Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic
An-Nahl 16:56–65
16:56Page 273
وَيَجۡعَلُونَ لِمَا لَا يَعۡلَمُونَ نَصِيبٗا مِّمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡۗ تَٱللَّهِ لَتُسۡـَٔلُنَّ عَمَّا كُنتُمۡ تَفۡتَرُونَ ٥٦
And they assign to what they do not know1 [i.e., false deities] a portion of that which We have provided them. By Allāh, you will surely be questioned about what you used to invent.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِّمّا رَزَقْناهم تاللَّهِ لَتُسْألُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾، في ضَمِيرِ الفاعِلِ في قَوْلِهِ: ﴿لِما لا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٥٦]، وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ عائِدٌ إلى الكُفّارِ، أيْ: ويَجْعَلُ الكُفّارُ لِلْأصْنامِ الَّتِي لا يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ أمَرَ بِعِبادَتِها، ولا يَعْلَمُونَ أنَّها تَنْفَعُ عابِدَها أوْ تَضُرُّ عاصِيَها - نَصِيبًا إلَخْ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وما لَيْسَ لَهم بِهِ عِلْمٌ وما لِلظّالِمِينَ مِن نَصِيرٍ﴾ [الحج: ٧١]، ونَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَقالَ صاحِبُ الكَشّافِ: ومَعْنى كَوْنِهِمْ لا يَعْلَمُونَها:
أنَّهم يُسَمُّونَها آلِهَةً، ويَعْتَقِدُونَ فِيها أنَّها تَضُرُّ وتَنْفَعُ، وتَشْفَعُ عِنْدَ اللَّهِ؛ ولَيْسَ كَذَلِكَ وحَقِيقَتُها أنَّها جَمادٌ، لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ؛ فَهم إذًا جاهِلُونَ بِها.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ واوَ ”يَعْلَمُونَ“ [النحل: ٥٦]، واقِعَةٌ عَلى الأصْنامِ؛ فَهي جَمادٌ لا يَعْلَمُ شَيْئًا، أيْ: ويَجْعَلُونَ لِلْأصْنامِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا لِكَوْنِهِمْ جَمادًا - نَصِيبًا إلَخْ. وهَذا الوَجْهُ
• كَقَوْلِهِ: ﴿أمْواتٌ غَيْرُ أحْياءٍ وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل: ٢١]،
• وقَوْلِهِ: ﴿فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنا وبَيْنَكم إنْ كُنّا عَنْ عِبادَتِكم لَغافِلِينَ﴾ [يونس: ٢٩]،
• وقَوْلِهِ: ﴿ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أمْ لَهم أيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أمْ لَهم أعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها﴾ الآيَةَ [الأعراف: ١٩٥]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وعَلى هَذا القَوْلِ فالواوُ راجِعَةٌ إلى ”ما“ مَنَّ قَوْلِهِ ”لِما لا يَعْلَمُونَ“، وعَبَّرَ عَنْهم بِـ ”ما“ الَّتِي هي لِغَيْرِ العاقِلِ؛ لِأنَّ تِلْكَ المَعْبُوداتِ الَّتِي جَعَلُوا لَها مِن رِزْقِ اللَّهِ نَصِيبًا جَمادٌ لا تَعْقِلُ شَيْئًا. وعَبَّرَ بِالواوِ في ”لا يَعْلَمُونَ“ عَلى هَذا القَوْلِ لِتَنْزِيلِ الكُفّارِ لَها مَنزِلَةَ العُقَلاءِ في زَعْمِهِمْ أنَّها تَشْفَعُ، وتَضُرُّ وتَنْفَعُ.
وَإذا عَرَفْتَ ذَلِكَ: فاعْلَمْ أنَّ هَذا المَعْنى المَذْكُورَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بَيَّنَهُ تَعالى في (p-٣٨٧)غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمّا ذَرَأ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ نَصِيبًا فَقالُوا هَذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وهَذا لِشُرَكائِنا فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إلى اللَّهِ وما كانَ لِلَّهِ فَهو يَصِلُ إلى شُرَكائِهِمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٦]، وذَلِكَ أنَّ الكُفّارَ كانُوا إذا حَرَثُوا حَرْثًا، أوْ كانَتْ لَهم ثَمَرَةٌ جَعَلُوا لِلَّهِ مِنها جُزْءًا، ولِلْوَثَنِ جُزْءًا؛ فَما جَعَلُوا مِن نَصِيبِ الأوْثانِ حَفِظُوهُ، وإنِ اخْتَلَطَ بِهِ شَيْءٌ مِمّا جَعَلُوهُ لِلَّهِ رَدُّوهُ إلى نَصِيبِ الأصْنامِ، وإنْ وقَعَ شَيْءٌ مِمّا جَعَلُوهُ لِلَّهِ في نَصِيبِ الأصْنامِ تَرَكُوهُ فِيهِ، وقالُوا: اللَّهُ غَنِيٌّ والصَّنَمُ فَقِيرٌ. وقَدْ أقْسَمَ - جَلَّ وعَلا -: عَلى أنَّهُ يَسْألُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَنْ هَذا الِافْتِراءِ والكَذِبِ، وهو زَعْمُهم أنْ نَصِيبًا مِمّا خَلَقَ اللَّهُ لِلْأوْثانِ الَّتِي لا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ في قَوْلِهِ: ﴿تاللَّهِ لَتُسْألُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ [النحل: ٥٦]، وهو سُؤالُ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ.
16:57Page 273
وَيَجۡعَلُونَ لِلَّهِ ٱلۡبَنَٰتِ سُبۡحَٰنَهُۥ وَلَهُم مَّا يَشۡتَهُونَ ٥٧
And they attribute to Allāh daughters1 - exalted is He - and for them is what they desire [i.e., sons].
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَناتِ سُبْحانَهُ ولَهم ما يَشْتَهُونَ﴾ ﴿وَإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِالأُنْثى ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا وهو كَظِيمٌ﴾ ﴿يَتَوارى مِنَ القَوْمِ مِن سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أمْ يَدُسُّهُ في التُّرابِ ألا ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾، قَوْلُهُ: ويَجْعَلُونَ، أيْ: يَعْتَقِدُونَ. ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ الكُفّارَ يَعْتَقِدُونَ أنَّ لِلَّهِ بَناتٍ إناثًا، وذَلِكَ أنَّ خُزاعَةَ وكِنانَةَ كانُوا يَقُولُونَ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ؛ كَما بَيَّنَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ الآيَةَ [الزخرف: ١٩]، فَزَعَمُوا لِلَّهِ الأوْلادَ، ومَعَ ذَلِكَ زَعَمُوا لَهُ أخَسَّ الوَلَدَيْنِ وهو الأُنْثى، فالإناثُ الَّتِي جَعَلُوها لِلَّهِ يَكْرَهُونَها لِأنْفُسِهِمْ ويَأْنَفُونَ مِنها؛ كَما قالَ تَعالى عَنْهم: ﴿وَإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِالأُنْثى ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ [النحل: ٥٨]، أيْ؛ لِأنَّ شِدَّةَ الحُزْنِ والكَآبَةِ تُسَوِّدُ لَوْنَ الوَجْهِ: ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [النحل: ٥٨]، أيْ: مُمْتَلِئٌ حُزْنًا وهو ساكِتٌ. وقِيلَ: مُمْتَلِئٌ غَيْظًا عَلى امْرَأتِهِ الَّتِي ولَدَتْ لَهُ الأُنْثى: ﴿يَتَوارى مِنَ القَوْمِ مِن سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ﴾ [النحل: ٥٩]، أيْ: يَخْتَفِي مِن أصْحابِهِ مِن أجْلِ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ لِئَلّا يَرَوْا ما هو فِيهِ مِنَ الحُزْنِ والكَآبَةِ، أوْ لِئَلّا يَشْمَتُوا بِهِ ويُعَيِّرُوهُ. ويُحَدِّثُ نَفْسَهُ ويَنْظُرُ: ﴿أيُمْسِكُهُ﴾، أيْ: ما بُشِّرَ بِهِ وهو الأُنْثى، ﴿عَلى هُونٍ﴾ [النحل: ٥٩]، أيْ: هَوانٍ وذُلٍّ. ﴿أمْ يَدُسُّهُ﴾ [النحل: ٥٩]، في التُّرابِ: أيْ: يَدْفِنُ المَذْكُورَ الَّذِي هو الأُنْثى حَيًّا في التُّرابِ، يَعْنِي: ما كانُوا يَفْعَلُونَ بِالبَناتِ مِنَ الوَأْدِ وهو دَفْنُ البِنْتِ حَيَّةً، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَإذا المَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾ ﴿بِأيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير: ٨ - ٩] .
وَأوْضَحَ - جَلَّ وعَلا - هَذِهِ المَعانِيَ المَذْكُورَةَ في هَذِهِ الآياتِ في مَواضِعَ أُخَرَ، فَبَيَّنَ أنَّ (p-٣٨٨)جَعْلَهُمُ الإناثَ لِلَّهِ، أوِ الذُّكُورَ لِأنْفُسِهِمْ قِسْمَةٌ غَيْرُ عادِلَةٍ، وأنَّها مَن أعْظَمِ الباطِلِ.
وَبَيَّنَ أنَّهُ لَوْ كانَ مُتَّخِذًا ولَدًا - سُبْحانَهُ وتَعالى - عَنْ ذَلِكَ !؛ لاصْطَفى أحْسَنَ النَّصِيبَيْنِ، ووَبَّخَهم عَلى أنْ جَعَلُوا لَهُ أخَسَّ الوَلَدَيْنِ، وبَيَّنَ كَذِبَهم في ذَلِكَ، وشِدَّةَ عِظَمِ ما نَسَبُوهُ إلَيْهِ. كُلُّ هَذا ذَكَرَهُ في مَواضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ؛
• كَقَوْلِهِ: ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى تِلْكَ إذًا قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ [النجم: ٢١]،
• وقَوْلِهِ: ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ ﴿وَلَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ ﴿أاصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ ﴿ما لَكم كَيْفَ﴾ [الصافات: ١٥١ - ١٥٤]،
• وقَوْلِهِ: ﴿أفَأصْفاكم رَبُّكم بِالبَنِينَ واتَّخَذَ مِنَ المَلائِكَةِ إناثًا إنَّكم لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾ [الإسراء: ٤٠]،
• وقَوْلِهِ: ﴿أمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ وأصْفاكم بِالبَنِينَ﴾ [الزخرف: ١٦]،
• وقَوْلِهِ: ﴿لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هو اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ [الزمر: ٤]،
• وقَوْلِهِ: ﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ [الطور: ٣٩]، وقالَ - جَلَّ وعَلا -: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ﴾ [النحل: ٦٢]، وقالَ: ﴿أوَمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ وهو في الخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف: ١٨]، وقالَ: ﴿وَإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا وهو كَظِيمٌ﴾ [الزخرف: ١٧] .
وَبَيَّنَ شِدَّةَ عِظَمِ هَذا الِافْتِراءِ، بِقَوْلِهِ: ﴿وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾ ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾ ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ ﴿أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا﴾ ﴿وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٨٨ - ٩٣]، وقَوْلِهِ: ﴿إنَّكم لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾ [الإسراء: ٤٠]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَلَهم ما يَشْتَهُونَ﴾ [النحل: ٥٧]، مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ. وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ والفَرّاءُ وغَيْرُهُما: أنَّهُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ”ما“ [النحل: ٥٩] في مَحَلِّ نَصْبٍ عَطْفًا عَلى ”البَناتِ“ [النحل: ٥٧]، أيْ: ويَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَناتِ، ويَجْعَلُونَ لِأنْفُسِهِمْ ما يَشْتَهُونَ. أوْرَدَ إعْرابَهُ بِالنَّصْبِ الزَّجّاجُ، وقالَ: العَرَبُ تَسْتَعْمِلُ في مِثْلِ هَذا ويَجْعَلُونَ لِأنْفُسِهِمْ؛ قالَهُ القُرْطُبِيُّ. وقالَ أبُو حَيّانَ ”في البَحْرِ المُحِيطِ“: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ في ”ما“ في ”ما يَشْتَهُونَ“ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ، والنَّصْبُ عَلى أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى ”البَناتِ“، أيْ: وجَعَلُوا لِأنْفُسِهِمْ ما يَشْتَهُونَ مِنَ الذُّكُورِ. انْتَهى. وهَذا الَّذِي أجازَهُ مِنَ النَّصْبِ تَبِعَ فِيهِ الفَرّاءَ والحَوْفَيَّ وقالَ أبُو البَقاءِ وقَدْ حَكاهُ: وفِيهِ نَظَرٌ. وذَهَلَ هَؤُلاءِ عَنْ قاعِدَةٍ في النَّحْوِ (p-٣٨٩)وَهِيَ: أنَّ الفِعْلَ الرّافِعَ لِضَمِيرِ الِاسْمِ المُتَّصِلِ لا يَتَعَدّى إلى ضَمِيرِهِ المُتَّصِلِ المَنصُوبِ.
؛ فَلا يَجُوزُ: زَيْدٌ ضَرَبَهُ، أيْ: زَيْدًا. تُرِيدُ ضَرَبَ نَفْسَهُ، إلّا في بابِ ظَنَّ وأخَواتِها مِنَ الأفْعالِ القَلْبِيَّةِ، أوْ فَقْدٍ وعَدَمٍ؛ فَيَجُوزُ: زَيْدٌ ظَنَّهُ قائِمًا، وزَيْدٌ فَقَدَهُ، وزَيْدٌ عَدِمَهُ. والضَّمِيرُ المَجْرُورُ بِالحَرْفِ كالمَنصُوبِ المُتَّصِلِ؛ فَلا يَجُوزُ: زَيْدٌ غَضِبَ عَلَيْهِ، تُرِيدُ غَضِبَ عَلى نَفْسِهِ. فَعَلى هَذا الَّذِي تَقَرَّرَ لا يَجُوزُ النَّصْبُ؛ إذْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: ويَجْعَلُونَ لَهم ما يَشْتَهُونَ. فالواوُ ضَمِيرٌ مَرْفُوعٌ ”وَلَهم“ [النحل: ٥٧] مَجْرُورٌ بِاللّامِ. فَهو نَظِيرُ: زَيْدٌ غَضِبَ عَلَيْهِ. اه. والبِشارَةُ تُطْلَقُ في العَرَبِيَّةِ عَلى الخَبَرِ بِما يَسُرُّ، وبِما يَسُوءُ. ومِن إطْلاقِها عَلى الخَبَرِ بِما يَسُوءُ قَوْلُهُ هُنا: ﴿وَإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِالأُنْثى﴾ الآيَةَ [النحل: ٥٨]، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [النجم: ٢١]، ونَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَما ذَكَرَهُ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: مِن بُغْضِهِمْ لِلْبَناتِ مَشْهُورٌ مَعْرُوفٌ في أشْعارِهِمْ؛ ولَمّا خُطِبَتْ إلى عَقِيلِ بْنِ عِلْفَةَ المُرِّيِّ ابْنَتُهُ الجَرْباءُ قالَ:
؎إنِّي وإنْ سِيقَ إلَيَّ المَهْرُ ألْفٌ وعَبْدانِ وذَوْدُ عُشْرٍ
؎أحَبُّ أصْهارِي إلَيَّ القَبْرُ
وَيُرْوى لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ طاهِرٍ قَوْلُهُ:
؎لِكُلِّ أبِي بِنْتٍ يُراعى شُؤُونَها ∗∗∗ ثَلاثَةُ أصْهارٍ إذا حُمِدَ الصِّهْرُ
؎فَبَعْلٌ يُراعِيها وخِدْرٌ يُكِنُّها ∗∗∗ وقَبْرٌ يُوارِيها وخَيْرُهُمُ القَبْرُ
وَهُمُ يَزْعُمُونَ أنَّ مُوجِبَ رَغْبَتِهِمْ في مَوْتِهِنَّ، وشَدَّةِ كَراهِيَتِهِمْ لِوِلادَتِهِنَّ: الخَوْفُ مِنَ العارِ، وتَزَوُّجُ غَيْرِ الأكْفاءِ، وأنْ تُهانَ بَناتُهم بَعْدَ مَوْتِهِمْ؛ كَما قالَ الشّاعِرُ في ابْنَةٍ لَهُ تُسَمّى مَوَدَّةً:
؎مَوَدَّةُ تَهْوى عُمْرَ شَيْخٍ يَسُرُّهُ لَها ∗∗∗ المَوْتُ قَبْلَ اللَّيْلِ لَوْ أنَّها تَدْرِي
؎يَخافُ عَلَيْها جَفْوَةَ النّاسِ بَعْدَهُ ∗∗∗ ولا خِتْنَ يُرْجى أوَدُّ مِنَ القَبْرِ
16:58Page 273
وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِٱلۡأُنثَىٰ ظَلَّ وَجۡهُهُۥ مُسۡوَدّٗا وَهُوَ كَظِيمٞ ٥٨
And when one of them is informed of [the birth of] a female, his face becomes dark, and he suppresses grief.
No commentary for this ayah
16:59Page 273
يَتَوَٰرَىٰ مِنَ ٱلۡقَوۡمِ مِن سُوٓءِ مَا بُشِّرَ بِهِۦٓۚ أَيُمۡسِكُهُۥ عَلَىٰ هُونٍ أَمۡ يَدُسُّهُۥ فِي ٱلتُّرَابِۗ أَلَا سَآءَ مَا يَحۡكُمُونَ ٥٩
He hides himself from the people because of the ill of which he has been informed. Should he keep it in humiliation or bury it in the ground? Unquestionably, evil is what they decide.
No commentary for this ayah
16:60Page 273
لِلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ مَثَلُ ٱلسَّوۡءِۖ وَلِلَّهِ ٱلۡمَثَلُ ٱلۡأَعۡلَىٰۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٦٠
For those who do not believe in the Hereafter is the description [i.e., an attribute] of evil;1 and for Allāh is the highest attribute. And He is Exalted in Might, the Wise.
No commentary for this ayah
16:61Page 273
وَلَوۡ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِظُلۡمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيۡهَا مِن دَآبَّةٖ وَلَٰكِن يُؤَخِّرُهُمۡ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗىۖ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمۡ لَا يَسۡتَـٔۡخِرُونَ سَاعَةٗ وَلَا يَسۡتَقۡدِمُونَ ٦١
And if Allāh were to impose blame on the people for their wrongdoing, He would not have left upon it [i.e., the earth] any creature, but He defers them for a specified term. And when their term has come, they will not remain behind an hour, nor will they precede [it].
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ مّا تَرَكَ عَلَيْها مِن دَآبَّةٍ ولَكِنْ يُؤَخِّرُهم إلى أجَلٍ مُّسَمًّى فَإذا جاءَ أجَلُهم لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾، ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ لَوْ عاجَلَ الخَلْقَ بِالعُقُوبَةِ لَأهْلَكَ جَمِيعَ مَن في الأرْضِ، ولَكِنَّهُ حَلِيمٌ لا يُعَجِّلُ بِالعُقُوبَةِ؛ لِأنَّ العَجَلَةَ مِن شَأْنِ مَن يَخافُ فَواتَ الفُرْصَةِ، ورَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ لا يَفُوتُهُ شَيْءٌ أرادَهُ. وذَكَرَ هَذا المَعْنى في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ؛ كَقَوْلِهِ في آخِرِ سُورَةِ ”فاطِرٍ“: ﴿وَلَوْ يُؤاخِذُ (p-٣٩٠)اللَّهُ النّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِن دَآبَّةٍ﴾ الآيَةَ [فاطر: ٤٥]، وقَوْلُهُ: ﴿وَرَبُّكَ الغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهم بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ العَذابَ﴾ الآيَةَ [الكهف: ٥٨]، وأشارَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهم إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ [النحل: ٦١]، إلى أنَّهُ تَعالى يُمْهِلُ ولا يُهْمِلُ. وبَيَّنَ ذَلِكَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ إنَّما يُؤَخِّرُهم لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ﴾ [إبراهيم: ٤٢]، وقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْلا أجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ العَذابُ﴾ [العنكبوت: ٥٣] .
وَبَيَّنَ هُنا: أنَّ الإنْسانَ إذا جاءَ أجْلُهُ لا يَسْتَأْخِرُ عَنْهُ، كَما أنَّهُ لا يَتَقَدَّمُ عَنْ وقْتِ أجَلِهِ. وأوْضَحَ ذَلِكَ في مَواضِعَ أُخَرَ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ أجَلَ اللَّهِ إذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ﴾ الآيَةَ [نوح: ٤]، وقَوْلِهِ: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إذا جاءَ أجَلُها﴾ الآيَةَ [المنافقون: ١١]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
واعْلَمْ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ما تَرَكَ عَلَيْها مِن دابَّةٍ﴾ [النحل: ٦١]، فِيهِ وجْهانِ مِنَ العُلَماءِ:
واعْلَمْ أنَّهُ خاصٌّ بِالكُفّارِ؛ لِأنَّ الذَّنْبَ ذَنْبُهم، واللَّهُ يَقُولُ: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنعام: ١٦٤]، ومَن قالَ هَذا القَوْلَ قالَ: ”مِن دابَّةٍ“ [النحل: ٦١]، أيْ: كافِرَةٍ، ويُرْوى هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقِيلَ: المَعْنى أنَّهُ لَوْ أهْلَكَ الأباءَ بِكُفْرِهِمْ لَمْ تَكُنِ الأبْناءُ.
وَجُمْهُورُ العُلَماءِ، مِنهُمُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو الأحْوَصِ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وقالَ الآخَرُ:
؎تَهْوى حَياتِي وأهْوى مَوْتَها شَفَقًا والمَوْتُ أكْرَمُ نَزّالٍ عَلى الحُرَمِ
وَقَدْ ولَدَتِ امْرَأةُ أعْرابِيٍّ أُنْثى، فَهَجَرَها لِشِدَّةِ غَيْظِهِ مِن وِلادَتِها أُنْثى، فَقالَتْ:
؎ما لِأبِي حَمْزَةَ لا يَأْتِينا
؎يَظَلُّ بِالبَيْتِ الَّذِي يَلِينا ∗∗∗ غَضْبانَ إلّا نَلِدُ البَنِينا
؎لَيْسَ لَنا مِن أمْرِنا ما شِينا ∗∗∗ وإنَّما نَأْخُذُ ما أُعْطِينا
* *
تَنْبِيهٌ.
لَفْظَةُ ”جَعَلَ“ تَأْتِي في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ لِأرْبَعَةِ مَعانٍ:
الأوَّلُ: بِمَعْنى اعْتَقَدَ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى هُنا: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَناتِ﴾ [النحل: ٥٧]، قالَ (p-٣٩١)فِي الخُلاصَةِ:
؎وَجَعَلَ اللَّذَّ كاعْتَقَدَ
الثّانِي: بِمَعْنى صَيَّرَ كَما تَقَدَّمَ في الحِجْرِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ [نوح: ١٦]، قالَ في الخُلاصَةِ:
؎.... والَّتِي كَصَيَّرا ∗∗∗ وأيْضًا بِها انْصِبْ مُبْتَدًا وخَبَرًا
الثّالِثُ: بِمَعْنى خَلَقَ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ [الأنعام: ١]، أيْ: خَلَقَ الظُّلُماتِ والنُّورَ.
الرّابِعُ: بِمَعْنى شَرَعَ؛ كَقَوْلِهِ:
؎وَقَدْ جَعَلْتُ إذا ما قُمْتُ يُثْقِلُنِي ∗∗∗ ثَوْبِي فَأنْهَضُ نَهَضَ الشّارِبُ السَّكِرِ
قالَ في الخُلاصَةِ:
؎كَأنْشَأ السّائِقُ يَحْدُو وطَفِقَ ∗∗∗ كَذا جَعَلْتُ وأخَذْتُ وعَلِقَ
وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: سُبْحانَهُ [النحل: ٥٧]، أيْ: تَنْزِيهًا لَهُ - جَلَّ وعَلا - عَمّا لا يَلِيقُ بِكَمالِهِ وجَلالِهِ، وهو ما ادَّعَوْا لَهُ مِنَ البَناتِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا !
وَغَيْرُهم، كَما نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ وغَيْرُهُ عَلى أنَّ الآيَةَ عامَّةٌ؛ حَتّى إنَّ ذُنُوبَ بَنِي آدَمَ لَتُهْلِكَ الجُعْلَ في حِجْرِهِ، والحُبارى في وكْرِها، ونَحْوَ ذَلِكَ؛ لَوْلا أنَّ اللَّهَ حَلِيمٌ لا يُعَجِّلُ بِالعُقُوبَةِ، ولا يُؤاخِذُهم بِظُلْمِهِمْ.
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ -: وهَذا القَوْلُ هو الصَّحِيحُ؛ لِما تَقَرَّرَ في الأُصُولِ مِن: أنَّ النَّكِرَةَ في سِياقِ النَّفْيِ إذا زِيدَتْ قَبْلَها لَفْظَةُ ”مَن“ تَكُونُ نَصًّا صَرِيحًا في العُمُومِ. وعَلَيْهِ فَقَوْلُهُ: ”مِن دابَّةٍ“ يَشْمَلُ كُلَّ ما يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الدّابَّةِ نَصًّا.
وَقالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ: فَإنْ قِيلَ: فَكَيْفَ يَعُمُّ بِالهَلاكِ مَعَ أنَّ فِيهِمْ مُؤْمِنًا لَيْسَ بِظالِمٍ ؟ قِيلَ: يَجْعَلُ هَلاكَ الظّالِمِ انْتِقامًا وجَزاءً، وهَلاكَ المُؤْمِنِ مُعَوَّضًا بِثَوابِ الآخِرَةِ.
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إذا أرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ عَذابًا أصابَ العَذابُ مَن كانَ فِيهِمْ، ثُمَّ بُعِثُوا عَلى أعْمالِهِمْ»، اه مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ بِلَفْظِهِ. والأحادِيثُ بِمِثْلِهِ كَثِيرَةٌ مَعْرُوفَةٌ.
وَإذا ثَبَتَ في الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ: أنَّ العَذابَ إذا نَزَلَ بِقَوْمٍ عَمَّ الصّالِحَ والطّالِحَ، (p-٣٩٢)فَلا إشْكالَ في شُمُولِ الهَلاكِ لِلْحَيَواناتِ الَّتِي لا تَعْقِلُ. وإذا أرادَ اللَّهُ إهْلاكَ قَوْمٍ أمَرَ نَبِيَّهم ومَن آمَنَ مِنهم أنْ يَخْرُجُوا عَنْهم؛ لِأنَّ الهَلاكَ إذا نَزَلَ عَمَّ.
* *
تَنْبِيهٌ.
قَوْلُهُ: ﴿ما تَرَكَ عَلَيْها مِن دابَّةٍ﴾ [النحل: ٦١]، الضَّمِيرُ في ”عَلَيْها“، راجِعٌ إلى غَيْرِ مَذْكُورٍ وهو الأرْضُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: مِن دابَّةٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ مِنَ المَعْلُومِ: أنَّ الدَّوابَّ إنَّما تَدِبُّ عَلى الأرْضِ. ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِن دابَّةٍ﴾ [فاطر: ٤٥]، وقَوْلُهُ: ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ [ص: ٣٢]، أيْ: الشَّمْسُ ولَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ، ورُجُوعُ الضَّمِيرِ إلى غَيْرِ مَذْكُورٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَقامُ كَثِيرٌ في كَلامِ العَرَبِ؛ ومِنهُ قَوْلُ حُمَيْدِ بْنِ ثَوْرٍ:
؎وَصَهْباءُ مِنها كالسَّفِينَةِ نَضَّجَتْ بِهِ الحَمْلُ حَتّى زادَ شَهْرًا عَدِيدُها
فَقَوْلُهُ: ”صَهْباءُ مِنها“، أيْ: مِنَ الإبِلِ، وتَدُلُّ لَهُ قَرِينَةُ ”كالسَّفِينَةِ“ مَعَ أنَّ الإبِلَ لَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ، ومِنهُ أيْضًا قَوْلُ حاتِمٍ الطّائِيِّ:
؎أماوِيُّ ما يُغْنِي الثَّراءُ عَنِ الفَتى ∗∗∗ إذا حَشْرَجَتْ يَوْمًا وضاقَ بِها الصَّدْرُ
فَقَوْلُهُ: ”حَشْرَجَتْ وضاقَ بِها“ يَعْنِي النَّفْسَ، ولَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ؛ كَما تَدُلُّ لَهُ قَرِينَةُ ”وَضاقَ بِها الصَّدْرُ“، ومِنهُ أيْضًالَبِيدٌ في مُعَلَّقَتِهِ:
؎حَتّى إذا ألْقَتْ يَدًا في كافِرٍ ∗∗∗ وأجَنَّ عَوْراتِ الثُّغُورِ ظَلامُها
فَقَوْلُهُ: ”ألْقَتْ“، أيِ: الشَّمْسُ، ولَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ، ولَكِنْ يَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ: وأجَنَّ عَوْراتِ الثُّغُورِ ظَلامُها.
لِأنَّ قَوْلَهُ: ”ألْقَتْ يَدًا في كافِرٍ“، أيْ: دَخَلَتْ في الظَّلامِ. ومِنهُ أيْضًا قَوْلُ طُرْفَةَ في مُعَلَّقَتِهِ:
؎عَلى مِثْلِها أمْضِي إذا قالَ صاحِبِي ∗∗∗ ألا لَيْتَنِي أفْدِيكَ مِنها وأفْتَدِي
فَقَوْلُهُ: ”أفْدِيكَ مِنها“، أيْ: الفَلاةِ، ولَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ، ولَكِنَّ قَرِينَةَ سِياقِ الكَلامِ تَدُلُّ عَلَيْها.
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: يُؤاخِذُ الآيَةَ [النحل: ٦١]، الظّاهِرُ أنَّ المُفاعَلَةَ فِيهِ بِمَعْنى الفِعْلِ المُجَرَّدِ؛ فَمَعْنى آخَذَ النّاسَ يُؤاخِذُهم: أخَذَهم بِذُنُوبِهِمْ؛ لِأنَّ المُفاعَلَةَ (p-٣٩٣)تَقْتَضِي الطَّرَفَيْنِ. ومَجِيئُها بِمَعْنى المُجَرَّدِ مَسْمُوعٌ نَحْوَ: سافَرَ وعافى. وقَوْلُهُ: ”يُؤاخِذُ“ [النحل: ٦١]، إنْ قُلْنا: إنَّ المُضارِعَ فِيهِ بِمَعْنى الماضِي فَلا إشْكالَ. وإنْ قُلْنا: إنَّهُ بِمَعْنى الِاسْتِقْبالِ فَهو عَلى إيلاءِ لَوِ المُسْتَقْبَلِ وهو قَلِيلٌ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِن خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافًا خافُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٩]، وقَوْلُ قَيْسِ بْنِ المُلَوَّحِ:
؎وَلَوْ تَلْتَقِي أصْداؤُنا بَعْدَ مَوْتِنا ∗∗∗ ومَن دُونِ رَمْسَيْنا مِنَ الأرْضِ سَبْسَبُ
؎لَظَلَّ صَدى صَوْتِي وإنْ كُنْتُ رُمَّةً ∗∗∗ لِصَوْتِ صَدى لَيْلى يَهُشُّ ويَطْرَبُ
والجَوابُ بِحَمْلِهِ عَلى المُضِيِّ في الآيَةِ تَكَلُّفٌ ظاهِرٌ، ولا يُمْكِنُ بَتاتًا في البَيْتَيْنِ، وأمْثِلَتُهُ كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ وفي كَلامِ العَرَبِ. وقَدْ أشارَ لِذَلِكَ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ:
لَوْ حَرْفُ شَرْطٍ في مُضِيٍّ ويَقِلُّ إيلاؤُها مُسْتَقْبَلًا، لَكِنْ قُبِلْ.
16:62Page 273
وَيَجۡعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكۡرَهُونَۚ وَتَصِفُ أَلۡسِنَتُهُمُ ٱلۡكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ ٱلنَّارَ وَأَنَّهُم مُّفۡرَطُونَ ٦٢
And they attribute to Allāh that which they dislike [i.e., daughters], and their tongues assert the lie that they will have the best [from Him]. Assuredly, they will have the Fire, and they will be [therein] neglected.1
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ﴾، أبْهَمَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ هَذا الَّذِي يَجْعَلُونَهُ لِلَّهِ ويَكْرَهُونَهُ؛ لِأنَّهُ عَبَّرَ عَنْهُ بـِ ”ما“ المَوْصُولَةِ، وهي اسْمٌ مُبْهَمٌ، وصِلَةُ المَوْصُولِ لَنْ تُبَيَّنَ مِن وصْفِ هَذا المُبْهَمِ إلّا أنَّهم يَكْرَهُونَهُ. ولَكِنَّهُ بَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ: أنَّهُ البَناتُ والشُّرَكاءُ وجَعْلُ المالِ الَّذِي خَلَقَ لِغَيْرِهِ، قالَ في البَناتِ: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَناتِ﴾ [النحل: ٥٧]، ثُمَّ بَيَّنَ كَراهِيَتَها لَها في آياتٍ كَثِيرَةٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِالأُنْثى﴾ الآيَةَ [النحل: ٦١] .
وَقالَ في الشُّرَكاءِ: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ١٠٠]، ونَحْوَها مِنَ الآياتِ. وبَيَّنَ كَراهِيَتَهم لِلشُّرَكاءِ في رِزْقِهِمْ بُقُولَهُ: ﴿ضَرَبَ لَكم مَثَلًا مِن أنْفُسِكم هَلْ لَكم مِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِن شُرَكاءَ في ما رَزَقْناكم فَأنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهم كَخِيفَتِكم أنْفُسَكم كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الروم: ٢٨]، أيْ: إذا كانَ الواحِدُ مِنكم لا يَرْضى أنْ يَكُونَ عَبْدُهُ المَمْلُوكُ شَرِيكًا لَهُ مِثْلَ نَفْسِهِ في جَمِيعِ ما عِنْدَهُ؛ فَكَيْفَ تَجْعَلُونَ الأوْثانَ شُرَكاءَ لِلَّهِ في عِبادَتِهِ الَّتِي هي حَقُّهُ عَلى عِبادِهِ ! وبَيَّنَ جَعْلَهم بَعْضَ ما خَلَقَ اللَّهُ مِنَ الرِّزْقِ لِلْأوْثانِ في قَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمّا ذَرَأ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ نَصِيبًا﴾، إلى قَوْلِهِ: ﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ [النحل: ١٣٦]، وقَوْلِهِ: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمّا رَزَقْناهُمْ﴾ [النحل: ٥٦]، كَما تَقَدَّمَ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَصِفُ ألْسِنَتُهُمُ الكَذِبَ أنَّ لَهُمُ الحُسْنى﴾، ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةَ الكَرِيمَةِ: أنَّ الكُفّارَ يَقُولُونَ بِألْسِنَتِهِمُ الكَذِبَ؛ فَيَزْعُمُونَ أنَّ لَهُمُ الحُسْنى، والحُسْنى تَأْنِيثُ الأحْسَنِ، قِيلَ: المُرادُ بِها الذُّكُورُ؛ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿وَلَهم ما يَشْتَهُونَ﴾ (p-٣٩٤)[النحل: ٥٧]، والحَقُّ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ: أنَّ المُرادَ بِالحُسْنى: هو زَعْمُهم أنَّهُ إنْ كانَتِ الآخِرَةُ حَقًّا فَسَيَكُونُ لَهم فِيها أحْسَنُ نَصِيبٍ كَما كانَ لَهم في الدُّنْيا. ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا القَوْلِ الأخِيرِ دَلِيلانِ:
أحَدُهُما: كَثْرَةُ الآياتِ القُرْآنِيَّةِ المُبَيِّنَةِ لِهَذا المَعْنى؛
• كَقَوْلِهِ تَعالى عَنِ الكافِرِ: ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ [فصلت: ٥٠]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي لَأجِدَنَّ خَيْرًا مِنها مُنْقَلَبًا﴾ [الكهف: ٣٦]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا ووَلَدًا﴾ [مريم: ٧٧]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَقالُوا نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالًا وأوْلادًا وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبإ: ٣٥]،
• وقَوْلِهِ: ﴿أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ﴾ الآيَةَ [المؤمنون: ٥٥]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
والدَّلِيلُ الثّانِي: أنَّ اللَّهَ أتْبَعَ قَوْلَهُ: ﴿أنَّ لَهُمُ الحُسْنى﴾ [النحل: ٦٢]، بِقَوْلِهِ: ﴿لا جَرَمَ أنَّ لَهُمُ النّارَ﴾ الآيَةَ [النحل: ٦٢]، فَدَلَّ ذَلِكَ دَلالَةً واضِحَةً عَلى ما ذَكَرْنا، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ. والمَصْدَرُ المُنْسَبِكُ مِن ”أنَّ“، وصِلَتُها في قَوْلِهِ: ﴿أنَّ لَهُمُ الحُسْنى﴾ [النحل: ٦٢] في مَحَلِّ نَصْبٍ، بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ الكَذِبَ، ومَعْنى وصْفِ ألْسِنَتِهِمُ الكَذِبَ قَوْلُها لِلْكَذِبِ صَرِيحًا لا خَفاءَ بِهِ.
وَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في الكَشّافِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ﴾ [النحل: ١١٦]، ما نَصَّهُ: فَإنْ قُلْتَ: ما مَعْنى وصْفِ ألْسِنَتِهِمُ الكَذِبَ ؟ قُلْتُ: هو مِن فَصِيحِ الكَلامِ وبَلِيغِهِ، جَعَلَ قَوْلَهم كَأنَّهُ عَيْنُ الكَذِبِ ومَحْضُهُ؛ فَإذا نَطَقَتْ بِهِ ألْسِنَتُهم فَقَدْ حَلَّتِ الكَذِبَ بِحِلْيَتِهِ، وصَوَّرَتْهُ بِصُورَتِهِ. كَقَوْلِهِمْ: وجْهُها يَصِفُ الجَمالَ، وعَيْنُها تَصِفُ السِّحْرَ. اه.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا جَرَمَ أنَّ لَهُمُ النّارَ وأنَّهم مُفْرَطُونَ﴾، في هَذا الحَرْفِ قِراءَتانِ سَبْعِيَّتانِ، وقِراءَةٌ ثالِثَةٌ غَيْرُ سَبْعِيَّةٍ. قَرَأهُ عامَّةُ السَّبْعَةِ ما عَدى نافِعًا: ﴿مُفْرَطُونَ﴾، بِسُكُونِ الفاءِ وفَتْحِ الرّاءِ بِصِيغَةِ اسْمِ المَفْعُولِ؛ مِن أفْرَطَهُ. وقَرَأ نافِعٌ بِكَسْرِ الرّاءِ بِصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ؛ مِن أفْرَطَ. والقِراءَةُ الَّتِي لَيْسَتْ بِسَبْعِيَّةٍ بِفَتْحِ الفاءِ وكَسْرِ الرّاءِ المُشَدَّدَةِ بِصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ مِن فَرَّطَ المُضَعَّفِ، وتُرْوى هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ. وكُلُّ هَذِهِ القِراءاتِ لَها مِصْداقٌ في كِتابِ اللَّهِ.
أمّا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ: ﴿مُفْرَطُونَ﴾، بِصِيغَةِ المَفْعُولِ فَهو اسْمُ مَفْعُولٍ أفْرَطَهُ: إذا (p-٣٩٥)نَسِيَهُ وتَرَكَهُ غَيْرَ مُلْتَفِتٍ إلَيْهِ؛ فَقَوْلُهُ: ﴿مُفْرَطُونَ﴾، أيْ: مَتْرُوكُونَ مَنسِيُّونَ في النّارِ. ويَشْهَدُ لِهَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاليَوْمَ نَنْساهم كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هَذا﴾ [الأعراف: ٥١]، وقَوْلُهُ: ﴿فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا إنّا نَسِيناكم وذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ﴾ الآيَةَ [السجدة: ١٤]، وقَوْلُهُ: ﴿وَقِيلَ اليَوْمَ نَنْساكم كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا ومَأْواكُمُ النّارُ﴾ الآيَةَ [الجاثية: ٣٤]، فالنِّسْيانُ في هَذِهِ الآياتِ مَعْناهُ: التَّرْكُ في النّارِ. أمّا النِّسْيانُ بِمَعْنى زَوالِ العِلْمِ: فَهو مُسْتَحِيلٌ عَلى اللَّهِ؛ كَما قالَ تَعالى: ﴿وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤]، وقالَ: ﴿قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي في كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى﴾ [طه: ٥٢] .
وَمِمَّنْ قالَ بِأنَّ مَعْنى: ﴿مُفْرَطُونَ﴾، مَنسِيُّونَ مُتْرَكُونَ في النّارِ: مُجاهِدٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ الأعْرابِيِّ، وأبُو عُبَيْدَةَ، والفَرّاءُ، وغَيْرُهم.
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿مُفْرَطُونَ﴾، عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ: أيْ: مُقَدَّمُونَ إلى النّارِ مُعَجَّلُونَ؛ مَن أفْرَطْتُ فُلانًا وفَرَطْتُهُ في طَلَبِ الماءِ، إذا قَدَّمْتُهُ، ومِنهُ حَدِيثُ: «أنا فَرَطُكم عَلى الحَوْضِ»، أيْ: مُتَقَدِّمُكم. ومِنهُ قَوْلُ القُطامِيِّ: فاسْتَعْجَلُونا وكانُوا مِن صَحابَتِنا كَما تَقَدَّمَ فَرّاطٌ لِرَوّادِ.
وَقَوْلُ الشَّنْفَرى:
؎هَمَمْتُ وهَمَّتْ فابْتَدَرْنا وأسْبَلَتْ وشَمَّرَ مِنِّي فارِطٌ مُتَمَهِّلُ
أيْ: مُتَقَدِّمٌ إلى الماءِ. وعَلى قِراءَةِ نافِعٍ فَهو اسْمُ فاعِلٍ أفْرَطَ في الأمْرِ: إذا أسْرَفَ فِيهِ وجاوَزَ الحَدَّ. ويَشْهَدُ لِهَذِهِ القِراءَةِ قَوْلُهُ: ﴿وَأنَّ المُسْرِفِينَ هم أصْحابُ النّارِ﴾ [غافر: ٤٣]، ونَحْوُها مِنَ الآياتِ. وعَلى قِراءَةِ أبِي جَعْفَرٍ، فَهو اسْمُ فاعِلٍ، فَرَّطَ في الأمْرِ: إذا ضَيَّعَهُ وقَصَّرَ فِيهِ، ويَشْهَدُ لِهَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ تَقُولَ نَفْسٌ ياحَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ [الزمر: ٥٦]، فَقَدْ عَرَفْتَ أوْجُهَ القِراءاتِ في الآيَةِ، وما يَشْهَدُ لَهُ القُرْآنُ مِنها.
وَقَوْلُهُ: لا جَرَمَ، أيْ: حَقًّا أنَّ لَهُمُ النّارَ. وقالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ: لا رَدَّ لِكَلامِهِمْ وتَمَّ الكَلامُ، أيْ: لَيْسَ كَما تَزْعُمُونَ وجَرَمَ أنَّ لَهُمُ النّارَ حَقًّا أنَّ لَهُمُ النّارَ ! وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: ”لا“ صِلَةَ، و ”جَرَمَ“ بِمَعْنى كَسْبٍ؛ أيْ: كَسْبٌ لَهم عَمَلُهم أنَّ لَهُمُ النّارَ.
16:63Page 273
تَٱللَّهِ لَقَدۡ أَرۡسَلۡنَآ إِلَىٰٓ أُمَمٖ مِّن قَبۡلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَعۡمَٰلَهُمۡ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ ٱلۡيَوۡمَ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٦٣
By Allāh, We did certainly send [messengers] to nations before you, but Satan made their deeds attractive to them. And he is their [i.e., the disbelievers] ally today [as well], and they will have a painful punishment.
No commentary for this ayah
16:64Page 273
وَمَآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِي ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٦٤
And We have not revealed to you the Book, [O Muḥammad], except for you to make clear to them that wherein they have differed and as guidance and mercy for a people who believe.
No commentary for this ayah
16:65Page 274
وَٱللَّهُ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَحۡيَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَآۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَسۡمَعُونَ ٦٥
And Allāh has sent down rain from the sky and given life thereby to the earth after its lifelessness. Indeed in that is a sign for a people who listen.
No commentary for this ayah
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences