Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic
Al-Isra 17:15, continued
قالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِها، بَعْدَ أنْ ساقَ الأحادِيثَ الكَثِيرَةَ الدّالَّةَ عَلى عُذْرِهِمْ بِالفَتْرَةِ وامْتِحانِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، رادًّا عَلى ابْنِ عَبْدِ البَرِّ تَضْعِيفَ أحادِيثِ عُذْرِهِمْ وامْتِحانِهِمْ، بِأنَّ الآخِرَةَ دارُ جَزاءٍ لا عَمَلٍ، وأنَّ التَّكْلِيفَ بِدُخُولِ النّارِ تَكْلِيفٌ بِما لا يُطاقُ وهو لا يُمْكِنُ ما نَصَّهُ:
والجَوابُ عَمّا قالَ: أنَّ أحادِيثَ هَذا البابِ مِنها ما هو صَحِيحٌ كَما قَدْ نَصَّ عَلى ذَلِكَ كَثِيرٌ مِن أئِمَّةِ العُلَماءِ، ومِنها ما هو حَسَنٌ، ومِنها ما هو ضَيْفٌ يَتَقَوّى بِالصَّحِيحِ والحَسَنِ، وإذا كانَتْ أحادِيثُ البابِ الواحِدِ مُتَّصِلَةً مُتَعاضِدَةً عَلى هَذا النَّمَطِ، أفادَتِ الحُجَّةَ عِنْدَ النّاظِرِ فِيها، وأمّا قَوْلُهُ: إنَّ الدّارَ الآخِرَةَ دارُ جَزاءٍ، فَلا شَكَّ أنَّها دارُ جَزاءٍ، ولا يُنافِي التَّكْلِيفَ في عَرَصاتِها قَبْلَ دُخُولِ الجَنَّةِ أوِ النّارِ، كَما حَكاهُ الشَّيْخُ أبُو الحَسَنِ الأشْعَرِيُّ عَنْ مَذْهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ مِنَ امْتِحانِ الأطْفالِ، وقَدْ قالَ تَعالى: يَوْمَ ﴿يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ (p-٧٤)وَيُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ﴾ [القلم: ٤٢] .
وَقَدْ ثَبَتَ في الصِّحاحِ وغَيْرِها: «أنَّ المُؤْمِنِينَ يَسْجُدُونَ لِلَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ، وأنَّ المُنافِقَ لا يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ، ويَعُودُ ظَهْرُهُ كالصَّفِيحَةِ الواحِدَةِ طَبَقًا واحِدًا، كُلَّما أرادَ السُّجُودَ خَرَّ لِقَفاهُ»، وفي الصَّحِيحَيْنِ في الرَّجُلِ الَّذِي يَكُونُ آخِرَ أهْلِ النّارِ خُرُوجًا مِنها: «أنَّ اللَّهَ يَأْخُذُ عُهُودَهُ ومَواثِيقَهُ ألّا يَسْألَ غَيْرَ ما هو فِيهِ، ويَتَكَرَّرُ ذَلِكَ مِنهُ، ويَقُولُ اللَّهُ تَعالى: يابْنَ آدَمَ، ما أعْذَرَكَ ! ثُمَّ يَأْذَنُ لَهُ في دُخُولِ الجَنَّةِ» وأمّا قَوْلُهُ: فَكَيْفَ يُكَلِّفُهُمُ اللَّهُ دُخُولَ النّارِ، ولَيْسَ ذَلِكَ في وُسْعِهِمْ ؟ فَلَيْسَ هَذا بِمانِعٍ مِن صِحَّةِ الحَدِيثِ. «فَإنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ العِبادَ يَوْمَ القِيامَةِ بِالجَوازِ عَلى الصِّراطِ، وهو جِسْرٌ عَلى مَتْنِ جَهَنَّمَ أحَدُّ مِنَ السَّيْفِ وأدَقُّ مِنَ الشَّعْرِ، ويَمُرُّ المُؤْمِنُونَ عَلَيْهِ بِحَسْبِ أعْمالِهِمْ، كالبَرْقِ، وكالرِّيحِ، وكَأجاوِيدِ الخَيْلِ والرِّكابِ. ومِنهُمُ السّاعِي، ومِنهُمُ الماشِي، ومِنهم مَن يَحْبُو حَبْوًا، ومِنهُمُ المَكْدُوسُ عَلى وجْهِهِ في النّارِ» ولَيْسَ ما ورَدَ في أُولَئِكَ بِأعْظَمَ مِن هَذا، بَلْ هَذا أُطْمٌ وأعْظَما
وَأيْضًا: فَقَدْ ثَبَتَتِ السُّنَّةُ بِأنَّ الدَّجّالَ يَكُونُ مَعَهُ جَنَّةٌ ونارٌ، وقَدْ أمَرَ الشّارِعُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يُدْرِكُونَهُ أنْ يَشْرَبَ أحَدُهم مِنَ الَّذِي يَرى أنَّهُ نارٌ، فَإنَّهُ يَكُونُ عَلَيْهِ بَرْدًا وسَلامًا، فَهَذا نَظِيرُ ذَلِكَ.
وَأيْضًا: فَإنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ بَنِي إسْرائِيلَ أنْ يَقْتُلُوا أنْفُسَهم، فَقَتَلَ بَعْضُهم بَعْضًا حَتّى قَتَلُوا فِيما قِيلَ في غَداةٍ واحِدَةٍ سَبْعِينَ ألْفًا، يَقْتُلُ الرَّجُلُ أباهُ وأخاهُ، وهم في عَمايَةِ غَمامَةٍ أرْسَلَها اللَّهُ عَلَيْهِمْ؛ وذَلِكَ عُقُوبَةٌ لَهم عَلى عِبادَةِ العِجْلِ، وهَذا أيْضًا شاقٌّ عَلى النُّفُوسِ جِدًّا لا يَتَقاصَرُ عَمّا ورَدَ في الحَدِيثِ المَذْكُورِ. واللَّهُ أعْلَمُ. انْتَهى كَلامُ ابْنِ كَثِيرٍ بِلَفْظِهِ.
وَقالَ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى أيْضًا قَبْلَ هَذا الكَلامِ بِقَلِيلٍ ما نَصُّهُ:
وَمِنهم مَن ذَهَبَ إلى أنَّهم يُمْتَحَنُونَ يَوْمَ القِيامَةِ في عَرَصاتِ المَحْشَرِ، فَمَن أطاعَ دَخَلَ الجَنَّةَ، وانْكَشَفَ عِلْمُ اللَّهِ فِيهِ بِسابِقِ السَّعادَةِ، ومَن عَصى دَخَلَ النّارَ داخِرًا، وانْكَشَفَ عِلْمُ اللَّهِ فِيهِ بِسابِقِ الشَّقاوَةِ.
وَهَذا القَوْلُ يَجْمَعُ بَيْنَ الأدِلَّةِ كُلِّها، وقَدْ صَرَّحَتْ بِهِ الأحادِيثُ المُتَقَدِّمَةُ المُتَعاضِدَةُ، الشّاهِدُ بَعْضُها لِبَعْضٍ.
وَهَذا القَوْلُ هو الَّذِي حَكاهُ الشَّيْخُ أبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ إسْماعِيلَ الأشْعَرِيُّ عَنْ أهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ، وهو الَّذِي نَصَرَهُ الحافِظُ أبُو بَكْرٍ البَيْهَقِيُّ في كِتابِ (الِاعْتِقادِ) وكَذَلِكَ غَيْرُهُ (p-٧٥)مِن مُحَقِّقِي العُلَماءِ والحُفّاظِ والنُّقّادِ. انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِن كَلامِ ابْنِ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى، وهو واضِحٌ جِدًّا فِيما ذَكَرْنا.
الأمْرُ الثّانِي: أنَّ الجَمْعَ بَيْنَ الأدِلَّةِ واجِبٌ مَتى ما أمْكَنَ بِلا خِلافٍ؛ لِأنَّ إعْمالَ الدَّلِيلَيْنِ أوْلى مِن إلْغاءِ أحَدِهِما، ولا وجْهَ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الأدِلَّةِ إلّا هَذا القَوْلُ بِالعُذْرِ والِامْتِحانِ، فَمَن دَخَلَ النّارَ فَهو الَّذِي لَمْ يَمْتَثِلْ ما أمَرَ بِهِ عِنْدَ ذَلِكَ الِامْتِحانِ، ويَتَّفِقُ بِذَلِكَ جَمِيعُ الأدِلَّةِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
وَلا يَخْفى أنَّ مِثْلَ قَوْلِ ابْنِ عَبْدِ البَرِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: إنَّ الآخِرَةَ دارُ جَزاءٍ لا دارُ عَمَلٍ لا يَصِحُّ أنْ تَرِدَ بِهِ النُّصُوصُ الصَّحِيحَةُ الثّابِتَةُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، كَما أوْضَحْناهُ في كِتابِنا (دَفَعِ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ) .
⁕ ⁕ ⁕
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
(p-٣٢٢)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ بَنِي إسْرائِيلَ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ .
هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ فِيها التَّصْرِيحُ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُعَذِّبُ أحَدًا حَتّى يُنْذِرَهُ عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِهِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
وَنَظِيرُها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] .
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ أنّا أهْلَكْناهم بِعَذابٍ مِن قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ﴾ الآيَةَ [طه: ١٣٤] .
وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ أنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ وأهْلُها غافِلُونَ﴾ [الأنعام: ١٣١]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَيُؤَيِّدُهُ تَصْرِيحُهُ تَعالى بِأنَّ كُلَّ أفْواجِ أهْلِ النّارِ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ في دارِ الدُّنْيا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَألَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا﴾ الآيَةَ [الملك: ٨ - ٩] .
وَمَعْلُومٌ أنْ ”كُلَّما“ صِيغَةُ عُمُومٍ ونَظِيرُها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ زُمَرًا﴾ - إلى قَوْلِهِ - ﴿قالُوا بَلى ولَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ عَلى الكافِرِينَ﴾ [الزمر: ٧١] .
فَقَوْلُهُ: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يَعُمُّ كُلَّ كافِرٍ لِما تَقَرَّرَ في الأُصُولِ، مِن أنَّ المَوْصُولاتِ مِن صِيَغِ العُمُومِ لِعُمُومِها كُلَّما تَشْمَلُهُ صِلاتُها، كَما أشارَ لَهُ في مَراقِي السُّعُودِ بِقَوْلِهِ:(p-٣٢٣)
؎صِيغَةُ كُلٍّ أوِ الجَمِيعِ وقَدْ تَلا الَّذِي الَّتِي الفُرُوعُ
وَمَعْنى قَوْلِهِ: ”وَقَدْ تَلا الَّذِي إلخ. . .“ أنَّ الَّذِي والَّتِي وفُرُوعَها صِيَغُ عُمُومٍ كَكُلٍّ وجَمِيعٍ.
وَنَظِيرُهُ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهم يَصْطَرِخُونَ فِيها﴾ - إلى قَوْلِهِ - ﴿وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر: ٣٧]، فَإنَّهُ عامٌّ أيْضًا لِأنَّ أوَّلَ الكَلامِ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا لَهم نارُ جَهَنَّمَ﴾ [فاطر: ٣٦] .
وَأمْثالُ هَذا كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ مَعَ إنَّهُ جاءَ في بَعْضِ الآياتِ ما يُفْهَمُ مِنهُ أنَّ أهْلَ الفَتْرَةِ في النّارِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ولَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهم أنَّهم أصْحابُ الجَحِيمِ﴾، [التوبة: ١١٣] فَإنَّ عُمُومَها يَدُلُّ عَلى دُخُولِ مَن لَمْ يُدْرِكِ النَّبِيَّ ﷺ، وكَذَلِكَ عُمُومُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وهم كُفّارٌ أُولَئِكَ أعْتَدْنا لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ [النساء: ١٨] .
وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ [البقرة: ١٦١] .
وَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا﴾ الآيَةَ [آل عمران: ٩١]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
اعْلَمْ أوَّلًا أنَّ مَن لَمْ يَأْتِهِ نَذِيرٌ في دارِ الدُّنْيا وكانَ كافِرًا حَتّى ماتَ، اخْتَلَفَ العُلَماءُ فِيهِ، هَلْ هو مِن أهْلِ النّارِ لِكُفْرِهِ، أوْ هو مَعْذُورٌ لِأنَّهُ لَمْ يَأْتِهِ نَذِيرٌ ؟ كَما أشارَ لَهُ في مَراقِي السُّعُودِ بِقَوْلِهِ:
؎ذُو فَتْرَةٍ بِالفَرْعِ لا يُراعُ ∗∗∗ وفي الأُصُولِ بَيْنَهم نِزاعُ
وَسَنَذْكُرُ إنْ شاءَ اللَّهُ جَوابَ أهْلِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ القَوْلَيْنِ، ونَذْكُرُ ما يَقْتَضِي الدَّلِيلُ رُجْحانَهُ، فَنَقُولُ وبِاللَّهِ نَسْتَعِينُ:
قَدْ قالَ قَوْمٌ: إنَّ الكافِرَ في النّارِ، ولَوْ ماتَ في زَمَنِ الفَتْرَةِ، ومِمَّنْ جَزَمَ بِهَذا القَوْلِ النَّوَوِيُّ في شَرْحِ مُسْلِمٍ لِدَلالَةِ الأحادِيثِ عَلى تَعْذِيبِ بَعْضِ أهْلِ الفَتْرَةِ.
(p-٣٢٤)وَحَكى القَرافِيُّ في شَرْحِ التفيح الإجْماعَ عَلى أنَّ مَوْتى أهْلِ الجاهِلِيَّةِ في النّارِ لِكُفْرِهِمْ، كَما حَكاهُ عَنْهُ صاحِبُ نَشْرِ البُنُودِ.
وَأجابَ أهْلُ هَذا القَوْلِ عَنْ آيَةِ: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ﴾ وأمْثالِها مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ التَّعْذِيبَ المَنفِيَّ في قَوْلِهِ: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ﴾ وأمْثالِها هو التَّعْذِيبُ الدُّنْيَوِيُّ، فَلا يُنافِي ثُبُوتَ التَّعْذِيبِ في الآخِرَةِ.
وَذَكَرَ الشَّوْكانِيُّ في تَفْسِيرِهِ: أنَّ اخْتِصاصَ هَذا التَّعْذِيبِ المَنفِيِّ بِالدُّنْيا دُونَ الآخِرَةِ، ذَهَبَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ واسْتَظْهَرَ هو خِلافَهُ، ورَدَّ التَّخْصِيصَ بِعَذابِ الدُّنْيا بِأنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ مِنَ الآياتِ، وبِأنَّ الآياتِ المُتَقَدِّمَةَ الدّالَّةَ عَلى اعْتِرافِ أهْلِ النّارِ جَمِيعًا، بِأنَّ الرُّسُلَ أنْذَرُوهم في دارِ الدُّنْيا صَرِيحٌ في نَفْيِهِ.
الثّانِي: أنَّ مَحَلَّ العُذْرِ بِالفَتْرَةِ المَنصُوصِ في قَوْلِهِ: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ﴾ الآيَةَ، وأمْثالِها في غَيْرِ الواضِحِ الَّذِي لا يَلْتَبِسُ عَلى عاقِلٍ.
أمّا الواضِحُ الَّذِي لا يَخْفى عَلى مَن عِنْدَهُ عَقْلٌ كَعِبادَةِ الأوْثانِ فَلا يُعْذَرُ فِيهِ أحَدٌ، لِأنَّ جَمِيعَ الكُفّارِ يُقِرُّونَ بِأنَّ اللَّهَ هو رَبُّهم وهو خالِقُهم ورازِقُهم، ويَتَحَقَّقُونَ أنَّ الأوْثانَ لا تَقْدِرُ عَلى جَلْبِ نَفْعٍ ولا عَلى دَفْعِ ضُرٍّ، لَكِنَّهم غالَطُوا أنْفُسَهم، فَزَعَمُوا أنَّها تُقَرِّبُهم إلى اللَّهِ زُلْفى، وأنَّها شُفَعاؤُهم عِنْدَ اللَّهِ، مَعَ أنَّ العَقْلَ يَقْطَعُ بِنَفْيِ ذَلِكَ.
الثّالِثُ: أنَّ عِنْدَهم بَقِيَّةَ إنْذارٍ مِمّا جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ الَّذِينَ أُرْسِلُوا قَبْلَهُ ﷺ تَقُومُ عَلَيْهِمْ بِها الحُجَّةُ، ومالَ إلَيْهِ بَعْضُ المَيْلِ ابْنُ قاسِمٍ في الآياتِ البَيِّناتِ.
وَقَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ ”آلِ عِمْرانَ“ أنَّ هَذا القَوْلَ يَرُدُّهُ القُرْءانُ في آياتٍ كَثِيرَةٍ مُصَرِّحَةٍ بِنَفْيِ أصْلِ النَّذِيرِ عَنْهم، كَقَوْلِهِ: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ﴾ [يس: ٦] .
وَقَوْلِهِ: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ بَلْ هو الحَقُّ مِن رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ﴾ .
وَقَوْلِهِ: ﴿وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إذْ نادَيْنا ولَكِنْ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ﴾ [القصص: ٤٦] .
(p-٣٢٥)وَقَوْلِهِ: ﴿وَما آتَيْناهم مِن كُتُبٍ يَدْرُسُونَها وما أرْسَلْنا إلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن نَذِيرٍ﴾ [سبإ: ٤٤]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَأجابَ القائِلُونَ: بِأنَّ أهْلَ الفَتْرَةِ مَعْذُورُونَ عَنْ مِثْلِ قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ﴾ - إلى قَوْلِهِ - ﴿مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهم أنَّهم أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣] .
مِنَ الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ بِأنَّهم لا يَتَبَيَّنُ لَهم أنَّهم مِن أصْحابِ الجَحِيمِ ولا يُحْكَمُ لَهم بِالنّارِ ولَوْ ماتُوا كُفّارًا إلّا بَعْدَ إنْذارِهِمْ وامْتِناعِهِمْ مِنَ الإيمانِ، كَأبِي طالِبٍ، وحَمَلُوا الآياتِ المَذْكُورَةَ عَلى هَذا المَعْنى.
واعْتُرِضَ هَذا الجَوابُ بِما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ مِن دُخُولِ بَعْضِ أهْلِ الفَتْرَةِ النّارَ، كَحَدِيثِ: «إنَّ أبِي وأباكَ في النّارِ» الثّابِتِ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ وأمْثالِهِ مِنَ الأحادِيثِ، واعْتُرِضَ هَذا الِاعْتِراضُ بِأنَّ الأحادِيثَ وإنْ صَحَّتْ فَهي أخْبارُ آحادٍ، يُقَدَّمُ عَلَيْها القاطِعُ كَقَوْلِهِ: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ .
واعْتُرِضَ هَذا الِاعْتِراضُ أيْضًا بِأنَّهُ لا يَتَعارَضُ عامٌّ وخاصٌّ، فَما أخْرَجَهُ حَدِيثٌ صَحِيحٌ خَرَجَ مِنَ العُمُومِ، وما لَمْ يُخْرِجْهُ نَصٌّ صَحِيحٌ بَقِيَ داخِلًا في العُمُومِ.
واعْتُرِضَ هَذا الِاعْتِراضُ أيْضًا بِأنَّ هَذا التَّخْصِيصَ يُبْطِلُ عِلَّةَ العامِّ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى تَمَدَّحَ بِكَمالِ الإنْصافِ وصَرَّحَ بِأنَّهُ لا يُعَذِّبُ حَتّى يَقْطَعَ حُجَّةَ المُعَذَّبِ بِإنْذارِ الرُّسُلِ في دارِ الدُّنْيا، وبَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ الإنْصافَ التّامَّ عِلَّةٌ لِعَدَمِ التَّعْذِيبِ، فَلَوْ عَذَّبَ إنْسانًا واحِدًا مِن غَيْرِ إنْذارٍ لاخْتَلَّتْ تِلْكَ الحِكْمَةُ، ولَثَبَتَتْ لِذَلِكَ المُعَذَّبِ الحُجَّةُ الَّتِي بَعَثَ اللَّهُ الرُّسُلَ لِقَطْعِها، كَما صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] .
وَهَذِهِ الحُجَّةُ بَيْنَهُما في سُورَةِ ”طه“ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ أنّا أهْلَكْناهم بِعَذابٍ مِن قَبْلِهِ﴾ [طه: ١٣٤] .
وَأشارَ لَها في سُورَةِ ”القَصَصِ“ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْلا أنْ تُصِيبَهم مُصِيبَةٌ﴾ - إلى قَوْلِهِ - ﴿وَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [القصص: ٤٧] .
وَهَذا الِاعْتِراضُ الأخِيرُ يَجْرِي عَلى الخِلافِ في النَّقْضِ هَلْ هو قادِحٌ في العِلَّةِ أوْ (p-٣٢٦)تَخْصِيصٌ لَها ؟ وهو اخْتِلافٌ كَثِيرٌ مَعْرُوفٌ في الأُصُولِ عَقَدَهُ في مَراقِي السُّعُودِ بِقَوْلِهِ في تَعْدادِ القَوادِحِ في الدَّلِيلِ:
؎مِنها وُجُودُ الوَصْفِ دُونَ الحُكْمِ ∗∗∗ سَمّاهُ بِالنَّقْضِ رُعاةُ العِلْمِ
؎والأكْثَرُونَ عِنْدَهم لا يَقْدَحُ ∗∗∗ بَلْ هو تَخْصِيصٌ وذا مُصَحَّحُ
؎وَقَدْ رُوِي عَنْ مالِكٍ تَخْصِيصٌ ∗∗∗ إنْ يَكُ الِاسْتِنْباطُ لا التَّنْصِيصُ
؎وَعَكْسُ هَذا قَدْ رَآهُ البَعْضُ ∗∗∗ ومُنْتَقى ذِي الِاخْتِصارِ النَّقْضُ
؎إنْ لَمْ يَكُنْ مَنصُوصُهُ بِظاهِرٍ ∗∗∗ ولَيْسَ فِيما اسْتَنْبَطَتْ بِضائِرٍ
؎إنْ جاءَ لِفَقْدِ الشَّرْطِ أوْ لِما مَنَعْ ∗∗∗ والوَفْقُ في مِثْلِ العَرايا قَدْ وقَعْ
والمُحَقِّقُونَ مِن أهْلِ الأُصُولِ عَلى أنَّ عَدَمَ تَأْثِيرِ العِلَّةِ، إنْ كانَ لِوُجُودِ مانِعٍ مِنَ التَّأْثِيرِ أوِ انْتِفاءِ شَرْطِ التَّأْثِيرِ، فَوُجُودُها مِن تَخَلُّفِ الحُكْمِ لا يَنْقُضُها، ولا يَقْدَحُ فِيها، وخُرُوجُ بَعْضِ أفْرادِ الحُكْمِ حِينَئِذٍ تَخْصِيصٌ لِلْعِلَّةِ لا نَقْضٌ لَها، كالقَتْلِ عَمْدًا عُدْوانًا، فَإنَّهُ عِلَّةُ القِصاصِ إجْماعًا، ولا يَقْدَحُ في هَذِهِ العِلَّةِ تَخَلُّفُ الحُكْمِ عَنْها في قَتْلِ الوالِدِ لِوَلَدِهِ، لِأنَّ تَأْثِيرَها مَنَعَ مِنهُ مانِعٌ هو الأُبُوَّةُ، وأمّا إنْ كانَ عَدَمُ تَأْثِيرِها لا لِوُجُودِ مانِعٍ أوِ انْتِفاءِ شَرْطٍ فَإنَّهُ يَكُونُ نَقْضًا لَها وقَدْحًا فِيها، ولَكِنْ يَرُدُّ عَلى هَذا التَّحْقِيقِ ما ذَكَرَهُ بَعْضُ العُلَماءِ مِن أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم شاقُّوا اللَّهَ﴾، [الأنفال: ١٣]، عِلَّةٌ مَنصُوصَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْلا أنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ﴾ الآيَةَ [الحشر: ٣] .
مَعَ أنَّ هَذِهِ العِلَّةَ قَدْ تُوجَدُ ولا يُوجَدُ ما عُذِّبَ بِهِ بَنُو النَّضِيرِ مِن جَلاءٍ أوْ تَعْذِيبٍ دُنْيَوِيٍّ، وهو يُؤَيِّدُ كَوْنَ النَّقْضِ تَخْصِيصًا مُطْلَقًا لا قَدْحًا.
وَيُجابُ عَنْ هَذا بِأنَّ بَعْضَ المُحَقِّقِينَ مِنَ الأُصُولِيِّينَ قالَ: إنَّ التَّحْقِيقَ المَذْكُورَ مَحَلُّهُ في العِلَّةِ المُسْتَنْبَطَةِ دُونَ المَنصُوصَةِ وهَذِهِ مَنصُوصَةٌ، كَما قَدَّمْنا ذَلِكَ في أبْياتِ مَراقِي السُّعُودِ في قَوْلِهِ:
؎. . . . . . ولَيْسَ فِيما اسْتَنْبَطَتْ بِضائِرٍ ∗∗∗ إنْ جاءَ لِفَقْدِ الشَّرْطِ أوْ لِما مَنَعْ. . . . .
هَذا مُلَخَّصُ كَلامِ العُلَماءِ وحُجَجِهِمْ في المَسْألَةِ، والَّذِي يَظْهَرُ رُجْحانُهُ بِالدَّلِيلِ هو الجَمْعُ بَيْنَ الأدِلَّةِ لِأنَّ الجَمْعَ واجِبٌ إذا أمْكَنَ بِلا خِلافٍ، كَما أشارَ لَهُ في المَراقِي بِقَوْلِهِ:(p-٣٢٧)
؎والجَمْعُ واجِبٌ إذا ما أمْكَنا
إلخ.
وَوَجْهُ الجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ الأدِلَّةِ هو عُذْرُهم بِالفَتْرَةِ وامْتِحانُهم يَوْمَ القِيامَةِ بِالأمْرِ بِاقْتِحامِ نارٍ فَمَنِ اقْتَحَمَها دَخَلَ الجَنَّةَ، وهو الَّذِي كانَ يُصَدِّقُ الرُّسُلَ لَوْ جاءَتْهُ في الدُّنْيا، ومَنِ امْتَنَعَ عُذِّبَ بِالنّارِ، وهو الَّذِي كانَ يُكَذِّبُ الرُّسُلَ لَوْ جاءَتْهُ في الدُّنْيا، لَأنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما كانُوا عامِلِينَ لَوْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ.
وَبِهَذا الجَمْعِ تَتَّفِقُ الأدِلَّةُ فَيَكُونُ أهْلُ الفَتْرَةِ مَعْذُورِينَ، وقَوْمٌ مِنهم مِن أهْلِ النّارِ بَعْدَ الِامْتِحانِ، وقَوْمٌ مِنهم مِن أهْلِ الجَنَّةِ بَعْدَهُ أيْضًا، ويُحْمَلُ كُلُّ واحِدٍ مِنَ القَوْلَيْنِ عَلى بَعْضٍ مِنهم عَلِمَ اللَّهُ مَصِيرَهم، وأعْلَمَ بِهِ نَبِيَّهُ ﷺ فَيَزُولُ التَّعارُضُ.
والدَّلِيلُ عَلى هَذا الجَمْعِ وُرُودُ الأخْبارِ بِهِ عَنْهُ ﷺ، قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ بَعْدَ أنْ ساقَ الأحادِيثَ الدّالَّةَ عَلى عُذْرِهِمْ وامْتِحانِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ رادًّا عَلى ابْنِ عَبْدِ البَرِّ تَضْعِيفَ أحادِيثِ عُذْرِهِمْ وامْتِحانِهِمْ ما نَصُّهُ:
والجَوابُ عَمّا قالَ: إنَّ أحادِيثَ هَذا البابِ مِنها ما هو صَحِيحٌ، كَما نَصَّ عَلى ذَلِكَ كَثِيرٌ مِن أئِمَّةِ العُلَماءِ، ومِنها ما هو حَسَنٌ، ومِنها ما هو ضَعِيفٌ يَتَقَوّى بِالصَّحِيحِ والحَسَنِ، وإذا كانَتْ أحادِيثُ البابِ الواحِدِ مُتَّصِلَةً مُتَعاضِدَةً عُلِمَ هَذا النَّمَطُ، أفادَتِ الحُجَّةَ عِنْدَ النّاظِرِ فِيها، انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ بِلَفْظِهِ.
ثُمَّ قالَ: إنَّ هَذا قالَ بِهِ جَماعَةٌ مِن مُحَقِّقِي العُلَماءِ والحُفّاظِ والنُّقّادِ وما احْتَجَّ بِهِ البَعْضُ لِرَدِّ هَذِهِ الأحادِيثِ مِن أنَّ الآخِرَةَ دارُ جَزاءٍ لا دارُ عَمَلٍ وابْتِلاءٍ، فَهو مَرْدُودٌ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ ذَلِكَ لا تَرِدُ بِهِ النُّصُوصُ الصَّحِيحَةُ عَنْهُ ﷺ، ولَوْ سَلَّمْنا عُمُومَ مَن قالَ: مِن أنَّ الآخِرَةَ لَيْسَتْ دارَ عَمَلٍ، لَكانَتِ الأحادِيثُ المَذْكُورَةُ مُخَصِّصَةً لِذَلِكَ العُمُومِ.
الثّانِي: أنّا لا نُسَلِّمُ انْتِفاءَ الِامْتِحانِ في عَرَصاتِ المَحْشَرِ، بَلْ نَقُولُ: دَلَّ القاطِعُ عَلَيْهِ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى صَرَّحَ في سُورَةِ ”القَلَمِ“ بِأنَّهم يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ في قَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ ويُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ﴾ الآيَةَ [القلم: ٤٢] .
وَمَعْلُومٌ أنَّ أمْرَهم بِالسُّجُودِ تَكْلِيفٌ في عَرَصاتِ المَحْشَرِ، وثَبَتَ في الصَّحِيحِ أنَّ (p-٣٢٨)المُؤْمِنِينَ يَسْجُدُونَ يَوْمَ القِيامَةِ وأنَّ المُنافِقَ لا يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ، ويَعُودُ ظَهْرُهُ كالصَّفِيحَةِ الواحِدَةِ، طَبَقًا واحِدًا كُلَّما أرادَ السُّجُودَ خَرَّ قَفاهُ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ في الرَّجُلِ الَّذِي يَكُونُ آخِرَ أهْلِ النّارِ خُرُوجًا مِنها، أنَّ اللَّهَ يَأْخُذُ عُهُودَهُ ومَواثِيقَهُ أنْ لا يَسْألَ غَيْرَ ما هو فِيهِ ويَتَكَرَّرُ ذَلِكَ مِرارًا ويَقُولُ اللَّهُ تَعالى: «يا ابْنَ آدَمَ ما أغْدَرَكَ» ثُمَّ يَأْذَنُ لَهُ في دُخُولِ الجَنَّةِ، ومَعْلُومٌ أنَّ تِلْكَ العُهُودَ والمَواثِيقَ تَكْلِيفٌ في عَرَصاتِ المَحْشَرِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences