Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
At-Tawbah 9:61–64
9:61Page 196
وَمِنۡهُمُ ٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ ٱلنَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٞۚ قُلۡ أُذُنُ خَيۡرٖ لَّكُمۡ يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَيُؤۡمِنُ لِلۡمُؤۡمِنِينَ وَرَحۡمَةٞ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡۚ وَٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ رَسُولَ ٱللَّهِ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٦١
And among them are those who abuse the Prophet and say, "He is an ear."1 Say, "[It is] an ear of goodness for you that believes in Allāh and believes the believers and [is] a mercy to those who believe among you." And those who abuse the Messenger of Allāh - for them is a painful punishment.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ ويَقُولُونَ هو أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكم يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ويُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ ورَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنكم والَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذا نَوْعٌ آخَرُ مِن جَهالاتِ المُنافِقِينَ، وهو أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ في رَسُولِ اللَّهِ: إنَّهُ أُذُنٌ، عَلى وجْهِ الطَّعْنِ والذَّمِّ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ الأعْمَشِ، وعَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أبِي عِكْرِمَةَ عَنْهُ ”أُذُنٌ خَيْرٌ“ مَرْفُوعَيْنِ
صفحة ٩٣
مُنَوَّنَيْنِ، عَلى تَقْدِيرِ: إنْ كانَ كَما تَقُولُونَ: إنَّهُ أُذُنٌ، فَأُذُنٌ خَيْرٌ لَكم، يَقْبَلُ مِنكم ويَصْدُقُكم خَيْرٌ لَكم مِن أنْ يَكْذِبَكم، والباقُونَ: ﴿أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾ بِالإضافَةِ، أيْ: هو أُذُنُ خَيْرٍ، لا أُذُنُ شَرٍّ، وقَرَأ نافِعٌ: ”أُذْنُ“ ساكِنَةَ الذّالِ في كُلِّ القُرْآنِ، والباقُونَ بِالضَّمِّ، وهُما لُغَتانِ، مِثْلُ عُنُقٍ وظُفُرٍ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إنَّ جَماعَةً مِنَ المُنافِقِينَ ذَكَرُوا النَّبِيَّ ﷺ بِما لا يَنْبَغِي مِنَ القَوْلِ، فَقالَ بَعْضُهم: لا تَفْعَلُوا فَإنّا نَخافُ أنْ يَبْلُغَهُ ما نَقُولُ، فَقالَ الجُلاسُ بْنُ سُوَيْدٍ: بَلْ نَقُولُ ما شِئْنا، ثُمَّ نَذْهَبُ إلَيْهِ ونَحْلِفُ أنّا ما قُلْنا، فَيَقْبَلُ قَوْلَنا، وإنَّما مُحَمَّدٌ أُذُنٌ سامِعَةٌ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
وقالَ الحَسَنُ: كانَ المُنافِقُونَ يَقُولُونَ: ما هَذا الرَّجُلُ إلّا أُذُنٌ، مَن شاءَ صَرَفَهُ حَيْثُ شاءَ، لا عَزِيمَةَ لَهُ. «ورَوى الأصَمُّ أنَّ رَجُلًا مِنهم قالَ لِقَوْمِهِ: إنْ كانَ ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ حَقًّا، فَنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الحَمِيرِ. فَسَمِعَها ابْنُ امْرَأتِهِ، فَقالَ: واللَّهِ إنَّهُ لَحَقٌّ وإنَّكَ أشَرُّ مِن حِمارِكَ. ثُمَّ بَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ ذَلِكَ، فَقالَ بَعْضُهم: إنَّما مُحَمَّدٌ أُذُنٌ، ولَوْ لَقِيتَهُ وحَلَفْتَ لَهُ لَيُصَدِّقَنَّكَ. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى وفْقِ قَوْلِهِ، فَقالَ القائِلُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، لَمْ أُسْلِمْ قَطُّ قَبْلَ اليَوْمِ، وإنَّ هَذا الغُلامَ لَعَظِيمُ الثَّمَنِ عَلَيَّ، واللَّهِ لَأشْكُرَنَّهُ» . ثُمَّ قالَ الأصَمُّ: أظْهَرَ اللَّهُ تَعالى عَنِ المُنافِقِينَ وُجُوهَ كُفْرِهِمُ الَّتِي كانُوا يُسِرُّونَها؛ لِتَكُونَ حُجَّةً لِلرَّسُولِ ولِيَنْزَجِرُوا. فَقالَ: ﴿ومِنهم مَن يَلْمِزُكَ في الصَّدَقاتِ﴾ .
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ومِنهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ﴾، ثُمَّ قالَ: ﴿ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ﴾ [التوبة: ٧٥] . إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الإخْبارِ عَنِ الغُيُوبِ، وفي كُلِّ ذَلِكَ دَلائِلُ عَلى كَوْنِهِ نَبِيًّا حَقًّا مِن عِنْدِ اللَّهِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى أنَّ مِنَ المُنافِقِينَ مَن يُؤْذِي النَّبِيَّ، ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ الإيذاءَ بِأنَّهم يَقُولُونَ لِلنَّبِيِّ: إنَّهُ أُذُنٌ، وغَرَضُهم مِنهُ أنَّهُ لَيْسَ لَهُ ذَكاءٌ ولا بُعْدُ غَوْرٍ، بَلْ هو سَلِيمُ القَلْبِ سَرِيعُ الِاغْتِرارِ بِكُلِّ ما يَسْمَعُ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ سَمَّوْهُ بِأنَّهُ أُذُنٌ، كَما أنَّ الجاسُوسَ يُسَمّى بِالعَيْنِ، يُقالُ: جَعَلَ فُلانٌ عَلَيْنا عَيْنًا، أيْ: جاسُوسًا مُتَفَحِّصًا عَنِ الأُمُورِ، فَكَذا هَهُنا.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أجابَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾، والتَّقْدِيرُ: هَبْ أنَّهُ أُذُنٌ، لَكِنَّهُ خَيْرٌ لَكم، وقَوْلُهُ: ﴿أُذُنُ خَيْرٍ﴾ مِثْلَما يُقالُ: فُلانٌ رَجُلُ صِدْقٍ وشاهِدُ عَدْلٍ، ثُمَّ بَيَّنَ كَوْنَهُ: ﴿أُذُنُ خَيْرٍ﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ويُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ ورَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ﴾ جَعَلَ تَعالى هَذِهِ الثَّلاثَةَ كالمُوجِبَةِ لِكَوْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿أُذُنُ خَيْرٍ﴾ فَلْنُبَيِّنْ كَيْفِيَّةَ اقْتِضاءِ هَذِهِ المَعانِي لِتِلْكَ الخَيْرِيَّةِ:
أمّا الأوَّلُ: وهو قَوْلُهُ: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾؛ فَلِأنَّ كُلَّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ كانَ خائِفًا مِنَ اللَّهِ، والخائِفُ مِنَ اللَّهِ لا يُقْدِمُ عَلى الإيذاءِ بِالباطِلِ.
وأمّا الثّانِي: وهو قَوْلُهُ: ﴿ويُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ فالمَعْنى: أنَّهُ يُسَلِّمُ لِلْمُؤْمِنِينَ قَوْلَهم، والمَعْنى: أنَّهم إذا تَوافَقُوا عَلى قَوْلٍ واحِدٍ، سَلَّمَ لَهم ذَلِكَ القَوْلَ، وهَذا يُنافِي كَوْنَهُ سَلِيمَ القَلْبِ سَرِيعَ الِاغْتِرارِ.
فَإنْ قِيلَ: لِمَ عَدّى الإيمانَ إلى اللَّهِ بِالباءِ، وإلى المُؤْمِنِينَ بِاللّامِ ؟
قُلْنا: لِأنَّ الإيمانَ المُعَدّى إلى اللَّهِ المُرادُ مِنهُ التَّصْدِيقُ الَّذِي هو نَقِيضُ الكُفْرِ، فَعَدّى بِالباءِ، والإيمانُ المُعَدّى إلى المُؤْمِنِينَ مَعْناهُ الِاسْتِماعُ مِنهم، والتَّسْلِيمُ لِقَوْلِهِمْ، فَيَتَعَدّى بِاللّامِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿وما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا﴾ [يوسف: ١٧] .﴿فَما آمَنَ لِمُوسى إلّا ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِهِ﴾ [يونس: ٨٣] . وقَوْلِهِ: ﴿أنُؤْمِنُ لَكَ واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ﴾ .
صفحة ٩٤
[الشعراء: ١١١] . وقَوْلِهِ: ﴿آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ [طه: ٧١] .
وأمّا الثّالِثُ: وهو قَوْلُهُ: ﴿ورَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ﴾ . فَهَذا أيْضًا يُوجِبُ الخَيْرِيَّةَ؛ لِأنَّهُ يُجْرِي أمْرَكم عَلى الظّاهِرِ، ولا يُبالِغُ في التَّفْتِيشِ عَنْ بَواطِنِكم، ولا يَسْعى في هَتْكِ أسْتارِكم، فَثَبَتَ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأوْصافِ الثَّلاثَةِ يُوجِبُ كَوْنَهُ: ﴿أُذُنُ خَيْرٍ﴾ . ولَمّا بَيَّنَ كَوْنَهُ سَبَبًا لِلْخَيْرِ والرَّحْمَةِ بَيَّنَ أنَّ كُلَّ مَن آذاهُ اسْتَوْجَبَ العَذابَ الألِيمَ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ يَسْعى في إيصالِ الخَيْرِ والرَّحْمَةِ إلَيْهِمْ مَعَ كَوْنِهِمْ في غايَةِ الخُبْثِ والخِزْيِ، ثُمَّ إنَّهم بَعْدَ ذَلِكَ يُقابِلُونَ إحْسانَهُ بِالإساءَةِ وخَيْراتِهِ بِالشُّرُورِ، فَلا شَكَّ أنَّهم يَسْتَحِقُّونَ العَذابَ الشَّدِيدَ مِنَ اللَّهِ تَعالى.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: أمّا قِراءَةُ مَن قَرَأ: ”أُذُنٌ خَيْرٌ“ بِالتَّنْوِينِ في الكَلِمَتَيْنِ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: التَّقْدِيرُ: قُلْ: أُذُنٌ واعِيَةٌ سامِعَةٌ لِلْحَقِّ خَيْرٌ لَكم مِن هَذا الطَّعْنِ الفاسِدِ الَّذِي تَذْكُرُونَ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ ما يَدُلُّ عَلى فَسادِ هَذا الطَّعْنِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ويُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ ورَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ﴾ والمَعْنى: أنَّ مَن كانَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفاتِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ الطَّعْنُ فِيهِ، وكَيْفَ يَجُوزُ وصْفُهُ بِكَوْنِهِ سَلِيمَ القَلْبِ سَرِيعَ الِاغْتِرارِ ؟
الوَجْهُ الثّانِي: أنْ يُضْمِرَ مُبْتَدَأً، والتَّقْدِيرُ: هو أُذُنٌ خَيْرٌ لَكم، أيْ: هو أُذُنٌ مَوْصُوفٌ بِالخَيْرِيَّةِ في حَقِّكم؛ لِأنَّهُ يَقْبَلُ مَعاذِيرَكم، ويَتَغافَلُ عَنْ جَهالاتِكم، فَكَيْفَ جَعَلْتُمْ هَذِهِ الصِّفَةَ طَعْنًا في حَقِّهِ ؟
الوَجْهُ الثّالِثُ: وهو وجْهٌ مُتَكَلَّفٌ ذَكَرَهُ صاحِبُ النَّظْمِ، فَقالَ: (أُذُنٌ) وإنْ كانَ رَفْعًا بِالِابْتِداءِ في الظّاهِرِ لَكِنَّ مَوْضِعَهُ نَصْبٌ عَلى الحالِ، وتَأْوِيلُهُ قُلْ هو أُذُنًا خَيْرٌ، أيْ: إذا كانَ أُذُنًا فَهو خَيْرٌ لَكم؛ لِأنَّهُ يَقْبَلُ مَعاذِيرَكم، ونَظِيرُهُ: وهو حافِظًا خَيْرٌ لَكم، أيْ: هو حالَ كَوْنِهِ حافِظًا لَكم إلّا أنَّهُ لَمّا كانَ مَحْذُوفًا وضَعَ الحالَ مَكانَ المُبْتَدَأِ، تَقْدِيرُهُ: وهو حافِظٌ خَيْرٌ لَكم، وإضْمارُ ”هو“ في القُرْآنِ كَثِيرٌ، قالَ تَعالى: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ﴾ [الكهف: ٢٢] أيْ: هم ثَلاثَةٌ، وهَذا الوَجْهُ شَدِيدُ التَّكَلُّفِ، وإنْ كانَ قَدِ اسْتَحْسَنَهُ الواحِدِيُّ جِدًّا.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَرَأ حَمْزَةُ: ”ورَحْمَةٍ“ بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى ”خَيْرٍ“ كَأنَّهُ قِيلَ: أُذُنُ خَيْرٍ ورَحْمَةٍ، أيْ: مُسْتَمِعُ كَلامٍ يَكُونُ سَبَبًا لِلْخَيْرِ والرَّحْمَةِ.
فَإنْ قِيلَ: وكُلُّ رَحْمَةٍ خَيْرٌ، فَأيُّ فائِدَةٍ في ذِكْرِ الرَّحْمَةِ عَقِيبَ ذِكْرِ الخَيْرِ ؟
قُلْنا: لِأنَّ أشْرَفَ أقْسامِ الخَيْرِ هو الرَّحْمَةُ، فَجازَ ذِكْرُ الرَّحْمَةِ عَقِيبَ ذِكْرِ الخَيْرِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ﴾ [البقرة: ٩٨] . قالَ أبُو عُبَيْدٍ: هَذِهِ القِراءَةُ بَعِيدَةٌ؛ لِأنَّهُ تَباعَدَ المَعْطُوفُ عَنِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: البُعْدُ لا يَمْنَعُ مِن صِحَّةِ العَطْفِ، ألا تَرى أنَّ مَن قَرَأ: ”وقِيلِهِ يا رَبِّ“ . إنَّما يَحْمِلُهُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ [الزخرف: ٨٥] . تَقْدِيرُهُ: وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وعِلْمُ قِيلِهِ.
فَإنْ قِيلَ: ما وجْهُ قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ: ”ورَحْمَةً“ بِالنَّصْبِ ؟
قُلْنا: هي عِلَّةٌّ مُعَلِّلُها مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: ورَحْمَةً لَكم يَأْذَنُ، إلّا أنَّهُ حَذَفَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾ يَدُلُّ عَلَيْهِ.
9:62Page 197
يَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمۡ لِيُرۡضُوكُمۡ وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَحَقُّ أَن يُرۡضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤۡمِنِينَ ٦٢
They swear by Allāh to you [Muslims] to satisfy you. But Allāh and His Messenger are more worthy for them to satisfy,1 if they were to be believers.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم لِيُرْضُوكم واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ إنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذا نَوْعٌ آخَرُ مِن قَبائِحِ أفْعالِ المُنافِقِينَ، وهو إقْدامُهم عَلى اليَمِينِ الكاذِبَةِ. قِيلَ: هَذا بِناءً عَلى ما تَقَدَّمَ، يَعْنِي: يُؤْذُونَ النَّبِيَّ ويُسِيئُونَ القَوْلَ فِيهِ، ثُمَّ يَحْلِفُونَ لَكم. وقِيلَ: نَزَلَتْ في رَهْطٍ مِنَ المُنافِقِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَلَمّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى المَدِينَةِ أتَوْهُ واعْتَذَرُوا وحَلَفُوا، فَفِيهِمْ نَزَلَتِ الآيَةُ، والمَعْنى: أنَّهم حَلَفُوا عَلى أنَّهم ما قالُوا ما حُكِيَ عَنْهم، لِيُرْضُوا المُؤْمِنِينَ بِيَمِينِهِمْ، وكانَ مِنَ الواجِبِ أنْ يُرْضُوا اللَّهَ بِالإخْلاصِ والتَّوْبَةِ، لا بِإظْهارِ ما يَسْتَسِرُّونَ خِلافَهُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿وإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا﴾ [ البَقَرَةِ: ١٤ و٧٦ ] .
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿يُرْضُوهُ﴾ بَعْدَ تَقَدُّمِ ذِكْرِ اللَّهِ وذِكْرِ الرَّسُولِ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لا يُذْكَرُ مَعَ غَيْرِهِ بِالذِّكْرِ المُجْمَلِ، بَلْ يَجِبُ أنْ يُفْرَدَ بِالذِّكْرِ؛ تَعْظِيمًا لَهُ.
والثّانِي: أنَّ المَقْصُودَ بِجَمِيعِ الطّاعاتِ والعِباداتِ هو اللَّهُ، فاقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِهِ. «ويُرْوى أنَّ واحِدًا مِنَ الكُفّارِ رَفَعَ صَوْتَهُ، وقالَ: إنِّي أتُوبُ إلى اللَّهِ ولا أتُوبُ إلى مُحَمَّدٍ، فَسَمِعَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَلِكَ وقالَ: ”وضَعَ الحَقَّ في أهْلِهِ“» .
الثّالِثُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ يُرْضُوهُما فاكْتَفى بِذِكْرِ الواحِدِ؛ كَقَوْلِهِ:
نَحْنُ بِما عِنْدَنا وأنْتَ بِما عِنْدَكَ راضٍ والرَّأْيُ مُخْتَلِفُ
والرّابِعُ: أنَّ العالِمَ بِالأسْرارِ والضَّمائِرِ هو اللَّهُ تَعالى، وإخْلاصُ القَلْبِ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ خَصَّ تَعالى نَفْسَهُ بِالذِّكْرِ. الخامِسُ: لَمّا وجَبَ أنْ يَكُونَ رِضا الرَّسُولِ مُطابِقًا لِرِضا اللَّهِ تَعالى، وامْتَنَعَ حُصُولُ المُخالَفَةِ بَيْنَهُما وقَعَ الِاكْتِفاءُ بِذِكْرِ أحَدِهِما، كَما يُقالُ: إحْسانُ زَيْدٍ وإجْمالُهُ نَعَشَنِي وجَبَرَنِي. السّادِسُ: التَّقْدِيرُ: واللَّهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ ورَسُولُهُ كَذَلِكَ.
وقَوْلُهُ: ﴿إنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: إنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ عَلى ما ادَّعَوْا. والثّانِي: أنَّهم كانُوا عالِمِينَ بِصِحَّةِ دِينِ الرَّسُولِ، إلّا أنَّهم أصَرُّوا عَلى الكُفْرِ؛ حَسَدًا وعِنادًا، فَلِهَذا المَعْنى قالَ تَعالى: ﴿إنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ . وفي الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى رِضا اللَّهِ لا يَحْصُلُ بِإظْهارِ الإيمانِ، ما لَمْ يَقْتَرِنْ بِهِ التَّصْدِيقُ بِالقَلْبِ، ويَبْطُلُ قَوْلُ الكَرّامِيَّةِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّ الإيمانَ لَيْسَ إلّا القَوْلَ بِاللِّسانِ.
9:63Page 197
أَلَمۡ يَعۡلَمُوٓاْ أَنَّهُۥ مَن يُحَادِدِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَأَنَّ لَهُۥ نَارَ جَهَنَّمَ خَٰلِدٗا فِيهَاۚ ذَٰلِكَ ٱلۡخِزۡيُ ٱلۡعَظِيمُ ٦٣
Do they not know that whoever opposes Allāh and His Messenger - that for him is the fire of Hell, wherein he will abide eternally? That is the great disgrace.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ مَن يُحادِدِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَأنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدًا فِيها ذَلِكَ الخِزْيُ العَظِيمُ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ أيْضًا شَرْحُ أحْوالِ المُنافِقِينَ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ أهْلُ المَعانِي: قَوْلُهُ: ”ألَمْ تَعْلَمْ“ خِطابٌ لِمَن حاوَلَ الإنْسانُ تَعْلِيمَهُ مُدَّةً وبالَغَ في ذَلِكَ التَّعْلِيمِ، ثُمَّ إنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ، فَيُقالُ لَهُ: ألَمْ تَعْلَمْ بَعْدَ هَذِهِ السّاعاتِ الطَّوِيلَةِ والمُدَّةِ المَدِيدَةِ ؟
صفحة ٩٦
وإنَّما حَسُنَ ذَلِكَ لِأنَّهُ طالَ مُكْثُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَهم، وكَثُرَتْ نِهاياتُهُ لِلتَّحْذِيرِ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ والتَّرْغِيبِ في طاعَتِهِ، فالضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿أنَّهُ مَن يُحادِدِ اللَّهَ﴾ ضَمِيرُ الأمْرِ والشَّأْنِ، والمَعْنى: أنَّ الأمْرَ والشَّأْنَ كَذا وكَذا. والفائِدَةُ في هَذا الضَّمِيرِ هو أنَّهُ لَوْ ذَكَرَ بَعْدَ كَلِمَةِ ”أنَّ“ ذَلِكَ المُبْتَدَأ والخَبَرَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كَثِيرُ وقْعٍ. فَأمّا إذا قُلْتَ: الأمْرُ والشَّأْنُ كَذا وكَذا أوْجَبَ مَزِيدَ تَعْظِيمٍ وتَهْوِيلٍ لِذَلِكَ الكَلامِ. وقَوْلُهُ: ﴿مَن يُحادِدِ اللَّهَ﴾ قالَ اللَّيْثُ: حادَدْتُهُ أيْ: خالَفْتُهُ، والمُحادَدَةُ كالمُجانَبَةِ والمُعاداةِ والمُخالَفَةِ، واشْتِقاقُهُ مِنَ الحَدِّ، ومَعْنى حادَّ فُلانٌ فُلانًا، أيْ: صارَ في حَدٍّ غَيْرِ حَدِّهِ، كَقَوْلِهِ: شاقَّهُ أيْ: صارَ في شِقٍّ غَيْرِ شِقِّهِ، ومَعْنى: ﴿يُحادِدِ اللَّهَ﴾ أيْ: يَصِيرُ في حَدٍّ غَيْرِ حَدِّ أوْلِياءِ اللَّهِ بِالمُخالَفَةِ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: المُحادَّةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الحَدِيدِ؛ حَدِيدِ السِّلاحِ، ثُمَّ لِلْمُفَسِّرِينَ هَهُنا عِباراتٌ: يُخالِفُ اللَّهَ، وقِيلَ: يُحارِبُ اللَّهَ، وقِيلَ: يُعانِدُ اللَّهَ، وقِيلَ: يُعادِي اللَّهَ.
ثُمَّ قالَ: ﴿فَأنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: التَّقْدِيرُ: فَحَقٌّ أنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ. الثّانِي: مَعْناهُ فَلَهُ نارُ جَهَنَّمَ، وأنَّ تُكَرَّرُ لِلتَّوْكِيدِ.
الثّالِثُ: أنْ نَقُولَ: جَوابُ ”مَن“ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ مَن يُحادِدِ اللَّهَ ورَسُولَهُ يَهْلِكْ؛ فَأنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ. قالَ الزَّجّاجُ: ويَجُوزُ كَسْرُ ”أنَّ“ عَلى الِاسْتِئْنافِ مِن بَعْدِ الفاءِ، والقِراءَةُ بِالفَتْحِ. ونَقَلَ الكَعْبِيُّ في ”تَفْسِيرِهِ“ أنَّ القِراءَةَ بِالكَسْرِ مَوْجُودَةٌ. قالَ أبُو مُسْلِمٍ: جَهَنَّمُ مِن أسْماءِ النّارِ، وأهْلُ اللُّغَةِ يَحْكُونَ عَنِ العَرَبِ: أنَّ البِئْرَ البَعِيدَةَ القَعْرِ تُسَمّى الجِهِنّامَ عِنْدَهم، فَجازَ في جَهَنَّمَ أنْ تَكُونَ مَأْخُوذَةً مِن هَذا اللَّفْظِ، ومَعْنى بُعْدِ قَعْرِها أنَّهُ لا آخِرَ لِعَذابِها، والخالِدُ: الدّائِمُ، والخِزْيُ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنى النَّدَمِ وبِمَعْنى الِاسْتِحْياءِ، والنَّدَمُ هُنا أوْلى؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأوُا العَذابَ﴾ [يونس: ٥٤] .
9:64Page 197
يَحۡذَرُ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيۡهِمۡ سُورَةٞ تُنَبِّئُهُم بِمَا فِي قُلُوبِهِمۡۚ قُلِ ٱسۡتَهۡزِءُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ مُخۡرِجٞ مَّا تَحۡذَرُونَ ٦٤
The hypocrites are apprehensive lest a sūrah be revealed about them, informing them of1 what is in their hearts. Say, "Mock [as you wish]; indeed, Allāh will expose that which you fear."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَحْذَرُ المُنافِقُونَ أنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهم بِما في قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ﴾ .
واعْلَمْ أنَّهم كانُوا يُسَمُّونَ سُورَةَ بَراءَةَ ”الحافِرَةَ“؛ لِأنَّها حَفَرَتْ عَمّا في قُلُوبِ المُنافِقِينَ. «قالَ الحَسَنُ: اجْتَمَعَ اثْنا عَشَرَ رَجُلًا مِنَ المُنافِقِينَ عَلى أمْرٍ مِنَ النِّفاقِ، فَأخْبَرَ جِبْرِيلُ الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأسْمائِهِمْ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”إنَّ أُناسًا اجْتَمَعُوا عَلى كَيْتَ وكَيْتَ، فَلْيَقُومُوا ولِيَعْتَرِفُوا ولِيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهم؛ حَتّى أشْفَعَ لَهم“ . فَلَمْ يَقُومُوا، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعْدَ ذَلِكَ: ”قُمْ يا فُلانُ ويا فُلانُ“ حَتّى أتى عَلَيْهِمْ، ثُمَّ قالُوا: نَعْتَرِفُ ونَسْتَغْفِرُ، فَقالَ: ”الآنَ، أنا كُنْتُ في أوَّلِ الأمْرِ أطْيَبَ نَفْسًا بِالشَّفاعَةِ، واللَّهُ كانَ أسْرَعَ في الإجابَةِ، اخْرُجُوا عَنِّي اخْرُجُوا عَنِّي“» فَلَمْ يَزَلْ يَقُولُ حَتّى خَرَجُوا بِالكُلِّيَّةِ، وقالَ الأصَمُّ: إنَّ «عِنْدَ رُجُوعِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن تَبُوكَ وقَفَ لَهُ عَلى العَقَبَةِ اثْنا عَشَرَ رَجُلًا لِيَفْتِكُوا بِهِ، فَأخْبَرَهُ جِبْرِيلُ، وكانُوا مُتَلَثِّمِينَ في لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ، وأمَرَهُ أنْ يُرْسِلَ إلَيْهِمْ مَن يَضْرِبُ وُجُوهَ رَواحِلِهِمْ، فَأمَرَ حُذَيْفَةَ بِذَلِكَ فَضَرَبَها حَتّى نَحّاهم، ثُمَّ قالَ: ”مَن عَرَفْتَ مِنَ القَوْمِ“ فَقالَ: لَمْ أعْرِفْ مِنهم أحَدًا، فَذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ أسْماءَهم وعَدَّهم لَهُ، وقالَ: ”إنَّ جِبْرِيلَ أخْبَرَنِي بِذَلِكَ“، فَقالَ حُذَيْفَةُ: ألا تَبْعَثُ إلَيْهِمْ لِيُقْتَلُوا. فَقالَ: ”أكْرَهُ أنْ تَقُولَ العَرَبُ: قاتَلَ مُحَمَّدٌ بِأصْحابِهِ حَتّى إذا ظَفِرَ صارَ يَقْتُلُهم بَلْ يَكْفِينا اللَّهُ ذَلِكَ“» .
صفحة ٩٧
فَإنْ قِيلَ: المُنافِقُ كافِرٌ فَكَيْفَ يَحْذَرُ نُزُولَ الوَحْيِ عَلى الرَّسُولِ ؟
قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: هَذا حَذَرٌ أظْهَرَهُ المُنافِقُونَ عَلى وجْهِ الِاسْتِهْزاءِ حِينَ رَأوُا الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَذْكُرُ كُلَّ شَيْءٍ ويَدَّعِي أنَّهُ عَنِ الوَحْيِ، وكانَ المُنافِقُونَ يُكَذِّبُونَ بِذَلِكَ فِيما بَيْنَهم، فَأخْبَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِذَلِكَ وأمَرَهُ أنْ يُعْلِمَهم أنَّهُ يُظْهِرُ سِرَّهُمُ الَّذِي حَذِرُوا ظُهُورَهُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿اسْتَهْزِئُوا﴾ دَلالَةٌ عَلى ما قُلْناهُ.
الثّانِي: أنَّ القَوْمَ وإنْ كانُوا كافِرِينَ بِدِينِ الرَّسُولِ إلّا أنَّهم شاهَدُوا أنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يُخْبِرُهم بِما يُضْمِرُونَهُ ويَكْتُمُونَهُ؛ فَلِهَذِهِ التَّجْرِبَةِ وقَعَ الحَذَرُ والخَوْفُ في قُلُوبِهِمْ.
الثّالِثُ: قالَ الأصَمُّ: إنَّهم كانُوا يَعْرِفُونَ كَوْنَهُ رَسُولًا صادِقًا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، إلّا أنَّهم كَفَرُوا بِهِ حَسَدًا وعِنادًا. قالَ القاضِي: يَبْعُدُ في العالِمِ بِاللَّهِ وبِرَسُولِهِ، وصِحَّةِ دِينِهِ أنْ يَكُونَ مُحادًّا لَهُما. قالَ الدّاعِي إلى اللَّهِ: هَذا غَيْرُ بَعِيدٍ؛ لِأنَّ الحَسَدَ إذا قَوِيَ في القَلْبِ صارَ بِحَيْثُ يُنازِعُ في المَحْسُوساتِ.
الرّابِعُ: مَعْنى الحَذَرِ الأمْرُ بِالحَذَرِ، أيْ: لِيَحْذَرِ المُنافِقُونَ ذَلِكَ.
الخامِسُ: أنَّهم كانُوا شاكِّينَ في صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ وما كانُوا قاطِعِينَ بِفَسادِها؛ والشّاكُّ خائِفٌ، فَلِهَذا السَّبَبِ خافُوا أنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِ في أمْرِهِمْ ما يَفْضَحُهم.
ثُمَّ قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ و﴿تُنَبِّئُهُمْ﴾ لِلْمُؤْمِنِينَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ﴾ لِلْمُنافِقِينَ، ويَجُوزُ أيْضًا أنْ تَكُونَ الضَّمائِرُ كُلُّها لِلْمُنافِقِينَ؛ لِأنَّ السُّورَةَ إذا نَزَلَتْ في مَعْناهم فَهي نازِلَةٌ عَلَيْهِمْ، ومَعْنى: ﴿تُنَبِّئُهم بِما في قُلُوبِهِمْ﴾ أنَّ السُّورَةَ كَأنَّها تَقُولُ لَهم: في قُلُوبِهِمْ كَيْتَ وكَيْتَ، يَعْنِي: أنَّها تُذِيعُ أسْرارَهم إذاعَةً ظاهِرَةً، فَكَأنَّها تُخْبِرُهم.
ثُمَّ قالَ: ﴿قُلِ اسْتَهْزِئُوا﴾ وهو أمْرُ تَهْدِيدٍ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وقُلِ اعْمَلُوا﴾ [التوبة: ١٠٥] .﴿إنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ﴾ . أيْ: ذَلِكَ الَّذِي تَحْذَرُونَهُ، فَإنَّ اللَّهَ يُخْرِجُهُ إلى الوُجُودِ؛ فَإنَّ الشَّيْءَ إذا حَصَلَ بَعْدَ عَدَمِهِ، فَكَأنَّ فاعِلَهُ أخْرَجَهُ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences