Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic
An-Nahl 16:67–71
16:67Page 274
وَمِن ثَمَرَٰتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلۡأَعۡنَٰبِ تَتَّخِذُونَ مِنۡهُ سَكَرٗا وَرِزۡقًا حَسَنًاۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ ٦٧
And from the fruits of the palm trees and grapevines you take intoxicant and good provision.1 Indeed in that is a sign for a people who reason.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنهُ سَكَرًا ورِزْقًا حَسَنًا﴾ الآيَةَ [النحل: ٩٧]، جُمْهُورُ العُلَماءِ عَلى أنَّ المُرادَ بِالسَّكَرِ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: الخَمْرُ؛ لِأنَّ (p-٤٠٤)العَرَبَ تُطْلِقُ اسْمَ السَّكَرِ عَلى ما يَحْصُلُ بِهِ السُّكْرُ، مِن إطْلاقِ المَصْدَرِ وإرادَةِ الِاسْمِ. والعَرَبُ تَقُولُ: سِكْرٌ ”- بِالكَسْرِ -“ سَكَرًا [النحل: ٦٧]، ”بِفَتْحَتَيْنِ وسُكْرًا“ بِضَمٍّ فَسُكُونٍ " .
وَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في الكَشّافِ: والسَّكَرُ: الخَمْرُ؛ سُمِّيَتْ بِالمَصْدَرِ مِن سَكَرَ سُكْرًا وسَكَرًا، نَحْوَ رَشَدَ رُشْدًا ورَشَدًا. قالَ:
؎وَجاءُونا بِهِمْ سَكَرٌ عَلَيْنا فَأجْلى اليَوْمَ والسَّكْرانُ صاحِي
ا هـ.
وَمِن إطْلاقِ السَّكَرِ عَلى الخَمْرِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎بِئْسَ الصُّحاةُ وبِئْسَ الشُّرْبُ شُرْبُهم ∗∗∗ إذا جَرى فِيهِمُ المُزّاءُ والسَّكَرُ
وَمِمَّنْ قالَ: بِأنَّ السَّكَرَ في الآيَةِ الخَمْرُ: ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عُمَرَ، وأبُو رُزَيْنٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، والشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ، وابْنُ أبِي لَيْلى، والكَلْبِيُّ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو ثَوْرٍ، وغَيْرُهم. وقِيلَ: السَّكَرُ: الخَلُّ. وقِيلَ: الطَّعْمُ، وقِيلَ: العَصِيرُ الحُلْوُ.
وَإذا عَرَفْتَ أنَّ الصَّحِيحَ هو مَذْهَبُ الجُمْهُورِ، وأنَّ اللَّهَ امْتَنَّ عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ بِالخَمْرِ قَبْلَ تَحْرِيمِها فاعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ، نَزَلَتْ بَعْدَها آياتٌ مَدَنِيَّةٌ بَيَّنَتْ تَحْرِيمَ الخَمْرِ، وهي ثَلاثُ آياتٍ نَزَلَتْ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ الدّالَّةِ عَلى إباحَةِ الخَمْرِ.
الأُولى: آيَةُ البَقَرَةِ الَّتِي ذُكِرَ فِيها بَعْضُ مَعائِبِها ومَفاسِدِها، ولَمْ يُجْزَمْ فِيها بِالتَّحْرِيمِ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ ومَنافِعُ لِلنّاسِ وإثْمُهُما أكْبَرُ مِن نَفْعِهِما﴾ [البقرة: ٢١٩]، وبَعْدَ نُزُولِها تَرَكَها قَوْمٌ لِلْإثْمِ الَّذِي فِيها، وشَرِبَها آخَرُونَ لِلْمَنافِعِ الَّتِي فِيها.
الثّانِيَةُ: آيَةُ النِّساءِ الدّالَّةُ عَلى تَحْرِيمِها في أوْقاتِ الصَّلَواتِ، دُونَ الأوْقاتِ الَّتِي يَصْحُو فِيها الشّارِبُ قَبْلَ وقْتِ الصَّلاةِ، كَما بَيْنَ صَلاةِ العِشاءِ وصَلاةِ الصُّبْحِ، وما بَيْنَ صَلاةِ الصُّبْحِ وصَلاةِ الظُّهْرِ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ الآيَةَ [النساء: ٤٣] .
الثّالِثَةُ: آيَةُ المائِدَةِ الدّالَّةُ عَلى تَحْرِيمِها تَحْرِيمًا باتًّا، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ والأنْصابُ والأزْلامُ رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ فاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾، إلى قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩٠ - ٩١] .
(p-٤٠٥)وَهَذِهِ الآيَةَ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلى تَحْرِيمِ الخَمْرِ أتَمَّ دَلالَةٍ وأوْضَحَها؛ لِأنَّهُ تَعالى صَرَّحَ بِأنَّها رِجْسٌ، وأنَّها مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ، وأمَرَ بِاجْتِنابِها أمْرًا جازِمًا في قَوْلِهِ: ﴿فاجْتَنِبُوهُ﴾، واجْتِنابُ الشَّيْءِ: هو التَّباعُدُ عَنْهُ، بِأنْ تَكُونَ في غَيْرِ الجانِبِ الَّذِي هو فِيهِ. وعَلَّقَ رَجاءَ الفَلاحِ عَلى اجْتِنابِها في قَوْلِهِ: لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ، ويُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ مَن لَمْ يَجْتَنِبْها لَمْ يُفْلِحْ، وهو كَذَلِكَ.
ثُمَّ بَيَّنَ بَعْضَ مَفاسِدِها بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ في الخَمْرِ والمَيْسِرِ ويَصُدَّكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الصَّلاةِ﴾ [الحجر: ٩١]، ثُمَّ أكَّدَ النَّهْيَ عَنْها بِأنْ أوْرَدَهُ بِصِيغَةِ الِاسْتِفْهامِ في قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١]، فَهو أبْلَغُ في الزَّجْزِ مِن صِيغَةِ الأمْرِ الَّتِي هي ”انْتَهَوْا“، وقَدْ تَقَرَّرَ في فَنِّ المَعانِي: أنَّ مِن مَعانِي صِيغَةِ الِاسْتِفْهامِ، الَّتِي تَرِدُ لَها، الأمْرَ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾، وقَوْلِهِ: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والأُمِّيِّينَ أأسْلَمْتُمْ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ٢٠]، أيْ: أسْلِمُوا. والجارُّ والمَجْرُورُ في قَوْلِهِ: ﴿وَمِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ﴾ الآيَةَ [النحل: ٦٧]، يَتَعَلَّقُ بـِ ﴿تَتَّخِذُونَ﴾، وكَرَّرَ لَفْظَ ”مِن“ لِلتَّأْكِيدِ، وأفْرَدَ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ ”مِنهُ“ مُراعاةً لِلْمَذْكُورِ؛ أيْ: تَتَّخِذُونَ مِنهُ، أيْ: مِمّا ذُكِرَ مِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ. ونَظِيرُهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ:
؎فِيها خُطُوطٌ مِن سَوادٍ وبَلَقْ ∗∗∗ كَأنَّهُ في الجِلْدِ تَوْلِيعُ البَهَقْ
فَقَوْلُهُ: ”كَأنَّهُ“، أيْ: ما ذَكَرَ مِن خُطُوطِ السَّوادِ والبَلْقِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى مَحْذُوفٍ دَلَّ المَقامُ عَلَيْهِ، أيْ: ومِن عَصِيرِ ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنهُ، أيْ: عَصِيرِ الثَّمَراتِ المَذْكُورَةِ، وقِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿وَمِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ﴾، مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿مِمّا في بُطُونِهِ﴾ [النحل: ٦٦]، أيْ: نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِهِ ومِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ. وقِيلَ: يَتَعَلَّقُ بـِ: ﴿نُسْقِيكُمْ﴾، [النحل: ٦٦] مَحْذُوفَةٌ دَلَّتْ عَلَيْها الأُولى؛ فَيَكُونُ مِن عَطْفِ الجُمَلِ. وعَلى الأوَّلِ يَكُونُ مِن عَطْفِ المُفْرَداتِ إذا اشْتَرَكا في العامِلِ. وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى ”الأنْعامِ“ [النحل: ٦٦]، وهو أضْعَفُها عِنْدِي.
وَقالَ الطَّبَرِيُّ: التَّقْدِيرُ: ومِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ ما تَتَّخِذُونَ مِنهُ سَكَرًا؛ فَحَذَفَ ”ما“ .
قالَ أبُو حَيّانَ البَحْرُ: وهو لا يَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ. وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةَ مَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: ومِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ ثَمَرٌ تَتَّخِذُونَ مِنهُ (p-٤٠٦)وَنَظِيرُ هَذا مِن كَلامِ العَرَبِ قَوْلُ الرّاجِزِ:
؎ما لَكَ عِنْدِي غَيْرَ سَوْطٍ وحَجَرْ
؎وَغَيْرَ كَبْداءَ شَدِيدَةِ الوَتَرْ ∗∗∗ جادَتْ بِكَفَّيْ كانَ مِن أرَمى البَشَرْ
أيْ: بِكَفَّيْ رَجُلٍ كانَ ”إلَخْ“، ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وأبُو حَيّانَ.
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ -: أظْهَرُ هَذِهِ الأقْوالِ عِنْدِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَمِن ثَمَراتِ﴾، يَتَعَلَّقُ بـِ: ﴿تَتَّخِذُونَ﴾، أيْ: تَتَّخِذُونَ مِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ، وأنَّ ”مِن“، الثّانِيَةَ: تَوْكِيدٌ لِلْأُولى. والضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: مِنهُ، عائِدٌ إلى جِنْسِ الثَّمَرِ المَفْهُومِ مِن ذِكْرِ الثَّمَراتِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
* *
تَنْبِيهٌ.
اعْلَمْ: أنَّ التَّحْقِيقَ عَلى مَذْهَبِ الجُمْهُورِ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ الكَرِيمَةَ الَّتِي هي قَوْلُهُ - جَلَّ وعَلا -: ﴿وَمِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ﴾ [النحل: ٦٧] مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ ”المائِدَةِ“ المَذْكُورَةِ. فَما جَزَمَ بِهِ صاحِبُ مَراقِي السُّعُودِ فِيهِ وفي شَرْحِهِ (نَشْرِ البُنُودِ) مِن أنَّ تَحْرِيمَ الخَمْرِ لَيْسَ نَسْخًا لِإباحَتِها الأُولى؛ بِناءً عَلى أنَّ إباحَتَها الأُولى إباحَةٌ عَقْلِيَّةٌ، والإباحَةُ العَقْلِيَّةُ هي البَراءَةُ الأصْلِيَّةُ، وهي بِعَيْنِها اسْتِصْحابُ العَدَمِ الأصْلِيِّ، وهي لَيْسَتْ مِنَ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ؛ فَرَفَعُها لَيْسَ بِنَسْخٍ. وقَدْ بَيَّنَ في المَراقِي: أنَّها لَيْسَتْ مِنَ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ بِقَوْلِهِ:
؎وَما مِنَ البَراءَةِ الأصْلِيَّةِ قَدْ أُخِذَتْ فَلَيْسَتِ الشَّرْعِيَّةَ
وَقالَ أيْضًا في إباحَةِ الخَمْرِ قَبْلَ التَّحْرِيمِ:
؎أباحَها في أوَّلِ الإسْلامِ ∗∗∗ بَراءَةٌ لَيْسَتْ مِنَ الأحْكامِ
كُلُّ ذَلِكَ لَيْسَ بِظاهِرٍ، بَلْ غَيْرَ صَحِيحٍ؛ لِأنَّ إباحَةَ الخَمْرِ قَبْلَ التَّحْرِيمِ دَلَّتْ عَلَيْها هَذِهِ الآيَةَ الكَرِيمَةُ، الَّتِي هي قَوْلُهُ: ﴿وَمِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنهُ سَكَرًا﴾ الآيَةَ [النحل: ٦٧]، وما دَلَّتْ عَلى إباحَتِهِ آيَةٌ مِن كِتابِ اللَّهِ لا يَصِحُّ أنْ يُقالَ: إنَّ إباحَتَهُ عَقْلِيَّةٌ، بَلْ هي إباحَةٌ شَرْعِيَّةٌ مَنصُوصَةٌ في كِتابِ اللَّهِ، فَرَفْعُها نَسْخٌ. نَعَمْ ! عَلى القَوْلِ بِأنَّ مَعْنى السَّكَّرِ في الآيَةِ: الخَلُّ أوِ الطَّعْمُ أوِ العَصِيرُ؛ فَتَحْرِيمُ الخَمْرِ لَيْسَ نَسْخًا لِإباحَتِها، وإباحَتُها الأُولى: عَقْلِيَّةٌ. وقَدْ بَيَّنّا هَذا المَبْحَثَ في كِتابِنا (دَفْعِ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ (p-٤٠٧)الكِتابِ) .
فَإنْ قِيلَ: الآيَةَ وارِدَةٌ بِصِيغَةِ الخَبَرِ، والأخْبارُ لا يَدْخُلُها النَّسْخُ كَما تَقَرَّرَ في الأُصُولِ:
فالجَوابُ: أنَّ النَّسْخَ وارِدٌ عَلى ما يُفْهَمُ مِنَ الآيَةِ مِن إباحَةِ الخَمْرِ. الإباحَةُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ كَسائِرِ الأحْكامِ قابِلٌ لِلنَّسْخِ؛ فَلَيْسَ النَّسْخُ وارِدًا عَلى نَفْسِ الخَبَرِ، بَلْ عَلى الإباحَةِ المَفْهُومَةِ مِنَ الخَبَرِ؛ كَما حَقَّقَهُ ابْنُ العَرَبِيِّ المالِكِيُّ وغَيْرُهُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل: ٦٧]، أيِ: التَّمْرَ، والرُّطَبَ، والعِنَبَ، والزَّبِيبَ، والعَصِيرَ، ونَحْوَ ذَلِكَ.
* *
تَنْبِيهٌ آخَرُ.
اعْلَمْ: أنَّ النَّبِيذَ الَّذِي يُسْكِرُ مِنهُ الكَثِيرُ لا يَجُوزُ أنْ يُشْرَبَ مِنهُ القَلِيلُ الَّذِي لا يُسْكِرُ لِقِلَّتِهِ. وهَذا مِمّا لا شَكَّ فِيهِ.
فَمَن زَعَمَ جَوازَ شُرْبِ القَلِيلِ الَّذِي لا يُسْكِرُ مِنهُ كالحَنَفِيَّةِ وغَيْرِهِمْ، فَقَطْ غَلِطَ غَلَطًا فاحِشًا؛ لِأنَّ ما يُسْكِرُ كَثِيرُهُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ بِدَلالَةِ المُطابَقَةِ أنَّهُ مُسْكِرٌ، والنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: ”كُلُّ مُسْكِرٍ حَرامٌ“، وقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ في الصَّحِيحِ ﷺ أنَّهُ قالَ: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وكُلُّ خَمْرٍ حَرامٌ»، ولَوْ حاوَلَ الخَصْمُ أنْ يُنازِعَ في مَعْنى هَذِهِ الأحادِيثِ، فَزَعَمَ أنَّ القَلِيلَ الَّذِي لا يُسْكِرُ يَرْتَفِعُ عَنْهُ اسْمُ الإسْكارِ فَلا يَلْزَمُ تَحْرِيمُهُ، قُلْنا: صَرَّحَ ﷺ بِأنَّ «ما أسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرامٌ»، وهَذا نَصٌّ صَرِيحٌ في مَحَلِّ النِّزاعِ لا يُمْكِنُ مَعَهُ كَلامٌ. وعَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كُلُّ مُسْكِرٍ حَرامٌ، وما أسْكَرَ الفَرَقُ مِنهُ فَمِلْءُ الكَفِّ مِنهُ حَرامٌ»، رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، وقالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ. وعَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «ما أسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرامٌ»، رَواهُ أحْمَدُ وابْنُ ماجَهْ، والدّارَقُطْنِيُّ وصَحَّحَهُ. ولِأبِي داوُدَ وابْنِ ماجَهْ، والتِّرْمِذِيِّ مِثْلُهُ سَواءٌ مِن حَدِيثِ جابِرٍ. وكَذا لِأحْمَدَ والنَّسائِيِّ وابْنِ ماجَهْ مِن حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ. وكَذَلِكَ الدّارَقُطْنِيُّ مِن حَدِيثِ الإمامِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - . وعَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ ”نَهى عَنْ قَلِيلِ ما أسْكَرَ كَثِيرُهُ»“، رَواهُ النَّسائِيُّ والدّارَقُطْنِيُّ. وعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أتاهُ قَوْمٌ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنّا نَنْبِذُ النَّبِيذَ فَنَشْرَبُهُ عَلى غَدائِنا وعَشائِنا ؟ فَقالَ: ”اشْرَبُوا فَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرامٌ“ . فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنّا نَكْسِرُهُ بِالماءِ ؟ (p-٤٠٨)فَقالَ: ”حَرامٌ قَلِيلُ ما أسْكَرَ كَثِيرُهُ»“، رَواهُ الدّارَقُطْنِيُّ. اه. بِواسِطَةِ نَقْلِ المُجِدِّ في (مُنْتَقى الأخْبارِ) .
فَهَذِهِ الأحادِيثُ لا لَبْسَ مَعَها في تَحْرِيمِ قَلِيلِ ما أسْكَرَ كَثِيرُهُ. وقالَ ابْنُ حَجَرٍ (في فَتْحِ البارِي) في شَرْحِ قَوْلِهِ ﷺ عِنْدَ البُخارِيِّ: «كُلُّ شَرابٍ أسْكَرَ فَهو حَرامٌ»، ما نَصُّهُ: فَعِنْدَ أبِي داوُدَ والنَّسائِيِّ وصَحَّحَهُ ابْنُ حِبّانَ مِن حَدِيثِ جابِرٍ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ما أسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرامٌ»، ولِلنَّسائِيِّ مِن حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ مِثْلُهُ، وسَنَدُهُ إلى عَمْرٍو صَحِيحٌ. ولِأبِي داوُدَ مِن حَدِيثِ عائِشَةَ مَرْفُوعًا: «كُلُّ مُسْكِرٍ حَرامٌ، وما أسْكَرَ مِنهُ الفَرَقُ فَمِلْءُ الكَفِّ مِنهُ حَرامٌ»، ولِابْنِ حِبّانَ والطَّحاوِيِّ مِن حَدِيثِ عامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «أنْهاكم عَنْ قَلِيلِ ما أسْكَرَ كَثِيرُهُ»، وقَدِ اعْتَرَفَ الطَّحاوِيُّ بِصِحَّةِ هَذِهِ الأحادِيثِ - إلى أنْ قالَ: وجاءَ أيْضًا عَنْ عَلِيٍّ عِنْدَ الدّارَقُطْنِيِّ، وعَنِ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ ابْنِ إسْحاقَ والطَّبَرانِيِّ، وعَنْ خَوّاتِ بْنِ جُبَيْرٍ عِنْدَ الدّارَقُطْنِيِّ والحاكِمِ والطَّبَرانِيِّ، وعَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ عِنْدَ الدّارَقُطْنِيِّ. وفي أسانِيدِها مَقالٌ؛ لَكِنَّها تَزِيدُ الأحادِيثَ الَّتِي قَبْلَها قُوَّةً وشُهْرَةً.
قالَ أبُو المُظَفَّرِ بْنُ السَّمْعانِيِّ (وكانَ حَنَفِيًّا فَتَحَوَّلَ شافِعِيًّا): ثَبَتَتِ الأخْبارُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في تَحْرِيمِ المُسْكِرِ.
ثُمَّ ساقَ كَثِيرًا مِنها، ثُمَّ قالَ: والأخْبارُ في ذَلِكَ كَثِيرَةٌ، ولا مَساغَ لِأحَدٍ في العُدُولِ عَنْها والقَوْلِ بِخِلافِهِ؛ فَإنَّها حُجَجٌ قَواطِعُ. قالَ: وقَدْ زَلَّ الكُوفِيُّونَ في هَذا البابِ، ورَوَوْا فِيهِ أخْبارًا مَعْلُولَةً، لا تُعارِضُ هَذِهِ الأخْبارَ بِحالٍ. ومَن ظَنَّ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ شَرِبَ مُسْكِرًا فَقَدْ دَخَلَ في أمْرٍ عَظِيمٍ، وباءَ بِإثْمٍ كَبِيرٍ. وإنَّما الَّذِي شَرِبَهُ كانَ حُلْوًا ولَمْ يَكُنْ مُسْكِرًا. وقَدْ «رَوى ثُمامَةُ بْنُ حَزْنٍ القُشَيْرِيُّ: أنَّهُ سَألَ عائِشَةَ عَنِ النَّبِيذِ ؟ فَدَعَتْ جارِيَةً حَبَشِيَّةً فَقالَتْ: سَلْ هَذِهِ، فَإنَّها كانَتْ تَنْبِذُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَتِ الحَبَشِيَّةُ: كُنْتُ أنْبِذُ لَهُ في سِقاءٍ مِنَ اللَّيْلِ، وأُوكِثُهُ وأُعَلِّقُهُ فَإذا أصْبَحَ شَرِبَ مِنهُ» . أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
وَرَوى الحَسَنُ البَصْرِيُّ عَنْ أُمِّهِ عَنْ عائِشَةَ نَحْوَهُ. ثُمَّ قالَ: فَقِياسُ النَّبِيذِ عَلى الخَمْرِ بِعِلَّةِ الإسْكارِ والِاضْطِرابِ مِن أجَلِّ الأقْيِسَةِ وأوْضَحِها، والمَفاسِدُ الَّتِي تُوجَدُ في الخَمْرِ تُوجَدُ في النَّبِيذِ، إلى أنْ قالَ: وعَلى الجُمْلَةِ، فالنُّصُوصُ المُصَرِّحَةُ بِتَحْرِيمِ كُلِّ مُسْكِرٍ - قَلَّ أوْ كَثُرَ - مُغْنِيَةٌ عَنِ القِياسِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
وَقَدْ قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبارَكِ: لا يَصِحُّ في حِلِّ النَّبِيذِ الَّذِي يُسْكِرُ كَثِيرُهُ عَنِ الصَّحابَةِ (p-٤٠٩)شَيْءٌ ولا عَنِ التّابِعِينَ؛ إلّا عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ. انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِن (فَتْحِ البارِي) بِحَذْفِ ما لا حاجَةَ إلَيْهِ.
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ -: تَحْرِيمُ قَلِيلِ النَّبِيذِ الَّذِي يُسْكِرُ كَثِيرُهُ لا شَكَّ فِيهِ؛ لِما رَأيْتُ مِن تَصْرِيحِ النَّبِيِّ ﷺ بِأنَّ: «ما أسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرامٌ» .
واعْلَمْ: أنَّ قِياسَ النَّبِيذِ المُسْكِرِ كَثِيرُهُ عَلى الخَمْرِ بِجامِعِ الإسْكارِ لا يَصِحُّ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَرَّحَ بِأنَّ «كُلَّ مُسْكِرٍ حَرامٌ»، والقِياسُ يُشْتَرَطُ فِيهِ ألّا يَكُونَ حُكْمُ الفَرْعِ مَنصُوصًا عَلَيْهِ كَحُكْمِ الأصْلِ. كَما أشارَ لَهُ في مَراقِي السُّعُودِ بِقَوْلِهِ:
؎وَحَيْثُما يَنْدَرِجُ الحُكْمانِ في النَّصِّ فالأمْرانِ قُلْ سِيّانِ
وَقالَ ابْنُ المُنْذِرِ: وجاءَ أهْلُ الكُوفَةِ بِأخْبارٍ مَعْلُولَةٍ، وإذا اخْتَلَفَ النّاسُ في الشَّيْءِ وجَبَ رَدُّ ذَلِكَ إلى كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ . اه.
⁕ ⁕ ⁕
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنهُ سَكَرًا ورِزْقًا حَسَنًا﴾ .
هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ يُفْهَمُ مِنها أنَّ السَّكَرَ المُتَّخَذَ مِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ لا بَأْسَ بِهِ، لِأنَّ اللَّهَ امْتَنَّ بِهِ عَلى عِبادِهِ في سُورَةِ الِامْتِنانِ الَّتِي هي سُورَةُ ”النَّحْلِ“ .
وَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ تَعالى الخَمْرَ بِقَوْلِهِ: ﴿رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ فاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ الآيَةَ [المائدة: ٩٠]، لِأنَّهُ وصَّفَها بِأنَّها رِجْسٌ، وأنَّها مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ وأمَرَ (p-٣١٩)بِاجْتِنابِها ورَتَّبَ عَلَيْهِ رَجاءَ الفَلاحِ، ويُفْهَمُ مِنهُ أنَّ مَن لَمْ يَجْتَنِبْها لَمْ يُفْلِحْ، وهو كَذَلِكَ، وقَدْ بَيَّنَ ﷺ أنَّ كُلَّ ما خامَرَ العَقْلَ فَهو خَمْرٌ، وأنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ حَرامٌ، وأنَّ ما أسْكَرُ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرامٌ.
والجَوابُ ظاهِرٌ، وهو أنَّ آيَةَ تَحْرِيمِ الخَمْرِ ناسِخَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنهُ سَكَرًا﴾ الآيَةَ، ونَسْخُها لَهُ هو التَّحْقِيقُ خِلافًا لِما يَزْعُمُهُ كَثِيرٌ مِنَ الأُصُولِيِّينَ أنَّ تَحْرِيمَ الخَمْرِ لَيْسَ نَسْخًا لِإباحَتِها الأُولى، لِأنَّ إباحَتَها الأوْلى إباحَةٌ عَقْلِيَّةٌ وهي المَعْرُوفَةُ عِنْدَ الأُصُولِيِّينَ بِالبَراءَةِ الأُصُولِيَّةِ، وتُسَمّى اسْتِصْحابَ العَدَمِ الأصْلِيِّ.
والإباحَةُ العَقْلِيَّةُ لَيْسَتْ مِنَ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ حَتّى يَكُونَ رَفْعُها نَسْخًا، ولَوْ كانَ رَفْعُها نَسْخًا لَكانَ كُلُّ تَكْلِيفٍ في الشَّرْعِ ناسِخًا لِلْبَراءَةِ الأصْلِيَّةِ مِنَ التَّكْلِيفِ بِهِ وإلى كَوْنِ الإباحَةِ العَقْلِيَّةِ لَيْسَتْ مِنَ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ، أشارَ في مَراقِي السُّعُودِ بِقَوْلِهِ:
؎وَما مِنَ الإباحَةِ العَقْلِيَّةِ قَدْ أُخِذَتْ فَلَيْسَتِ الشَّرْعِيَّةَ
كَما أشارَ إلى أنَّ تَحْرِيمَ الخَمْرِ لَيْسَ نَسْخًا لِإباحَتِها، لِأنَّها إباحَةٌ عَقْلِيَّةٌ، ولَيْسَتْ مِنَ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ حَتّى يَكُونَ رَفْعُها نَسْخًا بِقَوْلِهِ:
؎أباحَها في أوَّلِ الإسْلامِ ∗∗∗ بَراءَةً لَيْسَتْ مِنَ الأحْكامِ
وَإنَّما قُلْنا: إنَّ التَّحْقِيقَ هو كَوْنُ تَحْرِيمِ الخَمْرِ ناسِخًا لِإباحَتِها، لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿تَتَّخِذُونَ مِنهُ سَكَرًا﴾ يَدُلُّ عَلى إباحَةِ الخَمْرِ شَرْعًا، فَرَفْعُ هَذِهِ الإباحَةِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِالقُرْآنِ رَفْعُ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ فَهو نَسْخٌ بِلا شَكٍّ ولا يُمْكِنُ أنْ تَكُونَ إباحَتُها عَقْلِيَّةً إلّا قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ كَما هو ظاهِرٌ.
وَمَعْلُومٌ عِنْدَ العُلَماءِ أنَّ الخَمْرَ نَزَلَتْ في شَأْنِها أرْبَعُ آياتٍ مِن كِتابِ اللَّهِ:
الأُولى: هَذِهِ الآيَةُ الدّالَّةُ عَلى إباحَتِها.
الثّانِيَةُ: الآيَةُ الَّتِي ذُكِرَ فِيها بَعْضُ مَعائِبِها، وأنَّ فِيها مَنافِعَ وصَرَّحَتْ بِأنَّ إثْمَها أكْبَرُ مِن نَفْعِها، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ ومَنافِعُ لِلنّاسِ وإثْمُهُما أكْبَرُ مِن نَفْعِهِما﴾ [البقرة: ٢١٩]، فَشَرِبَها بَعْدَ نُزُولِها قَوْمٌ لِلْمَنافِعِ المَذْكُورَةِ وتَرَكَها آخَرُونَ لِلْإثْمِ الَّذِي هو أكْبَرُ مِنَ المَنافِعِ.
(p-٣٢٠)الثّالِثَةُ: الآيَةُ الَّتِي دَلَّتْ عَلى تَحْرِيمِها في أوْقاتِ الصَّلاةِ دُونَ غَيْرِها، وهي قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ﴾ الآيَةَ [النساء: ٤٣] .
الرّابِعَةُ: الآيَةُ الَّتِي حَرَّمَتْها تَحْرِيمًا باتًّا مُطْلَقًا وهي قَوْلُهُ تَعالى ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ - إلى قَوْلِهِ - ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩٠ - ٩١]، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
وَأمّا عَلى قَوْلِ مَن زَعَمَ أنَّ السَّكَرَ الطَّعْمُ، كَما اخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو عُبَيْدَةَ أوْ أنَّهُ الخَلُّ، فَلا إشْكالَ في الآيَةِ.
16:68Page 274
وَأَوۡحَىٰ رَبُّكَ إِلَى ٱلنَّحۡلِ أَنِ ٱتَّخِذِي مِنَ ٱلۡجِبَالِ بُيُوتٗا وَمِنَ ٱلشَّجَرِ وَمِمَّا يَعۡرِشُونَ ٦٨
And your Lord inspired to the bee, "Take for yourself among the mountains, houses [i.e., hives], and among the trees and [in] that which they construct.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأوْحى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ﴾ الآيَةَ، المُرادُ بِالإيحاءِ هُنا: الإلْهامُ. والعَرَبُ تُطْلِقُ الإيحاءَ عَلى الإعْلامِ بِالشَّيْءِ في خُفْيَةٍ؛ ولِذا تُطْلِقُهُ عَلى الإشارَةِ، وعَلى الكِتابَةِ، وعَلى الإلْهامِ؛ ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿وَأوْحى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨]، أيْ: ألْهَمَها. وقالَ: ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ أنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً﴾ الآيَةَ [مريم: ١١]، أيْ: أشارَ إلَيْهِمْ. وسَمّى أمْرَهُ لِلْأرْضِ إيحاءً في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها﴾ [الزلزلة: ٤، ٥]، ومِن إطْلاقِ الوَحْيِ عَلى الكِتابَةِ قَوْلُ لَبِيدٍ في مُعَلَّقَتِهِ:
؎فَمَدافِعُ الرَّيّانِ عُرِّيَ رَسْمُها خَلَقًا كَما ضَمِنَ الوُحِيَّ سِلامُها
فَ ”الوُحِيَّ“ في البَيْتِ (بِضَمِّ الواوِ وكَسْرِ الحاءِ وتَشْدِيدِ الياءِ) جَمْعُ وحْيٍ بِمَعْنى الكِتابَةِ. وسَيَأْتِي لِهَذِهِ المَسْألَةِ - إنْ شاءَ اللَّهُ - زِيادَةُ إيضاحٍ.
16:69Page 274
ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ فَٱسۡلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلٗاۚ يَخۡرُجُ مِنۢ بُطُونِهَا شَرَابٞ مُّخۡتَلِفٌ أَلۡوَٰنُهُۥ فِيهِ شِفَآءٞ لِّلنَّاسِۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ ٦٩
Then eat from all the fruits1 and follow the ways of your Lord laid down [for you]." There emerges from their bellies a drink, varying in colors, in which there is healing for people. Indeed in that is a sign for a people who give thought.
No commentary for this ayah
16:70Page 274
وَٱللَّهُ خَلَقَكُمۡ ثُمَّ يَتَوَفَّىٰكُمۡۚ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰٓ أَرۡذَلِ ٱلۡعُمُرِ لِكَيۡ لَا يَعۡلَمَ بَعۡدَ عِلۡمٖ شَيۡـًٔاۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٞ قَدِيرٞ ٧٠
And Allāh created you; then He will take you in death. And among you is he who is reversed to the most decrepit [old] age so that he will not know, after [having had] knowledge, a thing. Indeed, Allāh is Knowing and Competent.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنكم مَّنْ يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾، بَيَّنَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ مِنَ النّاسِ مَن يَمُوتُ قَبْلَ بُلُوغِ أرْذَلِ العُمُرِ، ومِنهم مَن يُعَمِّرُ حَتّى يُرَدَّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ. وأرْذَلُ العُمُرِ آخِرُهُ الَّذِي تَفْسَدُ فِيهِ الحَواسُّ، ويَخْتَلُّ فِيهِ النُّطْقُ والفِكْرُ، وخُصَّ بِالرَّذِيلَةِ؛ لِأنَّهُ حالٌ لا رَجاءَ بَعْدَها لِإصْلاحِ ما فَسَدَ. بِخِلافِ حالِ الطُّفُولَةِ، فَإنَّها حالَةٌ يُنْتَقَلُ مِنها إلى القُوَّةِ وإدْراكِ الأشْياءِ. وأوْضَحَ هَذا المَعْنى في مَواضِعَ أُخَرَ؛
• كَقَوْلِهِ في سُورَةِ الحَجِّ: ﴿وَمِنكم مَن يُتَوَفّى ومِنكم مَن يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ [الحج: ٥]،
• وقَوْلِهِ في الرُّومِ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم مِّنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن (p-٤١٠)بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وشَيْبَةً﴾ الآيَةَ [الروم: ٥٤]، وأشارَ إلى ذَلِكَ أيْضًا
• بِقَوْلِهِ: ﴿وَما يُعَمَّرُ مِن مُعَمَّرٍ ولا يُنْقَصُ مِن عُمُرِهِ إلّا في كِتابٍ﴾ [فاطر: ١١]،
• وقَوْلِهِ في سُورَةِ المُؤْمِنِ: ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا ومِنكم مَّنْ يُتَوَفّى مِن قَبْلُ ولِتَبْلُغُوا أجَلًا مُّسَمًّى ولَعَلَّكم تَعْقِلُونَ [غافر: ٦٧] .
وَقالَ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ في الكَلامِ عَلى هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: بابُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِنكم مَن يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ﴾ [النحل: ٧٠]، حَدَّثَنا مُوسى بْنُ إسْماعِيلَ، حَدَّثَنا هارُونُ بْنُ مُوسى أبُو عَبْدِ اللَّهِ الأعْوَرُ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَدْعُو: ”أعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ البُخْلِ والكَسَلِ، وأرْذَلِ العُمُرِ، وعَذابِ القَبْرِ، وفِتْنَةِ الدَّجّالِ، وفِتْنَةِ المَحْيا والمَماتِ»“، اه. وعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: أنَّ أرْذَلَ العُمُرِ خَمْسٌ وسَبْعُونَ سَنَةً. وعَنْ قَتادَةَ: تِسْعُونَ سَنَةً. والظّاهِرُ أنَّهُ لا تَحْدِيدَ لَهُ بِالسِّنِينَ، وإنَّما هو بِاعْتِبارِ تَفاوُتِ حالِ الأشْخاصِ؛ فَقَدْ يَكُونُ ابْنُ خَمْسٍ وسَبْعِينَ أضْعَفَ بَدَنًا وعَقْلًا، وأشَدَّ خَرَفًا مِن آخَرَ ابْنِ تِسْعِينَ سَنَةً، وظاهِرُ قَوْلِ زُهَيْرٍ في مُعَلَّقَتِهِ:
؎سَئِمْتُ تَكالِيفَ الحَياةِ ومَن يَعِشْ ثَمانِينَ حَوْلًا لا أبًا لَكَ يَسْأمِ ∗∗∗ أنَّ ابْنَ الثَّمانِينَ بالِغُ أرْذَلِ العُمُرِ
، ويَدُلُّ لَهُ قَوْلُ الآخَرِ:
؎إنَّ الثَّمانِينَ وبُلِّغْتُها ∗∗∗ قَدْ أحْوَجَتْ سَمْعِي إلى تُرْجُمانْ
وَقَوْلُهُ: ﴿لِكَيْلا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٠] (أيْ يُرَدُّ إلى أرْذَلَ العُمُرِ، لِأجْلِ أنْ يَزُولَ ما كانَ يَعْلَمُ مِنَ العِلْمِ أيّامَ الشَّبابَ، ويَبْقى لا يَدْرِي شَيْئًا؛ لِذَهابِ إدْراكِهِ بِسَبَبِ الخَوْفِ. ولِلَّهِ في ذَلِكَ حِكْمَةٌ.
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّ العُلَماءَ العامِلِينَ لا يَنالُهم هَذا الخَرَفُ وضَياعُ العِلْمِ والعَقْلِ مِن شِدَّةِ الكِبَرِ، ويُسْتَرْوَحُ لِهَذا المَعْنى مِن بَعْضِ التَّفْسِيراتِ) في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ الآيَةَ [التين: ٥ - ٦] .
16:71Page 274
وَٱللَّهُ فَضَّلَ بَعۡضَكُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ فِي ٱلرِّزۡقِۚ فَمَا ٱلَّذِينَ فُضِّلُواْ بِرَآدِّي رِزۡقِهِمۡ عَلَىٰ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُمۡ فَهُمۡ فِيهِ سَوَآءٌۚ أَفَبِنِعۡمَةِ ٱللَّهِ يَجۡحَدُونَ ٧١
And Allāh has favored some of you over others in provision. But those who were favored [i.e., given more] would not hand over their provision to those whom their right hands possess [i.e., slaves] so they would be equal to them therein.1 Then is it the favor of Allāh they reject?
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ في الرِّزْقِ فَما الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَهم فِيهِ سَواءٌ أفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾، أظْهَرُ التَّفْسِيراتِ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ اللَّهَ ضَرَبَ فِيها مَثَلًا لِلْكُفّارِ، بِأنَّهُ فَضَّلَ بَعْضَ النّاسِ عَلى بَعْضٍ في الرِّزْقِ، ومِن ذَلِكَ تَفْضِيلُهُ المالِكِينَ عَلى المَمْلُوكِينَ في الرِّزْقِ، وأنَّ المالِكِينَ لا يَرْضَوْنَ لِأنْفُسِهِمْ أنْ يَكُونَ المَمْلُوكُونَ شُرَكاءَهم فِيما رَزَقَهُمُ اللَّهُ مِنَ (p-٤١١)الأمْوالِ والنِّساءِ وجَمِيعِ نِعَمِ اللَّهِ. ومَعَ هَذا يَجْعَلُونَ الأصْنامَ شُرَكاءَ لِلَّهِ في حَقِّهِ عَلى خَلْقِهِ، الَّذِي هو إخْلاصُ العِبادَةِ لَهُ وحْدَهُ، أيْ: إذا كُنْتُمْ لا تَرْضَوْنَ بِإشْراكِ عَبِيدِكم مَعَكم في أمْوالِكم ونِسائِكم: فَكَيْفَ تُشْرِكُونَ عَبِيدِي مَعِي في سُلْطانِيا ؟ ! .
وَيَشْهَدُ لِهَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ضَرَبَ لَكم مَثَلًا مِن أنْفُسِكم هَلْ لَكم مِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِن شُرَكاءَ في ما رَزَقْناكم فَأنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهم كَخِيفَتِكم أنْفُسَكُمْ﴾ الآيَةَ [الروم: ٢٨]، ويُؤَيِّدُهُ أنَّ ”ما“ في قَوْلِهِ: ﴿فَما الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ [النحل: ٧١]، نافِيَةٌ، أيْ: لَيْسُوا بِرادِّي رِزْقِهِمْ عَلَيْهِمْ حَتّى يُسَوُّوهم مَعَ أنْفُسِهِمْ. اه.
فَإذا كانُوا يَكْرَهُونَ هَذا لِأنْفُسِهِمْ: فَكَيْفَ يُشْرِكُونَ الأوْثانَ مَعَ اللَّهِ في عِبادَتِها مَعَ اعْتِرافِهِمْ بِأنَّها مِلْكُهُ ؟ ! ! كَما كانُوا يَقُولُونَ في تَلْبِيَتِهِمْ: لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ، إلّا شَرِيكًا هو لَكَ، تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ.
وَهَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ نَصٌّ صَرِيحٌ في إبْطالِ مَذْهَبِ الِاشْتِراكِيَّةِ القائِلِ: بِأنَّهُ لا يَكُونُ أحَدٌ أفْضَلَ مِن أحَدٍ في الرِّزْقِ، ولِلَّهِ في تَفْضِيلِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ في الرِّزْقِ حِكْمَةٌ؛ قالَ تَعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهم مَعِيشَتَهم في الحَياةِ الدُّنْيا ورَفَعْنا بَعْضَهم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهم بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ الآيَةَ [الزخرف: ٣٢]، وقالَ: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ﴾ [الرعد: ٢٦]، وقالَ: ﴿عَلى المُوسِعِ قَدَرُهُ وعَلى المُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَفِي مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ قَوْلانِ آخَرانِ:
أحَدُهُما: أنَّ مَعْناها أنَّهُ جَعَلَكم مُتَفاوِتِينَ في الرِّزْقِ؛ فَرَزَقَكم أفْضَلَ مِمّا رَزَقَ كَلِمَةً واحِدَةً، وهم بَشَرٌ مِثْلُكم وإخْوانُكم؛ فَكانَ يَنْبَغِي أنْ تَرُدُّوا فَضْلَ ما رُزِقْتُمُوهُ عَلَيْهِمْ، حَتّى تَساوَوْا في المَلْبَسِ والمَطْعَمِ؛ كَما ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: أنَّهُ أمَرَ مالِكِي العَبِيدِ أنْ يُطْعِمُوهم مِمّا يَطْعَمُونَ، ويَكْسُوهم مِمّا يَلْبَسُونَ "، وعَلى هَذا القَوْلِ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ [النحل: ٧١]، لَوْمٌ لَهم، وتَقْرِيعٌ عَلى ذَلِكَ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ مَعْنى الآيَةِ أنَّهُ - جَلَّ وعَلا - هو رازِقُ المالِكِينَ والمَمْلُوكِينَ جَمِيعًا؛ فَهم في رِزْقِهِ سَواءٌ، فَلا يَحْسَبَنَّ المالِكُونَ أنَّهم يَرُدُّونَ عَلى مَمالِيكِهِمْ شَيْئًا مِنَ الرِّزْقِ، فَإنَّما ذَلِكَ رِزْقُ اللَّهِ يُجْرِيهِ لَهم عَلى أيْدِيهِمْ. والقَوْلُ الأوَّلُ: هو الأظْهَرُ وعَلَيْهِ جُمْهُورُ العُلَماءِ، (p-٤١٢)وَيَدُلُّ لَهُ القُرْآنُ كَما بَيَّنّا. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
وَقَوْلُهُ ﴿أفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [النحل: ٧١]، إنْكارٌ مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ جُحُودَهم بِنِعْمَتِهِ؛ لِأنَّ الكافِرَ يَسْتَعْمِلُ نِعَمَ اللَّهِ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ، فَيَسْتَعِينُ بِكُلِّ ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ عَلى مَعْصِيَتِهِ، فَإنَّهُ يَرْزُقُهم ويُعافِيهِمْ، وهم يَعْبُدُونَ غَيْرَهُ. وجَحَدَ: تَتَعَدّى بِالباءِ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وَجَحَدُوا بِها﴾ الآيَةَ [النمل: ١٤]، وقَوْلِهِ: ﴿فاليَوْمَ نَنْساهم كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هَذا وما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ [الأعراف: ٥١]، والجُحُودُ بِالنِّعْمَةِ هو كُفْرانُها.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences