Ash-ShinqitiAl‑Isra · 17:58–66

Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic

Al-Isra 17:58–66

17:58Page 287

وَإِن مِّن قَرۡيَةٍ إِلَّا نَحۡنُ مُهۡلِكُوهَا قَبۡلَ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ أَوۡ مُعَذِّبُوهَا عَذَابٗا شَدِيدٗاۚ كَانَ ذَٰلِكَ فِي ٱلۡكِتَٰبِ مَسۡطُورٗا ٥٨

And there is no city but that We will destroy it1 before the Day of Resurrection or punish it with a severe punishment. That has ever been in the Register2 inscribed.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ مِن قَرْيَةٍ إلّا نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ أوْ مُعَذِّبُوها عَذابًا شَدِيدًا كانَ ذَلِكَ في الكِتابِ مَسْطُورًا﴾ .

قالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ حَذْفُ الصِّفَةِ، أيْ: وإنْ مِن قَرْيَةٍ ظالِمَةٍ إلّا نَحْنُ مُهْلِكُوها. وهَذا النَّعْتُ المَحْذُوفُ دَلَّتْ عَلَيْهِ آياتٌ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى؛

• كَقَوْلِهِ: ﴿وَما كُنّا مُهْلِكِي القُرى إلّا وأهْلُها ظالِمُونَ﴾ [القصص: ٥٩]،

• وقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ أنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ وأهْلُها غافِلُونَ﴾ [الأنعام: ١٣١]، أيْ بَلْ لا بُدَّ أنْ تُنْذِرَهُمُ الرُّسُلُ فَيَكْفُرُوا بِهِمْ وبِرَبِّهِمْ،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ وأهْلُها مُصْلِحُونَ﴾ [هود: ١١٧]،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أمْرِ رَبِّها ورُسُلِهِ فَحاسَبْناها حِسابًا شَدِيدًا وعَذَّبْناها عَذابًا نُكْرًا﴾ ﴿فَذاقَتْ وبالَ أمْرِها وكانَ عاقِبَةُ أمْرِها خُسْرًا﴾ [الطلاق: ٨، ٩]

إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

وَغايَةُ ما في هَذا القَوْلِ حَذْفُ النَّعْتِ مَعَ وُجُودِ أدِلَّةٍ تَدُلُّ عَلَيْهِ، ونَظِيرُهُ في القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكانَ وراءَهم مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: ٧٩]، أيْ كُلَّ سَفِينَةٍ صالِحَةٍ؛ بِدَلِيلِ أنَّ خَرْقَ الخَضِرِ لِلسَّفِينَةِ الَّتِي رَكِبَ فِيها هو ومُوسى يُرِيدُ بِهِ سَلامَتَها مِن أخْذِ المَلِكِ لَها؛ لِأنَّهُ لا يَأْخُذُ المَعِيبَةَ الَّتِي فِيها الخَرْقُ وإنَّما يَأْخُذُ الصَّحِيحَةَ، ومِن حَذْفِ النَّعْتِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا الآنَ جِئْتَ بِالحَقِّ﴾ [البقرة: ٧١]؛ أيْ بِالحَقِّ الواضِحِ الَّذِي لا لَبْسَ مَعَهُ في صِفاتِ البَقَرَةِ المَطْلُوبَةِ، ونَظِيرُهُ مِن كَلامِ العَرَبِ قَوْلُ الشّاعِرِ، وهو المُرَقَّشُ الأكْبَرُ:

؎(p-١٦٤)وَرُبَّ أسِيلَةِ الخَدَّيْنِ بِكْرٍ مُهَفْهَفَةٍ لَها فَرْعٌ وجِيدُ

أيْ فَرْعٌ فاحِمٌ وجِيدٌ طَوِيلٌ.

وَقَوْلُ عَبِيدِ بْنِ الأبْرَصِ:

؎مَن قَوْلُهُ قَوْلٌ ومَن فِعْلُهُ ∗∗∗ فِعْلٌ ومَن نائِلُهُ نائِلُ

أيْ قَوْلُهُ قَوْلٌ فَصْلٌ، وفِعْلُهُ فِعْلٌ جَمِيلٌ، ونائِلُهُ نائِلٌ جَزِيلٌ، وإلى هَذا أشارَ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ:

؎وَما مِنَ المَنعُوتِ والنَّعْتِ عُقِلْ ∗∗∗ يَجُوزُ حَذْفُهُ وفي النَّعْتِ يَقِلْ

وَقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: الآيَةُ عامَّةٌ، فالقَرْيَةُ الصّالِحَةُ إهْلاكُها بِالمَوْتِ، والقَرْيَةُ الطّالِحَةُ إهْلاكُها بِالعَذابِ، ولا شَكَّ أنَّ كُلَّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ، والمُرادُ بِالكِتابِ: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، والمَسْطُورُ: المَكْتُوبُ. ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:

؎مَن شاءَ بايَعْتُهُ مالِي وخُلْعَتَهُ ما ∗∗∗ تُكْمِلُ التَيْمُ في دِيوانِها سَطَرا

وَما يَرْوِيهِ مُقاتِلٌ عَنْ كِتابِ الضَّحّاكِ بْنِ مُزاحِمٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: مِن أنَّ مَكَّةَ تُخَرِّبُها الحَبَشَةُ، وتَهْلِكُ المَدِينَةُ بِالجُوعِ، والبَصْرَةُ بِالغَرَقِ، والكُوفَةُ بِالتُّرْكِ، والجِبالُ بِالصَّواعِقِ والرَّواجِفِ، وأمّا خُراسانُ فَهَلاكُها ضُرُوبٌ، ثُمَّ ذَكَرَ بَلَدًا بَلَدًا - لا يَكادُ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ لا أساسَ لَهُ مِنَ الصِّحَّةِ، وكَذَلِكَ ما يُرْوى عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ: أنَّ الجَزِيرَةَ آمِنَةٌ مِنَ الخَرابِ حَتّى تُخَرَّبَ أرْمِينِيَةُ، وأرْمِينِيَةُ آمِنَةٌ حَتّى تُخَرَّبَ مِصْرُ، ومِصْرُ آمِنَةٌ حَتّى تُخَرَّبَ الكُوفَةُ، ولا تَكُونُ المَلْحَمَةُ الكُبْرى حَتّى تُخَرَّبَ الكُوفَةُ، فَإذا كانَتِ المَلْحَمَةُ الكُبْرى فُتِحَتْ قُسْطَنْطِينَةُ عَلى يَدِ رَجُلٍ مِن بَنِي هاشِمٍ، وخَرابُ الأنْدَلُسِ مِن قِبَلِ الزِّنْجِ، وخَرابُ إفْرِيقِيَّةَ مِن قِبَلِ الأنْدَلُسِ، وخَرابُ مِصْرَ مِنَ انْقِطاعِ النِّيْلِ واخْتِلافِ الجُيُوشِ فِيها، وخَرابُ العِراقِ مِنَ الجُوعِ، وخَرابُ الكُوفَةِ مِن قِبَلِ عَدُوٍّ يَحْصُرُهم ويَمْنَعُهُمُ الشَّرابَ مِنَ الفُراتِ، وخَرابُ البَصْرَةِ مِن قَبِيلِ الغَرَقِ، وخَرابُ الأُبُلَّةِ مِن عَدُوٍّ يَحْصُرُهم بَرًّا وبَحْرًا، وخَرابُ الرَّيِّ مِنَ الدَّيْلَمِ، وخَرابُ خُراسانَ مِن قِبَلِ التِّبِتِ، وخَرابُ التِّبِتِ مِن قِبَلِ الصِّينِ، وخَرابُ الهِنْدِ واليَمَنِ مِن قِبَلِ الجَرادِ والسُّلْطانِ، وخَرابُ مَكَّةَ مِنَ الحَبَشَةِ، وخَرابُ المَدِينَةِ مِنَ الجُوعِ. اهـ.

كُلُّ ذَلِكَ لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ مِن قَبِيلِ الإسْرائِيلِيّاتِ.

17:59Page 288

وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرۡسِلَ بِٱلۡأٓيَٰتِ إِلَّآ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلۡأَوَّلُونَۚ وَءَاتَيۡنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ مُبۡصِرَةٗ فَظَلَمُواْ بِهَاۚ وَمَا نُرۡسِلُ بِٱلۡأٓيَٰتِ إِلَّا تَخۡوِيفٗا ٥٩

And nothing has prevented Us from sending signs [i.e., miracles] except that the former peoples denied them. And We gave Thamūd the she-camel as a visible sign, but they wronged her. And We send not the signs except as a warning.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها﴾

الآيَةَ، بَيَّنَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ آتى ثَمُودَ النّاقَةَ في حالِ كَوْنِها آيَةً مُبْصِرَةً، أيْ بَيِّنَةً تَجْعَلُهم يُبْصِرُونَ الحَقَّ واضِحًا لا لَبْسَ فِيهِ فَظَلَمُوا بِها، ولَمْ يُبَيِّنْ ظُلْمَهم بِها هاهُنا، ولَكِنَّهُ أوْضَحَهُ في مَواضِعَ أُخَرَ، (p-١٦٥)

• كَقَوْلِهِ: ﴿فَعَقَرُوا النّاقَةَ وعَتَوْا عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ٧٧]،

• وقَوْلِهِ: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها﴾ الآيَةَ [الشمس: ١٤]،

• وقَوْلِهِ: ﴿فَنادَوْا صاحِبَهم فَتَعاطى فَعَقَرَ﴾ [القمر: ٢٩]،

إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

17:60Page 288

وَإِذۡ قُلۡنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِٱلنَّاسِۚ وَمَا جَعَلۡنَا ٱلرُّءۡيَا ٱلَّتِيٓ أَرَيۡنَٰكَ إِلَّا فِتۡنَةٗ لِّلنَّاسِ وَٱلشَّجَرَةَ ٱلۡمَلۡعُونَةَ فِي ٱلۡقُرۡءَانِۚ وَنُخَوِّفُهُمۡ فَمَا يَزِيدُهُمۡ إِلَّا طُغۡيَٰنٗا كَبِيرٗا ٦٠

And [remember, O Muḥammad], when We told you, "Indeed, your Lord has encompassed the people."1 And We did not make the sight which We showed you2 except as a trial for the people, as was the accursed tree [mentioned] in the Qur’ān. And We threaten [i.e., warn] them, but it increases them not except in great transgression.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ قُلْنا لَكَ إنَّ رَبَّكَ أحاطَ بِالنّاسِ﴾

الآيَةَ [الإسراء: ٦٠]، بَيَّنَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ أخْبَرَ نَبِيَّهُ ﷺ أنَّهُ أحاطَ بِالنّاسِ؛ أيْ فَهم في قَبْضَتِهِ يَفْعَلُ فِيهِمْ كَيْفَ يَشاءُ فَيُسَلِّطُ نَبِيَّهُ عَلَيْهِمْ ويَحْفَظُهُ مِنهم.

قالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: ومِنَ الآياتِ الَّتِي فَصَّلَتْ بَعْضَ التَّفْصِيلِ في هَذِهِ الإحاطَةِ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥]، وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ١٢]، وقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]، وفي هَذا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ، وبَعْضُ الآياتِ المَذْكُورَةِ مَدَنِيٌّ. أمّا آيَةُ القَمَرِ وهي قَوْلُهُ: ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ﴾ [القمر: ٤٥]، الآتِيَةُ فَلا إشْكالَ في البَيانِ بِها لِأنَّها مَكِّيَّةٌ.

* *

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما جَعَلْنا الرُّؤْيا الَّتِي أرَيْناكَ إلّا فِتْنَةً لِلنّاسِ والشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ في القُرْآنِ﴾ .

التَّحْقِيقُ في مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ اللَّهَ جَلَّ وعَلا جَعَلَ ما أراهُ نَبِيَّهُ ﷺ مِنَ الغَرائِبِ والعَجائِبِ لَيْلَةَ الإسْراءِ والمِعْراجِ فِتْنَةً لِلنّاسِ؛ لِأنَّ عُقُولَ بَعْضِهِمْ ضاقَتْ عَنْ قَبُولِ ذَلِكَ، مُعْتَقِدَةً أنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ حَقًّا، قالُوا: كَيْفَ يُصَلِّي بِبَيْتِ المَقْدِسِ، ويَخْتَرِقُ السَّبْعَ الطِّباقَ، ويَرى ما رَأى في لَيْلَةٍ واحِدَةٍ، ويُصْبِحُ في مَحِلِّهِ بِمَكَّةَ ؟ هَذا مُحالٌ، فَكانَ هَذا الأمْرُ فِتْنَةً لَهم لِعَدَمِ تَصْدِيقِهِمْ بِهِ، واعْتِقادِهِمْ أنَّهُ لا يُمْكِنُ، وأنَّهُ جَلَّ وعَلا جَعَلَ الشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ في القُرْآنِ الَّتِي هي شَجَرَةُ الزَّقُّومِ فِتْنَةً لِلنّاسِ، لِأنَّهم لَمّا سَمِعُوهُ ﷺ يَقْرَأُ: ﴿إنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ في أصْلِ الجَحِيمِ﴾ الآيَةَ [الصافات: ٦٤]، قالُوا: ظَهَرَ كَذِبُهُ؛ لِأنَّ الشَّجَرَ لا يَنْبُتُ في الأرْضِ اليابِسَةِ، فَكَيْفَ يَنْبُتُ في أصْلِ النّارِ ؟ فَصارَ ذَلِكَ فِتْنَةً. وبَيَّنَ أنَّ هَذا هو المُرادُ مِن كَوْنِ الشَّجَرَةِ المَذْكُورَةِ فِتْنَةً لَهم بِقَوْلِهِ: ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ ﴿إنّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ﴾ ﴿إنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ في أصْلِ الجَحِيمِ﴾ الآيَةَ [الصافات: ٦٢ - ٦٤] وهو واضِحٌ كَما تَرى. وأشارَ في مَوْضِعٍ آخَرَ إلى الرُّؤْيا الَّتِي جَعَلَها فِتْنَةً لَهم، وهو قَوْلُهُ: ﴿أفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى﴾ ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى﴾ ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى﴾ ﴿عِنْدَها جَنَّةُ المَأْوى﴾ ﴿إذْ يَغْشى السِّدْرَةَ ما يَغْشى﴾ ﴿ما زاغَ البَصَرُ وما طَغى﴾ ﴿لَقَدْ رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ الكُبْرى﴾ [النجم: ١٢ - ١٨]، وقَدْ قَدَّمْنا إيضاحَ هَذا في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ. وبِهَذا التَّحْقِيقِ الَّذِي ذَكَرْنا تَعْلَمُ (p-١٦٦)أنَّ قَوْلَ مَن قالَ: إنَّ الرُّؤْيا الَّتِي أراهُ اللَّهُ إيّاها هي رُؤْياهُ في المَنامِ بَنِي أُمَيَّةَ عَلى مِنبَرِهِ، وإنَّ المُرادَ بِالشَّجَرَةِ المَلْعُونَةِ في القُرْآنِ بَنُو أُمَيَّةَ - لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ؛ إذْ لا أساسَ لَهُ مِنَ الصِّحَّةِ، والحَدِيثُ الوارِدُ بِذَلِكَ ضَعِيفٌ لا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ، وإنَّما وصَفَ الشَّجَرَةَ بِاللَّعْنِ لِأنَّها في أصْلِ النّارِ، وأصْلُ النّارِ بَعِيدٌ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، واللَّعْنُ: الإبْعادُ عَنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، أوْ لِخُبْثِ صِفاتِها الَّتِي وُصِفَتْ بِها في القُرْآنِ، أوْ لِلَعْنِ الَّذِينَ يَطْعَمُونَها. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

17:61Page 288

وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ قَالَ ءَأَسۡجُدُ لِمَنۡ خَلَقۡتَ طِينٗا ٦١

And [mention] when We said to the angels, "Prostrate to Adam," and they prostrated, except for Iblees.1 He said, "Should I prostrate to one You created from clay?"

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لَآدَمَ فَسَجَدُوا إلّا إبْلِيسَ قالَ أأسْجُدُ لِمَن خَلَقْتَ طِينًا﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ عَنْ إبْلِيسَ: ﴿أأسْجُدُ لِمَن خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء: ٦١]، يَدُلُّ فِيهِ إنْكارُ إبْلِيسَ لِلسُّجُودِ بِهَمْزَةِ الإنْكارِ عَلى إبائِهِ واسْتِكْبارِهِ عَنِ السُّجُودِ لِمَخْلُوقٍ مِن طِينٍ، وصَرَّحَ بِهَذا الإباءِ والِاسْتِكْبارِ في مَواضِعَ أُخَرَ، فَصَرَّحَ بِهِما مَعًا ”في البَقَرَةِ“ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا إبْلِيسَ أبى واسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤]، وصَرَّحَ بِإبائِهِ ”في الحِجْرِ“ بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا إبْلِيسَ أبى أنْ يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٣١]، وبِاسْتِكْبارِهِ في ”ص“ بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا إبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ [ص: ٧٤]، وبَيَّنَ سَبَبَ اسْتِكْبارِهِ بِقَوْلِهِ: أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ [يوسف:، ١٨ \ ٧٦]، كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ ”في البَقَرَةِ“، وقَوْلُهُ: ﴿طِينًا﴾ حالٌ؛ أيْ لِمَن خَلَقْتَهُ في حالِ كَوْنِهِ طِينًا. وتَجْوِيزُ الزَّمَخْشَرِيِّ كَوْنَهُ حالًا مِن نَفْسِ المَوْصُولِ، غَيْرُ ظاهِرٍ عِنْدِي. وقِيلَ: مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ؛ أيْ مِن طِينٍ. وقِيلَ: تَمْيِيزٌ، وهو أضْعَفُها. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

17:62Page 288

قَالَ أَرَءَيۡتَكَ هَٰذَا ٱلَّذِي كَرَّمۡتَ عَلَيَّ لَئِنۡ أَخَّرۡتَنِ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ لَأَحۡتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُۥٓ إِلَّا قَلِيلٗا ٦٢

[Iblees] said, "Do You see this one whom You have honored above me? If You delay me [i.e., my death] until the Day of Resurrection, I will surely destroy1 his descendants, except for a few."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ أرَأيْتَكَ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أخَّرْتَنِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ لَأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلّا قَلِيلًا﴾ .

ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ إبْلِيسَ اللَّعِينَ قالَ لَهُ: ﴿أرَأيْتَكَ﴾ [الإسراء: ٦٢]، أيْ أخْبِرْنِي: هَذا الَّذِي كَرَّمْتَهُ عَلَيَّ فَأمَرْتَنِي بِالسُّجُودِ لَهُ وهو آدَمُ؛ أيْ لِمَ كَرَّمْتَهُ عَلَيَّ وأنا خَيْرٌ مِنهَ. والكافُ في ﴿أرَأيْتَكَ﴾ حَرْفُ خِطابٍ، و ”هَذا“ مَفْعُولٌ بِهِ لِـ ”أرَأيْتَ“ .

والمَعْنى: أخْبِرْنِي. وقِيلَ: إنَّ الكافَ مَفْعُولٌ بِهِ، و ”هَذا“ مُبْتَدَأٌ، وهو قَوْلٌ ضَعِيفٌ. وقَوْلُهُ: ﴿لَأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ﴾ [الإسراء: ٦٢]، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَأسْتَوْلِيَنَّ عَلَيْهِمْ، وقالَهُ الفَرّاءُ. وقالَ مُجاهِدٌ: لَأحْتَوِيَنَّهم. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَأُضِلَّنَّهم. قالَ القُرْطُبِيُّ: والمَعْنى مُتَقارِبٌ. أيْ لَأسْتَأْصِلَنَّهم بِالإغْواءِ والإضْلالِ، ولَأجْتاحَنَّهم.

قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: الَّذِي يَظْهَرُ لِي في مَعْنى الآيَةِ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ﴾، أيْ لَأقُودَنَّهم إلى ما أشاءُ؛ مِن قَوْلِ العَرَبِ: احْتَنَكْتُ الفَرَسَ: إذا جَعَلْتَ الرَّسَنَ (p-١٦٧)فِي حَنَكِهِ لِتَقُودَهُ حَيْثُ شِئْتَ. تَقُولُ العَرَبُ: حَنَكْتُ الفَرَسَ أحْنُكُهُ (مِن بابِ ضَرَبَ ونَصَرَ) واحْتَنَكْتُهُ: إذا جَعَلْتَ فِيهِ الرَّسَنَ؛ لِأنَّ الرَّسَنَ يَكُونُ عَلى حَنَكِهِ. وقَوْلُ العَرَبِ: احْتَنَكَ الجَرادُ الأرْضَ: أيْ أكَلَ ما عَلَيْها. مِن هَذا القَبِيلِ؛ لِأنَّهُ يَأْكُلُ بِأفْواهِهِ، والحَنَكُ حَوْلَ الفَمِ. هَذا هو أصْلُ الِاسْتِعْمالِ في الظّاهِرِ، فالِاشْتِقاقُ في المادَّةِ مِنَ الحَنَكِ، وإنْ كانَ يُسْتَعْمَلُ في الإهْلاكِ مُطْلَقًا والِاسْتِئْصالِ؛ كَقَوْلِ الرّاجِزِ:

؎أشْكُو إلَيْكَ سَنَةً قَدْ أجْحَفَتْ جَهْدًا إلى جَهْدٍ بِنا وأضْعَفَتْ ∗∗∗ واحْتَنَكَتْ أمْوالَنا واجْتَلَفَتْ

وَهَذا الَّذِي ذَكَرَ جَلَّ وعَلا عَنْ إبْلِيسَ في هَذِهِ الآيَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ﴾ الآيَةَ [الإسراء: ٦٢]، بَيَّنَهُ أيْضًا في مَواضِعَ أُخَرَ مِن كِتابِهِ؛ كَقَوْلِهِ ﴿لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ وعَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ ولا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٦، ١٧]، وقَوْلِهِ: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٢]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ ”في سُورَةِ النِّساءِ“ وغَيْرِها.

وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ: إلّا قَلِيلًا [الإسراء: ٦٢] بَيَّنَ المُرادَ بِهَذا القَلِيلِ في مَواضِعَ أُخَرَ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٢، ٨٣]، وقَوْلِهِ: ﴿لَأُزَيِّنَنَّ لَهم في الأرْضِ ولَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: ٣٩ - ٤٠] كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ.

وَقَوْلُ إبْلِيسَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿لَأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ﴾ الآيَةَ [الإسراء: ٦٢]، قالَهُ ظَنًّا مِنهُ أنَّهُ سَيَقَعُ وقَدْ تَحَقَّقَ لَهُ هَذا الظَّنُّ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ فاتَّبَعُوهُ إلّا فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [سبإ: ٢٠] .

17:63Page 288

قَالَ ٱذۡهَبۡ فَمَن تَبِعَكَ مِنۡهُمۡ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمۡ جَزَآءٗ مَّوۡفُورٗا ٦٣

[Allāh] said, "Go, for whoever of them follows you, indeed Hell will be the recompense of [all of] you - an ample recompense.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنهم فَإنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكم جَزاءً مَوْفُورًا﴾ .

قالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿قالَ اذْهَبْ﴾ [الإسراء: ٦٣]، هَذا أمْرُ إهانَةٍ؛ أيِ اجْهَدْ جَهْدَكَ، فَقَدْ أنَظَرْناكَ ﴿فَمَن تَبِعَكَ﴾، أيْ: أطاعَكَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ ﴿فَإنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكم جَزاءً مَوْفُورًا﴾ [الإسراء: ٦٣] أيْ وافِرًا. عَنْ مُجاهِدٍ وغَيْرِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وأبُو حَيّانَ: اذْهَبْ لَيْسَ مِنَ الذَّهابِ الَّذِي هو نَقِيضُ المَجِيءِ، وإنَّما مَعْناهُ: امْضِ لِشَأْنِكَ الَّذِي اخْتَرْتَهُ. وعَقَّبَهُ بِذِكْرِ ما جَرَّهُ سُوءُ اخْتِيارِهِ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن تَبِعَكَ مِنهم فَإنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكم جَزاءً مَوْفُورًا﴾ [الإسراء: ٦٣] .

(p-١٦٨)وَهَذا الوَعِيدُ الَّذِي أُوعِدَ بِهِ إبْلِيسُ ومَن تَبِعَهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، بَيَّنَهُ أيْضًا في مَواضِعَ أُخَرَ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿قالَ فالحَقُّ والحَقَّ أقُولُ﴾ ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٤ - ٨٥]، وقَوْلِهِ: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيها هم والغاوُونَ﴾ ﴿وَجُنُودُ إبْلِيسَ أجْمَعُونَ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ.

وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: جَزاءً مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ مَنصُوبٌ بِالمَصْدَرِ قَبْلَهُ، عَلى حَدِّ قَوْلِ ابْنِ مالِكٍ في الخُلاصَةِ:

؎بِمِثْلِهِ أوْ فِعْلٍ اوْ وصْفٍ نُصِبْ وكَوْنُهُ أصْلًا لِهَذَيْنِ انْتُخِبْ

والَّذِي يَظْهَرُ لِي: أنَّ قَوْلَ مَن قالَ: إنَّ ”مَوْفُورًا“ بِمَعْنى ”وافِرٍ“ لا داعِيَ لَهُ. بَلْ ”مَوْفُورًا“ اسْمُ مَفْعُولٍ عَلى بابِهِ، مِن قَوْلِهِمْ: وفَرَ الشَّيْءَ يَفِرُهُ، فالفاعِلُ وافِرٌ، والمَفْعُولُ مَوْفُورٌ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:

؎وَمَن يَجْعَلِ المَعْرُوفَ مِن دُونِ عِرْضِهِ ∗∗∗ يَفِرْهُ ومَن لا يَتَّقِ الشَّتْمَ يُشْتَمِ

وَعَلَيْهِ: فالمَعْنى: جَزاءً مُكَمَّلًا مُتَمَّمًا. وتُسْتَعْمَلُ هَذِهِ المادَّةُ لازِمَةً أيْضًا تَقُولُ: وفَرَ مالُهُ فَهو وافِرٌ؛ أيْ كَثِيرٌ. وقَوْلُهُ: ”مَوْفُورًا“ نَعْتٌ لِلْمَصْدَرِ قَبْلَهُ كَما هو واضِحٌ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

17:64Page 288

وَٱسۡتَفۡزِزۡ مَنِ ٱسۡتَطَعۡتَ مِنۡهُم بِصَوۡتِكَ وَأَجۡلِبۡ عَلَيۡهِم بِخَيۡلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكۡهُمۡ فِي ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَوۡلَٰدِ وَعِدۡهُمۡۚ وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ إِلَّا غُرُورًا ٦٤

And incite [to senselessness] whoever you can among them with your voice and assault them with your horses and foot soldiers and become a partner in their wealth and their children and promise them." But Satan does not promise them except delusion.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنهم بِصَوْتِكَ وأجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ ورَجِلِكَ وشارِكْهم في الأمْوالِ والأوْلادِ وعِدْهم وما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إلّا غُرُورًا﴾ .

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: هَذا أمْرٌ قَدَرِيٌّ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنّا أرْسَلْنا الشَّياطِينَ عَلى الكافِرِينَ تَؤُزُّهم أزًّا﴾ [مريم: ٨٣]؛ أيْ تُزْعِجُهم إلى المَعاصِي إزْعاجًا، وتَسُوقُهم إلَيْها سَوْقًا. انْتَهى.

قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: الَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّ صِيَغَ الأمْرِ في قَوْلِهِ: ﴿واسْتَفْزِزْ﴾ [الإسراء: ٦٤]،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَأجْلِبْ﴾،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَشارِكْهُمْ﴾، إنَّما هي لِلتَّهْدِيدِ، أيِ افْعَلْ ذَلِكَ فَسَتَرى عاقِبَتَهُ الوَخِيمَةَ؛

• كَقَوْلِهِ: ﴿اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]،

وبِهَذا جَزَمَ أبُو حَيّانَ ”في البَحْرِ“، وهو واضِحٌ كَما تَرى. وقَوْلُهُ: ﴿واسْتَفْزِزْ﴾، أيِ اسْتَخِفَّ مَنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَسْتَفِزَّهُ مِنهم، فالمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ المَقامِ عَلَيْهِ، والِاسْتِفْزازُ: الِاسْتِخْفافُ. ورَجُلٌ فَزٌّ: أيْ خَفِيفٌ، ومِنهُ قِيلَ لِوَلَدِ البَقَرَةِ: فَزٌّ. لِخِفَّةِ حَرَكَتِهِ. ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:(p-١٦٩)

؎كَما اسْتَغاثَ بِسَيْءٍ فَزُّ غَيْطَلَةٍ خافَ العُيُونَ ولَمْ يَنْظُرْ بِهِ الحَشِكُ

”والسَّيْءُ“ في بَيْتِ زُهَيْرٍ بِالسِّينِ المُهْمَلَةِ مَفْتُوحَةً بَعْدَها ياءٌ ساكِنَةٌ وآخِرُهُ هَمْزٌ: اللَّبَنُ الَّذِي يَكُونُ في أطْرافِ الأخْلافِ قَبْلَ نُزُولِ الدِّرَّةِ، والحَشَكُ أصْلُهُ السُّكُونُ؛ لِأنَّهُ مَصْدَرُ حَشَكَتِ الدِّرَّةُ: إذا امْتَلَأتْ، وإنَّما حَرَّكَهُ زُهَيْرٌ لِلْوَزْنِ. والغَيْطَلَةُ هُنا: بَقَرَةُ الوَحْشِ ذاتُ اللَّبَنِ. وقَوْلُهُ؛ ﴿بِصَوْتِكَ﴾ [الإسراء: ٦٤]، قالَ مُجاهِدٌ: هو اللَّهْوُ والغِناءُ والمَزامِيرُ؛ أيِ اسْتَخِفَّ مَنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَسْتَخِفَّهُ مِنهم بِاللَّهْوِ والغِناءِ والمَزامِيرِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: صَوْتُهُ يَشْمَلُ كُلَّ داعٍ دَعا إلى مَعْصِيَةٍ؛ لِأنَّ ذَلِكَ إنَّما وقَعَ طاعَةً لَهُ. وقِيلَ: ﴿بِصَوْتِكَ﴾: أيْ وسْوَسَتِكَ. وقَوْلُهُ: ﴿وَأجْلِبْ﴾ أصْلُ الإجْلابِ: السَّوْقُ بِجَلَبَةٍ مِنَ السّائِقِ. والجَلَبَةُ: الأصْواتُ. تَقُولُ العَرَبُ: أجْلَبَ عَلى فَرَسِهِ، وجَلَبَ عَلَيْهِ: إذا صاحَ بِهِ مِن خَلْفٍ واسْتَحَثَّهُ لِلسَّبْقِ. والخَيْلُ تُطْلَقُ عَلى نَفْسِ الأفْراسِ، وعَلى الفَوارِسِ الرّاكِبِينَ عَلَيْها، وهو المُرادُ في الآيَةِ. والرَّجْلُ: جَمْعُ راجِلٍ، كَما قَدَّمْنا أنَّ التَّحْقِيقَ: جَمْعُ ”الفاعِلِ“ وصْفًا عَلى ”فَعْلٍ“ بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ، وأوْضَحْنا أمْثِلَتَهُ بِكَثْرَةٍ، واخْتَرْنا أنَّهُ جَمْعٌ مَوْجُودٌ أغْفَلَهُ الصَّرْفِيُّونَ؛ إذْ لَيْسَتْ فَعْلٌ - بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ - عِنْدَهم مِن صِيَغِ الجُمُوعِ، فَيَقُولُونَ فِيما ورَدَ مِن ذَلِكَ كَراجِلٍ ورَجْلٍ، وصاحِبٍ وصَحْبٍ، وراكِبٍ ورَكْبٍ، وشارِبٍ وشَرْبٍ: إنَّهُ اسْمُ جَمْعٍ لا جَمْعٌ، وهو خِلافُ التَّحْقِيقِ.

وَقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ﴿وَرَجِلِكَ﴾ [الإسراء: ٦٤] بِكَسْرِ الجِيمِ - لُغَةٌ في الرَّجْلِ جَمْعِ راجِلٍ.

وَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هَذِهِ القِراءَةُ عَلى أنَّ ”فَعِلًا“ بِمَعْنى ”فاعِلٍ“ نَحْوَ تَعِبٍ وتاعِبٍ ومَعْناهُ: ”وَجَمْعِكَ الرَّجِلِ“ . اهـ؛ أيْ: الماشِينَ عَلى أرْجُلِهِمْ.

﴿وَشارِكْهم في الأمْوالِ والأولادِ﴾ [الإسراء: ٦٤]، أمّا مُشارَكَتُهُ لَهم في الأمْوالِ فَعَلى أصْنافٍ: (مِنها) ما حَرَّمُوا عَلى أنْفُسِهِمْ مِن أمْوالِهِمْ طاعَةً لَهُ؛ كالبَحائِرِ والسَّوائِبِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وما يَأْمُرُهم بِهِ مِن إنْفاقِ الأمْوالِ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى، وما يَأْمُرُهم بِهِ مِنِ اكْتِسابِ الأمْوالِ بِالطُّرُقِ المُحَرَّمَةِ شَرْعًا كالرِّبا والغَصْبِ وأنْواعِ الخِياناتِ؛ لِأنَّهم إنَّما فَعَلُوا ذَلِكَ طاعَةً لَهُ.

وَأمّا مُشارَكَتُهُ لَهم في الأوْلادِ فَعَلى أصْنافٍ أيْضًا:

مِنها قَتْلُهم بَعْضَ أوْلادِهِمْ طاعَةً لَهُ.

(p-١٧٠)وَمِنها أنَّهم يُمَجِّسُونَ أوْلادَهم ويُهَوِّدُونَهم ويُنَصِّرُونَهم طاعَةً لَهُ ومُوالاةً.

وَمِنها تَسْمِيَتُهم أوْلادَهم عَبْدَ الحارِثِ وعَبْدَ شَمْسٍ وعَبْدَ العُزّى ونَحْوَ ذَلِكَ، لِأنَّهم بِذَلِكَ سَمَّوْا أوْلادَهم عَبِيدًا لِغَيْرِ اللَّهِ؛ طاعَةً لَهُ، ومِن ذَلِكَ أوْلادُ الزِّنى؛ لِأنَّهم إنَّما تَسَبَّبُوا في وُجُودِهِمْ بِارْتِكابِ الفاحِشَةِ؛ طاعَةً لَهُ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ.

فَإذا عَرَفْتَ هَذا فاعْلَمْ أنَّ اللَّهَ قَدْ بَيَّنَ في آياتٍ مِن كِتابِهِ بَعْضَ ما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ مِن مُشارَكَةِ الشَّيْطانِ لَهم في الأمْوالِ والأوْلادِ، كَقَوْلِهِ: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أوْلادَهم سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِراءً عَلى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٠] فَقَتْلُهم أوْلادَهُمُ المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ طاعَةً لِلشَّيْطانِ مُشارَكَةٌ مِنهُ لَهم في أوْلادِهِمْ حَيْثُ قَتَلُوهم في طاعَتِهِ. وكَذَلِكَ تَحْرِيمُ بَعْضِ ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ المَذْكُورُ في الآيَةِ طاعَةً لَهُ مُشارَكَةٌ مِنهُ لَهم في أمْوالِهِمْ أيْضًا؛ وكَقَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمّا ذَرَأ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ نَصِيبًا فَقالُوا هَذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وهَذا لِشُرَكائِنا﴾ الآيَةَ [الأنعام: ١٣٦]، وكَقَوْلِهِ: ﴿وَقالُوا هَذِهِ أنْعامٌ وحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُها إلّا مَن نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ وأنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها وأنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها افْتِراءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٨]، وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ لَكم مِن رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنهُ حَرامًا وحَلالًا قُلْ آللَّهُ أذِنَ لَكم أمْ عَلى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

وَمِنَ الأحادِيثِ المُبَيِّنَةِ بَعْضَ مُشارَكَتِهِ لَهم فِيما ذُكِرَ، ما ثَبَتَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ عِياضِ بْنِ حِمارٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ إنِّي خَلَقْتُ عِبادِي حُنَفاءَ فَجاءَتْهُمُ الشَّياطِينُ فاجْتالَتْهم عَنْ دِينِهِمْ، وحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ ما أحْلَلْتُ لَهم»، وما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: «لَوْ أنَّ أحَدَكم إذا أرادَ أنْ يَأْتِيَ أهْلَهُ فَقالَ بِسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنا الشَّيْطانَ، وجَنِّبِ الشَّيْطانَ ما رَزَقْتَنا، فَإنَّهُ إنْ يُقَدَّرْ بَيْنَهُما ولَدٌ في ذَلِكَ لَمْ يَضُرُّهُ شَيْطانٌ» انْتَهى.

فاجْتِيالُ الشَّياطِينِ لَهم عَنْ دِينِهِمْ، وتَحْرِيمُها عَلَيْهِمْ ما أحَلَّ اللَّهُ لَهم (في الحَدِيثِ الأوَّلِ) وضُرُّها لَهم لَوْ تَرَكُوا التَّسْمِيَةَ (في الحَدِيثِ الثّانِي) كُلُّ ذَلِكَ مِن أنْواعِ مُشارَكَتِهِمْ فِيهِمْ. وقَوْلُهُ: ”فاجْتالَتْهم“ أصْلُهُ افْتَعَلَ مِنَ الجَوَلانِ؛ أيِ اسْتَخَفَّتْهُمُ الشَّياطِينُ فَجالُوا مَعَهم في الضَّلالِ. يُقالُ: جالَ واجْتالَ: إذا ذَهَبَ وجاءَ، ومِنهُ الجَوَلانُ في الحَرْبِ، واجْتالَ الشَّيْءَ: إذا ذَهَبَ بِهِ وساقَهُ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. والأمْرُ في قَوْلِهِ: وعِدْهم؛ (p-١٧١)كالأمْرِ في قَوْلِهِ: ﴿واسْتَفْزِزْ﴾، وقَوْلِهِ: ﴿وَأجْلِبْ﴾، وقَدْ قَدَّمْنا أنَّهُ لِلتَّهْدِيدِ.

وَقَوْلُهُ: ﴿وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إلّا غُرُورًا﴾ [الإسراء: ٦٤] بَيَّنَ فِيهِ أنَّ مَواعِيدَ الشَّيْطانِ كُلَّها غُرُورٌ وباطِلٌ؛ كَوَعْدِهِ لَهم بِأنَّ الأصْنامَ تَشْفَعُ لَهم وتُقَرِّبُهم عِنْدَ اللَّهِ زُلْفى، وأنَّ اللَّهَ لَمّا جَعَلَ لَهُمُ المالَ والوَلَدَ في الدُّنْيا سَيَجْعَلُ لَهم مِثْلَ ذَلِكَ في الآخِرَةِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَواعِيدِ الكاذِبَةِ.

وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى هَذا المَعْنى في مَواضِعَ أُخَرَ؛

• كَقَوْلِهِ: ﴿يَعِدُهم ويُمَنِّيهِمْ وما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إلّا غُرُورًا﴾ [النساء: ١٢٠]،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَلَكِنَّكم فَتَنْتُمْ أنْفُسَكم وتَرَبَّصْتُمْ وارْتَبْتُمْ وغَرَّتْكُمُ الأمانِيُّ حَتّى جاءَ أمْرُ اللَّهِ وغَرَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ [الحديد: ١٤]،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَقالَ الشَّيْطانُ لَمّا قُضِيَ الأمْرُ إنَّ اللَّهَ وعَدَكم وعْدَ الحَقِّ ووَعَدْتُكم فَأخْلَفْتُكُمْ﴾ [إبراهيم: ٢٢]،

إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

17:65Page 288

إِنَّ عِبَادِي لَيۡسَ لَكَ عَلَيۡهِمۡ سُلۡطَٰنٞۚ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلٗا ٦٥

Indeed, over My [believing] servants there is for you no authority. And sufficient is your Lord as Disposer of affairs.1

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾

الآيَةَ [الإسراء: ٦٥]، بَيَّنَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ عِبادَهُ الصّالِحِينَ لا سُلْطانَ لِلشَّيْطانِ عَلَيْهِمْ، فالظّاهِرُ أنَّ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ حَذْفُ الصِّفَةِ كَما قَدَّرْنا، ويَدُلُّ عَلى الصِّفَةِ المَحْذُوفَةِ إضافَتُهُ العِبادَ إلَيْهِ إضافَةَ تَشْرِيفٍ، وتَدُلُّ لِهَذِهِ الصِّفَةِ المُقَدَّرَةِ أيْضًا آياتٌ أُخَرُ؛

• كَقَوْلِهِ: ﴿إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: ٤٠]،

• وقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ﴿إنَّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ والَّذِينَ هم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٩٩ - ١٠٠]،

• وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢]،

إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ؛ كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ.

17:66Page 288

رَّبُّكُمُ ٱلَّذِي يُزۡجِي لَكُمُ ٱلۡفُلۡكَ فِي ٱلۡبَحۡرِ لِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦٓۚ إِنَّهُۥ كَانَ بِكُمۡ رَحِيمٗا ٦٦

It is your Lord who drives the ship for you through the sea that you may seek of His bounty. Indeed, He is ever, to you, Merciful.

No commentary for this ayah

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском