Ash-ShinqitiAn‑Nahl · 16:9–13

Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic

An-Nahl 16:9–13

16:9Page 268

وَعَلَى ٱللَّهِ قَصۡدُ ٱلسَّبِيلِ وَمِنۡهَا جَآئِرٞۚ وَلَوۡ شَآءَ لَهَدَىٰكُمۡ أَجۡمَعِينَ ٩

And upon Allāh1 is the direction of the [right] way, and among them [i.e., the various paths] are those deviating. And if He willed, He could have guided you all.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ومِنها جائِرٌ﴾، اعْلَمْ أوَّلًا: ”أنَّ قَصْدَ السَّبِيلِ“ [النحل: ٩]: هو الطَّرِيقُ المُسْتَقِيمُ القاصِدُ، الَّذِي لا اعْوِجاجَ فِيهِ، وهَذا المَعْنى مَعْرُوفٌ في كَلامِ العَرَبِ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرُ بْنُ أبِي سُلْمى المُزَنِيُّ: (p-٣٣٦)

؎صَحا القَلْبُ عَنْ سَلْمى وأقصَرَ باطِلُهُ وعُرِّيَ أفْراسُ الصِّبا

؎وَرَواحِلُهُ وأقْصَرْتُ عَمّا تَعْلَمِينَ وسُدِّدَتْ ∗∗∗ عَلَيَّ سِوى قَصْدِ السَّبِيلِ مَعادِلُهُ

وَقَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:

؎وَمِنَ الطَرِيقَةِ جائِرٌ وهُدًى ∗∗∗ قَصْدُ السَّبِيلِ ومِنهُ ذُو دَخَلِ

فَإذا عَلِمْتَ ذَلِكَ، فاعْلَمْ أنَّ في مَعْنى الآيَةِ الكَرِيمَةِ وجْهَيْنِ مَعْرُوفَيْنِ لِلْعُلَماءِ، وكُلٌّ مِنهُما لَهُ مِصْداقٌ في كِتابِ اللَّهِ، إلّا أنَّ أحَدَهُما أظْهَرُ عِنْدِي مِنَ الآخَرِ. الأوَّلُ مِنهُما: أنَّ مَعْنى ﴿وَعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾: أنَّ طَرِيقَ الحَقِّ الَّتِي هي قَصْدُ السَّبِيلِ عَلى اللَّهِ، أيْ: مُوَصِّلَةٌ إلَيْهِ، لَيْسَتْ حائِدَةً، ولا جائِرَةً عَنِ الوُصُولِ إلَيْهِ وإلى مَرْضاتِهِ، ﴿وَمِنها جائِرٌ﴾ أيْ: ومِنَ الطَّرِيقِ جائِرٌ لا يَصِلُ إلى اللَّهِ، بَلْ هو زائِغٌ وحائِدٌ عَنِ الوُصُولِ إلَيْهِ، ويَشْهَدُ لِهَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكم عَنْ سَبِيلِهِ﴾، وقَوْلُهُ: ﴿وَأنِ اعْبُدُونِي هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ . ويُؤَيِّدُ هَذا التَّفْسِيرَ قَوْلُهُ بَعْدَهُ: ﴿وَمِنها جائِرٌ﴾ وهَذا الوَجْهُ أظْهَرُ عِنْدِي، واسْتَظْهَرَهُ ابْنُ كَثِيرٍ وغَيْرُهُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ مَعْنى الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾، أيْ: عَلَيْهِ جَلَّ وعَلا أنْ يُبَيِّنَ لَكم طَرِيقَ الحَقِّ عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِهِ. ويَدُلُّ لِهَذا الوَجْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾، وقَوْلُهُ: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾، وقَوْلُهُ: ﴿فَإنَّما عَلى رَسُولِنا البَلاغُ المُبِينُ﴾، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وعَلى هَذا القَوْلِ، فَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وَمِنها جائِرٌ﴾، غَيْرُ واضِحٍ لِأنَّ المَعْنى: ومِنَ الطَّرِيقِ جائِرٌ عَنِ الحَقِّ، وهو الَّذِي نَهاكم اللَّهُ عَنْ سُلُوكِهِ. والجائِرُ: المائِلُ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ، والوَجْهانِ المَذْكُورانِ في هَذِهِ الآيَةِ جارِيانِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ . . . ) الآيَةَ. قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَلَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ بَيَّنَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ لَوْ شاءَ هِدايَةَ جَمِيعِ خَلْقِهِ لَهَداهم أجْمَعِينَ، وأوْضَحَ هَذا المَعْنى في آياتٍ أُخَرَ،

• كَقَوْلِهِ: (p-٣٣٧)﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهم عَلى الهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٥]،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها﴾ . . . [السجدة: ١٣]،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكُوا﴾ [الأنعام: ١٠٧]،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن في الأرْضِ كُلُّهم جَمِيعًا﴾ . . . الآيَةَ [يونس: ٩٩]،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً﴾ . . . الآيَةَ [هود: ١١٨]،

إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وقَدْ قَدَّمْنا هَذا في ”سُورَةِ يُونُسَ“ .

16:10Page 268

هُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗۖ لَّكُم مِّنۡهُ شَرَابٞ وَمِنۡهُ شَجَرٞ فِيهِ تُسِيمُونَ ١٠

It is He who sends down rain from the sky; from it is drink and from it is foliage in which you pasture [animals].

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكم مِنهُ شَرابٌ﴾، تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ما يُوَضِّحُ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ في ”سُورَةِ الحِجْرِ“ .

* *

وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَلا -: ﴿وَمِنهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ ﴿يُنْبِتُ لَكم بِهِ الزَّرْعَ والزَّيْتُونَ والنَّخِيلَ والأعْنابَ ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ .

بَيَّنَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ: إنْباتَهُ بِالماءِ ما يَأْكُلُهُ النّاسُ مِنَ الحُبُوبِ والثِّمارِ، وما تَأْكُلُهُ المَواشِي مِنَ المَرْعى مِن أعْظَمِ نِعَمِهِ عَلى بَنِي آدَمَ، ومِن أوْضَحِ آياتِهِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ هو المُسْتَحِقُّ لِأنْ يُعْبَدَ وحْدَهُ، وأوْضَحَ هَذا المَعْنى في آياتٍ كَثِيرَةٍ،

• كَقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَسُوقُ الماءَ إلى الأرْضِ الجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنهُ أنْعامُهم وأنْفُسُهم أفَلا يُبْصِرُونَ﴾ [السجدة: ٢٧]،

• وقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا وسَلَكَ لَكم فِيها سُبُلًا وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ أزْواجًا مِن نَباتٍ شَتّى﴾ ﴿كُلُوا وارْعَوْا أنْعامَكم إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى﴾ [طه: ٥٣، ٥٤]،

• وقَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ ﴿أخْرَجَ مِنها ماءَها ومَرْعاها﴾ ﴿والجِبالَ أرْساها﴾ ﴿مَتاعًا لَكم ولِأنْعامِكُمْ﴾ [النازعات: ٣٠ - ٣٣]،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكًا فَأنْبَتْنا بِهِ جَنّاتٍ وحَبَّ الحَصِيدِ﴾ ﴿والنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ ﴿رِزْقًا لِلْعِبادِ﴾ الآيَةَ [ق: ٩ - ١١]،

• وقَوْلِهِ: ﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ لَكم مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هم قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ [النمل: ٦٠]،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَأنْزَلْنا مِنَ المُعْصِراتِ ماءً ثَجّاجًا﴾ ﴿لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا ونَباتًا﴾ ﴿وَجَنّاتٍ ألْفافًا﴾ [النبإ: ١٤ - ١٦]،

والآياتُ بِمِثْلِ هَذا كَثِيرَةٌ جِدًّا.

تَنْبِيهانِ.

الأوَّلُ: اعْلَمْ أنَّ النَّظَرَ في هَذِهِ الآياتِ واجِبٌ، لِما تَقَرَّرَ في الأُصُولِ: ”أنَّ صِيغَةَ الأمْرِ تَقْتَضِي الوُجُوبَ إلّا لِدَلِيلٍ يَصْرِفُها عَنِ الوُجُوبِ“ . واللَّهُ - جَلَّ وعَلا - أمَرَ الإنْسانَ أنْ يَنْظُرَ (p-٣٣٨)إلى طَعامِهِ الَّذِي بِهِ حَياتُهُ، ويُفَكِّرَ في الماءِ الَّذِي هو سَبَبُ إنْباتِ حُبِّهِ مَن أنْزَلَهُ ؟ ثُمَّ بَعْدَ إنْزالِ الماءِ ورَيِّ الأرْضِ مَن يَقْدِرُ عَلى شَقِّ الأرْضِ عَنِ النَّباتِ وإخْراجِهِ مِنها ؟ ثُمَّ مِن يَقْدِرُ عَلى إخْراجِ الحَبِّ مِن ذَلِكَ النَّباتِ ؟ ثُمَّ مِن يَقْدِرُ عَلى تَنْمِيَتِهِ حَتّى يَصِيرَ صالِحًا لِلْأكْلِ ! ؟: ﴿انْظُرُوا إلى ثَمَرِهِ إذا أثْمَرَ ويَنْعِهِ﴾ . . . الآيَةَ [الأنعام: ٩]، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى طَعامِهِ﴾ ﴿أنّا صَبَبْنا الماءَ صَبًّا﴾ ﴿ثُمَّ شَقَقْنا الأرْضَ شَقًّا﴾ ﴿فَأنْبَتْنا فِيها حَبًّا﴾ ﴿وَعِنَبًا وقَضْبًا﴾ ﴿وَزَيْتُونًا ونَخْلًا﴾ ﴿وَحَدائِقَ غُلْبًا﴾ ﴿وَفاكِهَةً وأبًّا﴾ ﴿مَتاعًا لَكم ولِأنْعامِكُمْ﴾ [عبس: ٢٤ - ٣٢] .

وَكَذَلِكَ يَجِبُ عَلى الإنْسانِ النَّظَرُ في الشَّيْءِ الَّذِي خُلِقَ مِنهُ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ [الطارق: ٥]، وظاهِرُ القُرْآنِ: أنَّ النَّظَرَ في ذَلِكَ واجِبٌ، ولا دَلِيلَ يَصْرِفُ عَنْ ذَلِكَ.

التَّنْبِيهُ الثّانِي: اعْلَمْ أنَّهُ - جَلَّ وعَلا - أشارَ في هَذِهِ الآياتِ مِن أوَّلِ سُورَةِ ”النَّحْلِ“ إلى بَراهِينِ البَعْثِ الثَّلاثَةِ، الَّتِي قَدَّمْنا أنَّ القُرْآنَ العَظِيمَ يَكْثُرُ فِيهِ الِاسْتِدْلالُ بِها عَلى البَعْثِ. الأوَّلُ: خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ . . . . الآيَةَ [التغابن: ٣]، والِاسْتِدْلالُ بِذَلِكَ عَلى البَعْثِ كَثِيرٌ في القُرْآنِ،

• كَقَوْلِهِ: ﴿أأنْتُمْ أشَدُّ خَلْقًا أمِ السَّماءُ بَناها﴾ ﴿رَفَعَ سَمْكَها﴾ [النازعات: ٢٧ - ٢٨]، إلى قَوْلِهِ: ﴿مَتاعًا لَكم ولِأنْعامِكُمْ﴾ [النازعات: ٣٣]،

• وقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ولَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ [الأحقاف: ٣٣]،

• وقَوْلِهِ: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ﴾ . . . الآيَةَ [غافر: ٥٧]،

• وقَوْلِهِ: ﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهم بَلى وهو الخَلّاقُ العَلِيمُ﴾ [يس: ٨١]،

إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ كَما تَقَدَّمَ.

البُرْهانُ الثّانِي: خَلْقُ الإنْسانِ أوَّلًا المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ﴾ [النحل: ٤]؛ لِأنَّ مَنِ اخْتَرَعَ قادِرٌ عَلى الإعادَةِ ثانِيًا. وهَذا يَكْثُرُ الِاسْتِدْلالُ بِهِ أيْضًا عَلى البَعْثِ،

• كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ وهو بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٩]،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وهو أهْوَنُ﴾ . . . . الآيَةَ [الروم: ٢٧]،

• وقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ فَإنّا خَلَقْناكم مِن تُرابٍ﴾ [الحج: ٥]،

• وقَوْلِهِ: ﴿أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّلِ بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [ق: ١٥]،

إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ (p-٣٣٩)الآياتِ كَما تَقَدَّمَ.

البُرْهانُ الثّالِثُ: إحْياءُ الأرْضِ بَعْدَ مَوْتِها المَذْكُورُ هُنا في قَوْلِهِ: ﴿يُنْبِتُ لَكم بِهِ الزَّرْعَ والزَّيْتُونَ والنَّخِيلَ والأعْنابَ﴾ . . . [النحل: ١١]، فَإنَّهُ يَكْثُرُ في القُرْآنِ الِاسْتِدْلالُ بِهِ عَلى البَعْثِ أيْضًا،

• كَقَوْلِهِ: ﴿فَإذا أنْزَلْنا عَلَيْها الماءَ اهْتَزَّتْ ورَبَتْ إنَّ الَّذِي أحْياها لَمُحْيِي المَوْتى﴾ [فصلت: ٣٩]،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَأحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الخُرُوجُ﴾ [ق: ١١]، أيْ: كَذَلِكَ الأحْياءُ خُرُوجُكم مِن قُبُورِكم أحْياءً بَعْدَ المَوْتِ،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَيُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ [الروم: ١٩]، أيْ: مِن قُبُورِكم أحْياءً بَعْدَ المَوْتِ،

• وقَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا أقَلَّتْ سَحابًا ثِقالًا سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأنْزَلْنا بِهِ الماءَ فَأخْرَجْنا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَراتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ المَوْتى لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٥٧]،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَتَرى الأرْضَ هامِدَةً فَإذا أنْزَلْنا عَلَيْها الماءَ اهْتَزَّتْ ورَبَتْ وأنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ وأنَّهُ يُحْيِي المَوْتى وأنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الحج: ٥، ٦]،

إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ كَما تَقَدَّمَ.

فَهَذِهِ البَراهِينُ الثَّلاثَةُ يَكْثُرُ جِدًّا الِاسْتِدْلالُ بِها عَلى البَعْثِ في كِتابِ اللَّهِ، كَما رَأيْتَ وكَما تَقَدَّمَ.

وَهُناكَ بُرْهانٌ رابِعٌ يَكْثُرُ الِاسْتِدْلالُ بِهِ عَلى البَعْثِ أيْضًا ولا ذِكْرَ لَهُ في هَذِهِ الآياتِ، وهو إحْياءُ اللَّهِ بَعْضَ المَوْتى في دارِ الدُّنْيا، كَما تَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ في: ”سُورَةِ البَقَرَةِ“؛ لِأنَّ مَن أحْيا نَفْسًا واحِدَةً بَعْدَ مَوْتِها قادِرٌ عَلى إحْياءِ جَمِيعِ النُّفُوسِ: ﴿ما خَلْقُكم ولا بَعْثُكم إلّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨] .

وَقَدْ ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - هَذا البُرْهانَ في: ”سُورَةِ البَقَرَةِ“ في خَمْسَةِ مَواضِعَ:

الأوَّلُ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ بَعَثْناكم مِن بَعْدِ مَوْتِكم لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٦] .

الثّانِي قَوْلُهُ: ﴿فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ المَوْتى ويُرِيكم آياتِهِ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٧٣] .

الثّالِثُ قَوْلُهُ - جَلَّ وعَلا -: ﴿فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أحْياهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٣] .

الرّابِعُ قَوْلُهُ: ﴿فَأماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فانْظُرْ إلى طَعامِكَ وشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وانْظُرْ إلى حِمارِكَ ولِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنّاسِ وانْظُرْ إلى العِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْمًا فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أعْلَمُ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٥٩] .

(p-٣٤٠)الخامِسُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ فَخُذْ أرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٠] .

وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ومِنهُ ﴿شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ [النحل: ١٠]، أيْ: تَرْعَوْنَ مَواشِيَكُمُ السّائِمَةَ في ذَلِكَ الشَّجَرِ الَّذِي هو المَرْعى. والعَرَبُ تُطْلِقُ اسْمَ الشَّجَرِ عَلى كُلِّ ما تُنْبِتُهُ الأرْضُ مِنَ المَرْعى؛ ومِنهُ قَوْلُ النَّمِرِ بْنِ تَوْلَبٍ العُكْلِيِّ:

؎إنّا أتَيْناكَ وقَدْ طالَ السَّفَرْ نَقُودُ خَيْلًا ضُمَّرًا فِيها صَعَرْ

؎نُطْعِمُها اللَّحْمَ ∗∗∗ إذا عَزَّ الشَّجَرْ

والعَرَبُ تَقُولُ: سامَتِ المَواشِي؛ إذا رَعَتْ في المَرْعى الَّذِي يُنْبِتُهُ اللَّهُ بِالمَطَرِ. وأسامَها صاحِبُها: أيْ رَعاها فِيهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎مَثَلُ ابْنِ بَزْعَةَ أوْ كَآخِرَ مِثْلِهِ ∗∗∗ أوْلى لَكَ ابْنَ مُسِيمَةِ الأجْمالِ

يَعْنِي يا ابْنَ راعِيَةِ الجِمالِ الَّتِي تُسِيمُها في المَرْعى.

وَقَوْلُهُ: ﴿يُنْبِتُ لَكم بِهِ الزَّرْعَ﴾ [النحل: ١١]، قَرَأهُ شُعْبَةُ عَنْ عاصِمٍ: ”نُنْبِتُ“ بِالنُّونِ، والباقُونَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ.

16:11Page 268

يُنۢبِتُ لَكُم بِهِ ٱلزَّرۡعَ وَٱلزَّيۡتُونَ وَٱلنَّخِيلَ وَٱلۡأَعۡنَٰبَ وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ ١١

He causes to grow for you thereby the crops, olives, palm trees, grapevines, and of all the fruits. Indeed in that is a sign for a people who give thought.

No commentary for this ayah

16:12Page 268

وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ وَٱلنُّجُومُ مُسَخَّرَٰتُۢ بِأَمۡرِهِۦٓۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ ١٢

And He has subjected for you the night and day and the sun and moon, and the stars are subjected by His command. Indeed in that are signs for a people who reason.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأمْرِهِ إنَّ في ذَلِكَ لِآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾، ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ سَخَّرَ لِخَلْقِهِ خَمْسَةَ أشْياءَ عِظامٍ، فِيها مِن عَظِيمِ نِعْمَتِهِ ما لا يَعْلَمُهُ إلّا هو، وفِيها الدَّلالاتُ الواضِحاتُ لِأهْلِ العُقُولِ: عَلى أنَّهُ الواحِدُ المُسْتَحِقُّ لِأنْ يُعْبَدُ وحْدَهُ.

والخَمْسَةُ المَذْكُورَةُ هي: اللَّيْلُ، والنَّهارُ، والشَّمْسُ، والقَمَرُ، والنُّجُومُ.

وَكَرَّرَ في القُرْآنِ ذِكْرَ إنْعامِهِ بِتَسْخِيرِ هَذِهِ الأشْياءِ، وأنَّها مِن أعْظَمِ أدِلَّةِ وحْدانِيَّتِهِ واسْتِحْقاقِهِ لِلْعِبادَةِ وحْدَهُ؛

• كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأمْرِهِ ألا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤]، وإغْشاؤُهُ اللَّيْلَ النَّهارَ: هو تَسْخِيرُهُما، وقَوْلُهُ: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ والقَمَرَ دائِبَيْنِ وسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ﴾ الآيَةَ [إبراهيم: ٣٣]،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ فَإذا هم مُظْلِمُونَ﴾ ﴿والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ ﴿والقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتّى عادَ كالعُرْجُونِ القَدِيمِ﴾ . [يس: ٣٧ - ٣٩]، (p-٣٤١)

• وَقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ الآيَةَ [الملك: ٥]،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَبِالنَّجْمِ هم يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦]،

إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

وَفِي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ثَلاثُ قِراءاتٍ سَبْعِيّاتٍ في الأسْماءِ الأرْبَعَةِ الأخِيرَةِ، الَّتِي هي: ”الشَّمْسُ“، و ”القَمَرُ“، و ”النُّجُومُ“، و ”مُسَخَّراتٌ“ [النحل: ١٢]؛ فَقَرَأ بِنَصْبِها كُلِّها نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ في رِوايَةِ شُعْبَةَ. وقَرَأ بِرَفْعِ الأسْماءِ الأرْبَعَةِ ابْنُ عامِرٍ، عَلى أنَّ: والشَّمْسَ مُبْتَدَأٌ وما بَعْدَهُ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ و: مُسَخَّراتٌ خَبَرُ المُبْتَدَأِ. وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِنَصْبِ:، والشَّمْسَ والقَمَرَ عَطْفًا عَلى اللَّيْلِ والنَّهارِ، ورَفَعَ:، والنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ. وأظْهَرُ أوْجُهِ الإعْرابِ في قَوْلِهِ: مُسَخَّراتٌ عَلى قِراءَةِ النَّصْبِ أنَّها حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِعامِلِها. والتَّسْخِيرُ في اللُّغَةِ: التَّذْلِيلُ.

16:13Page 268

وَمَا ذَرَأَ لَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُخۡتَلِفًا أَلۡوَٰنُهُۥٓۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَذَّكَّرُونَ ١٣

And [He has subjected] whatever He multiplied for you on the earth of varying colors. Indeed in that is a sign for a people who remember.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما ذَرَأ لَكم في الأرْضِ مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ .

قَوْلُهُ: وما [النحل: ١٣]، في مَحَلِّ نَصْبٍ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ﴾، أيْ: وسَخَّرَ لَكم ما ذَرَأ لَكم في الأرْضِ، أيْ: ما خَلَقَ لَكم فِيها في حالِ كَوْنِهِ مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ.

ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: امْتِنانَهُ عَلى خَلْقِهِ بِما سَخَّرَ لَهم مِمّا خَلَقَ لَهم في الأرْضِ؛ مُنَبِّهًا عَلى أنَّ خَلْقَهُ لِما خَلَقَ لَهم في الأرْضِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ النِّعَمِ العِظامِ، فِيهِ الدَّلالَةُ الواضِحَةُ لِمَن يَذَّكَّرُ ويَتَّعِظُ عَلى وحْدانِيَّتِهِ واسْتِحْقاقِهِ لِأنْ يُعْبَدُ وحْدَهُ. وكَرَّرَ هَذا المَعْنى في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ،

• كَقَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢٩]،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَسَخَّرَ لَكم ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ جَمِيعًا مِنهُ﴾ الآيَةَ [الجاثية: ١٣]،

• وقَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ وضَعَها لِلْأنامِ﴾ ﴿فِيها فاكِهَةٌ والنَّخْلُ ذاتُ الأكْمامِ﴾ ﴿والحَبُّ ذُو العَصْفِ والرَّيْحانُ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ١٠ - ١٣]، وقَوْله: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ذَلُولًا فامْشُوا في مَناكِبِها وكُلُوا مِن رِزْقِهِ وإلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك: ١٥] .

وَأشارَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ إلى أنَّ اخْتِلافَ ألْوانِ ما خَلَقَ في الأرْضِ مِنَ النّاسِ والدَّوابِّ وغَيْرِهِما، مِن أعْظَمِ الأدِلَّةِ عَلى أنَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، وأنَّهُ الرَّبُّ وحْدَهُ، المُسْتَحِقُّ (p-٣٤٢)أنْ يُعْبَدَ وحْدَهُ.

وَأوْضَحَ هَذا في آياتٍ أُخَرَ؛ كَقَوْلِهِ في ”سُورَةِ فاطِرٍ“: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفًا ألْوانُها ومِنَ الجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُها وغَرابِيبُ سُودٌ ومِنَ النّاسِ والدَّوابِّ والأنْعامِ مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ كَذَلِكَ﴾ [فاطر: ٢٧]، وقَوْلِهِ: ﴿وَمِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافُ ألْسِنَتِكم وألْوانِكُمْ﴾ [الروم: ٢٢]، ولا شَكَّ أنَّ اخْتِلافَ الألْوانِ والمَناظِرِ والمَقادِيرِ والهَيْئاتِ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ فِيهِ الدَّلالَةُ القاطِعَةُ عَلى أنَّ اللَّهَ - جَلَّ وعَلا - واحِدٌ، لا شَبِيهَ لَهُ ولا نَظِيرَ ولا شَرِيكَ، وأنَّهُ المَعْبُودُ وحْدَهُ.

وَفِيهِ الدَّلالَةُ القاطِعَةُ عَلى أنَّ كُلَّ تَأْثِيرٍ فَهو بِقُدْرَةِ وإرادَةِ الفاعِلِ المُخْتارِ، وأنَّ الطَّبِيعَةَ لا تُؤَثِّرُ في شَيْءٍ إلّا بِمَشِيئَتِهِ - جَلَّ وعَلا - .

كَما أوْضَحَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَفِي الأرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وجَنّاتٌ مِن أعْنابٍ وزَرْعٌ ونَخِيلٌ صِنْوانٌ وغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ ونُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ في الأُكُلِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد: ٤]، فالأرْضُ الَّتِي تَنْبُتُ فِيها الثِّمارُ واحِدَةٌ؛ لِأنَّ قِطَعَها مُتَجاوِرَةٌ، والماءَ الَّذِي تُسْقى بِهِ ماءٌ واحِدٌ، والثِّمارُ تَخْرُجُ مُتَفاضِلَةً، مُخْتَلِفَةً في الألْوانِ والأشْكالِ والطُّعُومِ، والمَقادِيرِ والمَنافِعِ.

فَهَذا أعْظَمُ بُرْهانٍ قاطِعٍ عَلى وُجُودِ فاعِلٍ مُخْتارٍ، يَفْعَلُ ما يَشاءُ كَيْفَ يَشاءُ، سُبْحانَهُ - جَلَّ وعَلا - عَنِ الشُّرَكاءِ والأنْدادِ.

وَمِن أوْضَحِ الأدِلَّةِ عَلى أنَّ الطَّبِيعَةَ لا تُؤَثِّرُ في شَيْءٍ إلّا بِمَشِيئَتِهِ - جَلَّ وعَلا -: أنَّ النّارَ مَعَ شِدَّةِ طَبِيعَةِ الإحْراقِ فِيها؛ أُلْقِيُ فِيها الحَطَبُ وإبْراهِيمُ - عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ -، ولا شَكَّ أنَّ الحَطَبَ أصْلَبُ وأقْسى وأقْوى مِن جَلْدِ إبْراهِيمَ ولَحْمِهِ، فَأحْرَقَتِ الحَطَبَ بِحَرِّها، وكانَتْ عَلى إبْراهِيمَ بَرْدًا وسَلامًا؛ لَمّا قالَ لَها خالِقُها: ﴿قُلْنا يانارُ كُونِي بَرْدًا وسَلامًا عَلى إبْراهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩]، فَسُبْحانَ مَن لا يَقَعُ شَيْءٌ كائِنًا ما كانَ إلّا بِمَشِيئَتِهِ - جَلَّ وعَلا -، فَعّالٌ لِما يُرِيدُ.

وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: يَذَّكَّرُونَ [النحل: ١٣]، أصْلُهُ: يَتَذَكَّرُونَ، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الذّالِ. والِادِّكارُ: الِاعْتِبارُ والِاتِّعاظُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском