Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic
Al-Kahf 18:46–49
18:46Page 299
ٱلۡمَالُ وَٱلۡبَنُونَ زِينَةُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَٱلۡبَٰقِيَٰتُ ٱلصَّٰلِحَٰتُ خَيۡرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابٗا وَخَيۡرٌ أَمَلٗا ٤٦
Wealth and children are [but] adornment of the worldly life. But the enduring good deeds are better to your Lord1 for reward and better for [one's] hope.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿المالُ والبَنُونَ زِينَةُ الحَياةِ الدُّنْيا والباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وخَيْرٌ أمَلًا﴾ .
ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ المالَ والبَنِينَ زِينَةُ الحَياةِ الدُّنْيا، وأنَّ الباقِياتِ الصّالِحاتِ خَيْرٌ عِنْدَ اللَّهِ ثَوابًا وخَيْرٌ أمَلًا.
والمُرادُ مِنَ الآيَةِ الكَرِيمَةِ تَنْبِيهُ النّاسِ لِلْعَمَلِ الصّالِحِ؛ لِئَلّا يَشْتَغِلُوا بِزِينَةِ الحَياةِ الدُّنْيا (p-٢٨١)مِنَ المالِ والبَنِينَ عَمّا يَنْفَعُهم في الآخِرَةِ عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الأعْمالِ الباقِياتِ الصّالِحاتِ، وهَذا المَعْنى الَّذِي أشارَ لَهُ هُنا جاءَ مُبَيَّنًا في آياتٍ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ والبَنِينَ والقَناطِيرِ المُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ والخَيْلِ المُسَوَّمَةِ والأنْعامِ والحَرْثِ ذَلِكَ مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا واللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ المَآبِ﴾ ﴿قُلْ أؤُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكم لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها وأزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ١٤ - ١٥]، وقَوْلِـهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكم أمْوالُكم ولا أوْلادُكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ [المنافقون: ٩]، وقَوْلِـهِ: ﴿إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ واللَّهُ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [التغابن: ١٥]، وقَوْلِـهِ: ﴿وَما أمْوالُكم ولا أوْلادُكم بِالَّتِي تُقَرِّبُكم عِنْدَنا زُلْفى إلّا مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا﴾ الآيَةَ [سبإ: ٣٧]، وقَوْلِـهِ: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ﴾ ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ الإنْسانَ لا يَنْبَغِي لَهُ الِاشْتِغالُ بِزِينَةِ الحَياةِ الدُّنْيا عَمّا يَنْفَعُهُ في آخِرَتِهِ، وأقْوالُ العُلَماءِ في الباقِياتِ الصّالِحاتِ كُلُّها راجِعَةٌ إلى شَيْءٍ واحِدٍ، وهو الأعْمالُ الَّتِي تُرْضِي اللَّهَ، سَواءٌ قُلْنا: إنَّها الصَّلَواتُ الخَمْسُ، كَما هو مَرْوِيٌّ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ: مِنهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو مَيْسَرَةَ، وعَمْرُو بْنُ شُرَحْبِيلَ، أوْ أنَّها: سُبْحانَ اللَّهِ والحَمْدُ لِلَّهِ ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ واللَّهُ أكْبَرُ ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ العَلِيِّ العَظِيمِ، وعَلى هَذا القَوْلِ جُمْهُورُ العُلَماءِ، وجاءَتْ دالَّةٌ عَلَيْهِ أحادِيثُ مَرْفُوعَةٌ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، وأبِي الدَّرْداءِ، وأبِي هُرَيْرَةَ، والنُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ، وعائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: التَّحْقِيقُ أنَّ ”الباقِياتِ الصّالِحاتِ“ لَفْظٌ عامٌّ، يَشْمَلُ الصَّلَواتِ الخَمْسَ، والكَلِماتِ الخَمْسَ المَذْكُورَةَ، وغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الأعْمالِ الَّتِي تُرْضِي اللَّهَ تَعالى: لِأنَّها باقِيَةٌ لِصاحِبِها غَيْرُ زائِلَةٍ. ولا فانِيَةٍ كَزِينَةِ الحَياةِ الدُّنْيا، ولِأنَّها أيْضًا صالِحَةٌ لِوُقُوعِها عَلى الوَجْهِ الَّذِي يُرْضِي اللَّهَ تَعالى. وقَوْلُهُ: ﴿خَيْرٌ ثَوابًا﴾ تَقَدَّمَ مَعْناهُ. وقَوْلُهُ: ﴿وَخَيْرٌ أمَلًا﴾ أيِ: الَّذِي يُؤَمِّلُ مِن عَواقِبِ الباقِياتِ الصّالِحاتِ، خَيْرٌ مِمّا يُؤَمِّلُهُ أهْلُ الدُّنْيا مِن زِينَةِ حَياتِهِمُ الدُّنْيا وأصْلُ الأمَلِ: طَمَعُ الإنْسانِ بِحُصُولِ ما يَرْجُوهُ في المُسْتَقْبَلِ. ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ قَوْلُهُ تَعالى في ”مَرْيَمَ“: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى والباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وخَيْرٌ مَرَدًّا﴾ [مريم: ٧٦]، والمَرَدُّ: المَرْجِعُ إلى اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: ”مَرَدًّا“ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ، أيْ: (p-٢٨٢)وَخَيْرٌ رَدًّا لِلثَّوابِ عَلى فاعِلِها، فَلَيْسَتْ كَأعْمالِ الكُفّارِ الَّتِي لا تَرُدُّ ثَوابًا عَلى صاحِبِها.
18:47Page 299
وَيَوۡمَ نُسَيِّرُ ٱلۡجِبَالَ وَتَرَى ٱلۡأَرۡضَ بَارِزَةٗ وَحَشَرۡنَٰهُمۡ فَلَمۡ نُغَادِرۡ مِنۡهُمۡ أَحَدٗا ٤٧
And [warn of] the Day when We will remove the mountains and you will see the earth exposed,1 and We will gather them and not leave behind from them anyone.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ وتَرى الأرْضَ بارِزَةً وحَشَرْناهم فَلَمْ نُغادِرْ مِنهم أحَدًا﴾ .
قَوْلُهُ: ويَوْمَ [الكهف: ٤٧]، مَنصُوبٌ بِاذْكُرْ مُقَدَّرًا. أوْ بِفِعْلِ القَوْلِ المَحْذُوفِ قَبْلَ قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى﴾ [الأنعام: ٩٤]، أيْ: قُلْنا لَهم يَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ: لَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى، وقَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّ العامِلَ فِيهِ ”خَيْرٌ“ يَعْنِي والباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ يَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ بَعِيدٌ جِدًّا كَما تَرى.
وَما ذَكَرَهُ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: مِن أنَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَخْتَلُّ فِيهِ نِظامُ هَذا العامِ الدُّنْيَوِيِّ، فَتُسَيَّرُ جِبالُهُ، وتَبْقى أرْضُهُ بارِزَةً لا حَجَرَ فِيها ولا شَجَرَ، ولا بِناءَ ولا وادِيَ ولا عَلَمَ، ذَكَرَهُ في مَواضِعَ أُخَرَ كَثِيرَةٍ، فَذَكَرَ أنَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ يَحْمِلُ الأرْضَ والجِبالَ مِن أماكِنِهِما، ويَدُكُّهُما دَكَّةً واحِدَةً، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ﴾ ﴿وَحُمِلَتِ الأرْضُ والجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً﴾ ﴿فَيَوْمَئِذٍ وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ . . الآيَةَ [الحاقة: ١٣ - ١٥] .
وَما ذَكَرَهُ مِن تَسْيِيرِ الجِبالِ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ذَكَرَهُ أيْضًا في مَواضِعَ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ ﴿وَتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ [الطور: ٩ - ١٠]، وقَوْلِـهِ: ﴿وَسُيِّرَتِ الجِبالُ فَكانَتْ سَرابًا﴾ [النبإ: ٢٠]، وقَوْلِـهِ: ﴿وَإذا الجِبالُ سُيِّرَتْ﴾ [التكوير: ٣]، وقَوْلِـهِ: ﴿وَتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وهي تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ الآيَةَ [النمل: ٨٨] .
ثُمَّ ذَكَرَ في مَواضِعَ أُخَرَ أنَّهُ جَلَّ وعَلا يُفَتِّتُها حَتّى تَذْهَبَ صَلابَتُها الحَجَرِيَّةُ وتَلِينَ، فَتَكُونَ في عَدَمِ صَلابَتِها ولِينِها كالعِهْنِ المَنفُوشِ، وكالرَّمْلِ المُتَهايِلِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ﴾ ﴿وَتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ﴾ [المعارج: ٨ - ٩]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ ﴿وَتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ [القارعة: ٤ - ٥]، والعِهْنُ: الصُّوفُ، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الأرْضُ والجِبالُ وكانَتِ الجِبالُ كَثِيبًا مَهِيلًا﴾ [المزمل: ١٤]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿وَبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾ [الواقعة: ٥]، أيْ: فُتِّتَتْ حَتّى صارَتْ كالبَسِيسَةِ، وهي دَقِيقٌ مَلْتُوتٌ بِسَمْنٍ، عَلى أشْهَرِ التَّفْسِيراتِ.
ثُمَّ ذَكَرَ جَلَّ وعَلا أنَّهُ يَجْعَلُها هَباءً وسَرابًا. قالَ: ﴿وَبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾ ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ [الواقعة: ٥، ٦]، وقالَ: ﴿وَسُيِّرَتِ الجِبالُ فَكانَتْ سَرابًا﴾ [النبإ: ٢٠] .
وَبَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّ السَّرابَ عِبارَةٌ عَنْ لا شَيْءَ؛ وهو قَوْلُهُ: (p-٢٨٣)﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أعْمالُهم كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ﴾، إلى قَوْلِهِ: ﴿لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النور: ٣٩] .
وَقَوْلُـهُ: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ﴾، قَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: ”تُسَيَّرُ الجِبالُ“ بِالتّاءِ المُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةُ وفَتْحِ الياءِ المُشَدَّدَةِ مِن قَوْلِهِ: ”تُسَيَّرُ“ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، و الجِبالُ بِالرَّفْعِ نائِبُ فاعِلِ تُسَيَّرُ والفاعِلُ المَحْذُوفُ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى اللَّهِ جَلَّ وعَلا، وقَرَأهُ باقِي السَّبْعَةِ ”نُسَيِّرُ“ بِالنُّونِ وكَسْرِ الياءِ المُشَدَّدَةِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، و ”الجِبالَ“ مَنصُوبٌ مَفْعُولٌ بِهِ، والنُّونُ في قَوْلِهِ ”نُسَيِّرُ“ لِلتَّعْظِيمِ.
وَقَوْلُـهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَتَرى الأرْضَ بارِزَةً﴾، البُرُوزُ: الظُّهُورُ، أيْ: تَرى الأرْضَ ظاهِرَةً مُنْكَشِفَةً لِذَهابِ الجِبالِ والظِّرابِ والآكامِ، والشَّجَرِ والعِماراتِ الَّتِي كانَتْ عَلَيْها. وهَذا المَعْنى الَّذِي ذَكَرَهُ هُنا بَيَّنَهُ أيْضًا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا﴾ ﴿فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ [طه: ١٠٥ - ١٠٦]، وأقْوالُ العُلَماءِ في مَعْنى ذَلِكَ راجِعَةٌ إلى شَيْءٍ واحِدٍ، وهو أنَّها أرْضٌ مُسْتَوِيَةٌ لا نَباتَ فِيها، ولا بِناءَ ولا ارْتِفاعَ ولا انْحِدارَ. وقَوْلُ مَن قالَ: إنَّ مَعْنى ﴿وَتَرى الأرْضَ بارِزَةً﴾، أيْ: بارِزًا ما كانَ في بَطْنِها مِنَ الأمْواتِ والكُنُوزِ بَعِيدٌ جِدًّا كَما تَرى، وبُرُوزُ ما في بَطْنِها مِنَ الأمْواتِ والكُنُوزِ دَلَّتْ عَلَيْهِ آياتٌ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا الأرْضُ مُدَّتْ﴾ ﴿وَألْقَتْ ما فِيها وتَخَلَّتْ﴾ [الإنشقاق: ٣ - ٤]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿أفَلا يَعْلَمُ إذا بُعْثِرَ ما في القُبُورِ﴾ ﴿وَحُصِّلَ ما في الصُّدُورِ﴾ [العاديات: ٩]، وقَوْلِـهِ: ﴿وَأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ [الزلزلة: ٢]، وقَوْلِـهِ: ﴿وَإذا القُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ [الإنفطار: ٤] .
وَقَوْلُـهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: وحَشَرْناهم، أيْ: جَمَعْناهم لِلْحِسابِ والجَزاءِ، وهَذا الجَمْعُ المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالحَشْرِ هُنا جاءَ مَذْكُورًا في آياتٍ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ﴾ ﴿لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٩ - ٥٠]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ [النساء: ٨٧]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكم لِيَوْمِ الجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ﴾ [التغابن: ٩]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ وذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣]، وقَوْلِـهِ: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا﴾ الآيَةَ [الأنعام: ٢٢]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَبَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّ هَذا الحَشْرَ المَذْكُورَ شامِلٌ لِلْعُقَلاءِ وغَيْرِهِمْ مِن أجْناسِ المَخْلُوقاتِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: (p-٢٨٤)﴿وَما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إلّا أُمَمٌ أمْثالُكم ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: ٣٨] .
وَقَوْلُـهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿فَلَمْ نُغادِرْ مِنهم أحَدًا﴾ [الكهف: ٤٧]، أيْ: لَمْ نَتْرُكْ، والمُغادَرَةُ: التَّرْكُ، ومِنهُ الغَدْرُ؛ لِأنَّهُ تَرْكُ الوَفاءِ والأمانَةِ، وسُمِّيَ الغَدِيرُ مِنَ الماءِ غَدِيرًا؛ لِأنَّ السَّيْلَ ذَهَبَ وتَرَكَهُ، ومِنَ المُغادَرَةِ بِمَعْنى التَّرْكِ قَوْلُ عَنْتَرَةَ في مَطْلَعِ مُعَلَّقَتِهِ:
؎هَلْ غادَرَ الشُّعَراءُ مِن مُتَرَدَّمِ أمْ هَلْ عَرَفْتِ الدّارَ بَعْدَ تَوَهُّمِ
وَقَوْلُهُ أيْضًا:
؎غادَرْتُهُ مُتَعَفِّرًا أوْصالُهُ ∗∗∗ والقَوْمُ بَيْنَ مُجَرَّحٍ ومُجَدَّلِ
وَما ذَكَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِن أنَّهُ حَشَرَهم ولَمْ يَتْرُكْ مِنهم أحَدًا جاءَ مُبَيَّنًا في مَواضِعَ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا﴾ الآيَةَ [الأنعام: ٢٢]، ونَحْوِها مِنَ الآياتِ؛ لِأنَّ حَشْرَهم جَمِيعًا هو مَعْنى أنَّهُ لَمْ يُغادِرْ مِنهم أحَدًا.
18:48Page 299
وَعُرِضُواْ عَلَىٰ رَبِّكَ صَفّٗا لَّقَدۡ جِئۡتُمُونَا كَمَا خَلَقۡنَٰكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةِۭۚ بَلۡ زَعَمۡتُمۡ أَلَّن نَّجۡعَلَ لَكُم مَّوۡعِدٗا ٤٨
And they will be presented before your Lord in rows, [and He will say], "You have certainly come to Us just as We created you the first time. But you claimed that We would never make for you an appointment."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ﴾ .
ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ الخَلائِقَ يَوْمَ القِيامَةِ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ صَفًّا، أيْ: في حالِ كَوْنِهِمْ مُصْطَفِّينَ، قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: صَفًّا بَعْدَ صَفٍّ، وقالَ بَعْضُهم: صَفًّا واحِدًا وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ ”صَفًّا“ أيْ: جَمِيعًا، كَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾ [طه: ٦٤]، عَلى القَوْلِ فِيهِ بِذَلِكَ، وقالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: وخَرَّجَ الحافِظُ أبُو القاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مِندَهْ في كِتابِ التَّوْحِيدِ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «إنَّ اللَّهَ تَبارَكَ وتَعالى يُنادِي يَوْمَ القِيامَةِ بِصَوْتٍ رَفِيعٍ غَيْرِ فَظِيعٍ: يا عِبادِي، أنا اللَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا أرْحَمُ الرّاحِمِينَ وأحْكَمُ الحاكِمِينَ وأسْرَعُ الحاسِبِينَ، يا عِبادِي، لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ، أحْضِرُوا حُجَّتَكم ويَسِّرُوا جَوابًا فَإنَّكم مَسْئُولُونَ مُحاسَبُونَ. يا مَلائِكَتِي، أقِيمُوا عِبادِي صُفُوفًا عَلى أطْرافِ أنامِلِ أقْدامِهِمْ لِلْحِسابِ»، قُلْتُ: هَذا الحَدِيثُ غايَةٌ في البَيانِ في تَفْسِيرِ الآيَةِ، ولَمْ يَذْكُرْهُ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وقَدْ كَتَبْناهُ في كِتابِ التَّذْكِرَةِ ومِنهُ نَقَلْناهُ، والحَمْدُ لِلَّهِ.
انْتَهى كَلامُ القُرْطُبِيِّ، والحَدِيثُ المَذْكُورُ يَدُلُّ عَلى أنَّ ”صَفًّا“ في هَذِهِ الآيَةِ يُرادُ بِهِ صُفُوفًا، كَقَوْلِهِ في المَلائِكَةِ: ﴿وَجاءَ رَبُّكَ والمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢]، ونَظِيرُ الآيَةِ قَوْلُهُ في المَلائِكَةِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وقالَ صَوابًا﴾ [النبإ: ٣٨ - ٣٩] .
فَإذا عَلِمْتَ أنَّ اللَّهَ جَلَّ وعَلا ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ حالًا مِن أحْوالِ عَرْضِ (p-٢٨٥)الخَلائِقِ عَلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ فاعْلَمْ أنَّهُ بَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ أشْياءَ أُخَرَ مِن أحْوالِ عَرْضِهِمْ عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنكم خافِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٨]، وبَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ ما يُلاقِيهِ الكُفّارُ، وما يُقالُ لَهم عِنْدَ ذَلِكَ العَرْضِ عَلى رَبِّهِمْ. كَقَوْلِهِ: ﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ ويَقُولُ الأشْهادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ [هود: ١٨ - ١٩] .
وَقَوْلُـهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: صَفًّا أصْلُهُ مَصْدَرٌ، والمَصْدَرُ المُنْكَرُ قَدْ يَكُونُ حالًا عَلى حَدِّ قَوْلِهِ في الخُلاصَةِ:
؎وَمَصْدَرٌ مُنْكَرٌ حالًا يَقَعْ بِكَثْرَةٍ كَبَغْتَةً زِيدٌ طَلَعْ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ .
هَذا الكَلامُ مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ، وحَذْفُ القَوْلِ مُطَّرِدٌ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، كَثِيرٌ جِدًّا في القُرْآنِ العَظِيمِ. والمَعْنى: يُقالُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ لَقَدْ جِئْتُمُونا، أيْ: واللَّهِ لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ، أيْ: حُفاةً عُراةً غُرْلًا، أيْ: غَيْرَ مَخْتُونِينَ، كُلُّ واحِدٍ مِنكم فَرْدٌ لا مالَ مَعَهُ ولا ولَدَ، ولا خَدَمَ ولا حَشَمَ.
وَقَدْ أوْضَحَ هَذا المَعْنى في مَواضِعَ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ وتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكم وراءَ ظُهُورِكم وما نَرى مَعَكم شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أنَّهم فِيكم شُرَكاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكم وضَلَّ عَنْكم ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام: ٩٤]، وقَوْلِـهِ: ﴿لَقَدْ أحْصاهم وعَدَّهم عَدًّا﴾ ﴿وَكُلُّهم آتِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٩٤ - ٩٥]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وعْدًا عَلَيْنا﴾ الآيَةَ [الأنبياء: ١٠٤]، وقَوْلِـهِ: ﴿كَما بَدَأكم تَعُودُونَ﴾ [الأعراف: ٢٩] تَقَدَّمُ.
وَقَوْلُـهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿كَما خَلَقْناكُمْ﴾ ”ما“ مَصْدَرِيَّةٌ، والمَصْدَرُ المُنْسَبِكُ مِنها ومِن صِلَتِها نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، وإيضاحُ تَقْرِيرِهِ: ولَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكم، أيْ: مَجِيئًا مِثْلَ مَجِيءِ خَلْقِكم، أيْ: حُفاةً عُراةً غُرْلًا كَما جاءَ في الحَدِيثِ، وخالِينَ مِنَ المالِ والوَلَدِ، وهَذا الإعْرابُ هو مُقْتَضى كَلامِ أبِي حَيّانَ في البَحْرِ، ويَظْهَرُ لِي أنَّهُ يَجُوزُ إعْرابُهُ أيْضًا حالًا، أيْ: جِئْتُمُونا في حالِ كَوْنِكم مُشابِهِينَ لَكم في حالَتِكُمُ الأُولى؛ لِأنَّ التَّشْبِيهَ يُؤَوَّلُ بِمَعْنى الوَصْفِ، كَما أشارَ لَهُ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ:(p-٢٨٦)
؎وَيَكْثُرُ الجُمُودُ في سِعْرٍ ∗∗∗ وفي مُبْدِي تَأوُّلٍ بِلا تَكَلُّفْ ∗∗∗ كَبِعْهُ مُدًّا بِكَذا يَدًا بِيَدْ ∗∗∗ وكَرَّ زَيْدٌ أسَدًا أيْ كَأسَدْ
فَقَوْلُهُ ”وَكَرَّ زَيْدٌ أسَدًا: أيْ: كَأسَدٍ“ مِثالٌ لِمُبْدِي التَّأوُّلِ؛ لِأنَّهُ في تَأْوِيلِ كَرَّ في حالِ كَوْنِهِ مُشابِهًا لِلْأسَدِ كَما ذَكَرْنا، واعْلَمْ أنَّ حَذْفَ القَوْلِ وإثْباتَ مَقُولِهِ مُطَّرِدٌ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، وكَثِيرٌ في القُرْآنِ العَظِيمِ كَما ذَكَرْناهُ آنِفًا، لَكِنْ عَكْسُهُ وهو إثْباتُ القَوْلِ وحَذْفُ مِقْوَلِهِ قَلِيلٌ جِدًّا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لَنَحْنُ الأُلى قُلْتُمْ فَأنّى مُلِئْتُمْ ∗∗∗ بِرُؤْيَتِنا قَبْلَ اهْتِمامٍ بِكم رُعْبًا
لِأنَّ المُرادَ لَنَحْنُ الأُلى قُلْتُمْ نُقاتِلُهم، فَحَذَفَ جُمْلَةَ نُقاتِلُهُمُ الَّتِي هي مَقُولُ القَوْلِ، وقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونا﴾، عَبَّرَ فِيهِ بِالماضِي وأرادَ المُسْتَقْبَلَ؛ لِأنَّ تَحْقِيقَ وُقُوعِ ذَلِكَ يُنْزِلُهُ مَنزِلَةَ الواقِعِ بِالفِعْلِ، والتَّعْبِيرُ بِصِيغَةِ الماضِي عَنِ المُسْتَقْبَلِ لِما ذَكَرْنا كَثِيرٌ جِدًّا في القُرْآنِ العَظِيمِ، ومِنهُ قَوْلُهُ هُنا: وحَشَرْناهم [الكهف: ٤٧]، وقَوْلُـهُ: ﴿وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ﴾ [الكهف: ٤٨]، وقَوْلُـهُ: ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونا﴾، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾، وقَوْلُـهُ: ﴿وَنُفِخَ في الصُّورِ﴾ [الكهف: ٩٩]، وقَوْلُـهُ: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الزمر: ٧١]، وقَوْلُـهُ: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ [الزمر: ٧٣]، ونَحْوُ ذَلِكَ كَثِيرٌ في القُرْآنِ لِما ذَكَرْنا.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ زَعَمْتُمْ ألَّنْ نَجْعَلَ لَكم مَوْعِدًا﴾ .
ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ الكُفّارَ زَعَمُوا أنَّ اللَّهَ لَنْ يَجْعَلَ لَهم مَوْعِدًا، والمَوْعِدُ يَشْمَلُ زَمانَ الوَعْدِ ومَكانَهُ، والمَعْنى: أنَّهم زَعَمُوا أنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ وقْتًا ولا مَكانًا لِإنْجازِ ما وعَدَهم عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِهِ مِنَ البَعْثِ والجَزاءِ والحِسابِ. وما دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن إنْكارِهِمُ البَعْثَ جاءَ مُبَيَّنًا في آياتٍ كَثِيرَةٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ الآيَةَ [التغابن: ٧]، وقَوْلِـهِ عَنْهم: ﴿وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [الأنعام: ٢٩]، ﴿وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾ [الدخان: ٣٥]، ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى كَذِبَهم في إنْكارِهِمْ لِلْبَعْثِ في آياتٍ كَثِيرَةٍ، كَقَوْلِهِ في هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿بَلْ لَهم مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِن دُونِهِ مَوْئِلًا﴾ [الكهف: ٥٨]، وقَوْلِـهِ: ﴿قُلْ بَلى ورَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ﴾ الآيَةَ [التغابن: ٧]، وقَوْلِـهِ: ﴿وَأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ بَلى وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ [النحل: ٣٨]، وقَوْلِـهِ: ﴿كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وعْدًا عَلَيْنا إنّا كُنّا فاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، والآياتُ بِمِثْلِ هَذا كَثِيرَةٌ جِدًّا.
وَقَدْ قَدَّمْنا في (p-٢٨٧)سُورَةِ ”البَقَرَةِ“ وسُورَةِ ”النَّحْلِ“ البَراهِينَ الَّتِي يَكْثُرُ في القُرْآنِ العَظِيمِ الِاسْتِدْلالُ بِها عَلى البَعْثِ، وقَوْلُـهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿بَلْ زَعَمْتُمْ﴾ إضْرابٌ انْتِقالِيٌّ مِن خَبَرٍ إلى خَبَرٍ آخَرَ، لا إبْطالِيٌّ كَما هو واضِحٌ. وأنَّ في قَوْلِهِ: ﴿ألَّنْ نَجْعَلَ﴾، مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وجُمْلَةُ الفِعْلِ الَّذِي بَعْدَها خَبَرُها، والِاسْمُ ضَمِيرُ الشَّأْنِ المَحْذُوفُ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ في الخُلاصَةِ:
؎وَإنْ تُخَفِّفْ أنْ. . .
البَيْتَ.
والفِعْلُ المَذْكُورُ مُتَصَرِّفٌ ولَيْسَ بِدُعاءٍ، فَفَصَلَ بَيْنَهُ وبَيْنَها بِالنَّفْيِ. عَلى حَدِّ قَوْلِهِ في الخُلاصَةِ:
؎وَإنْ يَكُنْ فِعْلًا ولَمْ يَكُنْ دُعا
البَيْتَيْنِ.
18:49Page 299
وَوُضِعَ ٱلۡكِتَٰبُ فَتَرَى ٱلۡمُجۡرِمِينَ مُشۡفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَٰوَيۡلَتَنَا مَالِ هَٰذَا ٱلۡكِتَٰبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةٗ وَلَا كَبِيرَةً إِلَّآ أَحۡصَىٰهَاۚ وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرٗاۗ وَلَا يَظۡلِمُ رَبُّكَ أَحَدٗا ٤٩
And the record [of deeds] will be placed [open], and you will see the criminals fearful of that within it, and they will say, "Oh, woe to us! What is this book that leaves nothing small or great except that it has enumerated it?" And they will find what they did present [before them]. And your Lord does injustice to no one.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوُضِعَ الكِتابُ فَتَرى المُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ ويَقُولُونَ يا ويْلَتَنا مالِ هَذا الكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلّا أحْصاها﴾، ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ الكِتابَ يُوضَعُ يَوْمَ القِيامَةِ. والمُرادُ بِالكِتابِ: جِنْسُ الكِتابِ، فَيَشْمَلُ جَمِيعَ الصُّحُفِ الَّتِي كُتِبَتْ فِيها أعْمالُ المُكَلَّفِينَ في دارِ الدُّنْيا. وأنَّ المُجْرِمِينَ يُشْفِقُونَ مِمّا فِيهِ. أيْ: يَخافُونَ مِنهُ، وأنَّهم يَقُولُونَ ﴿ياوَيْلَتَنا مالِ هَذا الكِتابِ لا يُغادِرُ﴾ [الكهف: ٤٩]، أيْ: لا يَتْرُكُ ﴿صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً﴾ مِنَ المَعاصِي الَّتِي عَمِلْنا ﴿إلّا أحْصاها﴾ أيْ: ضَبَطَها وحَصَرَها.
وَهَذا المَعْنى الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ جاءَ مُوَضَّحًا في مَواضِعَ أُخَرَ. كَقَوْلِهِ: ﴿وَكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ ونُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا﴾ ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٣ - ١٤]، وبَيَّنَ أنَّ بَعْضَهم يُؤْتى كِتابَهُ بِيَمِينِهِ. وبَعْضُهم يُؤْتاهُ بِشِمالِهِ. وبَعْضُهم يُؤْتاهُ وراءَ ظَهْرِهِ. قالَ: ﴿وَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٥]، وقالَ تَعالى: ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ ﴿وَيَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ ﴿وَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ﴾ ﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا﴾ ﴿وَيَصْلى سَعِيرًا﴾ [الإنشقاق: ٣ - ١٢] وقَدْ قَدَّمْنا هَذا في سُورَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“ . وما ذَكَرَهُ مِن وضْعِ الكِتابِ هُنا ذَكَرَهُ في ”الزُّمَرِ“ في قَوْلِهِ: ﴿وَأشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِ رَبِّها ووُضِعَ الكِتابُ وجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ والشُّهَداءِ وقُضِيَ بَيْنَهم بِالحَقِّ﴾ [الزمر: ٦٩] .
وَقَوْلُـهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿فَتَرى المُجْرِمِينَ﴾، تَقَدَّمَ مَعْنًى مِثْلُهُ في الكَلامِ عَلى (p-٢٨٨)قَوْلِهِ: ﴿وَتَرى الشَّمْسَ إذا طَلَعَتْ﴾ الآيَةَ [الكهف: ٤٩]، والمُجْرِمُونَ: جَمْعُ المُجْرِمِ، وهو اسْمُ فاعِلِ الإجْرامِ. والإجْرامُ: ارْتِكابُ الجَرِيمَةِ، وهي الذَّنْبُ العَظِيمُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ صاحِبُهُ عَلَيْهِ النَّكالَ، ومَعْنى كَوْنِهِمْ ”مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ“: أنَّهم خائِفُونَ مِمّا في ذَلِكَ الكِتابِ مِن كَشْفِ أعْمالِهِمُ السَّيِّئَةِ، وفَضِيحَتِهِمْ عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ، وما يَتَرَتَّبُ عَلى ذَلِكَ مِنَ العَذابِ السَّرْمَدِيِّ، وقَوْلُهم ياوَيْلَتَنا الوَيْلَةُ: الهَلَكَةُ، وقَدْ نادَوْا هَلَكَتَهُمُ الَّتِي هَلَكُوها خاصَّةً مِن بَيْنِ الهَلَكاتِ فَقالُوا: يا ويْلَتَنا ! أيْ: يا هَلَكَتَنا احْضُرِي فَهَذا أوانُ حُضُورِكِ ! وقالَ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ: المُرادُ مَن بِحَضْرَتِهِمْ: كَأنَّهم قالُوا: يا مَن بِحَضْرَتِنا انْظُرُوا هَلَكَتَنا. وكَذا ما جاءَ مِن نِداءِ ما لا يَعْقِلُ كَقَوْلِهِ: ﴿يا أسَفا عَلى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٤]، ﴿يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦]، ﴿ياوَيْلَنا مَن بَعَثَنا مِن مَرْقَدِنا﴾ [يس: ٥٢]، وقَوْلِـهِ: يا عَجَبًا لِهَذِهِ الفُلَيْقَةِ، فَيا عَجَبًا مِن رَحْلِها المُتَحَمِّلِ، إنَّما يُرادُ بِهِ تَنْبِيهُ مَن يَعْقِلُ بِالتَّعَجُّبِ مِمّا حَلَّ بِالمُنادى انْتَهى كَلامُ أبِي حَيّانَ. وحاصِلُ ما ذَكَرَهُ: أنَّ أداةَ النِّداءِ في قَوْلِهِ ”يا ويْلَتَنا“ يُنادى بِها مَحْذُوفٌ، وأنَّ ما بَعْدَها مَفْعُولُ فِعْلٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ كَما ذَكَرَهُ: يا مَن بِحَضْرَتِنا انْظُرُوا هَلَكَتَنا، ومَعْلُومٌ أنَّ حَذْفَ المُنادى مَعَ إثْباتِ أداةِ النِّداءِ، ودَلالَةِ القَرِينَةِ عَلى المُنادى المَحْذُوفِ مَسْمُوعٌ في كَلامِ العَرَبِ. ومِنهُ قَوْلُ عَنْتَرَةَ في مُعَلَّقَتِهِ:
؎يا شاةَ ما قَنَصٍ لِمَن حَلَّتْ لَهُ حَرُمَتْ عَلىَّ ولَيْتَها لَمْ تَحْرُمِ
يَعْنِي: يا قَوْمُ انْظُرُوا شاةَ قَنَصٍ، وقَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ:
؎ألا يا اسْلَمِي يا دارَ مَيٍّ عَلى البِلا ∗∗∗ ولا زالَ مُنْهَلًّا بِجَرْعائِكِ القَطْرُ
يَعْنِي: يا هَذِهِ اسْلَمِي.
وَقَوْلُـهُ تَعالى: ﴿مالِ هَذا الكِتابِ﴾ [الكهف: ٤٩] أيْ: أيُّ شَيْءٍ ثَبَتَ لِهَذا الكِتابِ ﴿لا يُغادِرُ﴾ أيْ: لا يَتْرُكُ ﴿صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً﴾ أيْ: مِنَ المَعاصِي، وقَوْلُ مَن قالَ: الصَّغِيرَةُ القُبْلَةُ، والكَبِيرَةُ الزِّنا، ونَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الأقْوالِ في الآيَةِ إنَّما هو عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ لا عَلى سَبِيلِ الحَصْرِ، ولِلْعُلَماءِ اخْتِلافٌ كَثِيرٌ في تَعْرِيفِ الكَبِيرَةِ مَعْرُوفٌ في الأُصُولِ. وقَدْ صَرَّحَ تَعالى بِأنَّ المَنهِيّاتِ مِنها كَبائِرُ، ويُفْهَمُ مِن ذَلِكَ أنَّ مِنها صَغائِرُ، وبَيَّنَ أنَّ اجْتِنابَ الكَبائِرِ يَكَفِّرُ اللَّهُ بِهِ الصَّغائِرَ؛ وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكُمْ﴾ الآيَةَ [النساء: ٣١]، ويُرْوى عَنِ الفُضَيْلِ بْنِ عِياضٍ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ (p-٢٨٩)قالَ: ضَجُّوا مِنَ الصَّغائِرِ قَبْلَ الكَبائِرِ، وجُمْلَةُ ”لا يُغادِرُ“ حالٌ مِن ”الكِتابِ“ .
تَنْبِيهٌ
هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ يُفْهَمُ مِنها أنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ؛ لِأنَّهم وجَدُوا في كِتابِ أعْمالِهِمْ صَغائِرَ ذُنُوبِهِمْ مُحْصاةً عَلَيْهِمْ، فَلَوْ كانُوا غَيْرَ مُخاطَبِينَ بِها لَما سُجِّلَتْ عَلَيْهِمْ في كِتابِ أعْمالِهِمْ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا﴾ .
ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهم في يَوْمِ القِيامَةِ يَجِدُونَ أعْمالَهُمُ الَّتِي عَمِلُوها في الدُّنْيا حاضِرَةً مُحْصاةً عَلَيْهِمْ. وأوْضَحَ هَذا أيْضًا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ مُحْضَرًا وما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَهُ أمَدًا بَعِيدًا﴾ [آل عمران: ٣٠]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿هُنالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ ما أسْلَفَتْ﴾ الآيَةَ [يونس: ٣٠]، وقَوْلِـهِ: ﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ [القيامة: ١٣]، وقَوْلِـهِ: ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ [الطارق: ٩]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أحَدًا﴾ .
ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ لا يَظْلِمُ أحَدًا، فَلا يَنْقُصُ مِن حَسَناتِ مُحْسِنٍ، ولا يَزِيدُ مِن سَيِّئاتِ مُسِيءٍ، ولا يُعاقِبُ عَلى غَيْرِ ذَنْبٍ.
وَأوْضَحَ هَذا المَعْنى في مَواضِعَ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئًا ولَكِنَّ النّاسَ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ [يونس: ٤٤]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها ويُؤْتِ مِن لَدُنْهُ أجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وإنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ أتَيْنا بِها وكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]، وقَوْلِـهِ: ﴿وَما رَبُّكَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦] وقَوْلِـهِ: ﴿وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ [النحل: ٣٣]، وقَوْلِـهِ: ﴿وَما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ [النحل: ١١٨] والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences