Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic
Al-Kahf 18:28–30
18:28Page 297
وَٱصۡبِرۡ نَفۡسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ رَبَّهُم بِٱلۡغَدَوٰةِ وَٱلۡعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجۡهَهُۥۖ وَلَا تَعۡدُ عَيۡنَاكَ عَنۡهُمۡ تُرِيدُ زِينَةَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَا تُطِعۡ مَنۡ أَغۡفَلۡنَا قَلۡبَهُۥ عَن ذِكۡرِنَا وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ وَكَانَ أَمۡرُهُۥ فُرُطٗا ٢٨
And keep yourself patient [by being] with those who call upon their Lord in the morning and the evening, seeking His face [i.e., acceptance]. And let not your eyes pass beyond them, desiring adornments of the worldly life, and do not obey one whose heart We have made heedless of Our remembrance and who follows his desire and whose affair is ever [in] neglect.1
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ﴾ .
أمَرَ اللَّهُ جَلَّ وعَلا نَبِيَّهُ ﷺ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنْ يَصْبِرَ نَفْسَهُ، أيْ: يَحْبِسَها مَعَ المُؤْمِنِينَ الَّذِي يَدْعُونَ رَبَّهم أوَّلَ النَّهارِ وآخِرَهُ مُخْلِصِينَ لَهُ، لا يُرِيدُونَ بِدُعائِهِمْ إلّا رِضاهُ جَلَّ وعَلا.
وَقَدْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ في فُقَراءِ المُهاجِرِينَ كَعَمّارٍ، وصُهَيْبٍ، وبِلالٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ ونَحْوِهِمْ، لَمّا أرادَ صَنادِيدُ الكُفّارِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ أنْ يَطْرُدَهم عَنْهُ، ويُجالِسَهم بِدُونِ حُضُورِ أُولَئِكَ الفُقَراءِ المُؤْمِنِينَ، وقَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ ”الأنْعامِ“ أنَّ اللَّهَ كَما أمَرَهُ هُنا بِأنْ يَصْبِرَ نَفْسَهُ مَعَهم أمْرَهُ بِألّا يَطْرُدَهم، وأنَّهُ إذا رَآهم يُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ وما مِن حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهم فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ - إلى قَوْلِهِ - ﴿وَإذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ٥٢ - ٥٤]، وقَدْ أشارَ إلى ذَلِكَ المَعْنى في قَوْلِهِ: ﴿عَبَسَ وتَوَلّى أنْ جاءَهُ الأعْمى وما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكّى أوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى أمّا مَنِ اسْتَغْنى فَأنْتَ لَهُ تَصَدّى وما عَلَيْكَ ألّا يَزَّكّى وأمّا مَن جاءَكَ يَسْعى وهو يَخْشى فَأنْتَ عَنْهُ تَلَهّى كَلّا﴾ [عبس: ١ - ١١]، وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ ما طَلَبَهُ الكُفّارُ مِن نَبِيِّنا ﷺ مِن طَرْدِهِ فُقَراءَ المُؤْمِنِينَ وضُعَفاءَهم تَكَبُّرًا عَلَيْهِمْ وازْدِراءً بِهِمْ، طَلَبَهُ أيْضًا قَوْمُ نُوحٍ مِن نُوحٍ عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأنَّهُ امْتَنَعَ مِن طَرْدِهِمْ أيْضًا، كَقَوْلِهِ تَعالى عَنْهم: ﴿قالُوا أنُؤْمِنُ لَكَ واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١١]، وقَوْلُـهُ عَنْهم أيْضًا: ﴿وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ﴾ [هود: ٢٧]، وقالَ عَنْ نُوحٍ في امْتِناعِهِ مِن طَرْدِهِمْ: ﴿وَما أنا بِطارِدِ المُؤْمِنِينَ إنْ أنا إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الشعراء: ١١٤]، وكَقَوْلِهِ تَعالى عَنْهُ: ﴿وَما أنا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ ولَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ ويا قَوْمِ مَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ طَرَدْتُهم أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [هود: ٢٩ - ٣٠] .
وَقَوْلُـهُ: ﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ﴾ [الكهف: ٢٨]، فِيهِ الدَّلِيلُ عَلى أنَّ مادَّةَ الصَّبْرِ تَتَعَدّى بِنَفْسِها لِلْمَفْعُولِ، ونَظِيرُ ذَلِكَ مِن كَلامِ العَرَبِ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ أوْ عَنْتَرَةَ:
؎فَصَبَرَتْ عارِفَةً بِذَلِكَ حُرَّةً تَرْسُو إذا نَفْسُ الجَبانِ تَطَلَّعُ
والغَداةُ: أوَّلُ النَّهارِ، والعَشِيُّ: آخِرُهُ. وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ:
(p-٢٦٤)﴿يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ﴾، أيْ: يُصَلُّونَ صَلاةَ الصُّبْحِ والعَصْرِ، والتَّحْقِيقُ أنَّ الآيَةَ تَشْمَلُ أعَمَّ مِن مُطْلَقِ الصَّلاةِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهم تُرِيدُ زِينَةَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ .
نَهى اللَّهُ جَلَّ وعَلا نَبِيَّهُ ﷺ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنْ تَعْدُوَ عَيْناهُ عَنْ ضُعَفاءِ المُؤْمِنِينَ وفُقَرائِهِمْ، طُمُوحًا إلى الأغْنِياءِ وما لَدَيْهِمْ مِن زِينَةِ الحَياةِ الدُّنْيا، ومَعْنى ﴿وَلا تَعْدُ عَيْناكَ﴾ [الكهف: ٢٨]، أيْ: لا تَتَجاوَزُهم عَيْناكَ وتَنْبُو عَنْ رَثاثَةِ زِيِّهِمْ، مُحْتَقِرًا لَهم طامِحًا إلى أهْلِ الغِنى والجاهِ والشَّرَفِ بَدَلًا مِنهم، وعَدا يَعْدُو: تَتَعَدّى بِنَفْسِها إلى المَفْعُولِ وتَلْزَمُ، والجُمْلَةُ في قَوْلِهِ: ﴿تُرِيدُ زِينَةَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ في مَحَلِّ حالٍ والرّابِطُ الضَّمِيرُ، عَلى حَدِّ قَوْلِهِ في الخُلاصَةِ:
؎وَذاتُ بَدْءٍ بِمُضارِعِ ثَبَتْ حَوَتْ ضَمِيرًا ومِنَ الواوِ خَلَتْ
وَصاحِبُ الحالِ المَذْكُورَةِ هو الضَّمِيرُ المُضافُ إلَيْهِ في قَوْلِهِ: ”عَيْناكَ“، وإنَّما ساغَ ذَلِكَ لِأنَّ المُضافَ هُنا جُزْءٌ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ، عَلى حَدِّ قَوْلِهِ في الخُلاصَةِ:
وَلا تُجِزْ حالًا مِنَ المُضافِ لَهْ إلّا إذا اقْتَضى المُضافُ عَمَلَهُ أوْ كانَ جُزْءَ ما لَهُ أُضِيفا أوْ مِثْلَ جُزْئِهِ فَلا تَحِيفا وما نَهى اللَّهُ عَنْهُ نَبِيَّهُ ﷺ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِن طُمُوحِ العَيْنِ إلى زِينَةِ الحَياةِ الدُّنْيا، مَعَ الِاتِّصافِ بِما يُرْضِيهِ جَلَّ وعَلا مِنَ الثَّباتِ عَلى الحَقِّ، كَمُجالَسَةِ فَقُراءِ المُؤْمِنِينَ، أشارَ لَهُ أيْضًا في مَواضِعَ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ: ﴿فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ غُرُوبِها ومِن آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وأطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى ولا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهم زَهْرَةَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [طه: ١٣٠ - ١٣١]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي والقُرْآنَ العَظِيمَ لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهُمْ﴾ الآيَةَ [الحجر: ٨٧] .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تُطِعْ مَن أغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا واتَّبَعَ هَواهُ وكانَ أمْرُهُ فُرُطًا﴾ .
نَهى اللَّهُ جَلَّ وعَلا نَبِيَّهُ ﷺ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَنْ طاعَةِ مَن أغْفَلَ اللَّهُ قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِهِ واتَّبَعَ هَواهُ، وكانَ أمْرُهُ فُرُطا، وقَدْ كَرَّرَ في القُرْآنِ نَهْيَ نَبِيِّهِ ﷺ عَنِ اتِّباعِ مِثْلِ هَذا الغافِلِ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ المُتَّبَعِ هَواهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ولا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤]، وقَوْلِـهِ: ﴿وَلا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ ودَعْ أذاهُمْ﴾ الآيَةَ [الأحزاب: ٤٨]، (p-٢٦٥)وَقَوْلُـهُ تَعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أثِيمٍ عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ [القلم: ٨ - ١٢] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَقَدْ أمَرَهُ في مَوْضِعٍ آخَرَ بِالإعْراضِ عَنِ المُتَوَلِّينَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، والَّذِينَ لا يُرِيدُونَ غَيْرَ الحَياةِ الدُّنْيا، وبَيَّنَ لَهُ أنَّ ذَلِكَ هو مَبْلَغُهم مِنَ العِلْمِ؛ وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأعْرِضْ عَنْ مَن تَوَلّى عَنْ ذِكْرِنا ولَمْ يُرِدْ إلّا الحَياةَ الدُّنْيا ذَلِكَ مَبْلَغُهم مِنَ العِلْمِ﴾ .
وَقَوْلُـهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿مَن أغْفَلْنا قَلْبَهُ﴾ [الكهف: ٢٨]، يَدُلُّ عَلى أنَّ ما يَعْرِضُ لِلْعَبْدِ مِن غَفْلَةٍ ومَعْصِيَةٍ، إنَّما هو بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى، إذْ لا يَقَعُ شَيْءٌ البَتَّةَ كائِنًا ما كانَ إلّا بِمَشِيئَتِهِ الكَوْنِيَّةِ القَدَرِيَّةِ، جَلَّ وعَلا، ﴿وَما تَشاءُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ الآيَةَ [الإنسان: ٣٠]، ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكُوا﴾ [الأنعام: ١٠٧]، ﴿وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها﴾ [السجدة: ١٣]، ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهم عَلى الهُدى﴾ [الأنعام: ٣٥]، ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٧]، ﴿وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ [الإسراء: ٤٦]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، لا يَقَعُ إلّا بِمَشِيئَةِ خالِقِ السَّماواتِ والأرْضِ. فَما يَزْعُمُهُ المُعْتَزِلَةُ، ويُحاوِلُ الزَّمَخْشَرِيُّ في تَفْسِيرِهِ دائِمًا تَأْوِيلَ آياتِ القُرْآنِ عَلى نَحْوِ ما يُطابِقُهُ مِنِ اسْتِقْلالِ قُدْرَةِ العَبْدِ وإرادَتِهِ فَأفْعالُهُ دُونَ مَشِيئَةِ اللَّهِ، لا يَخْفى بُطْلانُهُ كَما تَدُلُّ عَلَيْهِ الآياتُ المَذْكُورَةُ آنِفًا، وأمْثالُها في القُرْآنِ كَثِيرَةٌ.
وَمَعْنى اتِّباعِهِ هَواهُ: أنَّهُ يَتْبَعُ ما تَمِيلُ إلَيْهِ نَفْسُهُ الأمّارَةُ بِالسُّوءِ وتَهْواهُ مِنَ الشَّرِّ، كالكُفْرِ والمَعاصِي.
وَقَوْلُـهُ: ﴿وَكانَ أمْرُهُ فُرُطًا﴾، قِيلَ: هو مِنَ التَّفْرِيطِ الَّذِي هو التَّقْصِيرُ، وتَقْدِيمُ العَجْزِ بِتَرْكِ الإيمانِ، وعَلى هَذا فَمَعْنى ﴿وَكانَ أمْرُهُ فُرُطًا﴾، أيْ: كانَتْ أعْمالُهُ سَفَهًا وضَياعًا وتَفْرِيطًا، وقِيلَ: مِنَ الإفْراطِ الَّذِي هو مُجاوَزَةُ الحَدِّ، كَقَوْلِ الكُفّارِ المُحْتَقِرِينَ لِفُقَراءِ المُؤْمِنِينَ: نَحْنُ أشْرافُ مُضَرَ وساداتُها ! إنِ اتَّبَعْناكَ اتَّبَعَكَ جَمِيعُ النّاسِ، وهَذا مِنَ التَّكَبُّرِ والإفْراطِ في القَوْلِ، وقِيلَ ”فُرُطًا“ أيْ: قِدَمًا في الشَّرِّ. مِن قَوْلِهِمْ: فَرَطَ مِنهُ أمْرٌ، أيْ: سَبَقَ. وأظْهَرُ الأقْوالِ في مَعْنى الآيَةِ الكَرِيمَةِ عِنْدِي بِحَسَبَ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ الَّتِي نَزَلَ بِها القُرْآنُ أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ ”فُرُطًا“: أيْ: مُتَقَدِّمًا لِلْحَقِّ والصَّوابِ، نابِذًا لَهُ وراءَ (p-٢٦٦)ظَهْرِهِ. مِن قَوْلِهِمْ: فَرَسٌ فُرُطٌ، أيْ: مُتَقَدِّمٌ لِلْخَيْلِ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ في مُعَلَّقَتِهِ:
؎وَلَقَدْ حَمَيْتُ الخَيْلَ تَحْمِلُ شَكَّتِي فُرُطٌ وِشاحِي إذْ غَدَوْتُ لِجامَها
وَإلى ما ذَكَرْنا في مَعْنى الآيَةِ تَرْجِعُ أقْوالُ المُفَسِّرِينَ كُلُّها، كَقَوْلِ قَتادَةَ ومُجاهِدٍ ”فُرُطًا“ أيْ: ضَياعًا. وكَقَوْلِ مُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ ”فُرُطًا“ أيْ: سَرَفا، كَقَوْلِ الفَرّاءِ ”فُرُطًا“ أيْ: مَتْرُوكًا. وكَقَوْلِ الأخْفَشِ ”فُرُطًا“ أيْ: مُجاوِزًا لِلْحَدِّ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأقْوالِ.
18:29Page 297
وَقُلِ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكُمۡۖ فَمَن شَآءَ فَلۡيُؤۡمِن وَمَن شَآءَ فَلۡيَكۡفُرۡۚ إِنَّآ أَعۡتَدۡنَا لِلظَّٰلِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمۡ سُرَادِقُهَاۚ وَإِن يَسۡتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٖ كَٱلۡمُهۡلِ يَشۡوِي ٱلۡوُجُوهَۚ بِئۡسَ ٱلشَّرَابُ وَسَآءَتۡ مُرۡتَفَقًا ٢٩
And say, "The truth is from your Lord, so whoever wills - let him believe; and whoever wills - let him disbelieve." Indeed, We have prepared for the wrongdoers a fire whose walls will surround them. And if they call for relief, they will be relieved with water like murky oil, which scalds [their] faces. Wretched is the drink, and evil is the resting place.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقُلِ الحَقُّ مِن رَبِّكُمْ﴾ .
أمَرَ اللَّهُ جَلَّ وعَلا نَبِيَّهُ ﷺ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنْ يَقُولَ لِلنّاسِ: الحَقُّ مِن رَبِّكم، وفي إعْرابِهِ وجْهانِ، أحَدُهُما: أنَّ ”الحَقَّ“ مُبْتَدَأٌ، والجارُّ والمَجْرُورُ خَبَرُهُ، أيِ: الحَقُّ الَّذِي جِئْتُكم بِهِ في هَذا القُرْآنِ العَظِيمِ، المُتَضَمِّنُ لِدِينِ الإسْلامِ كائِنٌ مَبْدَؤُهُ مِن رَبِّكم جَلَّ وعَلا، فَلَيْسَ مِن وحْيِ الشَّيْطانِ، ولا مِنِ افْتِراءِ الكَهَنَةِ، ولا مِن أساطِيرِ الأوَّلِينَ، ولا غَيْرَ ذَلِكَ. بَلْ هو مِن خالِقِكم جَلَّ وعَلا، الَّذِي تَلْزَمُكم طاعَتُهُ وتَوْحِيدُهُ، ولا يَأْتِي مِن لَدُنْهُ إلّا الحَقُّ الشّامِلُ لِلصِّدْقِ في الأخْبارِ، والعَدْلُ في الأحْكامِ، فَلا حَقَّ إلّا مِنهُ جَلَّ وعَلا.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هَذا الَّذِي جِئْتُكم بِهِ الحَقُّ.
وَهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ذَكَرُهُ أيْضًا في مَواضِعَ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“: ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ [البقرة: ١٤٧]، وقَوْلِـهِ في ”آلِ عِمْرانَ“: ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ [آل عمران: ٦٠]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾، ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِحَسَبَ الوَضْعِ اللُّغَوِيِّ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الكُفْرِ والإيمانِ ولَكِنَّ المُرادَ مِنَ الآيَةِ الكَرِيمَةِ لَيْسَ هو التَّخْيِيرُ، وإنَّما المُرادُ بِها التَّهْدِيدُ والتَّخْوِيفُ. والتَّهْدِيدُ بِمِثْلِ هَذِهِ الصِّيغَةِ الَّتِي ظاهِرُها التَّخْيِيرُ أُسْلُوبٌ مِن أسالِيبِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، والدَّلِيلُ مِنَ القُرْآنِ العَظِيمِ عَلى أنَّ المُرادَ في الآيَةِ التَّهْدِيدُ والتَّخْوِيفُ أنَّهُ أتْبَعَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنّا أعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ نارًا أحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها وإنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كالمُهْلِ يَشْوِي الوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وساءَتْ مُرْتَفَقًا﴾، وهَذا أصْرَحُ دَلِيلٍ عَلى أنَّ المُرادَ التَّهْدِيدُ والتَّخْوِيفُ، إذْ لَوْ كانَ التَّخْيِيرُ عَلى بابِهِ لَما تَوَعَّدَ فاعِلَ أحَدِ الطَّرَفَيْنِ المُخَيَّرَ بَيْنَهُما بِهَذا العَذابِ الألِيمِ، وهَذا واضِحٌ كَما تَرى.
وَقَوْلُـهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أعْتَدْنا [الكهف: ٢٩]، أصْلُهُ مِنَ الِاعْتادِ، والتّاءُ فِيهِ (p-٢٦٧)أصْلِيَّةٌ ولَيْسَتْ مُبْدَلَةً مِن دالٍ عَلى الأصَحِّ؛ ومِنهُ العَتادُ بِمَعْنى العُدَّةِ لِلشَّيْءِ، ومَعْنى ”أعْتَدْنا“: أرْصَدْنا وأعْدَدْنا، والمُرادُ بِالظّالِمِينَ هُنا: الكُفّارُ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ قَبْلَهُ ﴿وَمَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾، وقَدْ قَدَّمَنا كَثْرَةَ إطْلاقِ الظُّلْمِ عَلى الكُفْرِ في القُرْآنِ. كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿والكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ ولا يَضُرُّكَ فَإنْ فَعَلْتَ فَإنَّكَ إذًا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [يونس: ١٠٦]، ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَقَدْ قَدَّمْنا أنَّ الظُّلْمَ في لُغَةِ العَرَبِ: وضْعُ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَحَلِّهِ، ومِن أعْظَمِ ذَلِكَ وضْعُ العِبادَةِ في مَخْلُوقٍ، وقَدْ جاءَ في القُرْآنِ إطْلاقُ الظُّلْمِ عَلى النَّقْصِ في قَوْلِهِ: ﴿وَلَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا﴾ [الكهف: ٣٣]، وأصْلُ مَعْنى مادَّةِ الظُّلْمِ هو ما ذَكَرْنا مِن وضْعِ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، ولِأجَلِ ذَلِكَ قِيلَ الَّذِي يَضْرِبُ اللَّبَنَ قَبْلَ أنْ يَرُوبَ: ظالِمٌ لِوَضْعِهِ ضَرْبَ لَبَنِهِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ؛ لِأنَّ ضَرْبَهُ قَبْلَ أنْ يَرُوبَ يُضِيعُ زُبْدَهُ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وَقائِلَةٍ ظَلَمْتُ لَكم سِقائِي وهَلْ يَخْفى عَلى العَكِدِ الظَّلِيمُ
فَقَوْلُهُ ”ظَلَمْتُ لَكم سِقائِي“، أيْ: ضَرَبْتُهُ لَكم قَبْلَ أنْ يَرُوبَ، ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ في سِقاءٍ لَهُ ظَلَمَهُ بِنَحْوِ ذَلِكَ:
؎وَصاحِبُ صِدْقٍ لَمْ تَرِبْنِي شِكاتُهُ ∗∗∗ ظَلَمْتُ وفي ظُلْمِي لَهُ عامِدًا أجْرُ
وَفِي لُغْزِ الحَرِيرِيِّ في مَقاماتِهِ في الَّذِي يَضْرِبُ لَبَنَهُ قَبْلَ أنْ يَرُوبَ، قالَ: أيَجُوزُ أنْ يَكُونَ الحاكِمُ ظالِمًا ؟ قالَ: نَعَمْ، إذا كانَ عالِمًا. ومِن ذَلِكَ أيْضًا قَوْلُهم لِلْأرْضِ الَّتِي حُفِرَ فِيها ولَيْسَتْ مَحَلَّ حَفْرٍ في السّابِقِ: أرْضٌ مَظْلُومَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ نابِغَةِ ذُبْيانَ:
؎إلّا الأوارِي لَأْيًا ما أُبَيِّنُها ∗∗∗ والنُّؤَيُ كالحَوْضِ بِالمَظْلُومَةِ الجَلَدِ
وَما زَعَمَهُ بَعْضُهم مِن أنَّ ”المَظْلُومَةَ“ في البَيْتِ هي الَّتِي ظَلَمَها المَطَرُ بِتَخَلُّفِهِ عَنْها وقْتَ إبّانِهِ المُعْتادَ غَيْرُ صَوابٍ. والصَّوابُ: هو ما ذَكَرْنا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، ولِأجْلِ ما ذَكَرْنا قالُوا لِلتُّرابِ المُخْرَجِ مِنَ القَبْرِ عِنْدَ حَفْرِهِ ظَلِيمٌ بِمَعْنى مَظْلُومٌ؛ لِأنَّهُ حَفْرٌ في غَيْرِ مَحَلِّ الحَفْرِ المُعْتادِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ يَصِفُ رَجُلًا ماتَ ودُفِنَ:
؎فَأصْبَحَ في غَبْراءَ بَعْدَ إشاحَةٍ ∗∗∗ عَلى العَيْشِ مِرْوَدٌ عَلَيْها ظَلِيمُها
وَقَوْلُـهُ: ﴿أحاطَ بِهِمْ﴾ أيْ: أحْدَقَ بِهِمْ مِن كُلِّ جانِبٍ، وقَوْلُـهُ: سُرادِقُها [الكهف: ٢٩]، أصْلُ السُّرادِقِ واحِدُ السُّرادِقاتِ الَّتِي تُمَدُّ فَوْقَ صَحْنِ الدّارِ، وكُلُّ بَيْتٍ مِن (p-٢٦٨)كُرْسُفٍ فَهو سُرادِقٌ. والكُرْسُفُ: القُطْنُ، ومِنهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ أوِ الكَذّابِ الحِرْمازِيِّ:
؎يا حَكَمُ بْنُ المُنْذِرِ بْنِ الجارُودِ ∗∗∗ سُرادِقُ المَجْدِ عَلَيْكَ مَمْدُودِ
وَبَيْتٌ مُسَرْدَقٌ: أيْ مَجْعُولٌ لَهُ سُرادِقٌ، ومِنهُ قَوْلُ سَلامَةَ بْنِ جَنْدَلٍ يَذْكُرُ أبريويز وقَتْلَهُ لِلنُّعْمانِ بْنِ المُنْذِرِ تَحْتَ أرْجُلِ الفِيَلَةِ:
؎هُوَ المُدْخِلُ النُّعْمانَ بَيْتًا سَماؤُهُ ∗∗∗ صُدُورُ الفُيُولِ بَعْدَ بَيْتٍ مُسَرْدَقِ
هَذا هو أصْلُ مَعْنى السُّرادِقِ في اللُّغَةِ. ويُطْلِقُ أيْضًا في اللُّغَةِ عَلى الحُجْرَةِ الَّتِي حَوْلَ الفُسْطاطِ.
وَأمّا المُرادُ بِالسُّرادِقِ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ فَفِيهِ لِلْعُلَماءِ أقْوالٌ مَرْجِعُها إلى شَيْءٍ واحِدٍ، وهو إحْداقُ النّارِ بِهِمْ مِن كُلِّ جانِبٍ، فَمِنَ العُلَماءِ مَن يَقُولُ ”سُرادِقُها“: أيْ: سُورُها، قالَهُ ابْنُ الأعْرابِيِّ وغَيْرُهُ. ومِنهم مَن يَقُولُ ”سُرادِقُها“: سُورٌ مِن نارٍ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسِ. ومِنهم مَن يَقُولُ ”سُرادِقُها“: عُنُقٌ يَخْرُجُ مِنَ النّارِ فَيُحِيطُ بِالكُفّارِ كالحَظِيرَةِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ: ومِنهم مَن يَقُولُ: هو دُخانٌ يُحِيطُ بِهِمْ. وهو المَذْكُورُ في ”المُرْسَلاتِ“ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ لا ظَلِيلٍ ولا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ [المرسلات: ٣٠ - ٣١]، و ”الواقِعَةِ“ في قَوْلِهِ: ﴿وَظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ [الواقعة: ٤٣ - ٤٤] .
وَمِنهم مَن يَقُولُ: هو البَحْرُ المُحِيطُ بِالدُّنْيا. ورَوى يَعْلى بْنُ أُمَيَّةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «البَحْرُ هو جَهَنَّمُ ثُمَّ تَلا ﴿نارًا أحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها﴾ ثُمَّ قالَ واللَّهِ لا أدْخُلُها أبَدًا ما دُمْتُ حَيًّا ولا تُصِيبُنِي مِنها قَطْرَةٌ ”» ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. ورَوى ابْنُ المُبارَكِ مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ:“ «لِسُرادِقِ النّارِ أرْبَعَةُ جُدُرٍ كِثَفُ كُلِّ جِدارٍ مَسِيرَةَ أرْبَعِينَ سَنَةً» وأخْرَجَهُ أبُو عِيسى التِّرْمِذِيُّ وقالَ فِيهِ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ. انْتَهى مِنَ القُرْطُبِيِّ. وهَذا الحَدِيثُ رَواهُ أيْضًا الإمامُ أحْمَدُ وابْنُ جَرِيرٍ وأبُو يَعْلى وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ حِبّانَ، وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ أبِي الدُّنْيا. قالَهُ صاحِبُ الدُّرِّ المَنثُورِ وتَبِعَهُ الشَّوْكانِيُّ. وحَدِيثُ يَعْلى بْنِ أُمَيَّةَ رَواهُ أيْضًا ابْنُ جَرِيرٍ في تَفْسِيرِهِ. قالَ الشَّوْكانِيُّ: ورَواهُ أحْمَدُ والبُخارِيُّ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، ورَواهُ صاحِبُ الدُّرِّ المَنثُورُ عَنِ البُخارِيِّ في تارِيخِهِ، وأحْمَدُ وابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ جَرِيرٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ. وعَلى كُلِّ حالٍ، فَمَعْنى الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ النّارَ مُحِيطَةٌ بِهِمْ مِن كُلِّ (p-٢٦٩)جانِبٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿لَهم مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ ومِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾ [الأعراف: ٤١]، وقالَ: ﴿لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر: ١٦]، وقالَ: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النّارَ ولا عَنْ ظُهُورِهِمْ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٩]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَقَوْلُـهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَإنْ يَسْتَغِيثُوا﴾، يَعْنِي إنْ يَطْلُبُوا الغَوْثَ مِمّا هم فِيهِ مِنَ الكَرْبِ يُغاثُوا، يُؤْتَوْا بِغَوْثٍ هو ماءٌ كالمُهْلِ. والمُهْلُ في اللُّغَةِ: يُطْلَقُ عَلى ما أُذِيبَ مِن جَواهِرِ الأرْضِ، كَذائِبِ الحَدِيدِ والنُّحاسِ، والرَّصاصِ ونَحْوِ ذَلِكَ.
وَيُطْلَقُ أيْضًا عَلى دُرْدِيِّ الزَّيْتِ وهو عَكَرُهُ. والمُرادُ بِالمُهْلِ في الآيَةِ: ما أُذِيبُ مِن جَواهِرِ الأرْضِ. وقِيلَ: دُرْدِيِّ الزَّيْتِ. وقِيلَ: هو نَوْعٌ مِنَ القَطِرانِ. وقِيلَ السُّمُّ.
فَإنْ قِيلَ: أيُّ إغاثَةٍ في ماءٍ كالمُهْلِ مَعَ أنَّهُ مِن أشَدِّ العَذابِ، وكَيْفَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يُغاثُوا بِماءٍ كالمُهْلِ﴾ [الكهف: ٢٩] .
فالجَوابُ أنَّ هَذا مِن أسالِيبِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ الَّتِي نَزَلَ بِها القُرْآنُ. ونَظِيرُهُ مِن كَلامِ العَرَبِ قَوْلُ بِشْرِ بْنِ أبِي حازِمٍ:
؎غَضِبَتْ تَمِيمٌ أنْ تَقَتَّلَ عامِرٌ ∗∗∗ يَوْمَ النِّسارِ فَأُعْتِبُوا بِالصَّيْلَمِ
فَمَعْنى قَوْلِهِ ”أُعْتِبُوا بِالصَّيْلَمِ“: أيْ: أُرْضُوا بِالسَّيْفِ. يَعْنِي لَيْسَ لَهم مِنّا إرْضاءً إلّا بِالسَّيْفِ. وقَوْلُ عَمْرِو بْنِ مَعْدِي كَرِبَ:
؎وَخَيْلٌ قَدْ دَلَفْتُ لَها بِخَيْلٍ ∗∗∗ تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعُ
يَعْنِي لا تَحِيَّةَ لَهم إلّا الضَّرْبُ الوَجِيعُ. وإذا كانُوا لا يُغاثُونَ إلّا بِماءٍ كالمُهْلِ عُلِمَ مِن ذَلِكَ أنَّهم لا إغاثَةَ لَهُمُ البَتَّةَ. والياءُ في قَوْلِهِ ”يَسْتَغِيثُوا“ والألِفُ في قَوْلِهِ ”يُغاثُوا“ كِلْتاهُما مُبْدَلَةٌ مِن واوٍ؛ لِأنَّ مادَّةَ الِاسْتِغاثَةِ مِنَ الأجْوَفِ الواوِيِّ العَيْنِ، ولَكِنَّ العَيْنَ أُعِلَّتْ لِلسّاكِنِ الصَّحِيحِ قَبْلَها، عَلى حَدِّ قَوْلِهِ في الخُلاصَةِ:
لِساكِنٍ صَحَّ انْقُلِ التَّحْرِيكَ مِن ذِي لِينٍ آتِ عَيْنَ فِعْلٍ كَأبِنْ وقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿يَشْوِي الوُجُوهَ﴾، أيْ: يَحْرِقُها حَتّى تَسْقُطَ فَرْوَةُ الوَجْهِ، أعاذَنا اللَّهُ والمُسْلِمِينَ مِنها وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ قالَ: «﴿كالمُهْلِ يَشْوِي الوُجُوهَ﴾، هو كَعَكَرِ الزَّيْتِ فَإذا قَرُبَ إلَيْهِ سَقَطَتْ فَرْوَةُ وجْهِهِ»، قالَ (p-٢٧٠)ابْنُ حَجَرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ في ) الكافِي الشّافِ، في تَخْرِيجِ أحادِيثِ الكَشّافِ (: أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِن طَرِيقِ رِشْدِينَ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الحارِثِ، عَنْ دَرّاجٍ، عَنْ أبِي الهَيْثَمِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ، واسْتَغْرَبَهُ وقالَ: لا يُعْرَفُ إلّا مِن حَدِيثِ رِشْدِينَ بْنِ سَعْدٍ، وتُعُقِّبَ قَوْلُهُ بِأنَّ أحْمَدَ وأبا يَعْلى أخْرَجاهُ مِن طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ دَرّاجٍ، وبِأنَّ ابْنَ حِبّانَ والحاكِمَ أخْرَجاهُ مِن طَرِيقِ وهْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الحارِثِ.
وَقَوْلُـهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿بِئْسَ الشَّرابُ﴾ المَخْصُوصُ بِالذَّمِّ فِيهِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: بِئْسَ الشَّرابُ ذَلِكَ الماءُ الَّذِي يُغاثُونَ بِهِ. والضَّمِيرُ الفاعِلُ في قَوْلِهِ ”ساءَتْ“ عائِدٌ إلى النّارِ.
والمُرْتَفَقُ: مَكانُ الِارْتِفاقِ. وأصْلُهُ أنْ يَتَّكِئَ الإنْسانُ مُعْتَمِدًا عَلى مِرْفَقِهِ، ولِلْعُلَماءِ في المُرادِ بِالمُرْتَفَقِ في الآيَةِ أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ في المَعْنى. قِيلَ مُرْتَفَقًا. أيْ: مَنزِلًا، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسِ. وقِيلَ مَقَرًّا، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ عَطاءٍ. وقِيلَ مَجْلِسًا وهو مَرْوِيٌّ عَنِ العُتْبِيِّ. وقالَ مُجاهِدٌ: مُرْتَفَقًا أيْ: مُجْتَمَعًا. فَهو عِنْدَهُ مَكانُ الِارْتِفاقِ بِمَعْنى مُرافَقَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ في النّارِ.
وَحاصِلُ مَعْنى الأقْوالِ أنَّ النّارَ بِئْسَ المُسْتَقَرُّ هي، وبِئْسَ المَقامُ هي. ويَدُلُّ لِهَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقامًا﴾ [الفرقان: ٦٦]، وكَوْنُ أصْلِ الِارْتِفاقِ هو الِاتِّكاءُ عَلى المِرْفَقِ، مَعْرُوفٌ في كَلامِ العَرَبِ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ الهُذَلِيِّ:
؎نامَ الخَلِيُّ وبِتُّ اللَّيْلَ مُرْتَفِقًا ∗∗∗ كَأنَّ عَيْنِيَ فِيها الصّابُ مَذْبُوحُ
وَيُرْوى ”وَبِتُّ اللَّيْلَ مُشْتَجِرًا“ وعَلَيْهِ فَلا شاهِدَ في البَيْتِ، ومِنهُ قَوْلُ أعْشى باهِلَةَ:
؎قَدْ بِتُّ مُرْتَفِقًا لِلنَّجْمِ أرْقُبُهُ ∗∗∗ حَيْرانَ ذا حَذَرٍ لَوْ يَنْفَعُ الحَذَرُ
وَقَوْلُ الرّاجِزِ:
؎قالَتْ لَهُ وارْتَفَقَتْ ألا فَتًى ∗∗∗ يَسُوقُ بِالقَوْمِ غَزالاتِ الضُّحا
وَهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِن صِفاتِ هَذا الشَّرابِ، الَّذِي يُسْقى بِهِ أهْلُ النّارِ، جاءَ نَحْوُهُ في آياتٍ كَثِيرَةٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ وعَذابٌ ألِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [الأنعام: ٧٠]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿وَسُقُوا ماءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أمْعاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٥]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ [الغاشية: ٥]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤]، والحَمِيمُ الآنِي: مِنَ الماءِ المُتَناهِي في الحَرارَةِ.
(p-٢٧١)وَقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿وَيُسْقى مِن ماءٍ صَدِيدٍ يَتَجَرَّعُهُ ولا يَكادُ يُسِيغُهُ﴾ الآيَةَ [إبراهيم: ١٦ - ١٧]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ إنَّ لَهم عَلَيْها لَشَوْبًا مِن حَمِيمٍ﴾ [الصافات: ٦٧]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الحَمِيمِ فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ﴾ [الواقعة: ٥٤، ٥٥] .
وَقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدًا ولا شَرابًا إلّا حَمِيمًا وغَسّاقًا﴾ الآيَةَ [النبإ: ٢٤ - ٢٥]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿هَذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وغَسّاقٌ وآخَرُ مِن شَكْلِهِ أزْواجٌ﴾ [ص: ٥٧ - ٥٨]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، وقَدْ قَدَّمْنا طُرُقًا مِن هَذا في سُورَةِ ”يُونُسَ“ .
18:30Page 297
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجۡرَ مَنۡ أَحۡسَنَ عَمَلًا ٣٠
Indeed, those who have believed and done righteous deeds - indeed, We will not allow to be lost the reward of any who did well in deeds.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ مَن أحْسَنَ عَمَلًا﴾ .
ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ مَن عَمِلَ صالِحًا وأحْسَنَ في عَمَلِهِ أنَّهُ جَلَّ وعَلا لا يُضِيعُ أجْرَهُ، أيْ: جَزاءَ عَمَلِهِ: بَلْ يُجازى بِعَمَلِهِ الحَسَنِ الجَزاءَ الأوْفى.
وَبَيَّنَ هَذا المَعْنى في آياتٍ كَثِيرَةٍ جِدًّا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهم أنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنكم مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى﴾ [آل عمران: ١٩٥]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ وأنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧١]، وقَوْلِـهِ: ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلّا الإحْسانُ﴾ [الرحمن: ٦٠]، والآياتُ الدّالَّةُ عَلى هَذا المَعْنى كَثِيرَةٌ جِدًّا. وفي هَذا المَعْنى سُؤالانِ مَعْرُوفانِ عِنْدَ العُلَماءِ:
الأوَّلُ: أنْ يُقالَ أيْنَ خَبَرُ ”إنَّ“ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال: ٣٠] ؟ فَإذا قِيلَ: خَبَرُها جُمْلَةُ ﴿إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ مَن أحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣٠] تُوَجِّهُ السُّؤالُ.
الثّانِي: وهو أنْ يُقالَ: أيْنَ رابِطُ الجُمْلَةِ الخَبَرِيَّةِ بِالمُبْتَدَأِ الَّذِي هو اسْمُ ”إنَّ“ ؟ .
اعْلَمْ أنَّ خَبَرَ ”إنَّ“ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، قِيلَ: هو جُمْلَةُ ﴿أُولَئِكَ لَهم جَنّاتُ عَدْنٍ﴾، وعَلَيْهِ فَقَوْلُهُ: ﴿إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ مَن أحْسَنَ عَمَلًا﴾ جُمْلَةٌ اعْتِراضِيَّةٌ. وعَلى هَذا فالرّابِطُ مَوْجُودٌ ولا إشْكالَ فِيهِ. وقِيلَ: ”إنَّ“ الثّانِيَةَ واسْمَها وخَبَرَها، كُلُّ ذَلِكَ خَبَرُ ”إنَّ“ الأُولى. ونَظِيرُ الآيَةِ مِنَ القُرْآنِ في الإخْبارِ عَنْ ”إنَّ“ بِـ ”إنَّ“ وخَبَرِها واسْمِها قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ ”الحَجِّ“: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والصّابِئِينَ والنَّصارى والمَجُوسَ والَّذِينَ أشْرَكُوا إنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ الآيَةَ [الحج: ١٧]، وقَوْلُ الشّاعِرِ:
؎إنَّ الخَلِيفَةَ إنَّ اللَّهَ ألْبَسَهُ سِرْبالَ مُلْكٍ بِهِ تُرْجى الخَواتِيمُ
عَلى أظْهَرِ الوَجْهَيْنِ في خَبَرِ ”إنَّ“ الأُولى في البَيْتِ، وعَلى هَذا فالجَوابُ عَنِ السُّؤالِ (p-٢٧٢)الثّانِي مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ الضَّمِيرَ الرّابِطَ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: لا نُضِيعُ أجْرَ مَن أحْسَنَ مِنهم عَمَلًا؛ كَقَوْلِهِمْ: السَّمْنُ مَنَوانِ بِدِرْهَمٍ، أيْ: مَنَوانِ مِنهُ بِدِرْهَمٍ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢٣٤]، أيْ: يَتَرَبَّصْنَ بَعْدَهم.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ ﴿مَن أحْسَنَ عَمَلًا﴾، هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ، وإذا كانَ الَّذِينَ آمَنُوا، ومَن أحْسَنَ عَمَلًا يُنَظِّمُها مَعْنًى واحِدٌ قامَ ذَلِكَ مَقامَ الرَّبْطِ بِالضَّمِيرِ، وهَذا هو مَذْهَبُ الأخْفَشِ، وهو الصَّوابُ؛ لِأنَّ الرَّبْطَ حاصِلٌ بِالِاتِّحادِ في المَعْنى.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences