأوْلى صَرْفُ الزَّكاةِ إلى هَذِهِ الأصْنافِ السِّتَّةِ عَلى ما يَقُولُهُ الشّافِعِيُّ؛ لِأنَّهُ الغايَةُ في الِاحْتِياطِ، أمّا إنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ أجْزَأهُ عَلى ما بَيَّنّاهُ.
الحُكْمُ السّابِعُ:
عُمُومُ قَوْلِهِ: ﴿لِلْفُقَراءِ والمَساكِينِ﴾ يَتَناوَلُ الكافِرَ والمُسْلِمَ، إلّا أنَّ الأخْبارَ دَلَّتْ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ صَرْفُ الزَّكاةِ إلى الفُقَراءِ والمَساكِينِ وغَيْرِهِمْ إلّا إذا كانُوا مُسْلِمِينَ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الأصْنافَ الثَّمانِيَةَ وشَرَحَ أحْوالَهم، قالَ: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ”فَرِيضَةً“ مَنصُوبٌ عَلى التَّوْكِيدِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّما الصَّدَقاتُ﴾ لِهَؤُلاءِ جارٍ مَجْرى قَوْلِهِ: فَرَضَ اللَّهُ الصَّدَقاتِ لِهَؤُلاءِ فَرِيضَةً، وذَلِكَ كالزَّجْرِ عَنْ مُخالَفَةِ هَذا الظّاهِرِ، وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «”إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَرْضَ بِقِسْمَةِ الزَّكاةِ أنْ يَتَوَلّاها مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، ولا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ حَتّى تَوَلّى قِسْمَتَها بِنَفْسِهِ“»، والمَقْصُودُ مِن هَذِهِ التَّأْكِيداتِ تَحْرِيمُ إخْراجِ الزَّكاةِ عَنْ هَذِهِ الأصْنافِ.
ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ﴾ أيْ: أعْلَمُ بِمَقادِيرِ المَصالِحِ، ”حَكِيمٌ“ لا يُشَرِّعُ إلّا ما هو الأصْوَبُ الأصْلَحُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences