Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic
An-Nahl 16:15–29
16:15Page 269
وَأَلۡقَىٰ فِي ٱلۡأَرۡضِ رَوَٰسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمۡ وَأَنۡهَٰرٗا وَسُبُلٗا لَّعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ ١٥
And He has cast into the earth firmly set mountains, lest it shift with you, and [made] rivers and roads, that you may be guided,
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِكم وأنْهارًا وسُبُلًا لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ وعَلاماتٍ وبِالنَّجْمِ هم يَهْتَدُونَ﴾، ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ أرْبَعَ نِعَمٍ مِن نِعَمِهِ عَلى خَلْقِهِ، مُبَيِّنًا لَهم عَظِيمَ مِنَّتِهِ عَلَيْهِمْ بِها:
الأُولى: إلْقاؤُهُ الجِبالَ في الأرْضِ لِتَثْبُتَ ولا تَتَحَرَّكَ، وكَرَّرَ الِامْتِنانَ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ في (p-٣٦١)القُرْآنِ
• كَقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهادًا والجِبالَ أوْتادًا﴾ [النبإ: ٦ - ٧]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلْنا في الأرْضِ رَواسِيَ﴾ الآيَةَ [الأنبياء: ٣١]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ﴾ [المرسلات: ٢٧]،
• وقَوْلِهِ - جَلَّ وعَلا -: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها وألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ الآيَةَ [لقمان: ١٠]،
• وقَوْلِهِ: ﴿والجِبالَ أرْساها﴾ [النازعات: ٣٢]،
والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا.
وَمَعْنى تَمِيدُ: تَمِيلُ وتَضْطَرِبُ.
وَفِي مَعْنى قَوْلِهِ أنْ وجْهانِ مَعْرُوفانِ لِلْعُلَماءِ: أحَدُهُما: كَراهَةُ أنْ تَمِيدَ بِكم. والثّانِي: أنَّ المَعْنى: لِئَلّا تَمِيدَ بِكم؛ وهُما مُتَقارِبانِ.
الثّانِيَةُ: إجْراؤُهُ الأنْهارَ في الأرْضِ المَذْكُورُ هُنا في قَوْلِهِ: وأنْهارًا [النحل: ١٥]، وكَرَّرَ تَعالى في القُرْآنِ الِامْتِنانَ بِتَفْجِيرِهِ الماءَ في الأرْضِ لِخَلْقِهِ:
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الأنْهارَ وسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ والقَمَرَ﴾ الآيَةَ [إبراهيم: ٣٢ - ٣٣]،
• وقَوْلِهِ: ﴿أفَرَأيْتُمُ الماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أأنْتُمْ أنْزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ أمْ نَحْنُ المُنْزِلُونَ لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ [الواقعة: ٦٨ - ٧٠]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَفَجَّرْنا فِيها مِنَ العُيُونِ لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ﴾ الآيَةَ [يس: ٣٤ - ٣٥]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
الثّالِثَةُ: جَعْلُهُ في الأرْضِ سُبُلًا يَسْلُكُها النّاسُ، ويَسِيرُونَ فِيها مِن قُطْرٍ إلى قُطْرٍ في طَلَبِ حاجاتِهِمُ المَذْكُورِ هُنا في قَوْلِهِ: وسُبُلًا، وهو جَمْعُ سَبِيلٍ بِمَعْنى الطَّرِيقِ. وكَرَّرَ الِامْتِنانَ بِذَلِكَ في القُرْآنِ؛
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلْنا فِيها فِجاجًا سُبُلًا لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣١]،
• وقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ بِساطًا لِتَسْلُكُوا مِنها سُبُلًا فِجاجًا﴾ [نوح: ١٩]،
• وقَوْلِهِ: ﴿قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي في كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا وسَلَكَ لَكم فِيها سُبُلًا﴾ [طه: ٥٢، ٥٣] .
وَقَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ذَلُولًا فامْشُوا في مَناكِبِها﴾ الآيَةَ [الملك: ١٥]، وقَوْلِهِ: ﴿وَلَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا وجَعَلَ لَكم فِيها سُبُلًا لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٩ - ١٠]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
الرّابِعَةُ: جَعْلُهُ العَلاماتِ لِبَنِي آدَمَ؛ لِيَهْتَدُوا بِها في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ المَذْكُورِ هُنا في قَوْلِهِ: ﴿وَعَلاماتٍ وبِالنَّجْمِ هم يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦]، وقَدْ ذُكِرَ الِامْتِنانُ بِنَحْوِ ذَلِكَ في (p-٣٦٢)القُرْآنِ في قَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ٩٧] .
16:16Page 269
وَعَلَٰمَٰتٖۚ وَبِٱلنَّجۡمِ هُمۡ يَهۡتَدُونَ ١٦
And landmarks. And by the stars they are [also] guided.1
No commentary for this ayah
16:17Page 269
أَفَمَن يَخۡلُقُ كَمَن لَّا يَخۡلُقُۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ١٧
Then is He who creates like one who does not create? So will you not be reminded?
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ﴾ الآيَةَ، تَقَدَّمَ بَيانُ مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ في مَوْضِعَيْنِ.
16:18Page 269
وَإِن تَعُدُّواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ لَا تُحۡصُوهَآۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ ١٨
And if you should count the favors of Allāh, you could not enumerate them. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾، ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ بَنِي آدَمَ لا يَقْدِرُونَ عَلى إحْصاءِ نِعَمِ اللَّهِ لِكَثْرَتِها عَلَيْهِمْ، وأتْبَعَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١٨]، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى تَقْصِيرِ بَنِي آدَمَ في شُكْرِ تِلْكَ النِّعَمِ، وأنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لِمَن تابَ مِنهم، ويَغْفِرُ لِمَن شاءَ أنْ يَغْفِرَ لَهُ ذَلِكَ التَّقْصِيرَ في شُكْرِ النِّعَمِ. وبَيَّنَ هَذا المَفْهُومَ المُشارَ إلَيْهِ هُنا بِقَوْلِهِ: ﴿وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤] .
بَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: أنَّ كُلَّ النِّعَمِ عَلى بَنِي آدَمَ مِنهُ - جَلَّ وعَلا -، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ الآيَةَ [النحل: ٥٣] .
وَفِي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُفْرَدَ إذا كانَ اسْمَ جِنْسٍ وأُضِيفَ إلى مَعْرِفَةٍ، أنَّهُ يَعُمُّ كَما تَقَرَّرَ في الأُصُولِ؛ لِأنَّ: ”نِعْمَةَ اللَّهِ“ [النحل: ١٨] مُفْرَدٌ أُضِيفَ إلى مَعْرِفَةٍ فَعَمَّ النِّعَمَ. وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِ صاحِبِ مَراقِي السُّعُودِ عاطِفًا عَلى صِيَغِ العُمُومِ:
أوْ بِإضافَةٍ إلى مُعَرَّفٍ إذا تَحَقَّقَ الخُصُوصُ قَدْ نُفِي.
16:19Page 269
وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعۡلِنُونَ ١٩
And Allāh knows what you conceal and what you declare.
No commentary for this ayah
16:20Page 269
وَٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَا يَخۡلُقُونَ شَيۡـٔٗا وَهُمۡ يُخۡلَقُونَ ٢٠
And those they invoke other than Allāh create nothing, and they [themselves] are created.
No commentary for this ayah
16:21Page 269
أَمۡوَٰتٌ غَيۡرُ أَحۡيَآءٖۖ وَمَا يَشۡعُرُونَ أَيَّانَ يُبۡعَثُونَ ٢١
They are [in fact] dead,1 not alive, and they do not perceive when they will be resurrected.
No commentary for this ayah
16:22Page 269
إِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۚ فَٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٞ وَهُم مُّسۡتَكۡبِرُونَ ٢٢
Your god is one God. But those who do not believe in the Hereafter - their hearts are disapproving, and they are arrogant.
No commentary for this ayah
16:23Page 269
لَا جَرَمَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعۡلِنُونَۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُسۡتَكۡبِرِينَ ٢٣
Assuredly, Allāh knows what they conceal and what they declare. Indeed, He does not like the arrogant.
No commentary for this ayah
16:24Page 269
وَإِذَا قِيلَ لَهُم مَّاذَآ أَنزَلَ رَبُّكُمۡ قَالُوٓاْ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٢٤
And when it is said to them, "What has your Lord sent down?" they say, "Legends of the former peoples,"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا قِيلَ لَهم ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾، ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ الكُفّارَ إذا سُئِلُوا عَمّا أنْزَلَ اللَّهُ عَلى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ قالُوا: لَمْ يُنَزَّلْ عَلَيْهِ شَيْءٌ. وإنَّما هَذا الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِهِ مِن أساطِيرِ الأوَّلِينَ، نَقَلَهُ مِن كُتُبِهِمْ. والأساطِيرُ: جَمْعُ أُسْطُورَةٍ أوْ إسْطارَةٍ، وهي الشَّيْءُ المَسْطُورُ في كُتُبِ الأقْدَمِينَ مِنَ الأكاذِيبِ والأباطِيلِ. أصْلُها مِن سَطَرَ: إذا كَتَبَ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ [الطور: ٢]، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الأساطِيرُ: التُّرَّهاتُ والأباطِيلُ. وأوْضَحَ هَذا المَعْنى في آياتٍ أُخَرَ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وَقالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهي تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ [الفرقان: ٥]، وقَوْلِهِ: ﴿وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [الأنفال: ٣١]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَقَوْلُهُ: ماذا، يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ”ذا“ مَوْصُولَةً و ”ما“ مُبْتَدَأً، وجُمْلَةُ ”أُنْزِلَ“ (p-٣٦٣)صِلَةُ المَوْصُولِ، والمَوْصُولُ وصِلَتُهُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَجْمُوعُهُما اسْمًا واحِدًا في مَحَلِّ نَصْبٍ، عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ ”أنْزَلَ“، كَما أشارَ لَهُ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ:
؎وَمَثَلُ ماذا بَعْدُ ما اسْتِفْهامٍ أوْ مَن إذا لَمْ تَلْغُ في الكَلامِ
وَبَيَّنَ - جَلَّ وعَلا - كَذِبَ الكُفّارِ في دَعْواهم: أنَّ القُرْآنَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ الآيَةَ [الفرقان: ٦]، وبِقَوْلِهِ هُنا: ﴿لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [النحل: ٢٥] .
16:25Page 269
لِيَحۡمِلُوٓاْ أَوۡزَارَهُمۡ كَامِلَةٗ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَمِنۡ أَوۡزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيۡرِ عِلۡمٍۗ أَلَا سَآءَ مَا يَزِرُونَ ٢٥
That they may bear their own burdens [i.e., sins] in full on the Day of Resurrection and some of the burdens of those whom they misguide without [i.e., by lack of] knowledge. Unquestionably, evil is that which they bear.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾، ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ أُولَئِكَ الكُفّارَ الَّذِينَ يَصْرِفُونَ النّاسَ عَنِ القُرْآنِ بِدَعْواهم أنَّهُ أساطِيرُ الأوَّلِينَ، تَحَمَّلُوا أوْزارَهم - أيْ: ذُنُوبَهم - كامِلَةً، وبَعْضَ أوْزارِ أتْباعِهِمُ الَّذِينَ اتَّبَعُوهم في الضَّلالِ؛ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ حَرْفُ التَّبْعِيضِ الَّذِي هو ”وَمِن“، في قَوْلِهِ: ﴿وَمِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ﴾ الآيَةَ [النحل: ٢٥] .
وَقالَ القُرْطُبِيُّ: ”مَن“ لِبَيانِ الجِنْسِ؛ فَهم يَحْمِلُونَ مِثْلَ أوْزارِ مَن أضَلُّوهم كامِلَةً.
وَأوْضَحَ تَعالى هَذا المَعْنى في قَوْلِهِ: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهم وأثْقالًا مَعَ أثْقالِهِمْ ولَيُسْألُنَّ يَوْمَ القِيامَةِ عَمّا كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الزمر: ١٣]، واللّامُ في قَوْلِهِ ”لِيَحْمِلُوا“ تَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ دَلَّ المَقامُ عَلَيْهِ، أيْ: قَدَّرْنا عَلَيْهِمْ أنْ يَقُولُوا في القُرْآنِ: أساطِيرُ الأوَّلِينَ؛ لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم.
تَنْبِيهٌ.
فَإنْ قِيلَ: ما وجْهُ تَحَمُّلِهِمْ بَعْضَ أوْزارِ غَيْرِهِمُ المَنصُوصِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ الآيَةَ [النحل: ٢٥]، وقَوْلِهِ: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهم وأثْقالًا مَعَ أثْقالِهِمْ﴾ الآيَةَ [العنكبوت: ١٣]، مَعَ أنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [فاطر: ١٨]، ويَقُولُ - جَلَّ وعَلا -: ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلّا عَلَيْها﴾ [الأنعام: ١٦٤]، ويَقُولُ ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ ولَكم ما كَسَبْتُمْ ولا تُسْألُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٣٤، ٢ - ١٤١]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
(p-٣٦٤)فالجَوابُ - واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ - أنَّ رُؤَساءَ الضَّلالِ وقادَتَهُ تَحَمَّلُوا وِزْرَيْنِ: أحَدُهُما: وِزْرُ ضَلالِهِمْ في أنْفُسِهِمْ.
والثّانِي: وِزْرُ إضْلالِهِمْ غَيْرَهم؛ لِأنَّ مَن سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُها ووِزْرُ مَن عَمِلَ بِها، لا يُنْقِصُ ذَلِكَ مِن أوْزارِهِمْ شَيْئًا. وإنَّما أُخِذَ بِعَمَلِ غَيْرِهِ؛ لِأنَّهُ هو الَّذِي سَنَّهُ وتَسَبَّبَ فِيهِ، فَعُوقِبَ عَلَيْهِ مِن هَذِهِ الجِهَةِ؛ لِأنَّهُ مِن فِعْلِهِ، فَصارَ غَيْرَ مُنافٍ لِقَوْلِهِ ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ﴾ الآيَةَ [فاطر: ١٨] .
وَقالَ مُسْلِمُ بْنُ الحَجّاجِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في صَحِيحِهِ: حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الحَمِيدِ، عَنِ الأعْمَشِ، عَنْ مُوسى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ، وأبِي الضُّحى، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هِلالٍ العَبْسِيِّ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قالَ: «جاءَ ناسٌ مِنَ الأعْرابِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهِمُ الصُّوفُ، فَرَأى سُوءَ حالِهِمْ، قَدْ أصابَتْهم حاجَةٌ فَحَثَّ النّاسَ عَلى الصَّدَقَةِ، فَأبْطَؤُوا عَنْهُ حَتّى رُؤِيَ ذَلِكَ في وجْهِهِ، قالَ: ثُمَّ إنَّ رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ جاءَ بِصُرَّةٍ مِن ورَقٍ، ثُمَّ جاءَ آخَرُ، ثُمَّ تَتابَعُوا حَتّى عُرِفَ السُّرُورُ في وجْهِهِ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”مَن سَنَّ في الإسْلامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَعُمِلَ بِها بَعْدَهُ، كُتِبَ لَهُ مِثْلُ أجْرِ مَن عَمِلَ بِها ولا يَنْقُصُ مِن أُجُورِهِمْ شَيْءٌ. ومَن سَنَّ في الإسْلامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعُمِلَ بِها بَعْدَهُ، كُتِبَ عَلَيْهِ مِثْلُ وِزْرِ مَن عَمِلَ بِها ولا يَنْقُصُ مِن أوْزارِهِمْ شَيْءٌ»“ اه.
أخْرَجَ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ هَذا الحَدِيثَ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مِن طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ. وأخْرَجَهُ نَحْوَهُ أيْضًا مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «مَن دَعا إلى هُدًى كانَ لَهُ مِنَ الأجْرِ مِثْلَ أُجُورِ مَن تَبِعَهُ لا يُنْقِصُ ذَلِكَ مِن أُجُورِهِمْ شَيْئًا " . ومَن دَعا إلى ضَلالَةٍ، كانَ عَلَيْهِ مِنَ الإثْمِ مِثْلُ آثامِ مَن تَبِعَهُ لا يُنْقِصُ ذَلِكَ مِن آثامِهِمْ شَيْئًا» اه.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: هَذِهِ النُّصُوصُ الصَّحِيحَةُ تَدُلُّ عَلى رَفْعِ الإشْكالِ بَيْنَ الآياتِ، كَما تَدُلُّ عَلى أنَّ جَمِيعَ حَسَناتِ هَذِهِ الأُمَّةِ في صَحِيفَةِ النَّبِيِّ ﷺ، فَلَهُ مَثَلُ أُجُورِ جَمِيعِهِمْ؛ لِأنَّهُ - صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وسَلامُهُ - هو الَّذِي سَنَّ لَهُمُ السُّنَنَ الحَسَنَةَ جَمِيعَها في الإسْلامِ، نَرْجُو اللَّهَ لَهُ الوَسِيلَةَ والدَّرَجَةَ الرَّفِيعَةَ، وأنْ يُصَلِّيَ ويُسَلِّمَ عَلَيْهِ أتَمَّ صَلاةٍ وأزْكى سَلامٍ.
وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل: ٢٥]، يَدُلُّ عَلى أنَّ الكافِرَ غَيْرُ مَعْذُورٍ بَعْدَ إبْلاغِ الرُّسُلِ المُؤَيَّدِ بِالمُعْجِزاتِ، الَّذِي لا لُبْسَ مَعَهُ في الحَقِّ، ولَوْ كانَ يَظُنُّ أنَّ (p-٣٦٥)كَفْرَهُ هُدًى؛ لِأنَّهُ ما مَنَعَهُ مِن مَعْرِفَةِ الحَقِّ مَعَ ظُهُورِهِ إلّا شِدَّةُ التَّعَصُّبِ لِلْكُفْرِ، كَما قَدَّمْنا الآياتِ الدّالَّةَ عَلى ذَلِكَ في ”الأعْرافِ“؛ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ ويَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ٣٠]، وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهم في الحَياةِ الدُّنْيا وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٤]، وقَوْلُهُ: ﴿وَبَدا لَهم مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر: ٤٧]، وحَمْلُهم أوْزارَهم هو اكْتِسابُهُمُ الإثْمَ الَّذِي هو سَبَبُ تَرَدِّيهِمْ في النّارِ، أعاذَنا اللَّهُ والمُسْلِمِينَ مِنها.
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: مَعْنى حَمْلِهِمْ أوْزارَهم: أنَّ الواحِدَ مِنهم عِنْدَ خُرُوجِهِ مِن قَبْرِهِ يَوْمَ القِيامَةِ يَسْتَقْبِلُهُ شَيْءٌ كَأقْبَحِ صُورَةٍ، وأنْتَنِها رِيحًا؛ فَيَقُولُ: مَن أنْتَ ؟ فَيَقُولُ: أوْ ما تَعْرِفُنِي ! فَيَقُولُ: لا ولِلَّهِ، إلّا أنَّ اللَّهَ قَبَّحَ وجْهَكَ ! أنْتَنَ رِيحَكَ ! فَيَقُولُ أنا عَمَلُكَ الخَبِيثُ، كُنْتَ في الدُّنْيا خَبِيثَ العَمَلِ مُنْتِنَهُ فَطالَما رَكِبْتَنِي في الدُّنْيا ! هَلُمَّ أرْكَبُكَ اليَوْمَ؛ فَيَرْكَبُ عَلى ظَهْرِهِ اه.
وَقَوْلُهُ ﴿ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ [النحل: ٢٥]، (ساءَ) فِعْلٌ جامِدٌ؛ لِإنْشاءِ الذَّمِّ بِمَعْنى بِئْسَ، و (ما)، فِيها الوَجْهانِ المُشارُ إلَيْهِما بِقَوْلِهِ في الخُلاصَةِ:
؎وَما مُمَيَّزٌ وقِيلَ فاعِلٌ في نَحْوِ نَعَمْ يَقُولُ الفاضِلُ
وَقَوْلُهُ (يَزِرُونَ)، أيْ: يَحْمِلُونَ، وقالَ قَتادَةُ: يَعْمَلُونَ. اه.
⁕ ⁕ ⁕
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
(p-٣١٨)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ النَّحْلِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ﴾ الآيَةَ.
هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ هَؤُلاءِ الضّالِّينَ يَحْمِلُونَ أوْزارَهم كامِلَةً، ويَحْمِلُونَ أيْضًا مِن أوْزارِ الأتْباعِ الَّذِينَ أضَلُّوهم.
وَقَدْ جاءَتْ آياتٌ أُخَرُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَحْمِلُ أحَدٌ وِزْرَ غَيْرِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنهُ شَيْءٌ ولَوْ كانَ ذا قُرْبى﴾ [فاطر: ١٨]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنعام: ١٦٤] .
والجَوابُ أنَّ هَؤُلاءِ الضّالِّينَ ما حَمَلُوا إلّا أوْزارَ أنْفُسِهِمْ، لِأنَّهم تَحَمَّلُوا وِزْرَ الضَّلالِ ووِزْرَ الإضْلالِ.
فَمَنَّ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُها، ووِزْرُ مَن عَمِلَ بِها، لا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِن أوْزارِهِمْ شَيْئًا، لِأنَّ تَشْرِيعَهُ لَها لِغَيْرِهِ ذَنْبٌ مِن ذُنُوبِهِ فَأُخِذَ بِهِ.
وَبِهَذا يَزُولُ الإشْكالُ أيْضًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهم وأثْقالًا مَعَ أثْقالِهِمْ﴾ الآيَةَ [العنكبوت: ١٣] .
16:26Page 269
قَدۡ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ فَأَتَى ٱللَّهُ بُنۡيَٰنَهُم مِّنَ ٱلۡقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيۡهِمُ ٱلسَّقۡفُ مِن فَوۡقِهِمۡ وَأَتَىٰهُمُ ٱلۡعَذَابُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَشۡعُرُونَ ٢٦
Those before them had already plotted, but Allāh came at [i.e., uprooted] their building from the foundations, so the roof fell upon them from above them,1 and the punishment came to them from where they did not perceive.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ .
ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ الكُفّارَ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَ كُفّارِ مَكَّةَ قَدْ مَكَرُوا. وبَيَّنَ ذَلِكَ في مَواضِعَ أُخَرَ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ المَكْرُ جَمِيعًا﴾ [الرعد: ٤٢]، وقَوْلِهِ: ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهم وعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهم وإنْ كانَ مَكْرُهم لِتَزُولَ مِنهُ الجِبالُ﴾ [إبراهيم: ٤٦] .
وَبَيَّنَ بَعْضَ مَكْرِ كَفّارِ مَكَّةَ، بِقَوْلِهِ: ﴿وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ أوْ يُخْرِجُوكَ﴾ الآيَةَ [الأنفال: ٣٠] .
وَذَكَرَ بَعْضَ مَكْرِ اليَهُودِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤] .
وَبَيَّنَ بَعْضَ مَكْرِ قَوْمِ صالِحٍ، بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا ومَكَرْنا مَكْرًا وهم لا يَشْعُرُونَ فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أنّا دَمَّرْناهم وقَوْمَهم أجْمَعِينَ﴾ الآيَةَ [النمل: ٥٠، ٥١] .
وَذَكَرَ بَعْضَ مَكْرِ قَوْمِ نُوحٍ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبّارًا وقالُوا لا تَذَرُنَّ (p-٣٦٦)آلِهَتَكُمُ﴾ الآيَةَ [نوح: ٢٢ - ٢٣] .
وَبَيَّنَ مَكْرَ رُؤَساءِ الكُفّارِ في قَوْلِهِ: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ إذْ تَأْمُرُونَنا أنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ﴾ الآيَةَ [سبإ: ٣٣]، والمَكْرُ: إظْهارُ الطَّيِّبِ وإبْطانُ الخَبِيثِ، وهو الخَدِيعَةُ. وقَدْ بَيَّنَ - جَلَّ وعَلا - أنَّ المَكْرَ السَّيِّئَ لا يَرْجِعُ ضَرَرُهُ إلّا عَلى فاعِلِهِ؛ وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَلا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلّا بِأهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣] .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأتى اللَّهُ بُنْيانَهم مِّنَ القَواعِدِ﴾، أيِ: اجْتَثَّهُ مِن أصْلِهِ واقْتَلَعَهُ مِن أساسِهِ؛ فَأبْطَلَ عَمَلَهم وأسْقَطَ بُنْيانَهم. وهَذا الَّذِي فُعِلَ بِهَؤُلاءِ الكُفّارِ الَّذِينَ هم نُمْرُوذٌ وقَوْمُهُ - كَما قَدَّمْنا في ”سُورَةِ الحِجْرِ“ - فَعَلَ مِثْلَهُ أيْضًا بِغَيْرِهِمْ مِنَ الكُفّارِ. فَأبْطَلَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ ويُدَبِّرُونَ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ وما كانُوا يَعْرِشُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٧]، وقَوْلُهُ: ﴿كُلَّما أوْقَدُوا نارًا لِلْحَرْبِ أطْفَأها اللَّهُ﴾ [المائدة: ٦٤]، وقَوْلُهُ ﴿فَأتاهُمُ اللَّهُ مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهم بِأيْدِيهِمْ وأيْدِي المُؤْمِنِينَ فاعْتَبِرُوا ياأُولِي الأبْصارِ﴾ [الحشر: ٢]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
16:27Page 270
ثُمَّ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يُخۡزِيهِمۡ وَيَقُولُ أَيۡنَ شُرَكَآءِيَ ٱلَّذِينَ كُنتُمۡ تُشَٰٓقُّونَ فِيهِمۡۚ قَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ إِنَّ ٱلۡخِزۡيَ ٱلۡيَوۡمَ وَٱلسُّوٓءَ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ ٢٧
Then on the Day of Resurrection He will disgrace them and say, "Where are My 'partners' for whom you used to oppose [the believers]?" Those who were given knowledge will say, "Indeed disgrace, this Day, and evil are upon the disbelievers" -
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يُخْزِيهِمْ﴾، أيْ: يَفْضَحُهم عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ ويُهِينُهم بِإظْهارِ فَضائِحَهم، وما كانَتْ تَجْنِهِ ضَمائِرُهم، فَيَجْعَلُهُ عَلانِيَةً.
وَبَيَّنَ هَذا المَعْنى في مَواضِعَ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ: ﴿أفَلا يَعْلَمُ إذا بُعْثِرَ ما في القُبُورِ وحُصِّلَ ما في الصُّدُورِ﴾ [العاديات: ٩ - ١٠]، أيْ: أظْهَرَ عَلانِيَةً ما كانَتْ تُكِنُّهُ الصُّدُورُ، وقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ [الطارق: ٩] .
وَقَدْ بَيَّنَ - جَلَّ وعَلا - في مَوْضِعٍ آخَرَ: أنَّ مَن أُدْخِلَ النّارَ فَقَدْ نالَهُ هَذا الخِزْيُ المَذْكُورُ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢]، وقَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ ”هُودٍ“ إيضاحَ مَعْنى الخِزْيِ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشاقُّونَ فِيهِمْ﴾، ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ يَسْألُ المُشْرِكِينَ يَوْمَ القِيامَةِ سُؤالَ تَوْبِيخٍ، فَيَقُولُ لَهم: أيْنَ المَعْبُوداتُ الَّتِي كُنْتُمْ تُخاصِمُونَ رُسُلِي وأتْباعَهم بِسَبَبِها، قائِلِينَ: إنَّكم لا بُدَّ لَكم أنْ تُشْرِكُوها مَعِي في عِبادَتِي ؟
وَأوْضَحَ هَذا المَعْنى في مَواضِعَ أُخَرَ،
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص: ٦٢، ٢٨ \ ٧٤]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَقِيلَ لَهم أيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (p-٣٦٧)مِن دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكم أوْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشعراء: ٩٢، ٩٣]،
• وقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهم أيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ مِن دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنّا﴾ الآيَةَ [غافر: ٧٣ - ٧٤]،
• وقَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا جاءَتْهم رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهم قالُوا أيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنّا﴾ الآيَةَ [الأعراف: ٣٧]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَقَرَأ عامَّةُ القُرّاءِ: شُرَكائِيَ [النحل: ٢٧]، بِالهَمْزَةِ وياءِ المُتَكَلِّمِ، ويُرْوى عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ مِن رِوايَةِ البِزِّي أنَّهُ قَرَأ ”شُرَكايَ“، بِياءِ المُتَكَلِّمِ دُونَ هَمْزٍ، ولَمْ تَثْبُتْ هَذِهِ القِراءَةُ.
وَقَرَأ الجُمْهُورُ: تُشاقُّونَ [النحل: ٢٧]، بِنُونِ الرَّفْعِ مَفْتُوحَةً مَعَ حَذْفِ المَفْعُولِ.
وَقَرَأ نافِعٌ: ”تُشاقُّونِ“ بِكَسْرِ النُّونِ الخَفِيفَةِ الَّتِي هي نُونُ الوِقايَةِ، والمَفْعُولُ بِهِ ياءُ المُتَكَلِّمِ المَدْلُولُ عَلَيْها بِالكَسْرَةِ مَعَ حَذْفِ نُونِ الرَّفْعِ؛ لِجَوازِ حَذْفِها مِن غَيْرِ ناصِبٍ ولا جازِمٍ إذا اجْتَمَعَتْ مَعَ نُونِ الوِقايَةِ، كَما تَقَدَّمَ تَحْرِيرُهُ في ”سُورَةِ الحِجْرِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَي﴾ [الحجر: ٥٤] .
16:28Page 270
ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّىٰهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ ظَالِمِيٓ أَنفُسِهِمۡۖ فَأَلۡقَوُاْ ٱلسَّلَمَ مَا كُنَّا نَعۡمَلُ مِن سُوٓءِۭۚ بَلَىٰٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٢٨
The ones whom the angels take in death [while] wronging themselves,1 and [who] then offer submission, [saying], "We were not doing any evil." But, yes! Indeed, Allāh is Knowing of what you used to do.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَألْقَوُا السَّلَمَ﴾، أيْ: الِاسْتِسْلامَ والخُضُوعَ. والمَعْنى: أظْهَرُوا كَمالَ الطّاعَةِ والِانْقِيادِ، وتَرَكُوا ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الشِّقاقِ. وذَلِكَ عِنْدَما يُعايِنُونَ المَوْتَ، أوْ يَوْمَ القِيامَةِ. يَعْنِي: أنَّهم في الدُّنْيا يُشاقُّونَ الرُّسُلَ، أيْ: يُخالِفُونَهم ويُعادُونَهم، فَإذا عايَنُوا الحَقِيقَةَ ألْقَوُا السَّلَمَ، أيْ: خَضَعُوا واسْتَسْلَمُوا وانْقادُوا حَيْثُ لا يَنْفَعُهم ذَلِكَ.
وَمِمّا يَدُلُّ مِنَ القُرْآنِ عَلى أنَّ المُرادَ بِإلْقاءِ السَّلَمِ: الخُضُوعُ والِاسْتِسَلامُ، قَوْلُهُ: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَن ألْقى إلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ [النساء: ٩٤]، عَلى قِراءَةِ نافِعٍ وابْنِ عامِرٍ وحَمْزَةَ بِلا ألِفٍ بَعْدَ اللّامِ. بِمَعْنى الِانْقِيادِ والإذْعانِ. وقَوْلُهُ: ﴿فَإنِ اعْتَزَلُوكم فَلَمْ يُقاتِلُوكم وألْقَوْا إلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ الآيَةَ [النساء: ٩١] .
والقَوْلُ بِأنَّ السَّلَمَ في الآيَتَيْنِ الأخِيرَتَيْنِ: الصُّلْحُ والمُهادَنَةُ لا يُنافِي ما ذَكَرْنا؛ لِأنَّ المُصالِحَ مُنْقادٌ مُذْعِنٌ لِما وافَقَ عَلَيْهِ مِن تَرْكِ السُّوءِ. وقَوْلُهُ: ﴿وَألْقَوْا إلى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [النحل: ٧٨]، فَكُلُّهُ بِمَعْنى الِاسْتِسْلامِ والخُضُوعِ والِانْقِيادِ. والِانْقِيادُ عِنْدَ مُعايَنَةِ المَوْتِ لا يَنْفَعُ، كَما قَدَّمْنا، وكَما دَلَّتْ عَلَيْهِ آياتٌ كَثِيرَةٌ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتّى إذا حَضَرَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ إنِّي تُبْتُ الآنَ﴾ الآيَةَ [النساء: ١٨]، وقَوْلِهِ: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهم إيمانُهم لَمّا رَأوْا بَأْسَنا﴾ الآيَةَ [غافر: ٨٥] (p-٣٦٨)وَقَوْلِهِ: ﴿آلْآنَ وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وكُنْتَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٩١]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ بَلى إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، يَعْنِي أنَّ الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ في حالِ كَوْنِهِمْ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ إذا عايَنُوا الحَقِيقَةَ ألْقَوُا السَّلَمَ، وقالُوا: ﴿ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ﴾ [النحل: ٢٨]، فَقَوْلُهُ ﴿ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ﴾، مَعْمُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ بِلا خِلافٍ.
والمَعْنى: أنَّهم يُنْكِرُونَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ مِنَ السُّوءِ، وهو الكُفْرُ وتَكْذِيبُ الرُّسُلِ والمَعاصِي. وقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ كَذِبَهم بِقَوْلِهِ: ﴿بَلى إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٢٨] .
وَبَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ: أنَّهم يُنْكِرُونَ ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي كَما ذَكَرَ هُنا. وبَيَّنَ كَذِبَهم في ذَلِكَ أيْضًا؛
• كَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلّا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ٢٣ - ٢٤]،
• وقَوْلِهِ: ﴿قالُوا ضَلُّوا عَنّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ﴾ [غافر: ٧٤]،
• وقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكم ويَحْسَبُونَ أنَّهم عَلى شَيْءٍ ألا إنَّهم هُمُ الكاذِبُونَ﴾ [المجادلة: ١٨]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان: ٢٢]،
أيْ: حَرامًا مُحَرَّمًا أنْ تَمَسُّونا بِسُوءٍ؛ لِأنّا لَمْ نَفْعَلْ ما نَسْتَحِقُّ بِهِ ذَلِكَ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَقَوْلُهُ هُنا: ”بَلى“ [النحل: ٢٨]، تَكْذِيبٌ لَهم في قَوْلِهِمْ: ﴿ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ﴾ .
تَنْبِيهٌ.
لَفْظَةُ: ”بَلى“ لا تَأْتِي في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ إلّا لِأحَدِ مَعْنَيَيْنِ، لا ثالِثَ لَهُما:
الأوَّلُ: أنْ تَأْتِيَ لِإبْطالِ نَفْيٍ سابِقٍ في الكَلامِ، فَهي نَقِيضَةُ ”لا“؛ لِأنَّ ”لا“ لِنَفْيِ الإثْباتِ، و ”بَلى“، لِنَفْيِ النَّفْيِ؛ كَقَوْلِهِ هُنا: ﴿ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ﴾ [النحل: ٢٨]، فَهَذا النَّفْيُ نَفَتْهُ لَفْظَةُ ”بَلى“، أيْ: كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ السُّوءَ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، وكَقَوْلِهِ: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى ورَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: ٧]، وكَقَوْلِهِ: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينا السّاعَةُ قُلْ بَلى ورَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبإ: ٣]، وقَوْلِهِ: ﴿وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ (p-٣٦٩)إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾ [البقرة: ١١١]، فَإنَّهُ نَفى هَذا النَّفْيَ بِقَوْلِهِ - جَلَّ وعَلا -: ﴿بَلى مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١١٢]، ومِثْلُ هَذا كَثِيرٌ في القُرْآنِ وفي كَلامِ العَرَبِ.
الثّانِي: أنْ تَكُونَ جَوابًا لِاسْتِفْهامٍ مُقْتَرِنٍ بِنَفْيٍ خاصَّةً؛
• كَقَوْلِهِ: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ [الأعراف: ١٧٢]،
• وقَوْلِهِ: ﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهم بَلى﴾ [يس: ٨١]،
• وقَوْلِهِ: ﴿أوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكم رُسُلُكم بِالبَيِّناتِ قالُوا بَلى﴾ [غافر: ٥٠]،
وهَذا أيْضًا كَثِيرٌ في القُرْآنِ وفي كَلامِ العَرَبِ. أمّا إذا كانَ الِاسْتِفْهامُ غَيْرَ مُقْتَرِنٍ بِنَفْيٍ فَجَوابُهُ بِ ”، نَعَمْ“ لا بِـ ”، بَلى“، وجَوابُ الِاسْتِفْهامِ المُقْتَرِنِ بِنَفْيٍ و ”نَعَمْ“ مَسْمُوعٌ غَيْرُ قِياسِيٍّ؛ كَقَوْلِهِ:
؎ألَيْسَ اللَّيْلُ يَجْمَعُ أُمَّ عَمْرٍو وإيّانا فَذاكَ لَنا تَدانِي نَعَمْ
؎وَتَرى الهِلالَ كَما أراهُ ∗∗∗ ويَعْلُوها النَّهارُ كَما عَلانِي
فالمَحَلُّ لِـ ”بَلى“ لا لِـ ”نَعَمْ“ في هَذا البَيْتِ.
فَإنْ قِيلَ: هَذِهِ الآياتُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الكُفّارَ يَكْتُمُونَ يَوْمَ القِيامَةِ ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، كَقَوْلِهِ عَنْهم: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]، وقَوْلِهِ: ﴿ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ﴾ [النحل: ٢٨]، ونَحْوِ ذَلِكَ. مَعَ أنَّ اللَّهَ صَرَّحَ بِأنَّهم لا يَكْتُمُونَ حَدِيثًا في قَوْلِهِ: ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢] .
فالجَوابُ: هو ما قَدَّمْنا مِن أنَّهم يَقُولُونَ بِألْسِنَتِهِمْ: ”واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ“؛ فَيَخْتِمُ اللَّهُ عَلى أفْواهِهِمْ، وتَتَكَلَّمُ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم بِما كانُوا يَكْسِبُونَ، فالكَتْمُ بِاعْتِبارِ النُّطْقِ بِالجُحُودِ وبِالألْسِنَةِ، وعَدَمُ الكَتْمِ بِاعْتِبارِ شَهادَةِ أعْضائِهِمْ عَلَيْهِمْ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
16:29Page 270
فَٱدۡخُلُوٓاْ أَبۡوَٰبَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَاۖ فَلَبِئۡسَ مَثۡوَى ٱلۡمُتَكَبِّرِينَ ٢٩
So enter the gates of Hell to abide eternally therein, and how wretched is the residence of the arrogant.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ﴾ الآيَةَ، لَمْ يُبَيِّنْ هُنا عَدَدَ أبْوابِها، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ ذَلِكَ في ”سُورَةِ الحِجْرِ“ في قَوْلِهِ - جَلَّ وعَلا -: ﴿لَها سَبْعَةُ أبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنهم جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ [الحجر: ٤٤]، أرْجُو اللَّهَ أنْ يُعِيذَنا وإخْوانَنا المُسْلِمِينَ مِنها ومِن جَمِيعِ أبْوابِها؛ إنَّهُ رَحِيمٌ كَرِيمٌ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences