Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic
Hud 11:68–82
11:68Page 229
كَأَن لَّمۡ يَغۡنَوۡاْ فِيهَآۗ أَلَآ إِنَّ ثَمُودَاْ كَفَرُواْ رَبَّهُمۡۗ أَلَا بُعۡدٗا لِّثَمُودَ ٦٨
As if they had never prospered therein. Unquestionably, Thamūd denied their Lord; then, away with Thamūd.
No commentary for this ayah
11:69Page 229
وَلَقَدۡ جَآءَتۡ رُسُلُنَآ إِبۡرَٰهِيمَ بِٱلۡبُشۡرَىٰ قَالُواْ سَلَٰمٗاۖ قَالَ سَلَٰمٞۖ فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ بِعِجۡلٍ حَنِيذٖ ٦٩
And certainly did Our messengers [i.e., angels] come to Abraham with good tidings; they said, "Peace." He said, "Peace," and did not delay in bringing [them] a roasted calf.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى قالُوا سَلامًا﴾ الآيَةَ.
لَمْ يُبَيِّنْ هُنا ما المُرادُ بِهَذِهِ البُشْرى الَّتِي جاءَتْ بِها رُسُلُ المَلائِكَةِ إبْراهِيمَ ولَكِنَّهُ أشارَ بَعْدَ هَذا إلى أنَّها البِشارَةُ بِإسْحاقَ ويَعْقُوبَ في قَوْلِهِ: ﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١]؛ لِأنَّ البِشارَةَ بِالذُّرِّيَّةِ الطَّيِّبَةِ شامِلَةٌ لِلْأُمِّ والأبِ، كَما يَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١١٢] .
وَقَوْلُهُ: ﴿قالُوا لا تَخَفْ وبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات: ٢٨]، وقَوْلُهُ: ﴿قالُوا لا تَوْجَلْ إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾، وقِيلَ: البُشْرى هي إخْبارُهم لَهُ بِأنَّهم أُرْسِلُوا لِإهْلاكِ قَوْمِ لُوطٍ، وعَلَيْهِ فالآياتُ المُبَيِّنَةُ لَها كَقَوْلِهِ هُنا في هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿قالُوا لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ الآيَةَ [هود: ٧٠] .
وَقَوْلِهِ: ﴿قالُوا إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ إلّا آلَ لُوطٍ﴾ الآيَةَ [الحجر: ٥٨، ٥٩] .
وَقَوْلِهِ: ﴿قالُوا إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن طِينٍ﴾ [الذاريات: ٣٢، ٣٣]، وقَوْلِهِ: ﴿وَلَمّا جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى قالُوا إنّا مُهْلِكُو أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ إنَّ أهْلَها كانُوا ظالِمِينَ﴾ [العنكبوت: ٣١] .
والظّاهِرُ: القَوْلُ الأوَّلُ، وهَذِهِ الآيَةُ الأخِيرَةُ تَدُلُّ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ فِيها التَّصْرِيحَ بِأنَّ إخْبارَهم بِإهْلاكِ قَوْمِ لُوطٍ بَعْدَ مَجِيئِهِمْ بِالبُشْرى؛ لِأنَّهُ مُرَتَّبٌ عَلَيْهِ بِأداةِ الشَّرْطِ الَّتِي هي ”لَمّا“ كَما (p-١٨٦)تَرى.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما لَبِثَ أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ نَكِرَهم وأوْجَسَ مِنهُمْ﴾ الآيَةَ، ذَكَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ إبْراهِيمَ لَمّا سَلَّمَ عَلى رُسُلِ المَلائِكَةِ وكانَ يَظُنُّهم ضُيُوفًا مِنَ الآدَمِيِّينَ أسْرَعَ إلَيْهِمْ بِالإتْيانِ بِالقِرى وهو لَحْمُ عِجْلٍ حَنِيذٍ أيْ مُنْضَجٍ بِالنّارِ، وأنَّهم لَمّا لَمْ يَأْكُلُوا أوْجَسَ مِنهم خِيفَةً فَقالُوا لا تَخَفْ وأخْبَرُوهُ بِخَبَرِهِمْ.
وَبَيَّنَ في ”الذّارِياتِ“: أنَّهُ راغَ إلى أهْلِهِ، أيْ مالَ إلَيْهِمْ فَجاءَ بِذَلِكَ العِجْلِ وبَيَّنَ أنَّهُ سَمِينٌ، وأنَّهُ قَرَّبَهُ إلَيْهِمْ، وعَرَضَ عَلَيْهِمُ الأكْلَ بِرِفْقٍ فَقالَ لَهم: ألا تَأْكُلُونَ [الذاريات: ٢٧]، وأنَّهُ أوْجَسَ مِنهم خِيفَةً وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إبْراهِيمَ المُكْرَمِينَ﴾ ﴿إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ ﴿فَراغَ إلى أهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ ﴿فَقَرَّبَهُ إلَيْهِمْ قالَ ألا تَأْكُلُونَ﴾ ﴿فَأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً﴾ الآيَةَ [الذاريات: ٢٤ - ٢٨] .
تَنْبِيهٌ
يُؤْخَذُ مِن قِصَّةِ إبْراهِيمَ مَعَ ضَيْفِهِ هَؤُلاءِ أشْياءَ مِن آدابِ الضِّيافَةِ: مِنها تَعْجِيلُ القِرى؛ لِقَوْلِهِ: ﴿فَما لَبِثَ أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ [هود: ٦٩] .
وَمِنها كَوْنُ القِرى مِن أحْسَنِ ما عِنْدَهُ؛ لِأنَّهم ذَكَرُوا أنَّ الَّذِي عِنْدَهُ البَقَرُ وأطْيَبُهُ لَحْمًا الفَتِيُّ السَّمِينُ المُنْصِحُ.
وَمِنها تَقْرِيبُ الطَّعامِ إلى الضَّيْفِ.
وَمِنها مُلاطَفَتُهُ بِالكَلامِ بِغايَةِ الرِّفْقِ، كَقَوْلِهِ ألا تَأْكُلُونَ [الذاريات: ٢٧] .
وَمَعْنى قَوْلِهِ نَكِرَهم [هود: ٧٠]، أيْ: أنْكَرَهم لِعَدَمِ أكْلِهِمْ، والعَرَبُ تُطْلِقُ نَكِرَ، وأنْكَرَ بِمَعْنًى واحِدٍ، وقَدْ جَمَعَهُما قَوْلُ الأعْشى:
؎وَأنْكَرَتْنِي وما كانَ الَّذِي نَكِرَتْ مِنَ الحَوادِثِ إلّا الشَّيْبَ والصَّلَعا
وَرُوِيَ عَنْ يُونُسَ: أنَّ أبا عَمْرِو بْنَ العَلاءِ حَدَّثَهُ: أنَّهُ صَنَعَ هَذا البَيْتَ وأدْخَلَهُ في شِعْرِ الأعْشى، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
⁕ ⁕ ⁕
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى قالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ﴾ .
هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ إبْراهِيمَ رَدَّ السَّلامِ عَلى المَلائِكَةِ، وقَدْ جاءَ في سُورَةِ ”الحِجْرِ“ ما يُوهِمُ أنَّهم لَمّا سَلَّمُوا عَلَيْهِ أجابَهم بِأنَّهُ وجِلٌ مِنهم مِن غَيْرِ رَدِّ السَّلامِ وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقالُوا سَلامًا قالَ إنّا مِنكم وجِلُونَ﴾ [الحجر: ٥٢] .
والجَوابُ ظاهِرٌ وهو أنَّ إبْراهِيمَ أجابَهم بِكِلا الأمْرَيْنِ: رَدِّ السَّلامِ، والإخْبارِ بِوَجَلِهِ مِنهم، فَذُكِرَ أحَدُهُما في ”هُودٍ“ والآخَرُ في ”الحِجْرِ“، ويَدُلُّ لِذَلِكَ ذِكْرُهُ تَعالى ما يَدُلُّ عَلَيْهِما مَعًا في سُورَةِ ”الذّارِياتِ“ في قَوْلِهِ: ﴿فَقالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ [الذاريات: ٢٥]، لِأنَّ قَوْلَهُ: مُنْكَرُونَ يَدُلُّ عَلى وجَلِهِ مِنهم، ويُوَضِّحُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً﴾ [الذاريات: ٢٨]، في ”هُودٍ“ و ”الذّارِياتِ“، مَعَ أنَّ في كُلٍّ مِنهُما قالَ: ”" سَلامٌ“ .
11:70Page 229
فَلَمَّا رَءَآ أَيۡدِيَهُمۡ لَا تَصِلُ إِلَيۡهِ نَكِرَهُمۡ وَأَوۡجَسَ مِنۡهُمۡ خِيفَةٗۚ قَالُواْ لَا تَخَفۡ إِنَّآ أُرۡسِلۡنَآ إِلَىٰ قَوۡمِ لُوطٖ ٧٠
But when he saw their hands not reaching for it, he distrusted them and felt from them apprehension.1 They said, "Fear not. We have been sent to the people of Lot."
No commentary for this ayah
11:71Page 229
وَٱمۡرَأَتُهُۥ قَآئِمَةٞ فَضَحِكَتۡ فَبَشَّرۡنَٰهَا بِإِسۡحَٰقَ وَمِن وَرَآءِ إِسۡحَٰقَ يَعۡقُوبَ ٧١
And his wife was standing, and she smiled.1 Then We gave her good tidings of Isaac and after Isaac, Jacob.
No commentary for this ayah
11:72Page 230
قَالَتۡ يَٰوَيۡلَتَىٰٓ ءَأَلِدُ وَأَنَا۠ عَجُوزٞ وَهَٰذَا بَعۡلِي شَيۡخًاۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيۡءٌ عَجِيبٞ ٧٢
She said, "Woe to me!1 Shall I give birth while I am an old woman and this, my husband, is an old man? Indeed, this is an amazing thing!"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَتْ ياوَيْلَتا أألِدُ وأنا عَجُوزٌ وهَذا بَعْلِي شَيْخًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ .
بَيَّنَ اللَّهُ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ ما قالَتْهُ امْرَأةُ إبْراهِيمَ لَمّا بُشِّرَتْ بِالوَلَدِ وهي (p-١٨٧)عَجُوزٌ، ولَمْ يُبَيِّنْ هُنا ما فَعَلَتْ عِنْدَ ذَلِكَ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ ما فَعَلَتْ في ”الذّارِياتِ“ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأقْبَلَتِ امْرَأتُهُ في صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وجْهَها وقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ [الذاريات: ٢٩]، وقَوْلُهُ: ﴿فِي صَرَّةٍ﴾، أيْ: ضَجَّةٍ وصَيْحَةٍ، وقَوْلُهُ: ﴿فَصَكَّتْ وجْهَها﴾، أيْ: لَطَمَتْهُ.
11:73Page 230
قَالُوٓاْ أَتَعۡجَبِينَ مِنۡ أَمۡرِ ٱللَّهِۖ رَحۡمَتُ ٱللَّهِ وَبَرَكَٰتُهُۥ عَلَيۡكُمۡ أَهۡلَ ٱلۡبَيۡتِۚ إِنَّهُۥ حَمِيدٞ مَّجِيدٞ ٧٣
They said, "Are you amazed at the decree of Allāh? May the mercy of Allāh and His blessings be upon you, people of the house. Indeed, He is Praiseworthy and Honorable."
No commentary for this ayah
11:74Page 230
فَلَمَّا ذَهَبَ عَنۡ إِبۡرَٰهِيمَ ٱلرَّوۡعُ وَجَآءَتۡهُ ٱلۡبُشۡرَىٰ يُجَٰدِلُنَا فِي قَوۡمِ لُوطٍ ٧٤
And when the fright had left Abraham and the good tidings had reached him, he began to argue [i.e., plead] with Us1 concerning the people of Lot.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجاءَتْهُ البُشْرى يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾، لَمْ يُبَيِّنْ هُنا ما جادَلَ بِهِ إبْراهِيمُ المَلائِكَةَ في قَوْمِ لُوطٍ، ولَكِنَّهُ أشارَ إلَيْهِ في ”العَنْكَبُوتِ“ بِقَوْلِهِ: ﴿قالُوا إنّا مُهْلِكُو أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ إنَّ أهْلَها كانُوا ظالِمِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّ فِيها لُوطًا قالُوا نَحْنُ أعْلَمُ بِمَن فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ﴾ الآيَةَ [العنكبوت: ٣١، ٣٢] .
فَحاصِلُ جِدالِهِ لَهم أنَّهُ يَقُولُ: إنْ أهْلَكْتُمُ القَرْيَةَ وفِيها أحَدٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ أهْلَكْتُمْ ذَلِكَ المُؤْمِنَ بِغَيْرِ ذَنْبٍ، فَأجابُوهُ عَنْ هَذا بِقَوْلِهِمْ ﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِمَن فِيها﴾ الآيَةَ [العنكبوت: ٣٢] .
وَنَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَأخْرَجْنا مَن كانَ فِيها مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿فَما وجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٥، ٣٦] .
11:75Page 230
إِنَّ إِبۡرَٰهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّٰهٞ مُّنِيبٞ ٧٥
Indeed, Abraham was forbearing, grieving1 and [frequently] returning [to Allāh].
No commentary for this ayah
11:76Page 230
يَٰٓإِبۡرَٰهِيمُ أَعۡرِضۡ عَنۡ هَٰذَآۖ إِنَّهُۥ قَدۡ جَآءَ أَمۡرُ رَبِّكَۖ وَإِنَّهُمۡ ءَاتِيهِمۡ عَذَابٌ غَيۡرُ مَرۡدُودٖ ٧٦
[The angels said], "O Abraham, give up this [plea]. Indeed, the command of your Lord has come, and indeed, there will reach them a punishment that cannot be repelled."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا إبْراهِيمُ أعْرِضْ عَنْ هَذا إنَّهُ قَدْ جاءَ أمْرُ رَبِّكَ وإنَّهم آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ .
هَذا العَذابُ الَّذِي صَرَّحَ هُنا بِأنَّهُ آتٍ قَوْمَ لُوطٍ لا مَحالَةَ وأنَّهُ لا مَرَدَّ لَهُ بَيَّنَهُ في مَواضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ، كَقَوْلِهِ في هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ مَنضُودٍ﴾ ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وما هي مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٢، ٨٣] .
وَقَوْلِهِ في ”الحِجْرِ“: ﴿فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٤، ٧٥] .
وَقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ أتَوْا عَلى القَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾ الآيَةَ [الفرقان: ٤٠] .
وَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٢، ١٧٣] .
وَقَوْلِهِ: ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن طِينٍ مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾ [الذاريات: ٣٣، ٣٤]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
11:77Page 230
وَلَمَّا جَآءَتۡ رُسُلُنَا لُوطٗا سِيٓءَ بِهِمۡ وَضَاقَ بِهِمۡ ذَرۡعٗا وَقَالَ هَٰذَا يَوۡمٌ عَصِيبٞ ٧٧
And when Our messengers, [the angels], came to Lot, he was anguished for them and felt for them great discomfort1 and said, "This is a trying day."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَمّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وقالَ هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ .
ذَكَرَ اللَّهُ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ لُوطًا عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ، لَمّا جاءَتْهُ رُسُلُ رَبِّهِ مِنَ المَلائِكَةِ حَصَلَتْ لَهُ بِسَبَبِ مَجِيئِهِمْ مَساءَةٌ عَظِيمَةٌ ضاقَ صَدْرُهُ بِها، وأشارَ في مَواضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ إلى أنَّ سَبَبَ مَساءَتِهِ وكَوْنِهِ ضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا، وقالَ هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ: أنَّهُ ظَنَّ أنَّهم ضُيُوفٌ مِن بَنِي آدَمَ، كَما ظَنَّهُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، وظَنَّ أنَّ قَوْمَهُ يَنْتَهِكُونَ حُرْمَةَ ضُيُوفِهِ فَيَفْعَلُونَ بِهِمْ فاحِشَةَ اللِّواطِ؛ لِأنَّهم إنْ عَلِمُوا بِقُدُومِ (p-١٨٨)ضَيْفٍ فَرِحُوا واسْتَبْشَرُوا بِهِ لِيَفْعَلُوا بِهِ الفاحِشَةَ المَذْكُورَةَ، فَمِن ذَلِكَ قَوْلُهُ هُنا: ﴿وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إلَيْهِ ومِن قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ قالَ ياقَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أطْهَرُ لَكم فاتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِي في ضَيْفِي ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ ﴿قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ وإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾ [هود: ٧٨، ٧٩] .
وَقَوْلُهُ في ”الحِجْرِ“: ﴿وَجاءَ أهْلُ المَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ﴿قالَ إنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ﴾ ﴿واتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِ﴾ ﴿قالُوا أوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ﴾ ﴿قالَ هَؤُلاءِ بَناتِي إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ ﴿لَعَمْرُكَ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٦٧ - ٧٢] .
وَقَوْلُهُ: يُهْرَعُونَ [هود: ٧٨]، أيْ: يُسْرِعُونَ ويُهَرْوِلُونَ مِن فَرَحِهِمْ بِذَلِكَ، ومِنهُ قَوْلُ مُهَلْهِلٍ:
؎فَجاءُوا يُهْرَعُونَ وهم أُسارى تَقُودُهم عَلى رَغْمِ الأُنُوفِ
وَقَوْلُهُ: ولا تُخْزُونِ، أيْ: لا تُهِينُونِ ولا تُذِلُّونِ بِانْتِهاكِ حُرْمَةِ ضَيْفِي، والِاسْمُ مِنهُ: الخِزْيُ بِكَسْرِ الخاءِ وإسْكانِ الزّايِ. ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ في عُتْبَةَ بْنِ أبِي وقّاصٍ:
؎فَأخْزاكَ رَبِّي يا عُتَيْبُ بْنَ مالِكٍ ∗∗∗ ولَقّاكَ قَبْلَ المَوْتِ إحْدى الصَّواعِقِ
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: قَوْلُهُ: ولا تُخْزُونِ [الحجر: ٦٩] مِنَ الخَزايَةِ، وهي الخَجَلُ والِاسْتِحْياءُ مِنَ الفَضِيحَةِ، أيْ لا تَفْعَلُوا بِضَيْفِي ما يَكُونُ سَبَبًا في خَجَلِي واسْتِحْيائِي، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ يَصِفُ ثَوْرًا وحْشِيًّا تُطارِدُهُ الكِلابُ في جانِبِ حَبْلٍ مِنَ الرَّمْلِ:
؎حَتّى إذا دَوَّمَتْ في الأرْضِ راجَعَهُ ∗∗∗ كِبْرٌ ولَوْ شاءَ نَجّى نَفْسَهُ الهَرَبُ
؎خَزايَةٌ أدْرَكَتْهُ بَعْدَ جَوْلَتِهِ ∗∗∗ مِن جانِبِ الحَبْلِ مَخْلُوطًا بِها الغَضَبُ
يَعْنِي أنَّ هَذا الثَّوْرَ لَوْ شاءَ نَجا مِنَ الكِلابِ بِالهَرَبِ، ولَكِنَّهُ اسْتَحْيا وأنِفَ مِنَ الهَرَبِ فَكَرَّ راجِعًا إلَيْها، ومِنهُ قَوْلُهُ الآخَرُ:
؎أجاعِلَةٌ أُمَّ الثُّوَيْرِ خَزايَةً عَلى ∗∗∗ فِرارِي أنْ لَقِيتُ بَنِي عَبْسِ
والفِعْلُ مِنهُ: خَزِيَ يَخْزى، كَرَضِيَ يَرْضى، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎مِنَ البِيضِ لا تَخْزى إذا الرِّيحُ ألْقَعَتْ ∗∗∗ بِها مِرْطَها أوْ زايَلَ الحَلى جِيدُها
وَقَوْلُ الآخَرِ:
؎وَإنِّي لا أخْزى إذا قِيلَ مُمْلِقٌ ∗∗∗ سَخِيٌّ وأخْزى أنْ يُقالَ بَخِيلُ
(p-١٨٩)وَقَوْلُهُ: لَعَمْرُكَ مَعْناهُ: أُقْسِمُ بِحَياتِكَ، واللَّهُ جَلَّ وعَلا لَهُ أنْ يُقْسِمَ بِما شاءَ مِن خَلْقِهِ، ولَمْ يُقْسِمْ في القُرْآنِ بِحَياةِ أحَدٍ إلّا نَبِيِّنا ﷺ، وفي ذَلِكَ مِنَ التَّشْرِيفِ لَهُ ﷺ ما لا يَخْفى.
وَلا يَجُوزُ لِمَخْلُوقٍ أنْ يَحْلِفَ بِغَيْرِ اللَّهِ، لِقَوْلِهِ ﷺ: «مَن كانَ حالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أوْ لِيَصْمُتْ» .
وَقَوْلُهُ: لَعَمْرُكَ، مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ لَعَمْرُكَ قَسَمِي، وسُمِعَ عَنِ العَرَبِ تَقْدِيمُ الرّاءِ عَلى اللّامِ في لَعَمْرُكَ، فَتَقُولُ فِيها: رَعَمْلُكَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎رَعَمْلُكَ إنَّ الطّائِرَ الواقِعَ الَّذِي ∗∗∗ تَعَرَّضَ لِي مِن طائِرٍ لَصَدُوقُ
وَقَوْلُهُ: ﴿لَفِي سَكْرَتِهِمْ﴾ [الحجر: ٧٢]، أيْ: عَماهم وجَهْلِهِمْ وضَلالِهِمْ، والعَمَهُ: عَمى القَلْبِ، فَمَعْنى يَعْمَهُونَ [الحجر: ٧٢]: يَتَرَدَّدُونَ مُتَحَيِّرِينَ لا يَعْرِفُونَ حَقًّا مِن باطِلٍ، ولا نافِعًا مِن ضارٍّ، ولا حَسَنًا مِن قَبِيحٍ.
واخْتَلَفَ العُلَماءُ في المُرادِ بِقَوْلِ لُوطٍ عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿هَؤُلاءِ بَناتِي﴾ [هود: ٧٨] في المَوْضِعَيْنِ عَلى أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّهُ أرادَ المُدافَعَةَ عَنْ ضَيْفِهِ فَقَطْ، ولَمْ يُرِدْ إمْضاءَ ما قالَ، وبِهَذا قالَ عِكْرِمَةُ، وأبُو عُبَيْدَةَ.
الثّانِي: أنَّ المُرادَ بَناتُهُ لِصُلْبِهِ، وأنَّ المَعْنى: دَعُوا فاحِشَةَ اللِّواطِ وأُزَوِّجُكم بَناتِي، وعَلى هَذا فَتَزْوِيجُ الكافِرِ المُسْلِمَةَ كانَ جائِزًا في شَرْعِهِ، كَما كانَتْ بَناتُ نَبِيِّنا ﷺ تَحْتَ الكُفّارِ في أوَّلِ الإسْلامِ كَما هو مَعْرُوفٌ، وقَدْ أرْسَلَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عِقْدَها الَّذِي زَفَّتْها بِهِ أُمُّها خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها إلى زَوْجِها أبِي العاصِ بْنِ الرَّبِيعِ، أرْسَلَتْهُ إلَيْهِ في فِداءِ زَوْجِها أبِي العاصِ المَذْكُورِ لَمّا أسَرَهُ المُسْلِمُونَ كافِرًا يَوْمَ بَدْرٍ، والقِصَّةُ مَشْهُورَةٌ، وقَدْ عَقَدَها الشَّيْخُ أحْمَدُ البَدَوِيُّ الشِّنْقِيطِيُّ في مَغازِيهِ بِقَوْلِهِ في غَزْوَةِ بَدْرٍ:
وابْنُ الرَّبِيعِ صِهْرُ هادِي المِلَّةِ إذْ في فِداهُ زَيْنَبُ أرْسَلَتْ بِعِقْدِها الَّذِي بِهِ أهْدَتْها لَهُ خَدِيجَةُ وزَفَّفَتْها سَرَّحَهُ بِعَقْدِها وعَهْدًا إلَيْهِ أنْ يَرُدَّها لَهُ غَدا إلَخْ. . . القَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ المُرادَ بِالبَناتِ: جَمِيعُ نِساءِ قَوْمِهِ؛ لِأنَّ نَبِيَّ القَوْمِ أبٌ دِينِيٌّ لَهم، (p-١٩٠)كَما يَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى في نَبِيِّنا ﷺ: ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦] وفي قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: ”وَأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم وهو أبٌ لَهم“ ورُوِيَ نَحْوُها عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهَذا القَوْلِ قالَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ.
وَهَذا القَوْلُ تُقَرِّبُهُ قَرِينَةٌ وتُبْعِدُهُ أُخْرى، أمّا القَرِينَةُ الَّتِي تُقَرِّبُهُ فَهي: أنَّ بَناتَ لُوطٍ لا تَسَعُ جَمِيعَ رِجالِ قَوْمِهِ كَما هو ظاهِرٌ، فَإذا زَوَّجَهُنَّ لِرِجالٍ بِقَدْرِ عَدَدِهِنَّ بَقِيَ عامَّةُ رِجالِ قَوْمِهِ لا أزْواجَ لَهم، فَيَتَعَيَّنُ أنَّ المُرادَ عُمُومُ نِساءِ قَوْمِهِ، ويَدُلُّ لِلْعُمُومِ قَوْلُهُ: ﴿أتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ العالَمِينَ﴾ ﴿وَتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكم رَبُّكم مِن أزْواجِكُمْ﴾ [الشعراء: ١٦٥، ١٦٦]، وقَوْلُهُ: ﴿أئِنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِن دُونِ النِّساءِ﴾ [النمل: ٥٥]، ونَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَأمّا القَرِينَةُ الَّتِي تُبْعِدُهُ: فَهي أنَّ النَّبِيَّ لَيْسَ أبًا لِلْكافِراتِ، بَلْ أُبُوَّةُ الأنْبِياءِ الدِّينِيَّةُ لِلْمُؤْمِنِينَ دُونَ الكافِرِينَ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ﴾ الآيَةَ [الأحزاب: ٦] .
وَقَدْ صَرَّحَ تَعالى في ”الذّارِياتِ“: بِأنَّ قَوْمَ لُوطٍ لَيْسَ فِيهِمْ مُسْلِمٌ إلّا أهْلَ بَيْتٍ واحِدٍ وهم أهْلُ بَيْتِ لُوطٍ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿فَما وجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٦] .
11:78Page 230
وَجَآءَهُۥ قَوۡمُهُۥ يُهۡرَعُونَ إِلَيۡهِ وَمِن قَبۡلُ كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ هَٰٓؤُلَآءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطۡهَرُ لَكُمۡۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُخۡزُونِ فِي ضَيۡفِيٓۖ أَلَيۡسَ مِنكُمۡ رَجُلٞ رَّشِيدٞ ٧٨
And his people came hastening to him, and before [this] they had been doing evil deeds.1 He said, "O my people, these are my daughters;2 they are purer for you. So fear Allāh and do not disgrace me concerning my guests. Is there not among you a man of reason?"
No commentary for this ayah
11:79Page 230
قَالُواْ لَقَدۡ عَلِمۡتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنۡ حَقّٖ وَإِنَّكَ لَتَعۡلَمُ مَا نُرِيدُ ٧٩
They said, "You have already known that we have not concerning your daughters [i.e., women] any claim [i.e., desire], and indeed, you know what we want."
No commentary for this ayah
11:80Page 230
قَالَ لَوۡ أَنَّ لِي بِكُمۡ قُوَّةً أَوۡ ءَاوِيٓ إِلَىٰ رُكۡنٖ شَدِيدٖ ٨٠
He said, "If only I had against you some power or could take refuge in a strong support."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ ﴿قالُوا يا لُوطُ إنّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ﴾ .
ذَكَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ نَبِيَّهُ لُوطًا وعَظَ قَوْمَهُ ونَهاهم أنْ يَفْضَحُوهُ في ضَيْفِهِ، وعَرَضَ عَلَيْهِمُ النِّساءَ وتَرْكَ الرِّجالِ، فَلَمْ يَلْتَفِتُوا إلى قَوْلِهِ، وتَمادَوْا فِيما هم فِيهِ مِن إرادَةِ الفاحِشَةِ، فَقالَ لُوطٌ: ﴿لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً﴾ الآيَةَ [هود: ٨٠]، فَأخْبَرَتْهُ المَلائِكَةُ بِأنَّهم رُسُلُ رَبِّهِ، وأنَّ الكُفّارَ الخُبَثاءَ لا يَصِلُونَ إلَيْهِ بِسُوءٍ.
وَبَيَّنَ في القَمَرِ أنَّهُ تَعالى طَمَسَ أعْيُنَهم، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أعْيُنَهم فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ٣٧] .
11:81Page 230
قَالُواْ يَٰلُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوٓاْ إِلَيۡكَۖ فَأَسۡرِ بِأَهۡلِكَ بِقِطۡعٖ مِّنَ ٱلَّيۡلِ وَلَا يَلۡتَفِتۡ مِنكُمۡ أَحَدٌ إِلَّا ٱمۡرَأَتَكَۖ إِنَّهُۥ مُصِيبُهَا مَآ أَصَابَهُمۡۚ إِنَّ مَوۡعِدَهُمُ ٱلصُّبۡحُۚ أَلَيۡسَ ٱلصُّبۡحُ بِقَرِيبٖ ٨١
They [the angels] said, "O Lot, indeed we are messengers of your Lord; [therefore], they will never reach you. So set out with your family during a portion of the night1 and let not any among you look back - except your wife; indeed, she will be struck by that which strikes them. Indeed, their appointment is [for] the morning. Is not the morning near?"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ إلّا امْرَأتَكَ إنَّهُ مُصِيبُها ما أصابَهُمْ﴾ ذَكَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ أمَرَ نَبِيَّهُ لُوطًا أنْ يَسْرِيَ بِأهْلِهِ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ، ولَمْ يُبَيِّنْ هُنا هَلْ هو مِن آخِرِ اللَّيْلِ، أوْ وسَطِهِ أوْ أوَّلِهِ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ في ”القَمَرِ“ أنَّ ذَلِكَ مِن آخِرِ اللَّيْلِ وقْتَ السَّحَرِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهم بِسَحَرٍ﴾ [القمر: ٣٤]، ولَمْ يُبَيِّنْ هُنا أنَّهُ أمَرَهُ أنْ يَكُونَ مِن ورائِهِمْ وهم أمامَهُ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ ذَلِكَ في (p-١٩١)”الحِجْرِ“ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ واتَّبِعْ أدْبارَهم ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ وامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ [الحجر: ٦٥]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ إلّا امْرَأتَكَ إنَّهُ مُصِيبُها ما أصابَهُمْ﴾ [هود: ٨١]، قَرَأهُ جُمْهُورُ القُرّاءِ إلّا امْرَأتَكَ، بِالنَّصْبِ، وعَلَيْهِ فالأمْرُ واضِحٌ؛ لِأنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِنَ الأهْلِ، أيْ أسْرِ بِأهْلِكَ إلّا امْرَأتَكَ فَلا تُسْرِ بِها، واتْرُكْها في قَوْمِها فَإنَّها هالِكَةٌ مَعَهم.
وَيَدُلُّ لِهَذا الوَجْهِ قَوْلُهُ فِيها في مَواضِعَ: ﴿كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٢، ٣٣]، والغابِرُ: الباقِي، أيْ مِنَ الباقِينَ في الهَلاكِ.
وَقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ كَثِيرٍ: إلّا امْرَأتُكَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن أحَدٍ، وعَلَيْهِ فالمَعْنى: أنَّهُ أمَرَ لُوطًا أنْ يَنْهى جَمِيعَ أهْلِهِ عَنْ الِالتِفاتِ إلّا امْرَأتَهُ فَإنَّهُ أُوحِيَ إلَيْهِ أنَّها هالِكَةٌ لا مَحالَةَ، ولا فائِدَةَ في نَهْيِها عَنْ الِالتِفاتِ لِكَوْنِها مِن جُمْلَةِ الهالِكِينَ.
وَعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ فَهو لَمْ يَسْرِ بِها، وظاهِرُ قِراءَةِ أبِي عَمْرٍو، وابْنِ كَثِيرٍ: أنَّهُ أسْرى بِها والتَفَتَتْ فَهَلَكَتْ.
قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: لَمّا سَمِعَتْ هَدَّةَ العَذابِ التَفَتَتْ، وقالَتْ: واقَوْماهْ، فَأدْرَكَها حَجَرٌ فَقَتَلَها.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: الظّاهِرُ أنَّ وجْهَ الجَمْعِ بَيْنَ القِراءَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ أنَّ السِّرَّ في أمْرِ لُوطٍ بِأنْ يَسْرِيَ بِأهْلِهِ هو النَّجاةُ مِنَ العَذابِ الواقِعِ صُبْحًا بِقَوْمِ لُوطٍ، وامْرَأةُ لُوطٍ مُصِيبُها ذَلِكَ العَذابُ الَّذِي أصابَ قَوْمَها لا مَحالَةَ، فَنَتِيجَةُ إسْراءِ لُوطٍ بِأهْلِهِ لَمْ تَدْخُلْ فِيها امْرَأتُهُ عَلى كِلا القَوْلَيْنِ، وما لا فائِدَةَ فِيهِ كالعَدَمِ، فَيَسْتَوِي مَعْنى أنَّهُ تَرَكَها ولَمْ يُسْرِ بِها أصْلًا، وأنَّهُ أسْرى بِها وهَلَكَتْ مَعَ الهالِكِينَ.
فَمَعْنى القَوْلَيْنِ راجِعٌ إلى أنَّها هالِكَةٌ، ولَيْسَ لَها نَفْعٌ في إسْراءِ لُوطٍ بِأهْلِهِ، فَلا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِها بَقِيَتْ مَعَهم، أوْ خَرَجَتْ وأصابَها ما أصابَهم.
فَإذا كانَ الإسْراءُ مَعَ لُوطٍ لَمْ يُنَجِّها مِنَ العَذابِ، فَهي ومَن لَمْ يُسْرِ مَعَهُ سَواءٌ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَأسْرِ بِأهْلِكَ﴾ [هود: ٨١]، قَرَأهُ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ: ”فاسْرِ“ بِهَمْزَةِ وصْلٍ، مِن سَرى يَسْرِي، وقَرَأهُ جُمْهُورُ القُرّاءِ: ﴿فَأسْرِ بِأهْلِكَ﴾ بِقَطْعِ الهَمْزَةِ، مِن أسْرى الرُّباعِيِّ عَلى وزْنِ أفْعَلَ، وسَرى وأسْرى: لُغَتانِ وقِراءَتانِ صَحِيحَتانِ سَبْعِيَّتانِ، ومِن سَرى الثُّلاثِيَّةِ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّيْلِ إذا يَسْرِي﴾ [الفجر: ٤]، فَإنَّ فَتْحَ ياءِ يَسْرِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مُضارِعُ سَرى (p-١٩٢)الثُّلاثِيَّةِ.
وَجَمَعَ اللُّغَتَيْنِ قَوْلُ نابِغَةِ ذُبْيانَ:
؎أسْرَتْ عَلَيْهِ مِنَ الجَوْزاءِ سارِيَةٌ تُزْجِي الشَّمالُ عَلَيْها جامِدَ البَرَدِ
فَإنَّهُ قالَ: أسْرَتْ، رُباعِيَّةً في أشْهَرِ رِوايَتَيِ البَيْتِ، وقَوْلُهُ: سارِيَةٌ، اسْمُ فاعِلِ ”سَرى“ الثُّلاثِيَّةِ، وجَمَعَهُما أيْضًا قَوْلُ الآخَرِ:
؎حَتّى النَّضِيرَةِ رَبَّةِ الخِدْرِ ∗∗∗ أسْرَتْ إلَيْكَ ولَمْ تَكُنْ تَسْرِي
بِفَتْحِ تاءِ ”تَسْرِي“ واللُّغَتانِ كَثِيرَتانِ جِدًّا في كَلامِ العَرَبِ، ومَصْدَرُ الرُّباعِيَّةِ الإسْراءُ عَلى القِياسِ، ومَصْدَرُ الثُّلاثِيَّةِ السُّرى بِالضَّمِّ عَلى وزْنِ فُعَلٍ بِضَمٍّ فَفَتْحٍ عَلى غَيْرِ قِياسٍ، ومِنهُ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ:
؎عِنْدَ الصَّباحِ يَحْمَدُ القَوْمُ السُّرى ∗∗∗ وتَنْجَلِي عَنْهم غَياباتُ الكَرى
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ .
ذَكَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ مَوْعِدَ إهْلاكِ قَوْمِ لُوطٍ وقْتُ الصُّبْحِ مِن تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وكَذَلِكَ قالَ في ”الحِجْرِ“ في قَوْلِهِ: ﴿وَقَضَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ [الحجر: ٦٦]، وزادَ في ”الحِجْرِ“ أنَّ صَبِيحَةَ العَذابِ وقَعَتْ عَلَيْهِمْ وقْتَ الإشْراقِ، وهو وقْتُ طُلُوعِ الشَّمْسِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾ .
11:82Page 231
فَلَمَّا جَآءَ أَمۡرُنَا جَعَلۡنَا عَٰلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمۡطَرۡنَا عَلَيۡهَا حِجَارَةٗ مِّن سِجِّيلٖ مَّنضُودٖ ٨٢
So when Our command came, We made the highest part [of the city] its lowest and rained upon them stones of layered hard clay, [which were]
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ الآيَةَ.
اخْتَلَفَ العُلَماءُ في المُرادِ بِحِجارَةِ السِّجِّيلِ اخْتِلافًا كَثِيرًا، والظّاهِرُ أنَّها حِجارَةٌ مِن طِينٍ في غايَةِ الشِّدَّةِ والقُوَّةِ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّ المُرادَ بِالسِّجِّيلِ: الطِّينُ، قَوْلُهُ تَعالى في ”الذّارِياتِ“ في القِصَّةِ بِعَيْنِها: ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن طِينٍ﴾ ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾ [الذاريات: ٣٣، ٣٤]، وخَيْرُ ما يُفَسَّرُ بِهِ القُرْآنُ القُرْآنُ. والدَّلِيلُ عَلى قُوَّتِها وشِدَّتِها: أنَّ اللَّهَ ما عَذَّبَهم بِها في حالَةِ غَضَبِهِ عَلَيْهِمْ إلّا لِأنَّ النَّكالَ بِها بالِغٌ شَدِيدٌ، وأيْضًا فَإنَّ بَعْضَ العُلَماءِ قالُوا: السِّجِّيلُ والسَّجِّينُ: أُخْتانِ، كِلاهُما الشَّدِيدُ مِنَ الحِجارَةِ والضَّرْبِ. ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ مُقْبِلٍ:
؎وَرَجْلَةً يَضْرِبُونَ البَيْضَ ضاحِيَةً ضَرْبًا تَواصى بِهِ الأبْطالُ سِجِّينا
وَعَلى هَذا، فَمَعْنى ﴿مِن سِجِّيلٍ﴾،: أيْ مِن طِينٍ شَدِيدِ القُوَّةِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences