Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic
An-Nahl 16:90–98
16:90Page 277
۞ إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَٱلۡإِحۡسَٰنِ وَإِيتَآيِٕ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَيَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِ وَٱلۡبَغۡيِۚ يَعِظُكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ ٩٠
Indeed, Allāh orders justice and good conduct and giving [help] to relatives and forbids immorality and bad conduct and oppression. He admonishes you that perhaps you will be reminded.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ والإحْسانِ وإيتاءِ ذِي القُرْبى ويَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ والبَغْيِ يَعِظُكم لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾، ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ يَأْمُرُ خَلْقَهُ بِالعَدْلِ والإحْسانِ، وإيتاءِ ذِي القُرْبى، وأنَّهُ يَنْهاهم عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ والبَغْيِ؛ لِأجْلِ أنْ يَتَّعِظُوا بِأوامِرِهِ ونَواهِيهِ، فَيَمْتَثِلُوا أمْرَهُ، ويَجْتَنِبُوا نَهْيَهُ. وحُذِفَ مَفْعُولُ ”يَأْمُرُ“، ”وَيَنْهى“؛ لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ.
وَمِنَ الآياتِ الَّتِي أمَرَ فِيها بِالعَدْلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى ألّا (p-٤٣٦)تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هو أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ [المائدة: ٨]، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها وإذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أنْ تَحْكُمُوا بِالعَدْلِ إنَّ اللَّهَ نِعِمّا يَعِظُكم بِهِ﴾ [النساء: ٥٨] .
وَمِنَ الآياتِ الَّتِي أمَرَ فِيها بِالإحْسانِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ وأحْسِنُوا إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥]، وقَوْلُهُ: ﴿وَبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ [الإسراء: ٢٣]، وقَوْلُهُ: ﴿وَأحْسِنْ كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ ولا تَبْغِ الفَسادَ في الأرْضِ﴾ [القصص: ٧٧]، وقَوْلُهُ: ﴿وَقُولُوا لِلنّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣]، وقَوْلُهُ: ﴿ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١] .
وَمِنَ الآياتِ الَّتِي أمَرَ فِيها بِإيتاءِ ذِي القُرْبى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ والمِسْكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وجْهَ اللَّهِ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [الروم: ٣٨]، وقَوْلُهُ: ﴿وَآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ والمِسْكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ ولا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٦]، وقَوْلُهُ: ﴿وَآتى المالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي القُرْبى﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٧٧]، وقَوْلُهُ: ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ ﴿يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٤، ١٥]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَمِنَ الآياتِ الَّتِي نَهى فِيها عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكِرِ والبَغْيِ قَوْلُهُ: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ﴾ . . . الآيَةَ [الأنعام: ١٥١]، وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ والإثْمَ والبَغْيَ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ . . . الآيَةَ [الأعراف: ٣٣]، وقَوْلُهُ: ﴿وَذَرُوا ظاهِرَ الإثْمِ وباطِنَهُ إنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٠]، والمُنْكَرُ وإنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِاسْمِهِ في هَذِهِ الآياتِ، فَهو داخِلٌ فِيها.
وَمِنَ الآياتِ الَّتِي جَمَعَ فِيها بَيْنَ الأمْرِ بِالعَدْلِ والتَّفَضُّلِ بِالإحْسانِ، قَوْلُهُ: ﴿وَإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦]، فَهَذا عَدْلٌ، ثُمَّ دَعا إلى الإحْسانِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهو خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ [النحل: ١٢٦]، وقَوْلُهُ:، ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠]، فَهَذا عَدْلٌ . ثُمَّ دَعا إلى الإحْسانِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠] .
وَقَوْلُهُ: ﴿والجُرُوحَ قِصاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥]، فَهَذا عَدْلٌ. ثُمَّ دَعا إلى الإحْسانِ بِقَوْلِهِ، ﴿فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهو كَفّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: ٤٥]، وقَوْلُهُ ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ ما (p-٤٣٧)عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ . . . الآيَةَ [الشورى: ٤٣]، فَهَذا عَدْلٌ. ثُمَّ دَعا إلى الإحْسانِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَمَن صَبَرَ وغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣]، وقَوْلُهُ: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إلّا مَن ظُلِمَ﴾ [النساء: ١٤٨]، فَهَذا عَدْلٌ. ثُمَّ دَعا إلى الإحْسانِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ تُبْدُوا خَيْرًا أوْ تُخْفُوهُ أوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [النساء: ١٤٩]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
فَإذا عَرَفْتَ هَذا، فاعْلَمْ أنَّ العَدْلَ في اللُّغَةِ: القِسْطُ والإنْصافُ، وعَدَمُ الجَوْرِ. وأصْلُهُ التَّوَسُّطُ بَيْنَ المَرْتَبَتَيْنِ؛ أيْ: الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ. فَمَن جانَبَ الإفْراطَ والتَّفْرِيطَ فَقَدْ عَدَلَ. والإحْسانُ مَصْدَرُ أحْسَنَ، وهي تُسْتَعْمَلُ مُتَعَدِّيَةً بِالحَرْفِ نَحْوَ: أحْسِنْ إلى والِدَيْكَ؛ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى عَنْ يُوسُفَ: ﴿وَقَدْ أحْسَنَ بِي إذْ أخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾ الآيَةَ [يوسف: ١٠٠]، وتُسْتَعْمَلُ مُتَعَدِّيَةً بِنَفْسِها. كَقَوْلِكَ: أحْسَنَ العامِلُ عَمَلَهُ، أيْ: أجادَهُ وجاءَ بِهِ حَسَنًا. واللَّهُ - جَلَّ وعَلا - يَأْمُرُ بِالإحْسانِ بِمَعْنَيَيْهِ المَذْكُورَيْنِ، فَهُما داخِلانِ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ؛ لِأنَّ الإحْسانَ إلى عِبادِ اللَّهِ لِوَجْهِ اللَّهِ عَمَلٌ أحْسَنَ فِيهِ صاحِبُهُ. وقَدْ «فَسَّرَ النَّبِيُّ ﷺ الإحْسانَ في حَدِيثِ جِبْرِيلَ بِقَوْلِهِ: ”أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ. فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ»“، وقَدْ قَدَّمْنا إيضاحَ ذَلِكَ في (سُورَةِ هُودٍ) .
فَإذا عَرَفْتَ هَذا، فاعْلَمْ أنَّ أقْوالَ المُفَسِّرِينَ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ راجِعَةٌ في الجُمْلَةِ إلى ما ذَكَرْنا؛ كَقَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ: العَدْلُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، والإحْسانُ: أداءُ الفَرائِضِ؛ لِأنَّ عِبادَةَ الخالِقِ دُونَ المَخْلُوقِ هي عَيْنُ الإنْصافِ والقِسْطِ، وتَجَنُّبُ التَّفْرِيطِ والإفْراطِ. ومَن أدّى فَرائِضَ اللَّهِ عَلى الوَجْهِ الأكْمَلِ فَقَدْ أحْسَنَ؛ ولِذا قالَ النَّبِيُّ ﷺ في الرَّجُلِ الَّذِي حَلَفَ لا يَزِيدُ عَلى الواجِباتِ: «أفْلَحَ إنْ صَدَقَ»، وكَقَوْلِ سُفْيانَ: العَدْلُ: اسْتِواءُ العَلانِيَةِ والسَّرِيرَةِ. والإحْسانُ: أنْ تَكُونَ السَّرِيرَةُ أفْضَلَ مِنَ العَلانِيَةِ. وكَقَوْلِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: العَدْلُ: الإنْصافُ. والإحْسانُ: التَّفَضُّلُ. إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أقْوالِ السَّلَفِ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. وقَوْلُهُ، ﴿يَعِظُكم لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠]، الوَعْظُ:: الكَلامُ الَّذِي تَلِينُ لَهُ القُلُوبُ.
تَنْبِيهٌ.
فَإنْ قِيلَ: يَكْثُرُ في القُرْآنِ إطْلاقُ الوَعْظِ عَلى الأوامِرِ والنَّواهِي؛
• كَقَوْلِهِ هُنا: ﴿يَعِظُكم لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠]، مَعَ أنَّهُ ما ذَكَرَ إلّا الأمْرَ والنَّهْيَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ (p-٤٣٨)يَأْمُرُ بِالعَدْلِ﴾، إلى قَوْلِهِ: ﴿وَيَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ﴾ . . . الآيَةَ [النحل: ٩٠]،
• وكَقَوْلِهِ في (سُورَةِ البَقَرَةِ) بَعْدَ أنْ ذَكَرَ أحْكامَ الطَّلاقِ والرَّجْعَةِ: ﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كانَ مِنكم يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ [البقرة: ٢٣٢]،
• وقَوْلِهِ (في الطَّلاقِ) في نَحْوِ ذَلِكَ أيْضًا: ﴿ذَلِكم يُوعَظُ بِهِ مَن كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾،
• وقَوْلِهِ في النَّهْيِ عَنْ مِثْلِ قَذْفِ عائِشَةَ: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أبَدًا﴾ . . . الآيَةَ [النور: ١٧]،
مَعَ أنَّ المَعْرُوفَ عِنْدَ النّاسِ: أنَّ الوَعْظَ يَكُونُ بِالتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ ونَحْوَ ذَلِكَ، لا بِالأمْرِ والنَّهْيِ.
فالجَوابُ: أنَّ ضابِطَ الوَعْظِ: هو الكَلامُ الَّذِي تَلِينُ لَهُ القُلُوبُ، وأعْظَمُ ما تَلِينُ لَهُ قُلُوبُ العُقَلاءِ أوامِرُ رَبِّهِمْ ونَواهِيهِ؛ فَإنَّهم إذا سَمِعُوا الأمْرَ خافُوا مِن سُخْطِ اللَّهِ في عَدَمِ امْتِثالِهِ، وطَمِعُوا فِيما عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الثَّوابِ في امْتِثالِهِ. وإذا سَمِعُوا النَّهْيَ خافُوا مِن سُخْطِ اللَّهِ في عَدَمِ اجْتِنابِهِ، وطَمِعُوا فِيما عِنْدَهُ مِنَ الثَّوابِ في اجْتِنابِهِ؛ فَحَداهم حادِي الخَوْفِ والطَّمَعِ إلى الِامْتِثالِ، فَلانَتْ قُلُوبُهم لِلطّاعَةِ خَوْفًا وطَمَعًا. والفَحْشاءُ في لُغَةِ العَرَبِ: الخَصْلَةُ المُتَناهِيَةُ في القُبْحِ. ومِنهُ قِيلَ لِشَدِيدِ البُخْلِ: فاحِشٌ؛ كَما في قَوْلِ طُرْفَةَ في مُعَلَّقَتِهِ:
؎أرى المَوْتَ يَعْتامُ الكِرامَ ويَصْطَفِي عَقِيلَةَ مالِ الفاحِشِ المُتَشَدِّدِ
والمُنْكَرُ اسْمُ مَفْعُولِ أنْكَرَ؛ وهو في الشَّرْعِ: ما أنْكَرَهُ الشَّرْعُ ونَهى عَنْهُ، وأوْعَدَ فاعِلَهُ العِقابَ. والبَغْيُ: الظُّلْمُ.
وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى: أنَّ الباغِيَ يَرْجِعُ ضَرَرُ بَغْيِهِ عَلى نَفْسِهِ في قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها النّاسُ إنَّما بَغْيُكم عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ [يونس: ٢٣]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَلا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلّا بِأهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣]،
• وقَوْلِهِ: ﴿ذِي القُرْبى﴾ [النحل: ٩٠]، أيْ: صاحِبُ القَرابَةِ مِن جِهَةِ الأبِ أوِ الأُمِّ، أوْ هُما مَعًا؛ لِأنَّ إيتاءَ ذِي القُرْبى صَدَقَةٌ وصِلَةُ رَحِمٍ. والإيتاءُ: الإعْطاءُ. وأحَدُ المَفْعُولَيْنِ مَحْذُوفٌ؛ لِأنَّ المَصْدَرَ أُضِيفَ إلى المَفْعُولِ الأوَّلِ: وحُذِفَ الثّانِي. والأصْلُ وإيتاءُ صاحِبِ القَرابَةِ؛
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَآتى المالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي القُرْبى﴾ . . . الآيَةَ [البقرة: ١٧٧]،
16:91Page 277
وَأَوۡفُواْ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ إِذَا عَٰهَدتُّمۡ وَلَا تَنقُضُواْ ٱلۡأَيۡمَٰنَ بَعۡدَ تَوۡكِيدِهَا وَقَدۡ جَعَلۡتُمُ ٱللَّهَ عَلَيۡكُمۡ كَفِيلًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا تَفۡعَلُونَ ٩١
And fulfill the covenant of Allāh when you have taken it, [O believers], and do not break oaths after their confirmation while you have made Allāh, over you, a security [i.e., witness]. Indeed, Allāh knows what you do.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إذا عاهَدْتُمْ﴾ أمَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ عِبادَهُ أنْ يُوفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إذا عاهَدُوا. وظاهِرُ الآيَةِ أنَّهُ شامِلٌ لِجَمِيعِ العُهُودِ فِيما بَيْنَ العَبْدِ ورَبِّهِ، وفِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ النّاسِ. وكَرَّرَ هَذا في مَواضِعَ أُخَرَ؛ كَقَوْلِهِ (في الأنْعامِ):، ﴿وَبِعَهْدِ (p-٤٣٩)اللَّهِ أوْفُوا ذَلِكم وصّاكم بِهِ﴾ . . . الآيَةَ [الأنعام: ١٥٢]، وقَوْلِهِ في (الإسْراءِ): ﴿وَأوْفُوا بِالعَهْدِ إنَّ العَهْدَ كانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤]، وقَدْ قَدَّمْنا هَذا (في الأنْعامِ) .
وَبَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ: أنَّ مَن نَقَضَ العَهْدَ إنَّما يَضُرُّ بِذَلِكَ نَفْسَهُ، وأنَّ مَن أوْفى بِهِ يُؤْتِيهِ اللَّهُ الأجْرَ العَظِيمَ عَلى ذَلِكَ؛ وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن نَكَثَ فَإنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ ومَن أوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ١٠]، وبَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ: أنَّ نَقْضَ المِيثاقِ يَسْتَوْجِبُ اللَّعْنَ؛ وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم لَعَنّاهُمْ﴾ . . . الآيَةَ [المائدة: ١٣] .
16:92Page 277
وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّتِي نَقَضَتۡ غَزۡلَهَا مِنۢ بَعۡدِ قُوَّةٍ أَنكَٰثٗا تَتَّخِذُونَ أَيۡمَٰنَكُمۡ دَخَلَۢا بَيۡنَكُمۡ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرۡبَىٰ مِنۡ أُمَّةٍۚ إِنَّمَا يَبۡلُوكُمُ ٱللَّهُ بِهِۦۚ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ مَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ ٩٢
And do not be like she who untwisted her spun thread after it was strong [by] taking your oaths as [means of] deceit between you because one community is more plentiful [in number or wealth] than another community.1 Allāh only tries you thereby. And He will surely make clear to you on the Day of Resurrection that over which you used to differ.
No commentary for this ayah
16:93Page 277
وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَلَٰكِن يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِي مَن يَشَآءُۚ وَلَتُسۡـَٔلُنَّ عَمَّا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٩٣
And if Allāh had willed, He could have made you [of] one religion, but He sends astray whom He wills and guides whom He wills.1 And you will surely be questioned about what you used to do.
No commentary for this ayah
16:94Page 278
وَلَا تَتَّخِذُوٓاْ أَيۡمَٰنَكُمۡ دَخَلَۢا بَيۡنَكُمۡ فَتَزِلَّ قَدَمُۢ بَعۡدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُواْ ٱلسُّوٓءَ بِمَا صَدَدتُّمۡ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَكُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ ٩٤
And do not take your oaths as [means of] deceit between you, lest a foot slip after it was [once] firm, and you would taste evil [in this world] for what [people] you diverted from the way of Allāh,1 and you would have [in the Hereafter] a great punishment.
No commentary for this ayah
16:95Page 278
وَلَا تَشۡتَرُواْ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ ثَمَنٗا قَلِيلًاۚ إِنَّمَا عِندَ ٱللَّهِ هُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٩٥
And do not exchange the covenant of Allāh for a small price. Indeed, what is with Allāh is best for you, if only you could know.
No commentary for this ayah
16:96Page 278
مَا عِندَكُمۡ يَنفَدُ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٖۗ وَلَنَجۡزِيَنَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُوٓاْ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٩٦
Whatever you have will end, but what Allāh has is lasting. And We will surely give those who were patient their reward according to the best of what they used to do.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما عِنْدَكم يَنْفَدُ وما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ﴾ . بَيَّنَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ ما عِنْدَهُ مِن نَعِيمِ الجَنَّةِ باقٍ لا يَفْنى. وأوْضَحَ هَذا المَعْنى في مَواضِعَ أُخَرَ؛
• كَقَوْلِهِ: ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨]،
• وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِن نَفادٍ﴾ [ص: ٥٤]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَيُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أنَّ لَهم أجْرًا حَسَنًا﴾ ﴿ماكِثِينَ فِيهِ أبَدًا﴾ [الكهف: ٢ - ٣]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾، أقْسَمَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ سَيَجْزِي الَّذِينَ صَبَرُوا أجْرَهم - أيْ: جَزاءَ عَمَلِهِمْ - بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ.
وَبَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ: أنَّهُ جَزاءٌ بِلا حِسابٍ؛ كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [الزمر: ١٠] .
تَنْبِيهٌ.
اسْتَنْبَطَ بَعْضُ العُلَماءِ مِن هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ فِعْلَ المُباحِ حَسَنٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٦]، صِيغَةُ تَفْضِيلٍ تَدُلُّ عَلى المُشارَكَةِ، والواجِبُ أحْسَنُ مِنَ المَندُوبِ، والمَندُوبُ أحْسَنُ مِنَ المُباحِ؛ فَيُجازَوْنَ بِالأحْسَنِ الَّذِي هو الواجِبُ والمَندُوبُ، دُونَ مُشارَكَتِهِما في الحَسَنِ وهو المُباحُ؛ وعَلَيْهِ دَرَجَ في مَراقِي السُّعُودِ في قَوْلِهِ:
؎ما رَبُّنا لَمْ يَنْهَ عَنْهُ حَسَنٌ وغَيْرُهُ القَبِيحُ والمُسْتَهْجَنُ
إلّا أنَّ الحَسَنَ يَنْقَسِمُ إلى حَسَنٍ وأحْسَنَ؛ ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى لِمُوسى: ﴿فَخُذْها (p-٤٤٠)بِقُوَّةٍ وأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأحْسَنِها. . .﴾ الآيَةَ [الأعراف: ١٤٥]، فالجَزاءُ المَنصُوصُ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿وَإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦]، حَسَنٌ. والصَّبْرُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهو خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ [النحل: ١٢٦]، أحْسَنُ؛ وهَكَذا وقَرَأ هَذا الحَرْفَ ابْنُ كَثِيرٍ وعاصِمٌ وابْنُ ذَكْوانَ بِخَلَفٍ عَنْهُ: ”وَلَنَجْزِيَنَّ“ بِنُونِ العَظَمَةِ. وقَرَأهُ الباقُونَ بِالياءِ، وهو الطَّرِيقُ الثّانِي لِابْنِ ذَكْوانَ.
16:97Page 278
مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَنُحۡيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةٗ طَيِّبَةٗۖ وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٩٧
Whoever does righteousness, whether male or female, while he is a believer - We will surely cause him to live a good life, and We will surely give them their reward [in the Hereafter] according to the best of what they used to do.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً ولَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾، ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ كُلَّ عامِلٍ سَواءً كانَ ذَكَرًا أوْ أُنْثى عَمِلَ عَمَلًا صالِحًا فَإنَّهُ - جَلَّ وعَلا - يُقْسِمُ لَيُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً، ولَيَجْزِينَّهُ أجْرَهُ بِأحْسَنِ ما كانَ يَعْمَلُ.
اعْلَمْ أوَّلًا: أنَّ القُرْآنَ العَظِيمَ دَلَّ عَلى أنَّ العَمَلَ الصّالِحَ هو ما اسْتَكْمَلَ ثَلاثَةَ أُمُورٍ:
الأوَّلُ: مُوافَقَتُهُ لِما جاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ؛ لِأنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكم عَنْهُ فانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] .
الثّانِي: أنْ يَكُونَ خالِصًا لِلَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ اللَّهَ - جَلَّ وعَلا - يَقُولُ: ﴿وَما أُمِرُوا إلّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥]، ﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِن دُونِهِ﴾ [الزمر: ١٤، ١٥] .
الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا عَلى أساسِ العَقِيدَةِ الصَّحِيحَةِ؛ لِأنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ﴾ [النحل: ٩٧]، فَقَيَّدَ ذَلِكَ بِالإيمانَ، ومَفْهُومُ مُخالَفَتِهِ أنَّهُ لَوْ كانَ غَيْرَ مُؤْمِنٍ لَما قُبِلَ مِنهُ ذَلِكَ العَمَلُ الصّالِحُ.
وَقَدْ أوْضَحَ - جَلَّ وعَلا - هَذا المَفْهُومَ في آياتٍ كَثِيرَةٍ،
• كَقَوْلِهِ في عَمَلِ غَيْرِ المُؤْمِنِ: ﴿وَقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣]،
• وقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهم في الآخِرَةِ إلّا النّارُ وحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٦]،
• وقَوْلِهِ: ﴿أعْمالُهم كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ﴾ الآيَةَ [النور: ٣٩]،
• وقَوْلِهِ: ﴿أعْمالُهم كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ في يَوْمٍ عاصِفٍ﴾ [إبراهيم: ١٨]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
واخْتَلَفَ العُلَماءُ في المُرادِ بِالحَياةِ الطَّيِّبَةِ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ.
فَقالَ قَوْمٌ: لا تَطِيبُ الحَياةُ إلّا في الجَنَّةِ، فَهَذِهِ الحَياةُ الطَّيِّبَةُ في الجَنَّةِ؛ لِأنَّ الحَياةَ (p-٤٤١)الدُّنْيا لا تَخْلُو مِنَ المَصائِبِ والأكْدارِ، والأمْراضِ والألامِ والأحْزانِ، ونَحْوِ ذَلِكَ. وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿وَإنَّ الدّارَ الآخِرَةَ لَهي الحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٤]، والمُرادُ بِالحَيَوانِ: الحَياةُ.
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الحَياةُ الطَّيِّبَةُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ في الدُّنْيا، وذَلِكَ بِأنْ يُوَفِّقَ اللَّهُ عَبْدَهُ إلى ما يُرْضِيهِ، ويَرْزُقَهُ العافِيَةَ والرِّزْقَ الحَلالَ؛ كَما قالَ تَعالى: ﴿رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً وقِنا عَذابَ النّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١] .
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ -: وفي الآيَةِ الكَرِيمَةِ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالحَياةِ الطَّيِّبَةِ في الآيَةِ: حَياتُهُ في الدُّنْيا حَياةً طَيِّبَةً؛ وتِلْكَ القَرِينَةُ هي أنَّنا لَوْ قَدَّرْنا أنَّ المُرادَ بِالحَياةِ الطَّيِّبَةِ: حَياتُهُ في الجَنَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧]، صارَ قَوْلُهُ: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧]، تِكْرارًا مَعَهُ؛ لِأنَّ تِلْكَ الحَياةَ الطَّيِّبَةَ هي أجْرُ عَمَلِهِمْ، بِخِلافِ ما لَوْ قَدَّرْنا أنَّها في الحَياةِ الدُّنْيا؛ فَإنَّهُ يَصِيرُ المَعْنى: فَلْنُحْيِيَنَّهُ في الدُّنْيا حَياةً طَيِّبَةً، ولَنُجْزِيَنَّهُ في الآخِرَةِ بِأحْسَنِ ما كانَ يَعْمَلُ، وهو واضِحٌ.
وَهَذا المَعْنى الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ القُرْآنُ تُؤَيِّدُهُ السُّنَّةُ الثّابِتَةُ عَنْهُ ﷺ .
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: والحَياةُ الطَّيِّبَةُ تَشْمَلُ وُجُوهَ الرّاحَةِ مِن أيِّ جِهَةٍ كانَتْ. وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وجَماعَةٍ: أنَّهم فَسَّرُوها بِالرِّزْقِ الحَلالِ الطَّيِّبِ، وعَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أنَّهُ فَسَّرَها بِالقَناعَةِ، وكَذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ، ووَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ - إلى أنْ قالَ - وقالَ الضَّحّاكُ: هي الرِّزْقُ الحَلالُ، والعِبادَةُ في الدُّنْيا. وقالَ الضَّحّاكُ: هي الرِّزْقُ الحَلالُ، والعِبادَةُ في الدُّنْيا. وقالَ الضَّحّاكُ أيْضًا هي العَمَلُ بِالطّاعَةِ والِانْشِراحُ بِها.
والصَّحِيحُ: أنَّ الحَياةَ الطَّيِّبَةَ تَشْمَلُ هَذا كُلَّهُ؛ كَما جاءَ في الحَدِيثِ الَّذِي رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ،، حَدَّثَنا سَعِيدُ بْنُ أبِي أيُّوبَ، حَدَّثَنِي شُرَحْبِيلُ بْنُ شَرِيكٍ، عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الحُبُلِّيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «قَدْ أفْلَحَ مَن أسْلَمَ ورُزِقَ كَفافًا، وقَنَعَهُ اللَّهُ بِما أتاهُ» ورَواهُ مُسْلِمٌ مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ المَقْرِيِّ بِهِ. ورَوى التِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ مِن حَدِيثِ أبِي هانِئٍ. عَنْ أبِي عَلِيٍّ الجَنْبِيِّ، عَنْ فَضالَّةَ بْنِ عُبَيْدٍ: أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «قَدْ أفْلَحَ مِن هُدِيَ إلى الإسْلامِ وكانَ عَيْشُهُ كَفافًا وقَنِعَ بِهِ»، وقالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
وَقالَ الإمامُ أحْمَدُ: حَدَّثَنا يَزِيدُ، حَدَّثَنا هَمّامُ، عَنْ يَحْيى، عَنْ قَتادَةَ، عَنْ أنَسِ بْنِ (p-٤٤٢)مالِكٍ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ المُؤْمِنَ حَسَنَةً يُعْطى بِها في الدُّنْيا ويُثابُ عَلَيْها في الآخِرَةِ. وأمّا الكافِرُ فَيُطْعَمُ بِحَسَناتِهِ في الدُّنْيا حَتّى إذا أفْضى إلى الآخِرَةِ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُعْطى بِها خَيْرًا»، انْفَرَدَ بِإخْراجِهِ مُسْلِمٌ. اه مِنِ ابْنِ كَثِيرٍ.
وَهَذِهِ الأحادِيثُ ظاهِرَةٌ في تَرْجِيحِ القَوْلِ: بِأنَّ الحَياةَ الطَّيِّبَةَ في الدُّنْيا؛ لِأنَّ قَوْلَهُ ﷺ: ”أفْلَحَ“ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّ مَن نالَ الفَلاحَ نالَ حَياةً طَيِّبَةً. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ: ”يُعْطى بِها في الدُّنْيا“، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أيْضًا. وابْنُ كَثِيرٍ إنَّما ساقَ الأحادِيثَ المَذْكُورَةَ لِيُنَبِّهَ عَلى أنَّها تُرَجِّحُ القَوْلَ المَذْكُورَ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
وَقَدْ تَقَرَّرَ في الأُصُولِ: أنَّهُ إذا دارَ الكَلامُ بَيْنَ التَّوْكِيدِ والتَّأْسِيسِ رُجِّحَ حَمْلُهُ عَلى التَّأْسِيسِ: وإلَيْهِ أشارَ في مَراقِي السُّعُودِ جامِعًا لَهُ مَعَ نَظائِرَ يَجِبُ فِيها تَقْدِيمُ الرّاجِحِ مِنَ الِاحْتِمالَيْنِ بِقَوْلِهِ:
؎كَذاكَ ما قابَلَ ذا اعْتِلالِ مِنَ التَّأصُّلِ والِاسْتِقْلالِ
؎وَمِن تَأسُّسِ عُمُومٍ وبَقا ∗∗∗ الإفْرادُ والإطْلاقُ مِمّا يُنْتَقى
؎كَذاكَ تَرْتِيبٌ لِإيجابِ العَمَلْ ∗∗∗ بِما لَهُ الرُّجْحانُ مِمّا يُحْتَمِلُ
وَمَعْنى كَلامِ صاحِبِ المَراقِي: أنَّهُ يُقَدِّمُ مُحْتَمَلَ اللَّفْظِ الرّاجِحِ عَلى المُحْتَمَلِ المَرْجُوحِ، كالتَّأصُّلِ، فَإنَّهُ يُقَدَّمُ عَلى الزِّيادَةِ: نَحْوَ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، يُحْتَمَلُ كَوْنُ الكافِ زائِدَةً.
وَيُحْتَمَلُ أنَّها غَيْرُ زائِدَةٍ. والمُرادُ بِالمِثْلِ الذّاتُ؛ كَقَوْلِ العَرَبِ: مِثْلُكَ لا يَفْعَلُ هَذا، يَعْنُونَ أنْتَ لا يَنْبَغِي لَكَ أنْ تَفْعَلَ هَذا، فالمَعْنى: لَيْسَ كاللَّهِ شَيْءٌ. ونَظِيرُهُ مِن إطْلاقِ المِثْلِ وإرادَةِ الذّاتِ: ﴿وَشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ﴾ [الأحقاف: ١٠]، أيْ: عَلى نَفْسِ القُرْآنِ لا شَيْءٍ آخَرَ مُماثِلٍ لَهُ، وقَوْلُهُ: ﴿كَمَن مَثَلُهُ في الظُّلُماتِ﴾ [الأنعام: ١٢٢]، أيْ: كَمَن هو في الظُّلُماتِ. وكالِاسْتِقْلالِ، فَإنَّهُ يُقَدَّمُ عَلى الإضْمارِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ يُقَتَّلُوا أوْ يُصَلَّبُوا﴾ الآيَةَ [المائدة: ٣٣]، فَكَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ يُضْمِرُونَ قُيُودًا غَيْرَ مَذْكُورَةٍ فَيَقُولُونَ: أنْ يُقْتَلُوا إذا قَتَلُوا، أوْ يُصْلَبُوا إذا قَتَلُوا وأخَذُوا المالَ، أوْ تُقَطَّعَ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم إذا أخَذُوا المالَ ولَمْ يَقْتُلُوا. . إلَخْ.
فالمالِكِيَّةُ يُرَجِّحُونَ أنَّ الإمامَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ المَذْكُوراتِ مُطْلَقًا؛ لِأنَّ اسْتِقْلالَ اللَّفْظِ أرْجَحُ مِن إضْمارِ قُيُودٍ غَيْرِ مَذْكُورَةٍ؛ لِأنَّ الأصْلَ عَدَمُها حَتّى تَثْبُتَ بِدَلِيلٍ؛ كَما أشَرْنا إلَيْهِ سابِقًا في (المائِدَةِ) وكَذَلِكَ التَّأْسِيسُ يُقَدَّمُ عَلى التَّأْكِيدِ وهو مَحَلُّ الشّاهِدِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿فَبِأيَّ (p-٤٤٣)آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٩، ٦١، ٦٣، ٦٥، ٦٧، ٦٩، ٧١، ٧٣، ٧٥]، في (سُورَةِ الرَّحْمَنِ)، وقَوْلِهِ: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ١٩، ٢٤، ٢٨، ٣٤، ٣٧، ٤٠، ٤٥، ٤٧، ٤٩]، (في المُرْسَلاتِ) . قِيلَ: تِكْرارُ اللَّفْظِ فِيهِما تَوْكِيدٌ، وكَوْنُهُ تَأْسِيسًا أرْجَحُ لِما ذَكَرْنا. فَتُحْمَلُ الآلاءُ في كُلِّ مَوْضِعٍ عَلى ما تَقَدَّمَ. قِيلَ: لَفَظُ ذَلِكَ التَّكْذِيبُ فَلا يَتَكَرَّرُ مِنها لَفْظٌ. وكَذا يُقالُ في (سُورَةِ المُرْسَلاتِ) فَيُحْمَلُ عَلى المُكَذِّبِينَ بِما ذُكِرَ، قِيلَ كُلُّ لَفْظٍ إلَخَ. فَإذا عَلِمْتَ ذَلِكَ فاعْلَمْ - أنّا إنْ حَمَلْنا الحَياةَ الطَّيِّبَةَ في الآيَةِ عَلى الحَياةِ الدُّنْيا كانَ ذَلِكَ تَأْسِيسًا. وإنْ حَمَلْناها عَلى حَياةِ الجَنَّةِ تَكَرَّرَ ذَلِكَ مَعَ قَوْلِهِ بَعْدَهُ: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهُمْ﴾ الآيَةَ [النحل: ٩٧]؛ لِأنَّ حَياةَ الجَنَّةِ الطَّيِّبَةَ هي أجْرُهُمُ الَّذِي يُجْزَوْنَهُ.
وَقالَ أبُو حَيّانَ في (البَحْرِ): والظّاهِرُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧]، أنَّ ذَلِكَ في الدُّنْيا؛ وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهُمْ﴾ [النحل: ٩٧]، يَعْنِي في الآخِرَةِ.
16:98Page 278
فَإِذَا قَرَأۡتَ ٱلۡقُرۡءَانَ فَٱسۡتَعِذۡ بِٱللَّهِ مِنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ ٱلرَّجِيمِ ٩٨
So when you recite the Qur’ān, [first] seek refuge in Allāh from Satan, the expelled [from His mercy].
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾، أظْهَرُ القَوْلَيْنِ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ الكَلامَ عَلى حَذْفِ الإرادَةِ، أيْ: فَإذا أرَدْتَ قِراءَةَ القُرْآنِ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ. . الآيَةَ. ولَيْسَ المُرادُ أنَّهُ إذا قَرَأ القُرْآنَ وفَرَغَ مِن قِراءَتِهِ اسْتَعاذَ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ كَما يُفْهَمُ مِن ظاهِرِ الآيَةِ، وذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ. والدَّلِيلُ عَلى ما ذَكَرْنا تَكَرُّرُ حَذْفِ الإرادَةِ في القُرْآنِ وفي كَلامِ العَرَبِ لِدَلالَةِ المَقامِ عَلَيْها؛ كَقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ﴾ الآيَةَ [المائدة: ٦]، أيْ: أرَدْتُمِ القِيامَ إلَيْها كَما هو ظاهِرٌ. وقَوْلُهُ: ﴿إذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالإثْمِ﴾ الآيَةَ [المجادلة: ٩]، أيْ: إذْ أرَدْتُمْ أنْ تَتَناجَوْا فَلا تَتَناجَوْا بِالإثْمِ؛ لِأنَّ النَّهْيَ إنَّما هو عَنْ أمْرٍ مُسْتَقْبَلٍ يُرادُ فِعْلُهُ، ولا يَصِحُّ النَّهْيُ عَنْ فِعْلٍ مَضى وانْقَضى كَما هو واضِحٌ.
وَظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ الِاسْتِعاذَةَ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ واجِبَةٌ عِنْدَ القِراءَةِ؛ لِأنَّ صِيغَةَ افْعَلْ لِلْوُجُوبِ كَما تَقَرَّرَ في الأُصُولِ.
وَقالَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: إنَّ الأمْرَ في الآيَةِ لِلنَّدْبِ والِاسْتِحْبابِ، وحَكى عَلَيْهِ الإجْماعَ أبُو جَعْفَرِ بْنِ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ مِنَ الأئِمَّةِ، وظاهِرُ الآيَةِ أيْضًا: الأمْرُ بِالِاسْتِعاذَةِ عِنْدَ القِراءَةِ في الصَّلاةِ لِعُمُومِ الآيَةِ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences