Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic
Al-Isra 17:3–8
17:3Page 282
ذُرِّيَّةَ مَنۡ حَمَلۡنَا مَعَ نُوحٍۚ إِنَّهُۥ كَانَ عَبۡدٗا شَكُورٗا ٣
O descendants of those We carried [in the ship] with Noah. Indeed, he was a grateful servant.
(p-١٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إنَّهُ كانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ .
ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مَن حَمَلَهم مَعَ نُوحٍ، تَنْبِيهًا عَلى النِّعْمَةِ الَّتِي نَجّاهم بِها مِنَ الغَرَقِ، لِيَكُونَ في ذَلِكَ تَهْيِيجٌ لِذُرِّيّاتِهِمْ عَلى طاعَةِ اللَّهِ؛ أيْ: يا ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ، فَنَجَّيْناهم مِنَ الغَرَقِ، تَشَبَّهُوا بِأبِيكم، فاشْكُرُوا نِعَمِنا. وأشارَ إلى هَذا المَعْنى في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ ومِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ﴾ الآيَةَ [مريم: ٥٨] .
وَبَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ الَّذِينَ حَمَلَهم مَعَ نُوحٍ مِن هم، وبَيَّنَ الشَّيْءَ الَّذِي حَمَلَهم فِيهِ، وبَيَّنَ مَن بَقِيَ لَهُ نَسْلٌ، وعَقِبٌ مِنهم، ومَنِ انْقَطَعَ ولَمْ يَبْقَ لَهُ نَسْلٌ ولا عَقِبٌ.
فَبَيَّنَ أنَّ الَّذِينَ حَمَلَهم مَعَ نُوحٍ: هم أهْلُهُ ومَن آمَنَ مَعَهُ مِن قَوْمِهِ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْنا احْمِلْ فِيها مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وأهْلَكَ إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ ومَن آمَنَ﴾ [هود: ٤٠]، وبَيَّنَ أنَّ الَّذِينَ آمَنُوا مَن قَوْمِهِ قَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وَما آمَنَ مَعَهُ إلّا قَلِيلٌ﴾ [هود: ٤٠] .
وَبَيَّنَ أنَّ مِمَّنْ سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ مِن أهْلِهِ بِالشَّقاءِ امْرَأتَهُ وابْنَهُ. قالَ في امْرَأتِهِ: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأةَ نُوحٍ﴾ [التحريم: ١٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿وَقِيلَ ادْخُلا النّارَ مَعَ الدّاخِلِينَ﴾ [التحريم: ١٠] . وقالَ في ابْنِهِ: ﴿وَحالَ بَيْنَهُما المَوْجُ فَكانَ مِنَ المُغْرَقِينَ﴾ [هود: ٤٣]، وقالَ فِيهِ أيْضًا: ﴿إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ﴾ الآيَةَ. [هود: ٤٦]، وقَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ مِن أهْلِكَ﴾ [هود: ٤٦] أيِ: المَوْعُودُ بِنَجاتِهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿فاسْلُكْ فِيها مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وأهْلَكَ﴾ الآيَةَ، ونَحْوَها مِنَ الآياتِ.
وَبَيَّنَ أنَّ الَّذِي حَمَلَهم فِيهِ هو السَّفِينَةُ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْنا احْمِلْ فِيها﴾ الآيَةَ [هود: ٤٠]؛ أيِ السَّفِينَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿فاسْلُكْ فِيها مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ الآيَةَ [المؤمنون: ٢٧] . أيْ أدْخِلْ فِيها - أيِ السَّفِينَةِ: ﴿مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وأهْلَكَ﴾ [المؤمنون: ٢٧] .
وَبَيَّنَ أنَّ ذُرِّيَّةَ مَن حُمِلَ مَعَ نُوحٍ لَمْ يَبْقَ مِنها إلّا ذُرِّيَّةُ نُوحٍ في قَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الباقِينَ﴾ [الصافات: ٧٧]، وكانَ نُوحٌ يَحْمَدُ اللَّهَ عَلى طَعامِهِ وشَرابِهِ، ولِباسِهِ وشَأْنِهِ كُلِّهِ. فَسَمّاهُ اللَّهُ عَبْدًا شَكُورًا.
(p-١٤)وَأظْهَرُ أوْجُهِ الإعْرابِ في قَوْلِهِ: ﴿ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلْنا﴾ الآيَةَ [الإسراء: ٣]، أنَّهُ مُنادى بِحَرْفٍ مَحْذُوفٍ.
17:4Page 282
وَقَضَيۡنَآ إِلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ فِي ٱلۡكِتَٰبِ لَتُفۡسِدُنَّ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَرَّتَيۡنِ وَلَتَعۡلُنَّ عُلُوّٗا كَبِيرٗا ٤
And We conveyed1 to the Children of Israel in the Scripture that, "You will surely cause corruption on the earth twice, and you will surely reach [a degree of] great haughtiness."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ الآيَةَ، أظْهَرُ الأقْوالِ فِيهِ: أنَّهُ بِمَعْنى أخْبَرْناهم وأعْلَمْناهم.
وَمِن مَعانِي القَضاءِ: الإخْبارُ والإعْلامُ. ونَظِيرُ ذَلِكَ في القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَضَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ [الحجر: ٦٦]، والظّاهِرُ أنَّ تَعْدِيَتَهُ بِـ ”إلى“ لِأنَّهُ مُضَمَّنٌ مَعْنى الإيحاءِ. وقِيلَ: مُضَمَّنٌ مَعْنى: تَقَدَّمْنا إلَيْهِمْ فَأخْبَرْناهم، قالَ مَعْناهُ ابْنُ كَثِيرٍ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
17:5Page 282
فَإِذَا جَآءَ وَعۡدُ أُولَىٰهُمَا بَعَثۡنَا عَلَيۡكُمۡ عِبَادٗا لَّنَآ أُوْلِي بَأۡسٖ شَدِيدٖ فَجَاسُواْ خِلَٰلَ ٱلدِّيَارِۚ وَكَانَ وَعۡدٗا مَّفۡعُولٗا ٥
So when the [time of] promise came for the first of them,1 We sent against you servants of Ours - those of great military might, and they probed [even] into the homes,2 and it was a promise fulfilled.
No commentary for this ayah
17:6Page 282
ثُمَّ رَدَدۡنَا لَكُمُ ٱلۡكَرَّةَ عَلَيۡهِمۡ وَأَمۡدَدۡنَٰكُم بِأَمۡوَٰلٖ وَبَنِينَ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ أَكۡثَرَ نَفِيرًا ٦
Then We gave back to you a return victory over them. And We reinforced you with wealth and sons and made you more numerous in manpower.
No commentary for this ayah
17:7Page 282
إِنۡ أَحۡسَنتُمۡ أَحۡسَنتُمۡ لِأَنفُسِكُمۡۖ وَإِنۡ أَسَأۡتُمۡ فَلَهَاۚ فَإِذَا جَآءَ وَعۡدُ ٱلۡأٓخِرَةِ لِيَسُـُٔواْ وُجُوهَكُمۡ وَلِيَدۡخُلُواْ ٱلۡمَسۡجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٖ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوۡاْ تَتۡبِيرًا ٧
[And said], "If you do good, you do good for yourselves; and if you do evil, [you do it] to them [i.e., yourselves]." Then when the final [i.e., second] promise came, [We sent your enemies] to sadden your faces and to enter the masjid [i.e., the temple in Jerusalem], as they entered it the first time, and to destroy what they had taken over with [total] destruction.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لِأنْفُسِكم وإنْ أسَأْتُمْ فَلَها﴾.
بَيَّنَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ مَن أحْسَنَ - أيْ بِالإيمانِ والطّاعَةِ - فَإنَّهُ إنَّما يُحْسِنُ إلى نَفْسِهِ؛ لِأنَّ نَفْعَ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ خاصَّةً. وأنَّ مَن أساءَ - أيْ بِالكُفْرِ والمَعاصِي - فَإنَّهُ إنَّما يُسِيءُ عَلى نَفْسِهِ. لِأنَّ ضَرَرَ ذَلِكَ عائِدٌ إلى نَفْسِهِ خاصَّةً.
وَبَيَّنَ هَذا المَعْنى في مَواضِعَ أُخَرَ؛
• كَقَوْلِهِ: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ ومَن أساءَ فَعَلَيْها﴾ الآيَةَ [فصلت: ٤٦ و٤٥ \ ١٥]،
• وقَوْلِهِ: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨]،
• وقَوْلِهِ: ﴿مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ ومَن عَمِلَ صالِحًا فَلِأنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ [الروم: ٤٤]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. واللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿وَإنْ أسَأْتُمْ فَلَها﴾ [الإسراء: ٧] بِمَعْنى عَلى، أيْ فَعَلَيْها، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وَمَن أساءَ فَعَلَيْها﴾ [فصلت: ٤٦، ٤٥ \ ١٥] . ومِن إتْيانِ اللّامِ بِمَعْنى عَلى، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ﴾ الآيَةَ [الإسراء: ١٠٩]؛ أيْ عَلَيْها، وقَوْلُهُ: ﴿فَسَلامٌ لَكَ﴾ الآيَةَ [الواقعة: ٩١] .
أيْ سَلامٌ عَلَيْكَ عَلى ما قالَهُ بَعْضُ العُلَماءِ. ونَظِيرُ ذَلِكَ مِن كَلامِ العَرَبِ: قَوْلُ جابِرٍ التَّغْلِبِيِّ، أوْ شُرَيْحٍ العَبْسِيِّ، أوْ زُهَيْرٍ المُزْنِيِّ أوْ غَيْرِهِمْ:
؎تَناوَلَهُ بِالرُّمْحِ ثُمَّ انْثَنى لَهُ فَخَرَّ صَرِيعًا لِلْيَدَيْنِ ولِلْفَمِ
أيْ عَلى اليَدَيْنِ وعَلى الفَمِ. والتَّعْبِيرُ بِهَذِهِ اللّامِ في هَذِهِ الآيَةِ لِلْمُشاكَلَةِ. كَما قَدَّمْنا في نَحْوِ: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ﴾ الآيَةَ [الشورى: ٤٠]، ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا (p-١٥)عَلَيْهِ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٩٤] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾
الآيَةَ. جَوابُ إذا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مَحْذُوفٌ، وهو الَّذِي تَتَعَلَّقُ بِهِ اللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَسُوءُوا﴾ [الإسراء: ٧] وتَقْدِيرُهُ: فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ بَعَثْناهم لِيَسُؤُوا وُجُوهَكم. بِدَلِيلِ قَوْلِهِ في الأُولى: ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا﴾ الآيَةَ [الإسراء: ٥]، وخَيْرُ ما يُفَسَّرُ بِهِ القُرْآنُ القُرْآنُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ في مُشْكَلِ القُرْآنِ: ونَظِيرُهُ في حَذْفِ العامِلِ قَوْلُ حُمَيْدٍ بْنِ ثَوْرٍ:
؎رَأتْنِي بِحَبَلَيْها فَصَدَّتْ مَخافَةً ∗∗∗ وفي الحَبْلِ رَوْعاءُ الفُؤادِ فَرُوقُ
أيْ: رَأتْنِي أقْبَلَتْ، أوْ مُقْبِلًا. وفي هَذا الحَرْفِ ثَلاثُ قِراءاتٍ سَبْعِيّاتٍ: قَرَأهُ عَلى الكِسائِيِّ ”لِنَسُوءَ وُجُوهَكم“ بِنُونِ العَظَمَةِ وفَتْحِ الهَمْزَةِ؛ أيْ لِنَسُوءَها بِتَسْلِيطِنا إيّاهم عَلَيْكم يَقْتُلُونَكم ويُعَذِّبُونَكم. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ وشُعْبَةُ عَنْ عاصِمٍ ”لِيَسُوءَ وُجُوهُكم“ بِالياءِ وفَتْحِ الهَمْزَةِ، والفاعِلُ ضَمِيرٌ عائِدٌ إلى اللَّهِ. أيْ لِيَسُوءَ هو - أيِ: اللَّهُ - وُجُوهَكم بِتَسْلِيطِهِ إيّاهم عَلَيْكم.
وَقَرَأهُ الباقُونَ: [الإسراء: ٧] ﴿لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾ بِالياءِ وضَمِّ الهَمْزَةِ بَعْدَها واوُ الجَمْعِ الَّتِي هي فاعِلُ الفِعْلِ، ونَصَبَهُ فَحَذَفَ النُّونَ، وضَمِيرُ الفاعِلِ الَّذِي هو الواوُ عائِدٌ إلى الَّذِينَ بَعَثَهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ لِيَسْؤُوا وُجُوهَهم بِأنْواعِ العَذابِ والقَتْلِ.
17:8Page 283
عَسَىٰ رَبُّكُمۡ أَن يَرۡحَمَكُمۡۚ وَإِنۡ عُدتُّمۡ عُدۡنَاۚ وَجَعَلۡنَا جَهَنَّمَ لِلۡكَٰفِرِينَ حَصِيرًا ٨
[Then Allāh said], "It is expected, [if you repent], that your Lord will have mercy upon you. But if you return [to sin], We will return [to punishment]. And We have made Hell, for the disbelievers, a prison-bed."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ عُدْتُمْ عُدْنا﴾ .
لَمّا بَيَّنَ جَلَّ وعَلا أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ قَضى إلَيْهِمْ في الكِتابِ أنَّهم يُفْسِدُونَ في الأرْضِ مَرَّتَيْنِ، وأنَّهُ إذا جاءَ وعْدُ الأُولى مِنهُما: بَعَثَ عَلَيْهِمْ عِبادًا لَهُ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ، فاحْتَلُّوا بِلادَهم وعَذَّبُوهم. وأنَّهُ إذا جاءَ وعْدُ المَرَّةِ الآخِرَةِ: بَعَثَ عَلَيْهِمْ قَوْمًا لِيَسُوءُوا وُجُوهَهم، ولِيَدْخُلُوا المَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أوَّلَ مَرَّةٍ، ولِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيرًا.
وَبَيَّنَ أيْضًا: أنَّهم إنْ عادُوا لِلْإفْسادِ المَرَّةَ الثّالِثَةَ فَإنَّهُ جَلَّ وعَلا يَعُودُ لِلِانْتِقامِ مِنهم بِتَسْلِيطِ أعْدائِهِمْ عَلَيْهِمْ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَإنْ عُدْتُمْ عُدْنا﴾ [الإسراء: ٨] ولَمْ يُبَيِّنْ هُنا: هَلْ عادُوا لِلْإفْسادِ المَرَّةَ الثّالِثَةَ أوْ لا ؟
وَلَكِنَّهُ أشارَ في آياتٍ أُخَرَ إلى أنَّهم عادُوا لِلْإفْسادِ بِتَكْذِيبِ الرَّسُولِ ﷺ، وكَتْمِ صِفاتِهِ ونَقْضِ عُهُودِهِ، ومُظاهَرَةِ عَدُّوهُ عَلَيْهِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أفْعالِهِمُ القَبِيحَةِ. فَعادَ اللَّهُ جَلَّ وعَلا لِلِانْتِقامِ مِنهم تَصْدِيقًا لِقَوْلِهِ: ﴿وَإنْ عُدْتُمْ عُدْنا﴾ [الإسراء: ٨] فَسَلِّطَ عَلَيْهِمْ نَبِيَّهُ ﷺ والمُسْلِمِينَ، فَجَرى عَلى بَنِي قُرَيْظَةَ، والنَّضِيرِ، وبَنِي قَيْنُقاعَ (p-١٦)وَخَيْبَرَ ما جَرى مِنَ القَتْلِ والسَّبْيِ والإجْلاءِ، وضَرْبِ الجِزْيَةِ عَلى مَن بَقِيَ مِنهم، وضَرْبِ الذِّلَّةِ والمَسْكَنَةِ.
فَمِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهم عادُوا لِلْإفْسادِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَمّا جاءَهم كِتابٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهم وكانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الكافِرِينَ﴾ ﴿بِئْسَما اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم أنْ يَكْفُرُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ فَباءُوا بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ [البقرة: ٨٩، ٩٠]، وقَوْلُهُ: ﴿أوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٠٠]، وقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنهُمْ﴾ الآيَةَ [المائدة: ١٣]، ونَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَمِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ تَعالى عادَ لِلِانْتِقامِ مِنهم، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ مِن دِيارِهِمْ لِأوَّلِ الحَشْرِ ما ظَنَنْتُمْ أنْ يَخْرُجُوا وظَنُّوا أنَّهم مانِعَتُهم حُصُونُهم مِنَ اللَّهِ فَأتاهُمُ اللَّهُ مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهم بِأيْدِيهِمْ وأيْدِي المُؤْمِنِينَ فاعْتَبِرُوا ياأُولِي الأبْصارِ﴾ ﴿وَلَوْلا أنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الجَلاءَ لَعَذَّبَهم في الدُّنْيا ولَهم في الآخِرَةِ عَذابُ النّارِ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم شاقُّوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ومَن يُشاقِّ اللَّهَ فَإنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ [الحشر: ٢ - ٣، ٤٦]، وتَعالى: ﴿وَأنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهم مِن أهْلِ الكِتابِ مِن صَياصِيهِمْ وقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وتَأْسِرُونَ فَرِيقًا وأوْرَثَكم أرْضَهم ودِيارَهم وأمْوالَهم وأرْضًا لَمْ تَطَئُوها﴾ الآيَةَ [الأحزاب: ٢٦، ٢٧]، ونَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَتَرَكْنا بَسْطَ قِصَّةِ الَّذِينَ سُلِّطُوا عَلَيْهِمْ في المَرَّتَيْنِ، لِأنَّها أخْبارٌ إسْرائِيلِيَّةٌ، وهي مَشْهُورَةٌ في كُتُبِ التَّفْسِيرِ والتّارِيخِ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيرًا﴾.
في قَوْلِهِ: ﴿حَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨] في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ وجْهانِ مِنَ التَّفْسِيرِ مَعْرُوفانِ عِنْدَ العُلَماءِ، كُلٌّ مِنهُما يَشْهَدُ لِمَعْناهُ قُرْآنٌ. وقَدْ قَدَّمْنا في تَرْجَمَةِ هَذا الكِتابِ المُبارَكِ: أنَّ الآيَةَ قَدْ يَكُونُ فِيها وجْهانِ أوْ أوْجُهٌ، وكُلُّها صَحِيحٌ ويَشْهَدُ لَهُ قُرْآنٌ؛ فَنُورِدُ جَمِيعَ ذَلِكَ لِأنَّهُ كُلَّهُ حَقٌّ:
الأوَّلُ: أنَّ الحَصِيرَ: المَحْبَسُ والسِّجْنُ؛ مِنَ الحَصْرِ وهو الحَبْسُ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: يُقالُ حَصَرَهُ يَحْصُرُهُ حَصْرًا: ضَيَّقَ عَلَيْهِ، وأحاطَ بِهِ. وهَذا الوَجْهُ يَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ (p-١٧)تَعالى: ﴿وَإذا أُلْقُوا مِنها مَكانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا﴾ [الفرقان: ١٣]، ونَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ مَعْنى ﴿حَصِيرًا﴾؛ أيْ: فِراشًا ومِهادًا، مِنَ الحَصِيرِ الَّذِي يُفْرَشُ؛ لِأنَّ العَرَبَ تُسَمِّي البِساطَ الصَّغِيرَ حَصِيرًا. قالَ الثَّعْلَبِيُّ: وهو وجْهٌ حَسَنٌ. ويَدُلُّ لِهَذا الوَجْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهم مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ ومِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ٤١]، ونَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. والمِهادُ: الفِراشُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences