Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic
الحجر
Al-Hijr
The Rocky Tract · Meccan · 99 ayahs
15:1Page 262
الٓرۚ تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡكِتَٰبِ وَقُرۡءَانٖ مُّبِينٖ ١
Alif, Lām, Rā.1 These are the verses of the Book and a clear Qur’ān [i.e., recitation].
No commentary for this ayah
15:2Page 262
رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡ كَانُواْ مُسۡلِمِينَ ٢
Perhaps those who disbelieve will wish1 that they had been Muslims.
(p-٢٥٢)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الحِجْرِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ﴾ .
ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ الكُفّارَ إذا عَرَفُوا حَقِيقَةَ الأمْرِ تَمَنَّوْا أنَّهم كانُوا في دارِ الدُّنْيا مُسْلِمِينَ، ونَدِمُوا عَلى كُفْرِهِمْ، وبَيَّنَ هَذا المَعْنى في مَواضِعَ أُخَرَ،
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ فَقالُوا يالَيْتَنا نُرَدُّ ولا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام: ٢٧]
• وقَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا جاءَتْهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً قالُوا ياحَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها﴾ [الأنعام: ٣١]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٧]
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، وأقْوالُ العُلَماءِ في هَذِهِ الآيَةِ راجِعَةٌ إلى شَيْءٍ واحِدٍ؛ لِأنَّ مَن يَقُولُ: إنَّ الكافِرَ إذا احْتُضِرَ وعايَنَ الحَقِيقَةَ تَمَنّى أنَّهُ كانَ مُسْلِمًا، ومَن يَقُولُ: إنَّهُ إذا عايَنَ النّارَ ووَقَفَ عَلَيْها تَمَنّى أنَّهُ كانَ مُسْلِمًا، ومَن يَقُولُ: إنَّهم إذا عايَنُوا إخْراجَ المُوَحِّدِينَ مِنَ النّارِ تَمَنَّوْا أنَّهم كانُوا مُسْلِمِينَ، كُلُّ ذَلِكَ راجِعٌ إلى أنَّ الكُفّارَ إذا عايَنُوا الحَقِيقَةَ نَدِمُوا عَلى الكُفْرِ وتَمَنَّوْا أنَّهم كانُوا مُسْلِمِينَ.
وَقَرَأ نافِعٌ وعاصِمٌ رُبَما بِتَخْفِيفِ الباءِ، وقَرَأ الباقُونَ بِتَشْدِيدِها، والتَّخْفِيفُ لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، والتَّثْقِيلُ لُغَةُ تَمِيمٍ وقَيْسٍ ورَبِيعَةَ، ومِنَ الأوَّلِ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ الرَّعْلاءِ الغَسّانِيِّ:
؎رُبَما ضَرْبَةٍ بِسَيْفٍ صَقِيلٍ بَيْنَ بُصْرى وطَعْنَةٍ نَجْلاءِ
والثّانِي: كَثِيرٌ جِدًّا، ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ:
؎ألّا رُبَّما أهْدَتْ لَكِ العَيْنُ نَظْرَةً ∗∗∗ قَصاراكِ مِنها أنَّها عَنْكِ لا تُجْدِي
وَرُبَّ في هَذا المَوْضِعِ قالَ بَعْضُ العُلَماءِ لِلتَّكْثِيرِ، أيْ: يَوَدُّ الكُفّارُ في أوْقاتٍ كَثِيرَةٍ لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ. ونَقَلَ القُرْطُبِيُّ هَذا القَوْلَ عَنِ الكُوفِيِّينَ قالَ ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ألّا رُبَّما أهْدَتْ لَكِ العَيْنُ ∗∗∗ . . . . . . . . .
البَيْتَ (p-٢٥٣)وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: هي هُنا لِلتَّقْلِيلِ؛ لِأنَّهم قالُوا ذَلِكَ في بَعْضِ المَواضِعِ لا في كُلِّها لِشُغْلِهِمْ بِالعَذابِ. فَإنْ قِيلَ: رُبَّما لا تَدْخُلُ إلّا عَلى الماضِي، فَما وجْهُ دُخُولِها عَلى المُضارِعِ في هَذا المَوْضِعِ ؟ فالجَوابُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا وعَدَ بِوُقُوعِ ذَلِكَ صارَ ذَلِكَ الوَعْدُ لِلْجَزْمِ بِتَحْقِيقِ وُقُوعِهِ، كالواقِعِ بِالفِعْلِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ الآيَةَ [النحل: ١] ونَحْوَها مِنَ الآياتِ، فَعَبَّرَ بِالماضِي تَنْزِيلًا لِتَحْقِيقِ الوُقُوعِ مَنزِلَةَ الوُقُوعِ بِالفِعْلِ.
15:3Page 262
ذَرۡهُمۡ يَأۡكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلۡهِهِمُ ٱلۡأَمَلُۖ فَسَوۡفَ يَعۡلَمُونَ ٣
Let them eat and enjoy themselves and be diverted by [false] hope, for they are going to know.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَرْهم يَأْكُلُوا ويَتَمَتَّعُوا ويُلْهِهِمُ الأمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ .
هَدَّدَ اللَّهُ تَعالى الكُفّارَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِأمْرِهِ نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يَتْرُكَهم يَأْكُلُونَ ويَتَمَتَّعُونَ، فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حَقِيقَةَ ما يَئُولُ إلَيْهِ الأمْرُ مِن شِدَّةِ تَعْذِيبِهِمْ وإهانَتِهِمْ. وهَدَّدَهم هَذا النَّوْعَ مِنَ التَّهْدِيدِ في مَواضِعَ أُخَرَ
• كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا فَإنَّ مَصِيرَكم إلى النّارِ﴾ [ ١٤ ]
• وقَوْلِهِ ﴿كُلُوا وتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إنَّكم مُجْرِمُونَ﴾ [المرسلات: ٤٦]
• وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إنَّكَ مِن أصْحابِ النّارِ﴾ [الزمر: ٨]
• وقَوْلِهِ: ﴿فَذَرْهم يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ [الزخرف: ٨٣ ]، [ ٧٠ \ ٤٢]
• وقَوْلِهِ ﴿فَذَرْهم حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ [الطور: ٤٥]
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَقَدْ تَقَرَّرَ في فَنِّ المَعانِي وفي مَبْحَثِ الأمْرِ عِنْدَ الأُصُولِيِّينَ أنَّ مِنَ المَعانِي الَّتِي تَأْتِي لَها صِيغَةُ افْعَلِ التَّهْدِيدَ، كَما في الآيَةِ المَذْكُورَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ذَرْهم يَعْنِي اتْرُكْهم، وهَذا الفِعْلُ لَمْ يُسْتَعْمَلْ مِنهُ إلّا الأمْرُ والمُضارِعُ، فَماضِيهِ تَرَكَ، ومَصْدَرُهُ التَّرْكُ، واسْمُ الفاعِلِ مِنهُ تارِكٌ، واسْمُ المَفْعُولِ مِنهُ مَتْرُوكٌ. وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِآياتِ السَّيْفِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. قالَ القُرْطُبِيُّ: ”والأمَلُ الحِرْصُ عَلى الدُّنْيا والِانْكِبابُ عَلَيْها، والحُبُّ لَها والإعْراضُ عَنِ الآخِرَةِ“ وعَنِ الحَسَنِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أنَّهُ قالَ: ”ما أطالَ عَبْدٌ الأمَلَ إلّا أساءَ العَمَلَ“ وقَدْ قَدَّمْنا عِلاجَ طُولِ الأمَلِ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
15:4Page 262
وَمَآ أَهۡلَكۡنَا مِن قَرۡيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٞ مَّعۡلُومٞ ٤
And We did not destroy any city but that for it was a known decree.
No commentary for this ayah
15:5Page 262
مَّا تَسۡبِقُ مِنۡ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسۡتَـٔۡخِرُونَ ٥
No nation will precede its term, nor will they remain thereafter.
No commentary for this ayah
15:6Page 262
وَقَالُواْ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِي نُزِّلَ عَلَيۡهِ ٱلذِّكۡرُ إِنَّكَ لَمَجۡنُونٞ ٦
And they say, "O you upon whom the message has been sent down, indeed you are mad.1
قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَقالُوا يا أيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ قَدْ يُقالُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: كَيْفَ يُقِرُّونَ بِأنَّهُ أُنْزِلَ إلَيْهِ الذِّكْرُ ويَنْسُبُونَهُ لِلْجُنُونِ مَعَ ذَلِكَ ؟ والجَوابُ أنَّ قَوْلَهم: ﴿ياأيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ يَعْنُونَ في زَعْمِهِ تَهَكُّمًا مِنهم بِهِ، ويُوَضِّحُ هَذا المَعْنى وُرُودُ مِثْلِهِ مِنَ الكُفّارِ مُتَهَكِّمِينَ بِالرُّسُلِ - عَلَيْهِمْ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ - في مَواضِعَ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ تَعالى عَنْ فِرْعَوْنَ مَعَ مُوسى قالَ: ﴿إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكم لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء: ٢٧] (p-٢٥٤)وَقَوْلِهِ عَنْ قَوْمِ شُعَيْبٍ ﴿إنَّكَ لَأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ . [ ١١ \ ٨٧
15:7Page 262
لَّوۡمَا تَأۡتِينَا بِٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ٧
Why do you not bring us the angels, if you should be among the truthful?"
قَوْلُهُ تَعالى ﴿لَوْ ما تَأْتِينا بِالمَلائِكَةِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ . لَوْ ما في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ لِلتَّحْضِيضِ، وهو طَلَبُ الفِعْلِ طَلَبًا حَثِيثًا. ومَعْنى الآيَةِ: أنَّ الكُفّارَ طَلَبُوا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ طَلَبَ تَخْصِيصٍ أنْ يَأْتِيَهم بِالمَلائِكَةِ لِيَكُونَ إتْيانُ المَلائِكَةِ مَعَهُ دَلِيلًا عَلى صِدْقِهِ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وبَيَّنَ طَلَبَ الكُفّارِ هَذا في آياتٍ أُخَرَ
• كَقَوْلِهِ عَنْ فِرْعَوْنَ مَعَ مُوسى: ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أسْوِرَةٌ مِن ذَهَبٍ أوْ جاءَ مَعَهُ المَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ [الزخرف: ٥٣]
• وقَوْلِهِ: ﴿وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ أوْ نَرى رَبَّنا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا في أنْفُسِهِمْ وعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٢١]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ولَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ٨]
• وقَوْلِهِ: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ٧]
• وقَوْلِهِ: ﴿أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٩٢]
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
واعْلَمْ أنَّ لَوْ تُرَكَّبُ مَعَ لا وما لِمَعْنَيَيْنِ: الأوَّلُ مِنهُما التَّحْضِيضُ، ومِثالُهُ في لَوْ ما في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، ومِثالُهُ في لَوْلا قَوْلُ جَرِيرٍ:
؎تَعُدُّونَ عَقْرَ النِّيبِ أفْضَلَ مَجْدِكم بَنِي ضُوطْرى لَوْلا الكَمِيَّ المُقَنَّعا
يَعْنِي: فَهَلّا تَعُدُّونَ الكَمِيَّ المُقَنَّعَ، المَعْنى الثّانِي هو امْتِناعُ شَيْءٍ لِوُجُودِ غَيْرِهِ، وهو في لَوْلا كَثِيرٌ جِدًّا كَقَوْلِ عامِرِ بْنِ الأكْوَعِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -:
؎تاللَّهِ لَوْلا اللَّهُ ما اهْتَدَيْنا ∗∗∗ ولا تَصَدَّقْنا ولا صَلَّيْنا
وَمِثالُهُ في (لَوْ ما) قَوْلُ ابْنِ مُقْبِلٍ:
؎لَوْ ما الحَياءُ ولَوْ ما الدِّينُ عِبْتُكُما ∗∗∗ بِبَعْضِ ما فِيكُما إذْ عِبْتُما عَوَرِي
وَأمّا هَلْ فَلَمْ تُرَكَّبْ إلّا مَعَ لا وحْدَها لِلتَّحْضِيضِ.
تَنْبِيهٌ
قَدْ تَرِدُ أدَواتُ التَّحْضِيضِ لِلتَّوْبِيخِ والتَّنْدِيمِ، فَتَخْتَصُّ بِالماضِي أوْ ما في تَأْوِيلِهِ نَحْوَ ﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إيمانُها إلّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ الآيَةَ [يونس: ٩٨] وقَوْلِهِ: ﴿لَوْلا جاءُوا عَلَيْهِ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾ الآيَةَ [النور: ١٣] وقَوْلِهِ: ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبانًا آلِهَةً﴾ الآيَةَ [الأحقاف: ٢٨]، وجَعَلَ بَعْضُهم مِنهُ قَوْلَ جَرِيرٍ: (p-٢٥٥)تَعُدُّونَ عَقْرَ النِّيبِ البَيْتَ المُتَقَدِّمَ آنِفًا
قائِلًا: إنَّ مُرادَهُ تَوْبِيخُهم عَلى تَرْكِ عَدِّ الكَمِيِّ المُقَنَّعِ في الماضِي.
15:8Page 262
مَا نُنَزِّلُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ وَمَا كَانُوٓاْ إِذٗا مُّنظَرِينَ ٨
We do not send down the angels except with truth;1 and they [i.e., the disbelievers] would not then be reprieved.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما نُنَزِّلُ المَلائِكَةَ إلّا بِالحَقِّ وما كانُوا إذًا مُنْظَرِينَ﴾ .
بَيَّنَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ ما يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ إلّا بِالحَقِّ، أيْ بِالوَحْيِ، وقِيلَ بِالعَذابِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ”إلّا تَنْزِيلًا مُتَلَبِّسًا بِالحِكْمَةِ والمَصْلَحَةِ، ولا حِكْمَةَ في أنْ تَأْتِيَكُمُ المَلائِكَةُ عَيانًا، تُشاهِدُونَهم ويَشْهَدُونَ لَكم بِصِدْقِ النَّبِيِّ ﷺ لِأنَّكم حِينَئِذٍ مُصَدِّقُونَ عَنِ اضْطِرارٍ“، قالَ: " ومِثْلُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ﴾ [الحجر: ٨٥] وبَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهم لَوْ نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ، ما كانُوا مُنْظَرِينَ وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَما كانُوا إذًا مُنْظَرِينَ﴾ [الحجر: ٨] لِأنَّ التَّنْوِينَ في قَوْلِهِ (إذًا) عِوَضٌ عَنْ جُمْلَةٍ، فَفِيهِ شَرْطٌ وجَزاءٌ، وتَقْرِيرُ المَعْنى: ولَوْ نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ ما كانُوا مُنْظَرِينَ، أيْ مُمْهَلِينَ بِتَأْخِيرِ العَذابِ عَنْهم، وقَدْ بَيَّنَ هَذا المَعْنى في مَواضِعَ أُخَرَ كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان: ٢٢] وقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾ [الأنعام: ٨] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وقَوْلُهُ: ﴿ما نُنَزِّلُ المَلائِكَةَ﴾ [الحجر: ٨] قَرَأهُ حَفْصٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: (نُنَزِّلُ) بِنُونَيْنِ الأُولى مَضْمُومَةٌ والثّانِيَةُ مَفْتُوحَةٌ مَعَ كَسْرِ الزّايِ المُشَدَّدَةِ، و (المَلائِكَةَ) بِالنَّصْبِ مَفْعُولٌ بِهِ لِنُنَزِّلُ. وقَرَأ شُعْبَةُ: (تُنَزَّلُ) بِتاءٍ مَضْمُومَةٍ ونُونٍ مَفْتُوحَةٍ مَعَ تَشْدِيدِ الزّايِ مَفْتُوحَةً بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ، و (المَلائِكَةَ) بِالرَّفْعِ نائِبُ فاعِلِ تُنَزَّلُ. وقَرَأ الباقُونَ (تَنَزَّلُ) بِفَتْحِ التّاءِ والنُّونِ والزّايِ المُشَدَّدَةِ، أصْلُهُ تَتَنَزَّلُ فَحُذِفَتْ إحْدى التّاءَيْنِ، و (المَلائِكَةُ) بِالرَّفْعِ فاعِلُ تَنَزَّلُ كَقَوْلِهِ: ﴿تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ﴾ الآيَةَ [القدر: ٤] .
15:9Page 262
إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ ٩
Indeed, it is We who sent down the message [i.e., the Qur’ān], and indeed, We will be its guardian.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ .
بَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ هو الَّذِي نَزَّلَ القُرْآنَ العَظِيمَ، وأنَّهُ حافِظٌ لَهُ مِن أنْ يُزادَ فِيهِ أوْ يُنْقَصَ أوْ يَتَغَيَّرَ مِنهُ شَيْءٌ أوْ يُبَدَّلَ، وبَيَّنَ هَذا المَعْنى في مَواضِعَ أُخَرَ كَقَوْلِهِ: ﴿وَإنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ﴾ ﴿لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِن حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤١ - ٤٢] وقَوْلِهِ: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٦] إلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ [القيامة: ١٩] وهَذا هو الصَّحِيحُ في مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿وَإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] (p-٢٥٦)راجِعٌ إلى الذِّكْرِ الَّذِي هو القُرْآنُ. وقِيلَ الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ كَقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] والأوَّلُ هو الحَقُّ كَما يَتَبادَرُ مِن ظاهِرِ السِّياقِ.
15:10Page 262
وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ فِي شِيَعِ ٱلۡأَوَّلِينَ ١٠
And We had certainly sent [messengers] before you, [O Muḥammad], among the sects of the former peoples.
No commentary for this ayah
15:11Page 262
وَمَا يَأۡتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ١١
And no messenger would come to them except that they ridiculed him.
No commentary for this ayah
15:12Page 262
كَذَٰلِكَ نَسۡلُكُهُۥ فِي قُلُوبِ ٱلۡمُجۡرِمِينَ ١٢
Thus do We insert it [i.e., denial] into the hearts of the criminals.
No commentary for this ayah
15:13Page 262
لَا يُؤۡمِنُونَ بِهِۦ وَقَدۡ خَلَتۡ سُنَّةُ ٱلۡأَوَّلِينَ ١٣
They will not believe in it, while there has already occurred the precedent of the former peoples.
No commentary for this ayah
15:14Page 262
وَلَوۡ فَتَحۡنَا عَلَيۡهِم بَابٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعۡرُجُونَ ١٤
And [even] if We opened to them a gate from the heaven and they continued therein to ascend,
No commentary for this ayah
15:15Page 262
لَقَالُوٓاْ إِنَّمَا سُكِّرَتۡ أَبۡصَٰرُنَا بَلۡ نَحۡنُ قَوۡمٞ مَّسۡحُورُونَ ١٥
They would say, "Our eyes have only been dazzled. Rather, we are a people affected by magic."
No commentary for this ayah
15:16Page 263
وَلَقَدۡ جَعَلۡنَا فِي ٱلسَّمَآءِ بُرُوجٗا وَزَيَّنَّٰهَا لِلنَّٰظِرِينَ ١٦
And We have placed within the heaven great stars and have beautified it for the observers.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنا في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ .
بَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ جَعَلَ في السَّماءِ بُرُوجًا، وذَكَرَ هَذا أيْضًا في مَواضِعَ أُخَرَ كَقَوْلِهِ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ [الفرقان: ٦١] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾ الآيَةَ [البروج: ١]، والبُرُوجُ: جَمْعُ بُرْجٍ.
واخْتَلَفَ العُلَماءُ في المُرادِ بِالبُرُوجِ في الآياتِ المَذْكُورَةِ، فَقالَ بَعْضُهم: البُرُوجُ: الكَواكِبُ، ومِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ هَذا القَوْلُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ. وعَنْ أبِي صالِحٍ: أنَّها الكَواكِبُ العِظامُ، وقِيلَ: هي قُصُورٌ في السَّماءِ عَلَيْها الحَرَسُ. ومِمَّنْ قالَ بِهِ عَطِيَّةُ، وقِيلَ: هي مَنازِلُ الشَّمْسِ والقَمَرِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وأسْماءُ هَذِهِ البُرُوجِ: الحَمَلُ والثَّوْرُ والجَوْزاءُ والسَّرَطانُ والأسَدُ والسُّنْبُلَةُ والمِيزانُ والعَقْرَبُ والقَوْسُ والجَدْيُ والدَّلْوُ والحُوتُ.
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ -: أطْلَقَ تَعالى في (( سُورَةِ النِّساءِ) ) البُرُوجَ عَلى القُصُورِ الحَصِينَةِ في قَوْلِهِ: ﴿أيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ المَوْتُ ولَوْ كُنْتُمْ في بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨] ومَرْجِعُ الأقْوالِ كُلِّها إلى شَيْءٍ واحِدٍ. لِأنَّ أصْلَ البُرُوجِ في اللُّغَةِ الظُّهُورُ، ومِنهُ تَبَرُّجُ المَرْأةِ بِإظْهارِ زِينَتِها، فالكَواكِبُ ظاهِرَةٌ، والقُصُورُ ظاهِرَةٌ، ومَنازِلُ القَمَرِ والشَّمْسِ كالقُصُورِ، بِجامِعِ أنَّ الكُلَّ مَحَلٌّ يُنْزَلُ فِيهِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَزَيَّنّاها لِلنّاظِرِينَ﴾ . صَرَّحَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ زَيَّنَ السَّماءَ لِلنّاظِرِينَ، وبَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ أنَّهُ زَيَّنَها بِالنُّجُومِ، وأنَّها السَّماءُ الدُّنْيا كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ﴾ الآيَةَ [الملك: ٥]، وقَوْلِهِ: ﴿إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ [الصافات: ٦] .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences