Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic
Al-Isra 17:100–111
17:100Page 292
قُل لَّوۡ أَنتُمۡ تَمۡلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحۡمَةِ رَبِّيٓ إِذٗا لَّأَمۡسَكۡتُمۡ خَشۡيَةَ ٱلۡإِنفَاقِۚ وَكَانَ ٱلۡإِنسَٰنُ قَتُورٗا ١٠٠
Say [to them], "If you possessed the depositories of the mercy of my Lord, then you would withhold out of fear of spending." And ever has man been stingy.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لَوْ أنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إذًا لَأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإنْفاقِ وكانَ الإنْسانُ قَتُورًا﴾ .
بَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ: أنَّ بَنِي آدَمَ لَوْ كانُوا يَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَتِهِ - أيْ خَزائِنَ الأرْزاقِ والنِّعَمِ - لَبَخِلُوا بِالرِّزْقِ عَلى غَيْرِهِمْ، ولَأمْسَكُوا عَنِ الإعْطاءِ، خَوْفًا مِنَ الإنْفاقِ لِشِدَّةِ بُخْلِهِمْ.
(p-١٨٧)وَبَيَّنَ أنَّ الإنْسانَ قَتُورٌ، أيْ بَخِيلٌ مُضَيِّقٌ؛ مِن قَوْلِهِمْ: قَتَّرَ عَلى عِيالِهِ، أيْ ضَيَّقَ عَلَيْهِمْ.
وَبَيَّنَ هَذا المَعْنى في مَواضِعَ أُخَرَ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ فَإذًا لا يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيرًا﴾ [النساء: ٥٣]، وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الإنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ ﴿إذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا﴾ ﴿وَإذا مَسَّهُ الخَيْرُ مَنُوعًا﴾ ﴿إلّا المُصَلِّينَ﴾ الآيَةَ [المعارج: ١٩ - ٢٢]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
والمُقَرَّرُ في عِلْمِ العَرَبِيَّةِ أنَّ ”لَوْ“ لا تَدْخُلُ إلّا عَلى الأفْعالِ، فَيُقَدَّرُ لَها في الآيَةِ فِعْلٌ مَحْذُوفٌ، والضَّمِيرُ المَرْفُوعُ بَعْدَ ”لَوْ“ أصْلُهُ فاعِلُ الفِعْلِ المَحْذُوفِ، فَلَمّا حُذِفَ الفِعْلُ فُصِلَ الضَّمِيرُ. والأصْلُ قُلْ لَوْ تَمْلِكُونَ، فَحُذِفَ الفِعْلُ فَبَقِيَتِ الواوُ فَجُعِلَتْ ضَمِيرًا مُنْفَصِلًا، هو: أنْتُمْ. هَكَذا قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
17:101Page 292
وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَىٰ تِسۡعَ ءَايَٰتِۭ بَيِّنَٰتٖۖ فَسۡـَٔلۡ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ إِذۡ جَآءَهُمۡ فَقَالَ لَهُۥ فِرۡعَوۡنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَٰمُوسَىٰ مَسۡحُورٗا ١٠١
And We had certainly given Moses nine evident signs, so ask the Children of Israel [about] when he came to them and Pharaoh said to him, "Indeed I think, O Moses, that you are affected by magic."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾
الآيَةَ. قالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: هَذِهِ الآياتُ التِّسْعُ، هي: العَصا، واليَدُ، والسُّنُونَ، والبَحْرُ، والطُّوفانُ، والجَرادُ، والقُمَّلُ، والضَّفادِعُ، والدَّمُ، آياتٍ مُفَصَّلاتٍ.
وَقَدْ بَيَّنَ جَلَّ وعَلا هَذِهِ الآياتِ في مَواضِعَ أُخَرَ؛
• كَقَوْلِهِ: ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٧ - ١٠٨]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ أخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ ونَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ١٣٠]،
• وقَوْلِهِ: ﴿فَأوْحَيْنا إلى مُوسى أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيمِ﴾ [الشعراء: ٦٣]
• وقَوْلِهِ: ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ والجَرادَ والقُمَّلَ والضَّفادِعَ والدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ﴾ [الأعراف: ١٣٣] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ المُبَيِّنَةِ لِما ذَكَرْنا، وجَعَلَ بَعْضُهُمُ الجَبَلَ بَدَلَ ”السِّنِينَ“ وعَلَيْهِ فَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ نَتَقْنا الجَبَلَ فَوْقَهم كَأنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ [الأعراف: ١١٧]،
ونَحْوُها مِنَ الآياتِ.
17:102Page 292
قَالَ لَقَدۡ عَلِمۡتَ مَآ أَنزَلَ هَٰٓؤُلَآءِ إِلَّا رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ بَصَآئِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَٰفِرۡعَوۡنُ مَثۡبُورٗا ١٠٢
[Moses] said, "You have already known that none has sent down these [signs] except the Lord of the heavens and the earth as evidence, and indeed I think,1 O Pharaoh, that you are destroyed."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ إلّا رَبُّ السَّمَواتِ والأرْضِ بَصائِرَ﴾
الآيَةَ، بَيَّنَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ فِرْعَوْنَ عالِمٌ بِأنَّ الآياتِ المَذْكُورَةَ ما أنْزَلَها إلّا رَبُّ السَّمَواتِ والأرْضِ بَصائِرَ، أيْ حُجَجًا واضِحَةً، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ قَوْلَ فِرْعَوْنَ ﴿فَمَن رَبُّكُما يامُوسى﴾ [طه: ٤٩]، وقَوْلَهُ: ﴿قالَ فِرْعَوْنُ وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣] كُلُّ ذَلِكَ مِنهُ تَجاهُلُ عارِفٍ.
(p-١٨٨)وَقَدْ أوْضَحَ جَلَّ وعَلا هَذا المَعْنى مُبَيِّنًا سَبَبَ جُحُودِهِ لِما عَلِمَهُ ”في سُورَةِ النَّمْلِ“ بِقَوْلِهِ: ﴿وَأدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ في تِسْعِ آياتٍ إلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَتْهم آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿وَجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهم ظُلْمًا وعُلُوًّا﴾ الآيَةَ [النمل: ١٢ - ١٤] .
17:103Page 292
فَأَرَادَ أَن يَسۡتَفِزَّهُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ فَأَغۡرَقۡنَٰهُ وَمَن مَّعَهُۥ جَمِيعٗا ١٠٣
So he intended to drive them from the land, but We drowned him and those with him all together.
No commentary for this ayah
17:104Page 292
وَقُلۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِۦ لِبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱسۡكُنُواْ ٱلۡأَرۡضَ فَإِذَا جَآءَ وَعۡدُ ٱلۡأٓخِرَةِ جِئۡنَا بِكُمۡ لَفِيفٗا ١٠٤
And We said after him [i.e., Pharaoh] to the Children of Israel, "Dwell in the land, and when there comes the promise [i.e., appointment] of the Hereafter, We will bring you forth in [one] gathering."
No commentary for this ayah
17:105Page 293
وَبِٱلۡحَقِّ أَنزَلۡنَٰهُ وَبِٱلۡحَقِّ نَزَلَۗ وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا مُبَشِّرٗا وَنَذِيرٗا ١٠٥
And with the truth We have sent it [i.e., the Qur’ān] down, and with the truth it has descended. And We have not sent you, [O Muḥammad], except as a bringer of good tidings and a warner.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَبِالحَقِّ أنْزَلْناهُ وبِالحَقِّ نَزَلَ﴾ .
بَيَّنَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ أنْزَلَ هَذا القُرْآنَ بِالحَقِّ: أيْ مُتَلَبِّسًا بِهِ مُتَضَمِّنًا لَهُ؛ فَكُلُّ ما فِيهِ حَقٌّ فَأخْبارُهُ صِدْقٌ، وأحْكامُهُ عَدْلٌ؛ كَما قالَ تَعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥] وكَيْفَ لا وقَدْ أنْزَلَهُ جَلَّ وعَلا بِعِلْمِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أنْزَلَ إلَيْكَ أنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ الآيَةَ [النساء: ١٦٦] . وقَوْلُهُ: ﴿وَبِالحَقِّ نَزَلَ﴾ [الإسراء: ١٠٥] يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَقَعْ فِيهِ تَغْيِيرٌ ولا تَبْدِيلٌ في طَرِيقِ إنْزالِهِ.
لِأنَّ الرَّسُولَ المُؤْتَمَنَ عَلى إنْزالِهِ قَوِيٌّ لا يُغْلَبُ عَلَيْهِ حَتّى يُغَيَّرَ فِيهِ، أمِينٌ لا يُغَيِّرُ ولا يُبَدِّلُ، كَما أشارَ إلى هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ الآيَةَ [الشعراء: ١٩٣، ١٩٤]، وقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ ﴿مُطاعٍ ثَمَّ أمِينٍ﴾ الآيَةَ [التكوير: ١٩ - ٢١]، وقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ﴾، أيْ لَتَبْلِيغُهُ عَنْ رَبِّهِ، بِدَلالَةِ لَفْظِ الرَّسُولِ؛ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مُرْسَلٌ بِهِ.
17:106Page 293
وَقُرۡءَانٗا فَرَقۡنَٰهُ لِتَقۡرَأَهُۥ عَلَى ٱلنَّاسِ عَلَىٰ مُكۡثٖ وَنَزَّلۡنَٰهُ تَنزِيلٗا ١٠٦
And [it is] a Qur’ān which We have separated [by intervals] that you might recite it to the people over a prolonged period. And We have sent it down progressively.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْناهُ لِتَقْرَأهُ عَلى النّاسِ عَلى مُكْثٍ﴾ .
قَرَأ هَذا الحَرْفَ عامَّةُ القُرّاءِ ”فَرَقْناهُ“ بِالتَّخْفِيفِ، أيْ بَيَّنّاهُ وأوْضَحْناهُ، وفَصَّلْناهُ وفَرَّقْنا بِهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وقَرَأ بَعْضُ الصَّحابَةِ فَرَّقْناهُ بِالتَّشْدِيدِ، أيْ أنْزَلْناهُ مُفَرَّقًا بِحَسَبِ الوَقائِعِ في ثَلاثٍ وعِشْرِينَ سَنَةً. ومِن إطْلاقِ فَرَقَ بِمَعْنى بَيَّنَ وفَصَّلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ . الآيَةَ [الدخان: ٤]
وَقَدْ بَيَّنَ جَلَّ وعَلا أنَّهُ بَيَّنَ هَذا القُرْآنَ لِنَبِيِّهِ لِيَقْرَأهُ عَلى النّاسِ عَلى مُكْثٍ، أيْ مَهَلٍ وتُؤَدَةٍ وتَثَبُّتٍ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ القُرْآنَ لا يَنْبَغِي أنْ يُقْرَأ إلّا كَذَلِكَ، وقَدْ أمَرَ تَعالى بِما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَرَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: ٤]، ويَدُلُّ لِذَلِكَ أيْضًا قَوْلُهُ: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ ورَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان: ٣٢]، وقَوْلُهُ تَعالى: وقُرْآنًا [الإسراء: ١٠٦] مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ، عَلى حَدِّ قَوْلِهِ في الخُلاصَةِ:
(p-١٨٩)فالسّابِقَ انْصِبْهُ بِفِعْلٍ أُضْمِرا حَتْمًا مُوافِقٍ لِما قَدْ أُظْهِرا
17:107Page 293
قُلۡ ءَامِنُواْ بِهِۦٓ أَوۡ لَا تُؤۡمِنُوٓاْۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ مِن قَبۡلِهِۦٓ إِذَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ يَخِرُّونَۤ لِلۡأَذۡقَانِۤ سُجَّدٗاۤ ١٠٧
Say, "Believe in it or do not believe." Indeed, those who were given knowledge before it1 - when it is recited to them, they fall upon their faces in prostration,
No commentary for this ayah
17:108Page 293
وَيَقُولُونَ سُبۡحَٰنَ رَبِّنَآ إِن كَانَ وَعۡدُ رَبِّنَا لَمَفۡعُولٗا ١٠٨
And they say, "Exalted is our Lord! Indeed, the promise of our Lord has been fulfilled."
No commentary for this ayah
17:109Page 293
وَيَخِرُّونَ لِلۡأَذۡقَانِ يَبۡكُونَ وَيَزِيدُهُمۡ خُشُوعٗا۩ ١٠٩
And they fall upon their faces weeping, and it [i.e., the Qur’ān] increases them in humble submission.
No commentary for this ayah
17:110Page 293
قُلِ ٱدۡعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدۡعُواْ ٱلرَّحۡمَٰنَۖ أَيّٗا مَّا تَدۡعُواْ فَلَهُ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ وَلَا تَجۡهَرۡ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتۡ بِهَا وَٱبۡتَغِ بَيۡنَ ذَٰلِكَ سَبِيلٗا ١١٠
Say, "Call upon Allāh or call upon the Most Merciful [ar-Raḥmān]. Whichever [name] you call - to Him belong the best names." And do not recite [too] loudly in your prayer or [too] quietly but seek between that an [intermediate] way.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أيًّا ما تَدْعُو فَلَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ .
أمَرَ اللَّهُ جَلَّ وعَلا عِبادَهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنْ يَدْعُوهُ بِما شاءُوا مِن أسْمائِهِ، إنْ شاءُوا قالُوا: يا أللَّهُ، وإنْ شاءُوا قالُوا: يا رَحْمَنُ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أسْمائِهِ جَلَّ وعَلا.
وَبَيَّنَ هَذا المَعْنى في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وَلِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى فادْعُوهُ بِها وذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في أسْمائِهِ سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٠]، وقَوْلِهِ: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ هو الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلامُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ العَزِيزُ الجَبّارُ المُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿هُوَ اللَّهُ الخالِقُ البارِئُ المُصَوِّرُ لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى يُسَبِّحُ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [الحشر: ٢٢، ٢٣] .
وَقَدْ بَيَّنَ جَلَّ وعَلا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ: أنَّهم تَجاهَلُوا اسْمَ الرَّحْمَنِ في قَوْلِهِ: ﴿وَإذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قالُوا وما الرَّحْمَنُ﴾ الآيَةَ [الفرقان: ٦٠]، وبَيَّنَ لَهم بَعْضَ أفْعالِ الرَّحْمَنِ جَلَّ وعَلا في قَوْلِهِ: ﴿الرَّحْمَنُ﴾ ﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾ ﴿عَلَّمَهُ البَيانَ﴾ [الرحمن: ١ - ٤]، ولِذا قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿الرَّحْمَنُ﴾ ﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾ جَوابٌ لِقَوْلِهِمْ: ﴿قالُوا وما الرَّحْمَنُ﴾ الآيَةَ [الفرقان: ٦٠]، وسَيَأْتِي لِهَذا إنْ شاءَ اللَّهُ زِيادَةُ إيضاحٍ ”في سُورَةِ الفُرْقانِ“ .
17:111Page 293
وَقُلِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي لَمۡ يَتَّخِذۡ وَلَدٗا وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ شَرِيكٞ فِي ٱلۡمُلۡكِ وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ وَلِيّٞ مِّنَ ٱلذُّلِّۖ وَكَبِّرۡهُ تَكۡبِيرَۢا ١١١
And say, "Praise to Allāh, who has not taken a son and has had no partner in [His] dominion and has no [need of a] protector out of weakness; and glorify Him with [great] glorification."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ ولَمْ يَكُنْ لَهُ ولِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ .
أمَرَ اللَّهُ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ النّاسَ عَلى لِسانِ نَبِيِّهِ ﷺ (لِأنَّ أمْرَ القُدْوَةِ أمْرٌ لِأتْباعِهِ كَما قَدَّمْنا) أنْ يَقُولُوا: ”الحَمْدُ لِلَّهِ“ أيْ: كُلُّ ثَناءٍ جَمِيلٍ لائِقٍ بِكَمالِهِ وجَلالِهِ، ثابِتٌ لَهُ، مُبَيِّنًا أنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الأوْلادِ والشُّرَكاءِ والعِزَّةِ بِالأوْلِياءِ، سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ عُلُوًّا كَبِيرًا.
فَبَيَّنَ تَنَزُّهَهُ عَنِ الوَلَدِ والصّاحِبَةِ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ؛
• كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] إلى آخَرِ السُّورَةِ،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَأنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا ما اتَّخَذَ صاحِبَةً ولا ولَدًا﴾ [الجن: ٣]،
• وقَوْلِهِ: ﴿بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ أنّى يَكُونُ لَهُ ولَدٌ ولَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهو بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٠١]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾ ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾ ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ ﴿أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا﴾ ﴿وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ (p-١٩٠)الآيَةَ [مريم: ٨٨ - ٩٢]،
والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ.
وَبَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ: أنَّهُ لا شَرِيكَ لَهُ في مُلْكِهِ، أيْ ولا في عِبادَتِهِ؛
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَما لَهم فِيهِما مِن شِرْكٍ وما لَهُ مِنهم مِن ظَهِيرٍ﴾ [سبإ: ٢٢]،
• وقَوْلِهِ: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ [غافر: ١٦]،
• وقَوْلِهِ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الملك: ١]،
• وقَوْلِهِ: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ وتَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وتُعِزُّ مَن تَشاءُ وتُذِلُّ مَن تَشاءُ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ٢٦]،
والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ.
وَمَعْنى قَوْلِهِ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ولِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ [الإسراء: ١١١]، يَعْنِي أنَّهُ لا يُذَلُّ فَيَحْتاجُ إلى ولِيٍّ يَعِزُّ بِهِ؛ لِأنَّهُ هو العَزِيزُ القَهّارُ، الَّذِي كَلُّ شَيْءٍ تَحْتَ قَهْرِهِ وقُدْرَتِهِ، كَما بَيَّنَهُ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ
• كَقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ غالِبٌ عَلى أمْرِهِ﴾ الآيَةَ [يوسف: ٢١]،
• وقَوْلِهِ: ﴿أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٠٩] والعَزِيزُ: الغالِبُ،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨]،
والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ.
وَقَوْلُهُ ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: ١١١] أيْ عَظِّمْهُ تَعْظِيمًا شَدِيدًا، ويَظْهَرُ تَعْظِيمُ اللَّهِ في شِدَّةِ المُحافَظَةِ عَلى امْتِثالِ أمْرِهِ واجْتِنابِ نَهْيِهِ، والمُسارَعَةِ إلى كُلِّ ما يُرْضِيهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥] ونَحْوِها مِنَ الآياتِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
وَرَوى ابْنُ جَرِيرٍ في تَفْسِيرِهِ هَذِهِ الآيَةَ الكَرِيمَةَ عَنْ قَتادَةَ، أنَّهُ قالَ: ذُكِرَ لَنا «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُعَلِّمُ الصَّغِيرَ والكَبِيرَ مِن أهْلِهِ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا﴾» الآيَةَ [الإسراء: ١١١]، وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: قُلْتُ: وقَدْ جاءَ في حَدِيثٍ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَمّى هَذِهِ الآيَةَ آيَةَ العِزِّ، وفي بَعْضِ الآثارِ: إنَّها ما قُرِئَتْ في بَيْتٍ في لَيْلَةٍ فَيُصِيبُهُ سَرَقٌ أوْ آفَةٌ. واللَّهُ أعْلَمُ. ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثًا عَنْ أبِي يَعْلى مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ مُقْتَضاهُ: أنَّ قِراءَةَ هَذِهِ الآيَةِ تُذْهِبُ السَّقَمَ والضُّرَّ، ثُمَّ قالَ: إسْنادُهُ ضَعِيفٌ، وفي مَتْنِهِ نَكارَةٌ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
وَصَلّى اللَّهُ عَلى نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ ﷺ .
وَهَذا آخِرُ الجُزْءِ الثّالِثِ مِن هَذا الكِتابِ المُبارَكِ، ويَلِيهِ الجُزْءُ الرّابِعُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وأوَّلُهُ سُورَةُ الكَهْفِ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences