Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic
Al-Isra 17:67–80
17:67Page 289
وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فِي ٱلۡبَحۡرِ ضَلَّ مَن تَدۡعُونَ إِلَّآ إِيَّاهُۖ فَلَمَّا نَجَّىٰكُمۡ إِلَى ٱلۡبَرِّ أَعۡرَضۡتُمۡۚ وَكَانَ ٱلۡإِنسَٰنُ كَفُورًا ٦٧
And when adversity touches you at sea, lost are [all] those you invoke except for Him. But when He delivers you to the land, you turn away [from Him]. And ever is man ungrateful.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ في البَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إلّا إيّاهُ فَلَمّا نَجّاكم إلى البَرِّ أعْرَضْتُمْ وكانَ الإنْسانُ كَفُورًا﴾ ﴿أفَأمِنتُمْ أنْ يَخْسِفَ بِكم جانِبَ البَرِّ أوْ يُرْسِلَ عَلَيْكم حاصِبًا ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم وكِيلًا﴾ ﴿أمْ أمِنتُمْ أنْ يُعِيدَكم فِيهِ تارَةً أُخْرى فَيُرْسِلَ عَلَيْكم قاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكم بِما كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم عَلَيْنا بِهِ تَبِيعًا﴾ .
بَيَّنَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآياتِ الكَرِيمَةِ: أنَّ الكُفّارَ إذا مَسَّهُمُ الضُّرُّ في البَحْرِ؛ أيِ اشْتَدَّتْ عَلَيْهِمُ الرِّيحُ فَغَشِيَتْهم أمْواجُ البَحْرِ كَأنَّها الجِبالُ، وظَنُّوا أنَّهم لا خَلاصَ لَهم مِن ذَلِكَ - ضَلَّ عَنْهم؛ أيْ غابَ عَنْ أذْهانِهِمْ وخَواطِرِهِمْ في ذَلِكَ الوَقْتِ كُلُّ ما كانُوا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ جَلَّ وعَلا، فَلا يَدْعُونَ في ذَلِكَ الوَقْتِ إلّا اللَّهَ جَلَّ وعَلا وحْدَهُ، لِعِلْمِهِمْ أنَّهُ لا يُنْقِذُ مِن ذَلِكَ الكَرْبِ وغَيْرِهِ مِنَ الكُرُوبِ إلّا هو وحْدَهُ جَلَّ وعَلا، (p-١٧٢)فَأخْلَصُوا العِبادَةَ والدُّعاءَ لَهُ وحْدَهُ في ذَلِكَ الحِينِ الَّذِي أحاطَ بِهِمْ فِيهِ هَوْلُ البَحْرِ، فَإذا نَجّاهُمُ اللَّهُ وفَرَّجَ عَنْهم، ووَصَلُوا البَرَّ رَجَعُوا إلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا نَجّاكم إلى البَرِّ أعْرَضْتُمْ وكانَ الإنْسانُ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٦٧] .
وَهَذا المَعْنى المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أوْضَحَهُ اللَّهُ جَلَّ وعَلا في آياتٍ كَثِيرَةٍ؛
• كَقَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكم في البَرِّ والبَحْرِ حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ وجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وجاءَهُمُ المَوْجُ مِن كُلِّ مَكانٍ وظَنُّوا أنَّهم أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أنْجَيْتَنا مِن هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ ﴿فَلَمّا أنْجاهم إذا هم يَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ [يونس: ٢٢ - ٢٣]،
• وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ مَن يُنَجِّيكم مِن ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وخُفْيَةً لَئِنْ أنْجانا مِن هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ ﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكم مِنها ومِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٦٣ - ٦٤]،
• وقَوْلِهِ: ﴿فَإذا رَكِبُوا في الفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ إذا هم يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَإذا غَشِيَهم مَوْجٌ كالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ فَمِنهم مُقْتَصِدٌ وما يَجْحَدُ بِآياتِنا إلّا كُلُّ خَتّارٍ كَفُورٍ﴾ [لقمان: ٣٢]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيبًا إلَيْهِ ثُمَّ إذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُو إلَيْهِ مِن قَبْلُ وجَعَلَ لِلَّهِ أنْدادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الزمر: ٨]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ كَما قَدَّمْنا إيضاحَهُ ”في سُورَةِ الأنْعامِ“ وغَيْرِها.
ثُمَّ إنَّ اللَّهَ جَلَّ وعَلا بَيَّنَ في هَذا المَوْضِعِ الَّذِي نَحْنُ بِصَدَدِهِ سَخافَةَ عُقُولِ الكُفّارِ، وأنَّهم إذا وصَلُوا إلى البَرِّ ونَجَوْا مِن هَوْلِ البَحْرِ رَجَعُوا إلى كُفْرِهِمْ آمِنِينَ عَذابَ اللَّهِ، مَعَ أنَّهُ قادِرٌ عَلى إهْلاكِهِمْ بَعْدَ وُصُولِهِمْ إلى البِرِّ، بِأنْ يَخْسِفَ بِهِمْ جانِبَ البَرِّ الَّذِي يَلِي البَحْرَ فَتَبْتَلِعَهُمُ الأرْضُ، أوْ يُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنَ السَّماءِ فَتُهْلِكَهم، أوْ يُعِيدَهم مَرَّةً أُخْرى في البَحْرِ فَتُغْرِقَهم أمْواجُهُ المُتَلاطِمَةُ، كَما قالَ هُنا مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ أمْنَهم وكُفْرَهم بَعْدَ وُصُولِ البَرِّ: ﴿أفَأمِنتُمْ أنْ يَخْسِفَ بِكم جانِبَ البَرِّ أوْ يُرْسِلَ عَلَيْكم حاصِبًا﴾ [الإسراء: ٦٨] وهو المَطَرُ أوِ الرِّيحُ اللَّذَيْنِ فِيهِما الحِجارَةُ ﴿أمْ أمِنتُمْ أنْ يُعِيدَكم فِيهِ تارَةً أُخْرى فَيُرْسِلَ عَلَيْكم قاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكم بِما كَفَرْتُمْ﴾ [الإسراء: ٦٩]؛ أيْ بِسَبَبِ كُفْرِكم، فالباءُ سَبَبِيَّةٌ، و ”ما“ مَصْدَرِيَّةٌ. والقاصِفُ: رِيحُ البِحارِ الشَّدِيدَةُ الَّتِي تَكْسِرُ المَراكِبَ وغَيْرَها. ومِنهُ قَوْلُ أبِي تَمامٍ:
؎إنَّ الرِّياحَ إذا ما أعْصَفَتْ قَصَفَتْ عِيدانَ نَجْدٍ ولا يَعْبَأْنَ بِالرَّتَمِ
يَعْنِي: إذا ما هَبَّتْ بِشِدَّةٍ كَسَرَتْ عِيدانَ شَجَرِ نَجْدٍ؛ رَتَمًا كانَ أوْ غَيْرَهُ.
(p-١٧٣)وَهَذا المَعْنى الَّذِي بَيَّنَهُ جَلَّ وعَلا هُنا مِن قُدْرَتِهِ عَلى إهْلاكِهِمْ في غَيْرِ البَحْرِ بِخَسْفٍ أوْ عَذابٍ مِنَ السَّماءِ - أوْضَحَهُ في مَواضِعَ أُخَرَ؛
• كَقَوْلِهِ: ﴿إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ أوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّماءِ﴾ الآيَةَ [سبإ: ٩]،
• وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ هو القادِرُ عَلى أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكم عَذابًا مِن فَوْقِكم أوْ مِن تَحْتِ أرْجُلِكُمْ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ٦٥]،
• وقَوْلِهِ: ﴿أأمِنتُمْ مَن في السَّماءِ أنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأرْضَ فَإذا هي تَمُورُ﴾ ﴿أمْ أمِنتُمْ مَن في السَّماءِ أنْ يُرْسِلَ عَلَيْكم حاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الملك: ١٦ - ١٧]،
• وقَوْلِهِ ”في قَوْمِ لُوطٍ“: ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِبًا إلّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهم بِسَحَرٍ﴾ [القمر: ٣٤]،
• وقَوْلِهِ: ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن طِينٍ﴾ [الذاريات: ٣٣]
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
والحاصِبُ في هَذِهِ الآيَةِ قَدْ قَدَّمْنا أنَّهُ قِيلَ: إنَّها السَّحابَةُ أوِ الرِّيحُ، وكِلا القَوْلَيْنِ صَحِيحٌ؛ لِأنَّ كُلَّ رِيحٍ شَدِيدَةٍ تَرْمِي بِالحَصْباءِ تُسَمّى حاصِبًا وحَصْبَةً، وكُلُّ سَحابَةٍ تَرْمِي بِالبَرَدِ تُسَمّى حاصِبًا أيْضًا؛ ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقَ:
؎مُسْتَقْبِلِينَ شَمالَ الشّامِ يَضْرِبُنا ∗∗∗ بِحاصِبٍ كَنَدِيفِ القُطْنِ مَنثُورِ
وَقَوْلُ لَبِيدٍ:
؎جَرَّتْ عَلَيْها أنْ خَوَتْ مِن أهْلِها ∗∗∗ أذْيالَها كُلُّ عُصُوفٍ حَصِبَهْ
وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم عَلَيْنا بِهِ تَبِيعًا﴾ [الإسراء: ٩٦]، ”فَعِيلٌ“ بِمَعْنى ”فاعِلٍ“ . أيْ تابِعًا يَتْبَعُنا بِالمُطالَبَةِ بِثَأْرِكم؛ كَقَوْلِهِ ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهم بِذَنْبِهِمْ فَسَوّاها﴾ ﴿وَلا يَخافُ عُقْباها﴾ [الشمس: ١٤، ١٥]، أيْ لا يَخافُ عاقِبَةَ تَبِعَةٍ تَلْحَقُهُ بِذَلِكَ. وكُلُّ مُطالِبٍ بَدِينٍ أوْ ثَأْرٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ تُسَمِّيهِ العَرَبُ تَبِيعًا، ومِنهُ قَوْلُ الشَّمّاخِ يَصِفُ عُقابًا:
؎تَلُوذُ ثَعالِبُ الشَّرَفَيْنِ مِنها ∗∗∗ كَما لاذَ الغَرِيمُ مِنَ التَّبِيعِ
أيْ: كَعِياذِ المَدِينِ مِن صاحِبِ الدَّيْنِ الَّذِي يُطالِبُهُ بِغُرْمِهِ مِنهُ.
وَمِنهُ قَوْلُ الآخَرِ:
؎غَدَوْا وغَدَتْ غِزْلانُهم وكَأنَّها ∗∗∗ ضَوامِنُ غُرْمٍ لَهُنَّ تَبِيعُ
أيْ خَصْمُهُنَّ مُطالَبٌ بَدِينٍ.
وَمِن هَذا القَبِيلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاتِّباعٌ بِالمَعْرُوفِ وأداءٌ إلَيْهِ بِإحْسانٍ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٧٨]، وقَوْلُهُ ﷺ: «إذا أُتْبِعَ أحَدُكم عَلى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ» وهَذا هو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ: ”تَبِيعًا“ أيْ نَصِيرًا، وقَوْلِ مُجاهِدٍ: نَصِيرًا ثائِرًا.
* *
(p-١٧٤)تَنْبِيهٌ
لا يَخْفى عَلى النّاظِرِ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ اللَّهَ ذَمَّ الكُفّارَ وعاتَبَهم بِأنَّهم في وقْتِ الشَّدائِدِ والأهْوالِ خاصَّةً يُخْلِصُونَ العِبادَةَ لَهُ وحْدَهُ، ولا يَصْرِفُونَ شَيْئًا مِن حَقِّهِ لِمَخْلُوقٍ، وفي وقْتِ الأمْنِ والعافِيَةِ يُشْرِكُونَ بِهِ غَيْرَهُ في حُقُوقِهِ الواجِبَةِ لَهُ وحْدَهُ، الَّتِي هي عِبادَتُهُ وحْدَهُ في جَمِيعِ أنْواعِ العِبادَةِ، ويُعْلَمُ مِن ذَلِكَ أنَّ بَعْضَ جَهَلَةِ المُتَسَمِّينَ بِاسْمِ الإسْلامِ أسْوَأُ حالًا مِن عَبَدَةِ الأوْثانِ، فَإنَّهم إذا دَهَمَتْهُمُ الشَّدائِدُ، وغَشِيَتْهُمُ الأهْوالُ والكُرُوبُ التَجَئُوا إلى غَيْرِ اللَّهِ مِمَّنْ يَعْتَقِدُونَ فِيهِ الصَّلاحَ، في الوَقْتِ الَّذِي يُخْلِصُ فِيهِ الكُفّارُ العِبادَةَ لِلَّهِ، مَعَ أنَّ اللَّهَ جَلَّ وعَلا أوْضَحَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ أنَّ إجابَةَ المُضْطَرِّ وإنْجاءَهُ مِنَ الكَرْبِ مِن حُقُوقِهِ الَّتِي لا يُشارِكُهُ فِيها غَيْرُهُ.
وَمِن أوْضَحِ الأدِلَّةِ في ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ”في سُورَةِ النَّمْلِ“: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ﴾ أمْ ما ﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ لَكم مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هم قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ ﴿أمَّنْ جَعَلَ الأرْضَ قَرارًا وجَعَلَ خِلالَها أنْهارًا وجَعَلَ لَها رَواسِيَ وجَعَلَ بَيْنَ البَحْرَيْنِ حاجِزًا أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿أمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ إذا دَعاهُ ويَكْشِفُ السُّوءَ﴾ الآياتِ [الصافات: ٢٧] ٥٩ - ٦٢، فَتَراهُ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآياتِ الكَرِيماتِ جَعَلَ إجابَةَ المُضْطَرِّ إذا دَعا وكَشْفَ السُّوءِ عَنْهُ مِن حَقِّهِ الخالِصِ الَّذِي لا يُشارِكُهُ فِيهِ أحَدٌ؛ كَخَلْقِهِ السَّمَواتِ والأرْضَ، وإنْزالِهِ الماءَ مِنَ السَّماءِ، وإنْباتِهِ بِهِ الشَّجَرَ، وجَعْلِهِ الأرْضَ قَرارًا، وجَعْلِهِ خِلالَها أنْهارًا، وجَعْلِهِ لَها رَواسِيَ، وجَعْلِهِ بَيْنَ البَحْرَيْنِ حاجِزًا، إلى آخَرِ ما ذَكَرَ في هَذِهِ الآياتِ مِن غَرائِبِ صُنْعِهِ وعَجائِبِهِ الَّتِي لا يُشارِكُهُ فِيها أحَدٌ؛ سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
وَهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآياتِ الكَرِيماتِ: كانَ سَبَبَ إسْلامِ عِكْرِمَةَ بْنِ أبِي جَهْلٍ؛ فَإنَّهُ لِما فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ ذَهَبَ فارًّا مِنهُ إلى بِلادِ الحَبَشَةِ، فَرَكِبَ في البَحْرِ مُتَوَجِّهًا إلى الحَبَشَةِ، فَجاءَتْهم رِيحٌ عاصِفٌ فَقالَ القَوْمُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: إنَّهُ لا يُغْنِي عَنْكم إلّا أنْ تَدْعُوا اللَّهَ وحْدَهُ، فَقالَ عِكْرِمَةُ في نَفْسِهِ: واللَّهِ إنْ كانَ لا يَنْفَعُ في البَحْرِ غَيْرُهُ فَإنَّهُ لا يَنْفَعُ في البَرِّ غَيْرُهُ، اللَّهُمَّ لَكَ عَلَيَّ عَهْدٌ، لَئِنْ أخْرَجْتَنِي مِنهُ لَأذْهَبَنَّ فَلَأضَعَنَّ يَدِيَ في يَدِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَلَأجِدَنَّهُ رَءُوفًا رَحِيمًا. فَخَرَجُوا مِنَ البَحْرِ، فَخَرَجَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأسْلَمَ وحَسُنَ إسْلامُهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. اهـ.
(p-١٧٥)والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿بِهِ تَبِيعًا﴾ [الإسراء: ٦٩] راجِعٌ إلى الإهْلاكِ بِالإغْراقِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَيُغْرِقَكم بِما كَفَرْتُمْ﴾ [الإسراء: ٦٩]، أيْ لا تَجِدُونَ تَبِيعًا يَتْبَعُنا بِثَأْرِكم بِسَبَبِ ذَلِكَ الإغْراقِ.
وَقالَ صاحِبُ رُوحِ المَعانِي: وضَمِيرُ ”بِهِ“ قِيلَ لِلْإرْسالِ، وقِيلَ لِلْإغْراقِ، وقِيلَ لَهُما بِاعْتِبارِ ما وقَعَ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
17:68Page 289
أَفَأَمِنتُمۡ أَن يَخۡسِفَ بِكُمۡ جَانِبَ ٱلۡبَرِّ أَوۡ يُرۡسِلَ عَلَيۡكُمۡ حَاصِبٗا ثُمَّ لَا تَجِدُواْ لَكُمۡ وَكِيلًا ٦٨
Then do you feel secure that [instead] He will not cause a part of the land to swallow you or send against you a storm of stones? Then you would not find for yourselves an advocate.
No commentary for this ayah
17:69Page 289
أَمۡ أَمِنتُمۡ أَن يُعِيدَكُمۡ فِيهِ تَارَةً أُخۡرَىٰ فَيُرۡسِلَ عَلَيۡكُمۡ قَاصِفٗا مِّنَ ٱلرِّيحِ فَيُغۡرِقَكُم بِمَا كَفَرۡتُمۡ ثُمَّ لَا تَجِدُواْ لَكُمۡ عَلَيۡنَا بِهِۦ تَبِيعٗا ٦٩
Or do you feel secure that He will not send you back into it [i.e., the sea] another time and send upon you a hurricane of wind and drown you for what you denied?1 Then you would not find for yourselves against Us an avenger.2
No commentary for this ayah
17:70Page 289
۞ وَلَقَدۡ كَرَّمۡنَا بَنِيٓ ءَادَمَ وَحَمَلۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ وَرَزَقۡنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَفَضَّلۡنَٰهُمۡ عَلَىٰ كَثِيرٖ مِّمَّنۡ خَلَقۡنَا تَفۡضِيلٗا ٧٠
And We have certainly honored the children of Adam and carried them on the land and sea and provided for them of the good things and preferred them over much of what We have created, with [definite] preference.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ﴾ .
قالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: مِن تَكْرِيمِهِ لِبَنِي آدَمَ خَلْقُهُ لَهم عَلى أكْمَلِ الهَيْئاتِ وأحْسَنِها، فَإنَّ الإنْسانَ يَمْشِي قائِمًا مُنْتَصِبًا عَلى رِجْلَيْهِ، ويَأْكُلُ بِيَدَيْهِ، وغَيْرُهُ مِنَ الحَيَواناتِ يَمْشِي عَلى أرْبَعٍ، ويَأْكُلُ بِفَمِهِ.
وَمِمّا يَدُلُّ لِهَذا مِنَ القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤]، وقَوْلُهُ: ﴿وَصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [غافر: ٦٤] وفي الآيَةِ كَلامٌ غَيْرُ هَذا، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَحَمَلْناهم في البَرِّ والبَحْرِ﴾
الآيَةَ، أيْ في البِرِّ عَلى الأنْعامِ، وفي البَحْرِ عَلى السُّفُنِ.
والآياتُ المُوَضِّحَةُ لِذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وَعَلَيْها وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ [المؤمنون: ٢٢]، وقَوْلِهِ: ﴿والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها وجَعَلَ لَكم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ﴾ [الزخرف: ١٢]، وقَدْ قَدَّمْنا هَذا مُسْتَوْفًى بِإيضاحٍ ”في سُورَةِ النَّحْلِ“ .
17:71Page 289
يَوۡمَ نَدۡعُواْ كُلَّ أُنَاسِۭ بِإِمَٰمِهِمۡۖ فَمَنۡ أُوتِيَ كِتَٰبَهُۥ بِيَمِينِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ يَقۡرَءُونَ كِتَٰبَهُمۡ وَلَا يُظۡلَمُونَ فَتِيلٗا ٧١
[Mention, O Muḥammad], the Day We will call forth every people with their record [of deeds].1 Then whoever is given his record in his right hand - those will read their records, and injustice will not be done to them, [even] as much as a thread [inside the date seed].
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ﴾ .
قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: المُرادُ ”بِإمامِهِمْ“ هُنا كِتابُ أعْمالِهِمْ.
وَيَدُلُّ لِهَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْناهُ في إمامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ١٢]، وقَوْلُهُ: ﴿وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إلى كِتابِها اليَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٨]، وقَوْلُهُ: ﴿وَوُضِعَ الكِتابُ فَتَرى المُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ﴾ الآيَةَ [الكهف: ٤٩]، وقَوْلُهُ: ﴿وَكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ ونُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا﴾ [الإسراء: ١٣]، واخْتارَ هَذا القَوْلَ ابْنُ كَثِيرٍ؛ لِدَلالَةِ آيَةِ ”يس“ المَذْكُورَةِ عَلَيْهِ. وهَذا القَوْلُ رِوايَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ذَكَرَها ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ، وعَزاهُ ابْنُ كَثِيرٍ لِابْنِ عَبّاسٍ وأبِي العالِيَةِ والضَّحّاكِ والحَسَنِ، وعَنْ قَتادَةَ ومُجاهِدٍ: أنَّ المُرادَ بِـ ﴿بِإمامِهِمْ﴾ نَبِيُّهم.
(p-١٧٦)وَيَدُلُّ لِهَذا القَوْلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإذا جاءَ رَسُولُهم قُضِيَ بَيْنَهم بِالقِسْطِ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ [يونس: ٤٧]، وقَوْلُهُ: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ الآيَةَ [النساء: ٤١]، وقَوْلُهُ: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ في كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ وجِئْنا بِكَ شَهِيدًا عَلى هَؤُلاءِ﴾ الآيَةَ [النحل: ٨٩]، وقَوْلُهُ: ﴿وَأشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِ رَبِّها ووُضِعَ الكِتابُ وجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ والشُّهَداءِ﴾ الآيَةَ [الزمر: ٦٩] .
قالَ بَعْضُ السَّلَفِ: وفي هَذا أكْبَرُ شَرَفٍ لِأصْحابِ الحَدِيثِ؛ لِأنَّ إمامَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ .
وَقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: ﴿بِإمامِهِمْ﴾؛ أيْ بِكِتابِهِمُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلى نَبِيِّهِمْ مِنَ التَّشْرِيعِ؛ ومِمَّنْ قالَ بِهِ: ابْنُ زَيْدٍ، واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وَقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ﴾ [الإسراء: ٧١]، أيْ نَدْعُو كُلَّ قَوْمٍ بِمَن يَأْتَمُّونَ بِهِ، فَأهْلُ الإيمانِ أئِمَّتُهُمُ الأنْبِياءُ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ، وأهْلُ الكُفْرِ أئِمَّتُهم سادَتُهم وكُبَراؤُهم مِن رُؤَساءِ الكَفَرَةِ؛ كَما قالَ تَعالى: ﴿وَجَعَلْناهم أئِمَّةً يَدْعُونَ إلى النّارِ﴾ الآيَةَ [القصص: ٤١]، وهَذا الأخِيرُ أظْهَرُ الأقْوالِ عِنْدِي، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
فَقَدْ رَأيْتَ أقْوالَ العُلَماءِ في هَذِهِ الآيَةِ وما يَشْهَدُ لَها مِن قُرْآنٍ، وقَوْلُهُ بَعْدَ هَذا: ﴿فَمَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الإسراء: ٧١]، مِنَ القَرائِنِ الدّالَّةِ عَلى تَرْجِيحِ ما اخْتارَهُ ابْنُ كَثِيرٍ مِن أنَّ الإمامَ في هَذِهِ الآيَةِ كِتابُ الأعْمالِ.
وَذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ الَّذِينَ يُؤْتَوْنَ كِتابَهم بِأيْمانِهِمْ يَقْرَءُونَهُ ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا.
وَقَدْ أوْضَحَ هَذا في مَواضِعَ أُخَرَ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩] - إلى قَوْلِهِ - ﴿وَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٥]، وقَدْ قَدَّمْنا هَذا مُسْتَوْفًى في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ.
وَقَوْلُ مَن قالَ: إنَّ المُرادَ بِـ ﴿بِإمامِهِمْ﴾ كَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ ”أُمَّهاتُهم“ أيْ يُقالُ: يا فُلانُ ابْنَ فُلانَةٍ - قَوْلٌ باطِلٌ بِلا شَكٍّ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «يُرْفَعُ يَوْمَ القِيامَةِ لِكُلِّ غادِرٍ لِواءٌ فَيُقالُ هَذِهِ غَدْرَةُ فُلانِ ابْنِ فُلانٍ» .
17:72Page 289
وَمَن كَانَ فِي هَٰذِهِۦٓ أَعۡمَىٰ فَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ أَعۡمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلٗا ٧٢
And whoever is blind1 in this [life] will be blind in the Hereafter and more astray in way.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن كانَ في هَذِهِ أعْمى فَهو في الآخِرَةِ أعْمى وأضَلُّ سَبِيلًا﴾ .
المُرادُ بِالعَمى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: عَمى القَلْبِ لا عَمى العَيْنِ، ويَدُلُّ لِهَذا قَوْلُهُ تَعالى: (p-١٧٧)﴿فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]؛ لِأنَّ عَمى العَيْنِ مَعَ إبْصارِ القَلْبِ لا يَضُرُّ، بِخِلافِ العَكْسِ؛ فَإنَّ أعْمى العَيْنِ يَتَذَكَّرُ فَتَنْفَعُهُ الذِّكْرى بِبَصِيرَةِ قَلْبِهِ، قالَ تَعالى: ﴿عَبَسَ وتَوَلّى﴾ ﴿أنْ جاءَهُ الأعْمى﴾ ﴿وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكّى﴾ ﴿أوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى﴾ [عبس: ١ - ٤] .
؎إذا بَصُرَ القَلْبُ المُرُوءَةَ والتُّقى فَإنَّ عَمى العَيْنَيْنِ لَيْسَ يَضِيرُ
وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما لَمّا عَمِيَ في آخِرِ عُمْرِهِ كَما رُوِيَ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ، كَما ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ وغَيْرُهُ:
؎إنْ يَأْخُذِ اللَّهُ مِن عَيْنِي نُورَهُما ∗∗∗ فَفي لِسانِي وقَلْبِي مِنهُما نُورُ ∗∗∗ قَلْبِي ذَكِيٌّ وعَقْلِي غَيْرُ ذِي دَخَلٍ ∗∗∗ وفي فَمِي صارِمٌ كالسَّيْفِ مَأْثُورُ
وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿فَهُوَ في الآخِرَةِ أعْمى وأضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٢]، قالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: لَيْسَتِ الصِّيغَةُ صِيغَةَ تَفْضِيلٍ، بَلِ المَعْنى فَهو في الآخِرَةِ أعْمى كَذَلِكَ لا يَهْتَدِي إلى نَفْعٍ، وبِهَذا جَزَمَ الزَّمَخْشَرِيُّ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: الَّذِي يَتَبادَرُ إلى الذِّهْنِ أنَّ لَفْظَةَ ”أعْمى“ الثّانِيَةَ صِيغَةُ تَفْضِيلٍ؛ أيْ هو أشَدُّ عَمًى في الآخِرَةِ.
وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَهُ: ﴿وَأضَلُّ سَبِيلًا﴾؛ فَإنَّها صِيغَةُ تَفْضِيلٍ بِلا نِزاعٍ. والمُقَرَّرُ في عِلْمِ العَرَبِيَّةِ: أنَّ صِيغَتَيِ التَّعَجُّبِ وصِيغَةَ التَّفْضِيلِ لا يَأْتِيانِ مِن فِعْلٍ، الوَصْفُ مِنهُ عَلى ”أفْعَلَ“ الَّذِي أُنْثاهُ فَعْلاءُ؛ كَما أشارَ لَهُ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ:
؎وَغَيْرِ ذِي وصْفٍ يُضاهِي أشْهَلا
والظّاهِرُ أنَّ ما وُجِدَ في كَلامِ العَرَبِ مَصُوغًا مِن صِيغَةِ تَفْضِيلٍ أوْ تَعَجُّبٍ غَيْرَ مُسْتَوْفٍ لِلشُّرُوطِ، أنَّهُ يُحْفَظُ ولا يُقاسُ عَلَيْهِ؛ كَما أشارَ لَهُ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ:
؎وَبِالنُّدُورِ احْكم لِغَيْرِ ما ذُكِرْ ∗∗∗ ولا تَقِسْ عَلى الَّذِي مِنهُ أُثِرْ
وَمِن أمْثِلَةِ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
؎ما في المَعالِي لَكم ظِلٌّ ولا ثَمَرُ ∗∗∗ وفي المَخازِي لَكم أشْباحُ أشْياخِ ∗∗∗ أمّا المُلُوكُ فَأنْتَ اليَوْمَ ألْأمُهم ∗∗∗ لُؤْمًا وأبْيَضُهم سِرْبالَ طَبّاخِ
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّ قَوْلَهُ في هَذا البَيْتِ ”وَأبْيَضُهم سِرْبالَ طَبّاخِ“ لَيْسَ صِيغَةَ (p-١٧٨)تَفْضِيلٍ، بَلِ المَعْنى أنْتَ وحْدَكَ الأبْيَضُ سِرْبالَ طَبّاخٍ مِن بَيْنِهِمْ.
17:73Page 289
وَإِن كَادُواْ لَيَفۡتِنُونَكَ عَنِ ٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ لِتَفۡتَرِيَ عَلَيۡنَا غَيۡرَهُۥۖ وَإِذٗا لَّٱتَّخَذُوكَ خَلِيلٗا ٧٣
And indeed, they were about to tempt you away from that which We revealed to you in order to [make] you invent about Us something else; and then they would have taken you as a friend.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وإذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾ .
رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّها نَزَلَتْ في المُشْرِكِينَ مِن قُرَيْشٍ، قالُوا لَهُ ﷺ: لا نَدَعُكَ تَسْتَلِمُ الحَجَرَ الأسْوَدَ حَتّى تُلِمَّ بِآلِهَتِنا، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عَطاءٍ: أنَّها نَزَلَتْ في وفْدِ ثَقِيفٍ، أتَوُا النَّبِيَّ فَسَألُوهُ شَطَطًا، قالُوا: مَتِّعْنا بِآلِهَتِنا سَنَةً حَتّى نَأْخُذَ ما يُهْدى لَها، وحَرِّمْ وادِيَنا كَما حَرَّمْتَ مَكَّةَ. إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأقْوالِ في سَبَبِ نُزُولِها، وعَلى كُلِّ حالٍ فالعِبْرَةُ بِعُمُومِ الألْفاظِ لا بِخُصُوصِ الأسْبابِ.
وَمَعْنى الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ الكُفّارَ كادُوا يَفْتِنُونَهُ، أيْ قارَبُوا ذَلِكَ. ومَعْنى يَفْتِنُونَكَ: يُزِلُّونَكَ عَنِ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ مِمّا لَمْ نُوحِهِ إلَيْكَ.
قالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: قارَبُوا ذَلِكَ في ظَنِّهِمْ لا فِيما في نَفْسِ الأمْرِ، وقِيلَ: مَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ خَطَرَ في قَلْبِهِ ﷺ أنْ يُوافِقَهم في بَعْضِ ما أحَبُّوا لِيَجُرَّهم إلى الإسْلامِ لِشِدَّةِ حِرْصِهِ عَلى إسْلامِهِمْ.
وَبَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: أنَّهم طَلَبُوا مِنهُ الإتْيانَ بِغَيْرِ ما أُوحِيَ إلَيْهِ، وأنَّهُ امْتَنَعَ أشَدَّ الِامْتِناعِ، وقالَ لَهم: إنَّهُ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَأْتِيَ بِشَيْءٍ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ؛ بَلْ يَتَّبِعُ ما أوْحى إلَيْهِ رَبُّهُ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [يونس: ١٥]، وقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَإنْ كادُوا﴾ [الإسراء: ٧٣]، هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وهي هُنا مُهْمَلَةٌ، واللّامُ هي الفارِقَةُ بَيْنَها وبَيْنَ إنِ النّافِيَةِ، كَما قالَ في الخُلاصَةِ:
؎وَخُفِّفَتْ إنَّ فَقَلَّ العَمَلُ وتَلْزَمُ اللّامُ إذا ما تُهْمَلُ
والغالِبُ أنَّها لا تَكُونُ كَذَلِكَ مَعَ فِعْلٍ إلّا إنْ كانَ ناسِخًا كَما في هَذِهِ الآيَةِ، قالَ في الخُلاصَةِ:
؎والفِعْلُ إنْ لَمْ يَكُ ناسِخًا فَلا ∗∗∗ تُلْفِيهِ غالِبًا بِإنْ ذِي مُوصَلا
كَما هو مَعْرُوفٌ في النَّحْوِ.
17:74Page 289
وَلَوۡلَآ أَن ثَبَّتۡنَٰكَ لَقَدۡ كِدتَّ تَرۡكَنُ إِلَيۡهِمۡ شَيۡـٔٗا قَلِيلًا ٧٤
And if We had not strengthened you, you would have almost inclined to them a little.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ ﴿إذًا لَأذَقْناكَ ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيرًا﴾ .
بَيَّنَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ تَثْبِيتَهُ لِنَبِيِّهِ ﷺ، وعِصْمَتَهُ لَهُ مِنَ الرُّكُونِ إلى الكُفّارِ، وأنَّهُ لَوْ رَكَنَ إلَيْهِمْ لَأذاقَهُ ضِعْفَ الحَياةِ (p-١٧٩)وَضِعْفَ المَماتِ؛ أيْ: مِثْلَيْ عَذابِ الحَياةِ في الدُّنْيا ومِثْلَيْ عَذابِ المَماتِ في الآخِرَةِ، وبِهَذا جَزَمَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ. وقالَ بَعْضُهم: المُرادُ بِضِعْفِ عَذابِ المَماتِ: العَذابُ المُضاعَفُ في القَبْرِ. والمُرادُ بِضِعْفِ الحَياةِ: العَذابُ المُضاعَفُ في الآخِرَةِ بَعْدَ حَياةِ البَعْثِ، وبِهَذا جَزَمَ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ. والآيَةُ تَشْمَلُ الجَمِيعَ.
وَهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ هُنا مِن شِدَّةِ الجَزاءِ لِنَبِيِّهِ - لَوْ خالَفَ - بَيَّنَهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ﴾ ﴿لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ الآيَةَ [الحاقة: ٤٤ - ٤٦] .
وَهَذا الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ مِن أنَّهُ إذا كانَتِ الدَّرَجَةُ أعْلى كانَ الجَزاءُ عِنْدَ المُخالَفَةِ أعْظَمَ - بَيَّنَهُ في مَوْضِعٍ آخَرَ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿يانِساءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ الآيَةَ [الأحزاب: ٣٠] .، ولَقَدْ أجادَ مَن قالَ:
؎وَكَبائِرُ الرَّجُلِ الصَّغِيرِ صَغائِرُ وصَغائِرُ الرَّجُلِ الكَبِيرِ كَبائِرُ
تَنْبِيهٌ
هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ أوْضَحَتْ غايَةَ الإيضاحِ بَراءَةَ نَبِيِّنا ﷺ مِن مُقارَبَةِ الرُّكُونِ إلى الكُفّارِ، فَضْلًا عَنْ نَفْسِ الرُّكُونِ؛ لِأنَّ لَوْلا [الإسراء: ٧٤] حَرْفُ امْتِناعٍ لِوُجُودٍ؛ فَمُقارَبَةُ الرُّكُونِ مَنَعَتْها لَوْلا الِامْتِناعِيَّةُ لِوُجُودِ التَّثْبِيتِ مِنَ اللَّهِ جَلَّ وعَلا لِأكْرَمِ خَلْقِهِ ﷺ، فَصَحَّ يَقِينًا انْتِفاءُ مُقارَبَةِ الرُّكُونِ فَضْلًا عَنِ الرُّكُونِ نَفْسِهِ. وهَذِهِ الآيَةُ تُبَيِّنُ ما قَبْلَها، وأنَّهُ لَمْ يُقارِبِ الرُّكُونَ إلَيْهِمُ البَتَّةَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا﴾ [الإسراء: ٧٤]، أيْ قارَبْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ - هو عَيْنُ المَمْنُوعِ بِـ لَوْلا الِامْتَناعِيَّةِ كَما تَرى، ومَعْنى ﴿تَرْكَنُ إلَيْهِمْ﴾: تَمِيلُ إلَيْهِمْ.
17:75Page 289
إِذٗا لَّأَذَقۡنَٰكَ ضِعۡفَ ٱلۡحَيَوٰةِ وَضِعۡفَ ٱلۡمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيۡنَا نَصِيرٗا ٧٥
Then [if you had], We would have made you taste double [punishment in] life and double [after] death. Then you would not find for yourself against Us a helper.
No commentary for this ayah
17:76Page 290
وَإِن كَادُواْ لَيَسۡتَفِزُّونَكَ مِنَ ٱلۡأَرۡضِ لِيُخۡرِجُوكَ مِنۡهَاۖ وَإِذٗا لَّا يَلۡبَثُونَ خِلَٰفَكَ إِلَّا قَلِيلٗا ٧٦
And indeed, they were about to provoke [i.e., drive] you from the land [i.e., Makkah] to evict you therefrom. And then [when they do], they will not remain [there] after you, except for a little.1
No commentary for this ayah
17:77Page 290
سُنَّةَ مَن قَدۡ أَرۡسَلۡنَا قَبۡلَكَ مِن رُّسُلِنَاۖ وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحۡوِيلًا ٧٧
[That is Our] established way for those We had sent before you of Our messengers; and you will not find in Our way any alteration.
No commentary for this ayah
17:78Page 290
أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمۡسِ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيۡلِ وَقُرۡءَانَ ٱلۡفَجۡرِۖ إِنَّ قُرۡءَانَ ٱلۡفَجۡرِ كَانَ مَشۡهُودٗا ٧٨
Establish prayer at the decline of the sun [from its meridian] until the darkness of the night1 and [also] the Qur’ān [i.e., recitation] of dawn.2 Indeed, the recitation of dawn is ever witnessed.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾
الآيَةَ، قَدْ بَيَّنّا ”في سُورَةِ النِّساءِ“: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ الكَرِيمَةَ مِنَ الآياتِ الَّتِي أشارَتْ لِأوْقاتِ الصَّلاةِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] أيْ لِزَوالِها عَلى التَّحْقِيقِ، فَيَتَناوَلُ وقْتَ الظُّهْرِ والعَصْرِ؛ بِدَلِيلِ الغايَةِ في قَوْلِهِ: ﴿إلى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾؛ أيْ ظَلامِهِ، وذَلِكَ يَشْمَلُ وقْتَ المَغْرِبِ والعِشاءِ. وقَوْلُهُ: ﴿وَقُرْآنَ الفَجْرِ﴾، أيْ صَلاةَ الصُّبْحِ، كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ وأشَرْنا لِلْآياتِ المُشِيرَةِ لِأوْقاتِ الصَّلَواتِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وَأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ الآيَةَ [هود: ١١٤]، وقَوْلِهِ: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ الآيَةَ [الروم: ١٧] . وأقَمْنا بَيانَ ذَلِكَ (p-١٨٠)مِنَ السُّنَّةِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلى المُؤْمِنِينَ كِتابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]، فَراجِعْهُ هُناكَ إنْ شِئْتَ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
17:79Page 290
وَمِنَ ٱلَّيۡلِ فَتَهَجَّدۡ بِهِۦ نَافِلَةٗ لَّكَ عَسَىٰٓ أَن يَبۡعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامٗا مَّحۡمُودٗا ٧٩
And from [part of] the night, pray1 with it [i.e., recitation of the Qur’ān] as additional [worship] for you; it is expected that2 your Lord will resurrect you to a praised station.3
No commentary for this ayah
17:80Page 290
وَقُل رَّبِّ أَدۡخِلۡنِي مُدۡخَلَ صِدۡقٖ وَأَخۡرِجۡنِي مُخۡرَجَ صِدۡقٖ وَٱجۡعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلۡطَٰنٗا نَّصِيرٗا ٨٠
And say, "My Lord, cause me to enter a sound entrance1 and to exit a sound exit2 and grant me from Yourself a supporting authority."
No commentary for this ayah
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences