Ash-ShinqitiAl‑Kahf · 18:65

Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic

Al-Kahf 18:65

18:65Page 301

فَوَجَدَا عَبۡدٗا مِّنۡ عِبَادِنَآ ءَاتَيۡنَٰهُ رَحۡمَةٗ مِّنۡ عِندِنَا وَعَلَّمۡنَٰهُ مِن لَّدُنَّا عِلۡمٗا ٦٥

And they found a servant from among Our servants [i.e., al-Khiḍr] to whom We had given mercy from Us and had taught him from Us a [certain] knowledge.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَجَدا عَبْدًا مِن عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِن عِنْدِنا وعَلَّمْناهُ مِن لَدُنّا عِلْمًا﴾، هَذا العَبْدُ المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ هو الخَضِرُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِإجْماعِ العُلَماءِ، ودَلالَةُ النُّصُوصِ الصَّحِيحَةِ عَلى ذَلِكَ مِن كَلامِ النَّبِيِّ ﷺ، وهَذِهِ الرَّحْمَةُ والعِلْمُ اللَّدُنِّيُّ اللَّذانِ ذَكَرَ اللَّهُ امْتِنانَهُ عَلَيْهِ بِهِما لَمْ يُبَيِّنْ هُنا هَلْ هُما رَحْمَةُ النُّبُوَّةِ وعِلْمُها، أوْ رَحْمَةُ الوَلايَةِ وعِلْمُها، والعُلَماءُ مُخْتَلِفُونَ في الخَضِرِ: هَلْ هو نَبِيٌّ، أوْ رَسُولٌ، أوْ ولِيٌّ، كَما قالَ الرّاجِزُ:

؎واخْتَلَفَتْ في خَضِرٍ أهْلُ العُقُولِ قِيلَ نَبِيٌّ أوْ ولِيٌّ أوْ رَسُولُ

وَقِيلَ مَلَكٌ، ولَكِنَّهُ يُفْهَمُ مِن بَعْضِ الآياتِ أنَّ هَذِهِ الرَّحْمَةَ المَذْكُورَةَ هُنا رَحْمَةُ نُبُوَّةٍ، وأنَّ هَذا العِلْمَ اللَّدُنِّيَّ عِلْمُ وحْيٍ، مَعَ العِلْمِ بِأنَّ في الِاسْتِدْلالِ بِها عَلى ذَلِكَ مُناقَشاتٍ مَعْرُوفَةً عِنْدَ العُلَماءِ.

اعْلَمْ أوَّلًا أنَّ الرَّحْمَةَ تَكَرَّرَ إطْلاقُها عَلى النُّبُوَّةِ في القُرْآنِ، وكَذَلِكَ العِلْمُ المُؤْتى (p-٣٢٣)مِنَ اللَّهِ تَكَرَّرَ إطْلاقُهُ فِيهِ عَلى عِلْمِ الوَحْيِ، فَمِن إطْلاقِ الرَّحْمَةِ عَلى النُّبُوَّةِ قَوْلُهُ تَعالى في ”الزُّخْرُفِ“: ﴿وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ﴾ الآيَةَ [الزخرف: ٣١]، أيْ: نُبُوَّتَهُ حَتّى يَتَحَكَّمُوا في إنْزالِ القُرْآنِ عَلى رَجُلٍ عَظِيمٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ، وقَوْلُـهُ تَعالى في سُورَةِ ”الدُّخانِ“: ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ أمْرًا مِن عِنْدِنا إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ الآيَةَ [الدخان: ٤ - ٥]، وقَوْلُـهُ تَعالى في آخِرِ ”القَصَصِ“: ﴿وَما كُنْتَ تَرْجُو أنْ يُلْقى إلَيْكَ الكِتابُ إلّا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ الآيَةَ [القصص: ٨٦]، ومِن إطْلاقِ إيتاءِ العِلْمِ عَلى النُّبُوَّةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ وعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣]، وقَوْلُهُ: ﴿وَإنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ﴾ الآيَةَ [يوسف: ٦٨]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

وَمَعْلُومٌ أنَّ الرَّحْمَةَ وإيتاءَ العِلْمِ اللَّدُنِّيِّ أعَمُّ مِن كَوْنِ ذَلِكَ عَنْ طَرِيقِ النُّبُوَّةِ وغَيْرِها، والِاسْتِدْلالُ بِالأعَمِّ عَلى الأخَصِّ فِيهِ أنَّ وُجُودَ الأعَمِّ لا يَسْتَلْزِمُ وُجُودَ الأخَصِّ كَما هو مَعْرُوفٌ، ومِن أظْهَرِ الأدِلَّةِ في أنَّ الرَّحْمَةَ والعِلْمَ اللَّدُنِّيَّ اللَّذَيْنِ امْتَنَّ اللَّهُ بِهِما عَلى عَبْدِهِ الخَضِرِ عَنْ طَرِيقِ النُّبُوَّةِ والوَحْيِ قَوْلُهُ تَعالى عَنْهُ: ﴿وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِي﴾ [الكهف: ٨٢]، أيْ: وإنَّما فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِ اللَّهِ جَلَّ وعَلا، وأمْرُ اللَّهِ إنَّما يَتَحَقَّقُ عَنْ طَرِيقِ الوَحْيِ، إذْ لا طَرِيقَ تُعْرَفُ بِها أوامِرُ اللَّهِ ونَواهِيهِ إلّا الوَحْيَ مِنَ اللَّهِ جَلَّ وعَلا، ولا سِيَّما قَتْلُ الأنْفُسِ البَرِيئَةِ في ظاهِرِ الأمْرِ، وتَعْيِيبُ سُفُنِ النّاسِ بِخَرْقِها؛ لِأنَّ العُدْوانَ عَلى أنْفُسِ النّاسِ وأمْوالِهِمْ لا يَصِحُّ إلّا عَنْ طَرِيقِ الوَحْيِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وقَدْ حَصَرَ تَعالى طُرُقَ الإنْذارِ في الوَحْيِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما أُنْذِرُكم بِالوَحْيِ﴾ [الأنبياء: ٤٥]، و ”إنَّما“ صِيغَةُ حَصْرٍ، فَإنْ قِيلَ: قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ عَنْ طَرِيقِ الإلْهامِ ؟ فالجَوابُ أنَّ المُقَرَّرَ في الأُصُولِ أنَّ الإلْهامَ مِنَ الأوْلِياءِ لا يَجُوزُ الِاسْتِدْلالُ بِهِ عَلى شَيْءٍ، لِعَدَمِ العِصْمَةِ، وعَدَمِ الدَّلِيلِ عَلى الِاسْتِدْلالِ بِهِ، بَلْ لِوُجُودِ الدَّلِيلِ عَلى عَدَمِ جَوازِ الِاسْتِدْلالِ بِهِ، وما يَزْعُمُهُ بَعْضُ المُتَصَوِّفَةِ مِن جَوازِ العَمَلِ بِالإلْهامِ في حَقِّ المُلْهَمِ دُونَ غَيْرِهِ، وما يَزْعُمُهُ بَعْضُ الجَبْرِيَّةِ أيْضًا مِنَ الِاحْتِجاجِ بِالإلْهامِ في حَقِّ المُلْهَمِ وغَيْرِهِ جاعِلِينَ الإلْهامَ كالوَحْيِ المَسْمُوعِ مُسْتَدِلِّينَ بِظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ﴾ [الأنعام: ١٢٥]، وبِخَبَرِ «اتَّقُوا فِراسَةَ المُؤْمِنِ فَإنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ» كُلُّهُ باطِلٌ لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، لِعَدَمِ اعْتِضادِهِ بِدَلِيلٍ، وغَيْرُ المَعْصُومِ لا ثِقَةَ بِخَواطِرِهِ؛ لِأنَّهُ لا يَأْمَنُ دَسِيسَةَ الشَّيْطانِ، وقَدْ ضُمِنَتِ الهِدايَةُ في اتِّباعِ الشَّرْعِ، ولَمْ تُضْمَن في اتِّباعِ الخَواطِرِ والإلْهاماتِ، والإلْهامُ في الِاصْطِلاحِ: إيقاعُ شَيْءٍ (p-٣٢٤)فِي القَلْبِ يُثْلَجُ لَهُ الصَّدْرُ مِن غَيْرِ اسْتِدْلالٍ بِوَحْيٍ ولا نَظَرٍ في حُجَّةٍ عَقْلِيَّةٍ، يَخْتَصُّ اللَّهُ بِهِ مَن يَشاءُ مَن خَلْقِهِ، أمّا ما يُلْهَمُهُ الأنْبِياءُ مِمّا يُلْقِيهِ اللَّهُ في قُلُوبِهِمْ فَلَيْسَ كَإلْهامِ غَيْرِهِمْ، لِأنَّهم مَعْصُومُونَ بِخِلافِ غَيْرِهِمْ، قالَ في مَراقِي السُّعُودِ في كِتابِ الِاسْتِدْلالِ:

وَيُنْبَذُ الإلْهامُ بِالعَراءِ أعْنِي بِهِ إلْهامَ الأوْلِياءِ وقَدْ رَآهُ بَعْضُ مَن تَصَوَّفا وعِصْمَةُ النَّبِيِّ تُوجِبُ اقْتَفا وبِالجُمْلَةِ، فَلا يَخْفى عَلى مَن لَهُ إلْمامٌ بِمَعْرِفَةِ دِينِ الإسْلامِ أنَّهُ لا طَرِيقَ تُعْرَفُ بِها أوامِرُ اللَّهِ ونَواهِيهِ، وما يُتَقَرَّبُ إلَيْهِ بِهِ مِن فِعْلٍ وتَرْكٍ إلّا عَنْ طَرِيقِ الوَحْيِ، فَمَنِ ادَّعى أنَّهُ غَنِيٌّ في الوُصُولِ إلى ما يُرْضِي رَبَّهُ عَنِ الرُّسُلِ، وما جاءُوا بِهِ ولَوْ في مَسْألَةٍ واحِدَةٍ فَلا شَكَّ في زَنْدَقَتِهِ، والآياتُ والأحادِيثُ الدّالَّةُ عَلى هَذا لا تُحْصى، قالَ تَعالى: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، ولَمْ يَقُلْ حَتّى نُلْقِيَ في القُلُوبِ إلْهامًا، وقالَ تَعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، وقالَ: ﴿وَلَوْ أنّا أهْلَكْناهم بِعَذابٍ مِن قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ﴾ الآيَةَ [طه: ١٣٤]، والآياتُ والأحادِيثُ بِمِثْلِ هَذا كَثِيرَةٌ جِدًّا، وقَدْ بَيَّنّا طَرَفًا مِن ذَلِكَ في سُورَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وبِذَلِكَ تَعْلَمُ أنَّ ما يَدَّعِيهِ كَثِيرٌ مِنَ الجَهَلَةِ المُدَّعِينَ التَّصَوُّفَ مِن أنَّ لَهم ولِأشْياخِهِمْ طَرِيقًا باطِنَةً تُوافِقُ الحَقَّ عِنْدَ اللَّهِ ولَوْ كانَتْ مُخالِفَةً لِظاهِرِ الشَّرْعِ، كَمُخالَفَةِ ما فَعَلَهُ الخَضِرِ لِظاهِرِ العِلْمِ الَّذِي عِنْدَ مُوسى، زَنْدَقَةٌ، وذَرِيعَةٌ إلى الِانْحِلالِ بِالكُلِّيَّةِ مِن دِينِ الإسْلامِ، بِدَعْوى أنَّ الحَقَّ في أُمُورٍ باطِنَةٍ تُخالِفُ ظاهِرَهُ.

قالَ القُرْطُبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ في تَفْسِيرِهِ ما نَصُّهُ: قالَ شَيْخُنا الإمامُ أبُو العَبّاسِ: ذَهَبَ قَوْمٌ مِن زَنادِقَةِ الباطِنِيَّةِ إلى سُلُوكِ طَرِيقٍ لا تَلْزَمُ مِنهُ هَذِهِ الأحْكامُ الشَّرْعِيَّةُ فَقالُوا: هَذِهِ الأحْكامُ الشَّرْعِيَّةُ العامَّةُ إنَّما يُحْكَمُ بِها عَلى الأنْبِياءِ والعامَّةِ، وأمّا الأوْلِياءُ وأهْلُ الخُصُوصِ فَلا يَحْتاجُونَ إلى تِلْكَ النُّصُوصِ، بَلْ إنَّما يُرادُ مِنهم ما يَقَعُ في قُلُوبِهِمْ، ويُحْكَمُ عَلَيْهِمْ بِما يَغْلِبُ عَلَيْهِمْ مِن خَواطِرِهِمْ، وقالُوا: وذَلِكَ لِصَفاءِ قُلُوبِهِمْ عَنِ الأكْدارِ، وخُلُوِّها عَنِ الأغْيارِ، فَتَتَجَلّى لَهُمُ العُلُومُ الإلَهِيَّةُ، والحَقائِقُ الرَّبّانِيَّةُ، فَيَقِفُونَ عَلى أسْرارِ الكائِناتِ، ويَعْلَمُونَ أحْكامَ الجُزْئِيّاتِ، فَيَسْتَغْنُونَ بِها عَنْ أحْكامِ الشَّرائِعِ الكُلِّيّاتِ، كَما اتَّفَقَ لِلْخَضِرِ فَإنَّهُ اسْتَغْنى بِما تَجَلّى لَهُ مِنَ العُلُومِ عَمّا كانَ عِنْدَ مُوسى مِن تِلْكَ الفُهُومِ، وقَدْ جاءَ فِيما (p-٣٢٥)يَنْقُلُونَ ”اسْتَفْتِ قَلْبَكَ وإنْ أفْتاكَ المُفْتُونَ“، قالَ شَيْخُنا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وهَذا القَوْلُ زَنْدَقَةٌ وكُفْرٌ، يُقْتَلُ قائِلُهُ ولا يُسْتَتابُ؛ لِأنَّهُ إنْكارُ ما عُلِمَ مِنَ الشَّرائِعِ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أجْرى سُنَّتَهُ، وأنْفَذَ حِكْمَتَهُ بِأنَّ أحْكامَهُ لا تُعْلَمُ إلّا بِواسِطَةِ رُسُلِهِ السُّفَراءِ بَيْنَهُ وبَيْنَ خَلْقِهِ، وهُمُ المُبَلِّغُونَ عَنْهُ رِسالَتَهُ وكَلامَهُ، المُبَيِّنُونَ شَرائِعَهُ وأحْكامَهُ، اخْتارَهم لِذَلِكَ وخَصَّهم بِما هُنالِكَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلًا ومِنَ النّاسِ إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحج: ٧٥]، وقالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]، وقالَ تَعالى: ﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ﴾ [البقرة: ٢١٣]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

وَعَلى الجُمْلَةِ، فَقَدْ حَصَلَ العِلْمُ القَطْعِيُّ واليَقِينُ الضَّرُورِيُّ، واجْتِماعُ السَّلَفِ والخَلَفِ عَلى أنْ لا طَرِيقَ لِمَعْرِفَةِ أحْكامِ اللَّهِ تَعالى الَّتِي هي راجِعَةٌ إلى أمْرِهِ ونَهْيِهِ، ولا يُعْرَفُ شَيْءٌ مِنها إلّا مِن جِهَةِ الرُّسُلِ، فَمَن قالَ إنَّ هُناكَ طَرِيقًا أُخْرى يُعْرَفُ بِها أمْرُهُ ونَهْيُهُ غَيْرَ الرُّسُلِ حَيْثُ يَسْتَغْنِي عَنِ الرُّسُلِ فَهو كافِرٌ يُقْتَلُ ولا يُسْتَتابُ، ولا يُحْتاجُ مَعَهُ إلى سُؤالٍ وجَوابٍ، ثُمَّ هو قَوْلٌ بِإثْباتِ أنْبِياءَ بَعْدَ نَبِيِّنا ﷺ، الَّذِي قَدْ جَعَلَهُ اللَّهُ خاتَمَ أنْبِيائِهِ ورُسُلِهِ، فَلا نَبِيَّ بَعْدَهُ ولا رَسُولَ.

وَبَيانُ ذَلِكَ أنَّ مَن قالَ: يَأْخُذُ عَنْ قَلْبِهِ، وأنَّ ما يَقَعُ فِيهِ حُكْمُ اللَّهِ تَعالى، وأنَّهُ يَعْمَلُ بِمُقْتَضاهُ، وأنَّهُ ولا يَحْتاجُ مَعَ ذَلِكَ إلى كِتابٍ ولا سُنَّةٍ فَقَدْ أثْبَتَ لِنَفْسِهِ خاصَّةَ النُّبُوَّةِ، فَإنَّ هَذا نَحْوُ ما قالَهُ ﷺ: ”«إنَّ رُوحَ القُدُسِ نَفَثَ في رُوعِي» .“ الحَدِيثَ، انْتَهى مِن تَفْسِيرِ القُرْطُبِيِّ.

وَما ذَكَرَهُ في كَلامِ شَيْخِهِ المَذْكُورِ مِن أنَّ الزِّنْدِيقَ لا يُسْتَتابُ هو مَذْهَبُ مالِكٍ ومَن وافَقَهُ، وقَدْ بَيَّنّا أقْوالَ العُلَماءِ في ذَلِكَ وأدِلَّتَهم، وما يُرَجِّحُهُ الدَّلِيلُ في كِتابِنا ) دَفْعُ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ (في سُورَةِ ”آلِ عِمْرانَ“، وما يَسْتَدِلُّ بِهِ بَعْضُ الجَهَلَةِ مِمَّنْ يَدَّعِي التَّصَوُّفَ عَلى اعْتِبارِ الإلْهامِ مِن ظَواهِرِ بَعْضِ النُّصُوصِ كَحَدِيثِ «اسْتَفْتِ قَلْبَكَ وإنْ أفْتاكَ النّاسُ وأفْتَوْكَ» لا دَلِيلَ فِيهِ البَتَّةَ عَلى اعْتِبارِ الإلْهامِ: لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ أحَدٌ مِمَّنْ يُعْتَدُّ بِهِ أنَّ المُفْتِيَ الَّذِي تُتَلَقّى الأحْكامُ الشَّرْعِيَّةُ مِن قِبَلِهِ القَلْبُ، بَلْ مِنَ الحَدِيثِ: التَّحْذِيرُ مِنَ الشُّبَهِ؛ لِأنَّ الحَرامَ بَيِّنٌ والحَلالَ بَيِّنٌ، وبَيْنَهُما أُمُورٌ مُشْتَبِهَةٌ لا يَعْلَمُها كُلُّ النّاسِ.

فَقَدْ يُفْتِيكَ المُفْتِي بِحِلِّيَّةِ شَيْءٍ وأنْتَ تَعْلَمُ مِن طَرِيقٍ أُخْرى أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حَرامًا، وذَلِكَ بِاسْتِنادٍ إلى الشَّرْعِ، فَإنَّ قَلْبَ المُؤْمِنِ لا يَطْمَئِنُّ لِما فِيهِ الشُّبْهَةُ، والحَدِيثُ، كَقَوْلِهِ «دَعْ ما (p-٣٢٦)يَرِيبُكَ إلى ما لا يَرِيبُكَ» وقَوْلِـهِ ﷺ: «البِرُّ حُسْنُ الخُلُقِ، والإثْمُ ما حاكَ في نَفْسِكَ وكَرِهْتَ أنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النّاسُ» رَواهُ مُسْلِمٌ مِن حَدِيثِ النَّوّاسِ بْنِ سَمْعانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، «وَحَدِيثِ وابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ المُشارِ إلَيْهِ قالَ: أتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: ”جِئْتَ تَسْألُ عَنِ البِرِّ“ ؟ قُلْتُ نَعَمْ: قالَ: ”اسْتَفْتِ قَلْبَكَ، البِرُّ ما اطْمَأنَّتْ إلَيْهِ النَّفْسُ واطْمَأنَّ إلَيْهِ القَلْبُ، والإثْمُ ما حاكَ في النَّفْسِ وتَرَدَّدَ في الصَّدْرِ وإنْ أفْتاكَ النّاسُ وأفْتَوْكَ»“ قالَ النَّوَوِيُّ في) رِياضِ الصّالِحِينَ (: حَدِيثٌ حَسَنٌ، رَواهُ أحْمَدُ والدّارِمِيُّ في مُسْنَدَيْهِما، ولا شَكَّ أنَّ المُرادَ بِهَذا الحَدِيثِ ونَحْوِهِ الحَثُّ عَلى الوَرَعِ وتَرْكِ الشُّبُهاتِ، فَلَوِ التَبَسَتْ مَثَلًا مَيِّتَةٌ بِمُذَكّاةٍ، أوِ امْرَأةٌ مَحْرَمٌ بِأجْنَبِيَّةٍ، وأفْتاكَ بَعْضُ المُفْتِينَ بِحِلِّيَّةِ إحْداهُما لِاحْتِمالِ أنْ تَكُونَ هي المُذَكّاةُ في الأوَّلِ، والأجْنَبِيَّةُ في الثّانِي، فَإنَّكَ إذا اسْتَفْتَيْتَ قَلْبَكَ عَلِمْتَ أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ هي المَيِّتَةُ أوِ الأُخْتُ، وأنَّ تَرْكَ الحَرامِ والِاسْتِبْراءَ لِلدِّينِ والعِرْضِ لا يَتَحَقَّقُ إلّا بِتَجَنُّبِ الجَمِيعِ؛ لِأنَّ ما لا يَتِمُّ تَرْكُ الحَرامِ إلّا بِتَرْكِهِ فَتَرْكُهُ واجِبٌ، فَهَذا يَحِيكُ في النَّفْسِ ولا تَنْشَرِحُ لَهُ، لِاحْتِمالِ الوُقُوعِ في الحَرامِ فِيهِ كَما تَرى، وكُلُّ ذَلِكَ مُسْتَنِدٌ لِنُصُوصِ الشَّرْعِ لا لِلْإلْهامِ.

وَمِمّا يَدُلُّ عَلى ما ذَكَرْنا مِن كَلامِ أهْلِ الصُّوفِيَّةِ المَشْهُودِ لَهم بِالخَيْرِ والدِّينِ والصَّلاحِ قَوْلُ الشَّيْخِ أبِي القاسِمِ الجُنَيْدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الجُنَيْدِ الخَزّازِ القَوارِيرِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ: (مَذْهَبُنا هَذا مُقَيَّدٌ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ)، نَقَلَهُ عَنْهُ غَيْرُ واحِدٍ مِمَّنْ تَرْجَمَهُ رَحِمَهُ اللَّهُ، كابْنِ كَثِيرٍ وابْنِ خِلِّكانَ وغَيْرِهِما، ولا شَكَّ أنَّ كَلامَهُ المَذْكُورَ هو الحَقُّ، فَلا أمْرَ ولا نَهْيَ إلّا عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وبِهَذا كُلُّهُ تَعْلَمُ أنَّ قَتْلَ الخَضِرِ لِلْغُلامِ، وخَرْقَهُ لِلسَّفِينَةِ، وقَوْلَهُ: ﴿وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِي﴾، دَلِيلٌ ظاهِرٌ عَلى نُبُوَّتِهِ. وعَزا الفَخْرُ الرّازِيُّ في تَفْسِيرِهِ القَوْلَ بِنُبُوَّتِهِ لِلْأكْثَرِينَ، ومِمّا يَسْتَأْنِسُ بِهِ لِلْقَوْلِ بِنُبُوَّتِهِ تَواضُعُ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَهُ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أتَّبِعُكَ عَلى أنْ تُعَلِّمَنِ مِمّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف: ٦٦]، وقَوْلِـهِ: ﴿قالَ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا ولا أعْصِي لَكَ أمْرًا﴾ [الكهف: ٦٩]، مَعَ قَوْلِ الخَضِرِ لَهُ ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾، [الكهف: ٦٨] .

* *

مَسْألَةٌ

اعْلَمْ أنَّ العُلَماءَ اخْتَلَفُوا في الخَضِرِ: هَلْ هو حَيٌّ إلى الآنِ، أوْ هو غَيْرُ حَيٍّ، بَلْ مِمَّنْ ماتَ فِيما مَضى مِنَ الزَّمانِ ؟ فَذَهَبَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّهُ حَيٌّ، وأنَّهُ شَرِبَ مِن (p-٣٢٧)عَيْنٍ تُسَمّى عَيْنَ الحَياةِ، ومِمَّنْ نَصَرَ القَوْلَ بِحَياتِهِ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ، والنَّوَوِيُّ في شَرْحِ مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ، وابْنُ الصَّلاحِ، والنَّقّاشُ وغَيْرُهم، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وأطْنَبَ النَّقّاشُ لَهُ هَذا المَعْنى، يَعْنِي حَياةَ الخَضِرِ وبَقاءَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وذِكَرَ في كِتابِهِ أشْياءَ كَثِيرَةً عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، وكُلُّها لا تَقُومُ عَلى ساقٍ انْتَهى بِواسِطَةِ نَقْلِ القُرْطُبِيِّ في تَفْسِيرِهِ.

وَحِكاياتُ الصّالِحِينَ عَنِ الخَضِرِ أكْثَرُ مِن أنْ تُحْصَرَ، ودَعْواهم أنَّهُ يَحُجُّ هو وإلْياسُ كُلَّ سَنَةٍ، ويَرْوُونَ عَنْهُما بَعْضَ الأدْعِيَةِ، كُلُّ ذَلِكَ مَعْرُوفٌ، ومُسْتَنَدُ القائِلِينَ بِذَلِكَ ضَعِيفٌ جِدًّا؛ لِأنَّ غالِبَهُ حِكاياتٌ عَنْ بَعْضِ مَن يُظَنُّ بِهِ الصَّلاحُ، ومَناماتٌ وأحادِيثُ مَرْفُوعَةٌ عَنْ أنَسٍ وغَيْرِهِ، وكُلُّها ضَعِيفٌ لا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ.

وَمِن أقْواهُ عِنْدَ القائِلِينَ بِهِ آثارُ التَّعْزِيَةِ حِينَ تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ، وقَدْ ذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ في تَمْهِيدِهِ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: لَمّا تُوَفِّي النَّبِيُّ ﷺ وسُجِّيَ بِثَوْبٍ هَتَفَ هاتِفٌ مِن ناحِيَةِ البَيْتِ يَسْمَعُونَ صَوْتَهُ ولا يَرَوْنَ شَخْصَهُ: السَّلامُ عَلَيْكم ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ، السَّلامُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ١٨٥]، إنَّ في اللَّهِ خَلَفًا مِن كُلِّ هالِكٍ، وعِوَضًا مِن كُلِّ تالِفٍ، وعَزاءً مِن كُلِّ مُصِيبَةٍ فَبِاللَّهِ فَثِقُوا، وإيّاهُ فارْجُوا، فَإنَّ المُصابَ مَن حُرِمَ الثَّوابَ، فَكانُوا يَرَوْنَ أنَّهُ الخَضِرُ عَلَيْهِ السَّلامُ، يَعْنِي أصْحابَ النَّبِيِّ ﷺ، انْتَهى بِواسِطَةِ نَقْلِ القُرْطُبِيِّ في تَفْسِيرِهِ.

قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: والِاسْتِدْلالُ عَلى حَياةِ الخَضِرِ بِآثارِ التَّعْزِيَةِ كَهَذا الأثَرِ الَّذِي ذَكَرْنا آنِفًا مَرْدُودٌ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ: وحَكى النَّوَوِيُّ وغَيْرُهُ في بَقاءِ الخَضِرِ إلى الآنِ، ثُمَّ إلى يَوْمِ القِيامَةِ قَوْلَيْنِ، ومالَ هو وابْنُ الصَّلاحِ إلى بَقائِهِ، وذَكَرُوا في ذَلِكَ حِكاياتٍ عَنِ السَّلَفِ وغَيْرِهِمْ، وجاءَ ذِكْرُهُ في بَعْضِ الأحادِيثِ، ولا يَصِحُّ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، وأشْهَرُها حَدِيثُ التَّعْزِيَةِ وإسْنادُهُ ضَعِيفٌ ا هـ، مِنهُ.

الثّانِي: أنَّهُ عَلى فَرْضِ أنَّ حَدِيثَ التَّعْزِيَةِ صَحِيحٌ لا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ عَقْلًا ولا شَرْعًا ولا عِرْفانًا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ المُعَزِّي هو الخَضِرُ، بَلْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ غَيْرَ الخَضِرِ مِن مُؤْمِنِي الجِنِّ؛ لِأنَّ الجِنَّ هُمُ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿إنَّهُ يَراكم هو وقَبِيلُهُ مِن حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٢٧]، ودَعْوى أنَّ ذَلِكَ المُعَزِّيَ هو الخَضِرُ تَحَكُّمٌ بِلا دَلِيلٍ، وقَوْلُـهم: كانُوا يَرَوْنَ أنَّهُ الخَضِرُ لَيْسَ حُجَّةً يَجِبُ الرُّجُوعُ إلَيْها؛ لِاحْتِمالِ أنْ يُخْطِئُوا في ظَنِّهِمْ، ولا يَدُلَّ ذَلِكَ عَلى (p-٣٢٨)إجْماعٍ شَرْعِيٍّ مَعْصُومٍ، ولا مُتَمَسَّكَ لَهم في دَعْواهم أنَّهُ الخَضِرُ كَما تَرى.

قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: الَّذِي يَظْهَرُ لِي رُجْحانُهُ بِالدَّلِيلِ في هَذِهِ المَسْألَةِ أنَّ الخَضِرَ لَيْسَ بِحَيٍّ بَلْ تُوُفِّيَ، وذَلِكَ لِعِدَّةِ أدِلَّةٍ:

الأوَّلُ: ظاهِرُ عُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِن قَبْلِكَ الخُلْدَ أفَإنْ مِتَّ فَهُمُ الخالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٤]، فَقَوْلُهُ ”لِبَشَرٍ“ نَكِرَةٌ في سِياقِ النَّفْيِ فَهي تَعُمُّ كُلَّ بَشَرٍ، فَيَلْزَمُ مِن ذَلِكَ نَفْيُ الخُلْدِ عَنْ كُلِّ بَشَرٍ مِن قَبْلِهِ، والخَضِرُ بَشَرٌ مِن قَبْلِهِ، فَلَوْ كانَ شَرِبَ مِن عَيْنِ الحَياةِ وصارَ حَيًّا خالِدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ لَكانَ اللَّهُ قَدْ جَعَلَ لِذَلِكَ البَشَرِ الَّذِي هو الخَضِرُ مِن قَبْلِهِ الخُلْدَ.

الثّانِي: قَوْلُهُ ﷺ: «اللَّهُمَّ إنْ تُهْلِكْ هَذِهِ العِصابَةَ مِن أهْلِ الإسْلامِ لا تُعْبَدُ في الأرْضِ» فَقَدْ قالَ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ: حَدَّثَنا هَنّادُ بْنُ السَّرِيِّ، حَدَّثَنا ابْنُ المُبارَكِ عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمّارٍ، حَدَّثَنِي سِماكٌ الحَنَفِيُّ قالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبّاسٍ يَقُولُ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ قالَ: لَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ ) ح (وحَدَّثَنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ واللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ الحَنَفِيُّ، حَدَّثَنا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمّارٍ، حَدَّثَنِي أبُو زُمَيْلٍ هو زَمِيلٌ الحَنَفِيُّ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ قالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ قالَ: «لَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى المُشْرِكِينَ وهم ألْفٌ وأصْحابُهُ ثَلاثُمِائَةٍ وتِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، فاسْتَقْبَلَ النَّبِيُّ ﷺ القِبْلَةَ ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ فَجَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ: ”اللَّهُمَّ أنْجِزَ لِي ما وعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ إنْ تُهْلِكْ هَذِهِ العِصابَةَ مِن أهْلِ الإسْلامِ لا تُعْبَدُ في الأرْضِ“ فَما زالَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ مادًّا يَدَيْهِ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ حَتّى سَقَطَ رِداؤُهُ عَنْ مَنكِبَيْهِ، فَأتاهُ أبُو بَكْرٍ فَأخَذَ رِداءَهُ فَألْقاهُ عَلى مَنكِبَيْهِ ثُمَّ التَزَمَهُ مِن ورائِهِ وقالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ كَفاكَ مُناشَدَتُكَ رَبَّكَ، فَإنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ ما وعَدَكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكم فاسْتَجابَ لَكم أنِّي مُمِدُّكم بِألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: ٩]، فَأمَدَّهُ اللَّهُ بِالمَلائِكَةِ» . .، الحَدِيثَ، ومَحَلُّ الشّاهِدِ مِنهُ قَوْلُهُ ﷺ: «لا تُعْبَدُ في الأرْضِ» فِعْلٌ في سِياقِ النَّفْيِ فَهو بِمَعْنى: لا تَقَعُ عِبادَةٌ لَكَ في الأرْضِ؛ لِأنَّ الفِعْلَ يَنْحَلُّ عَنْ مَصْدَرٍ وزَمَنٍ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ، وعَنْ مَصْدَرٍ ونِسْبَةٍ وزَمَنٍ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ البَلاغِيِّينَ، فالمَصْدَرُ كامِنٌ في مَفْهُومِهِ إجْماعًا، فَيَتَسَلَّطُ عَلَيْهِ النَّفْيُ فَيُؤَوَّلُ إلى النَّكِرَةِ في سِياقِ النَّفْيِ، وهي مِن صِيَغِ العُمُومِ كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ في سُورَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“ وإلى كَوْنِ الفِعْلِ في سِياقِ النَّفْيِ والشَّرْطِ مِن صِيَغِ العُمُومِ أشارَ في مَراقِي السُّعُودِ بِقَوْلِهِ عاطِفًا عَلى ما يُفِيدُ العُمُومَ:(p-٣٢٩)

؎وَنَحْوُ لا شَرِبْتُ أوْ إنْ شَرِبا واتَّفَقُوا إنْ مَصْدَرٌ قَدْ جَلَبا

فَإذا عَلِمْتَ أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ ﷺ: «إنْ تُهْلِكْ هَذِهِ العِصابَةَ لا تُعْبَدُ في الأرْضِ» أيْ: لا تَقَعُ عِبادَةٌ لَكَ في الأرْضِ.

فاعْلَمْ أنَّ ذَلِكَ النَّفْيَ يَشْمَلُ بِعُمُومِهِ وُجُودَ الخَضِرِ حَيًّا في الأرْضِ؛ لِأنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ وجُودِهِ حَيًّا في الأرْضِ فَإنَّ اللَّهَ يُعْبَدُ في الأرْضِ، ولَوْ عَلى فَرْضِ هَلاكِ تِلْكَ العِصابَةِ مِن أهْلِ الإسْلامِ؛ لِأنَّ الخَضِرَ ما دامَ حَيًّا فَهو يَعْبُدُ اللَّهَ في الأرْضِ، وقالَ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَوْشَبٍ حَدَّثَنا عَبْدُ الوَهّابِ، حَدَّثَنا خالِدٌ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قالَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ: ”اللَّهُمَّ أنْشُدُكَ عَهْدَكَ ووَعْدَكَ، اللَّهُمَّ إنْ شِئْتَ لَمْ تُعْبَدْ في الأرْضِ“ فَأخَذَ أبُو بَكْرٍ بِيَدِهِ فَقالَ: حَسْبُكَ ! فَخَرَجَ وهو يَقُولُ: ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾» [القمر: ٤٥]، فَقَوْلُهُ ﷺ في هَذا الحَدِيثِ: «اللَّهُمَّ إنْ شِئْتَ لَمْ تُعْبَدْ في الأرْضِ» أيْ: إنْ شِئْتَ إهْلاكَ هَذِهِ الطّائِفَةِ مِن أهْلِ الإسْلامِ لَمْ تُعْبَدْ في الأرْضِ، فَيَرْجِعُ مَعْناهُ إلى الرِّوايَةِ الَّتِي ذَكَرْنا عَنْ مُسْلِمٍ في صَحِيحِهِ مِن حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وقَدْ بَيَّنّا وجْهَ الِاسْتِدْلالِ بِالحَدِيثِ عَنْ وفاةِ الخَضِرِ.

الثّالِثُ: إخْبارُهُ ﷺ بِأنَّهُ عَلى رَأْسِ مِائَةِ سَنَةٍ مِنَ اللَّيْلَةِ الَّتِي تَكَلَّمَ فِيها بِالحَدِيثِ لَمْ يَبْقَ عَلى وجْهِ الأرْضِ أحَدٌ مِمَّنْ هو عَلَيْها تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَلَوْ كانَ الخَضِرُ حَيًّا في الأرْضِ لَما تَأخَّرَ بَعْدَ المِائَةِ المَذْكُورَةِ، قالَ مُسْلِمُ بْنُ الحَجّاجِ رَحِمَهُ اللَّهُ في صَحِيحِهِ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ رافِعٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قالَ مُحَمَّدُ بْنُ رافِعٍ: حَدَّثَنا، وقالَ عَبْدٌ: أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ، أخْبَرَنا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، أخْبَرَنِي سالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وأبُو بَكْرِ بْنُ سُلَيْمانَ: أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قالَ: «صَلّى بِنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذاتَ لَيْلَةٍ صَلاةَ العِشاءِ في آخِرِ حَياتِهِ، فَلَمّا سَلَّمَ قامَ فَقالَ: ”أرَأيْتُكم لَيْلَتَكم هَذِهِ، فَإنَّ عَلى رَأْسِ مِائَةِ سَنَةٍ مِنها لا يَبْقى مِمَّنْ هو اليَوْمَ عَلى ظَهْرِها أحَدٌ“ . قالَ ابْنُ عُمَرَ: فَوَهَلَ النّاسُ في مَقالَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تِلْكَ فِيما يَتَحَدَّثُونَ مِن هَذِهِ الأحادِيثِ عَنْ مِائَةِ سَنَةٍ، وإنَّما قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”لا يَبْقى مِمَّنْ هو اليَوْمَ عَلى ظَهْرِ الأرْضِ أحَدٌ“، يُرِيدُ بِذَلِكَ أنْ يَنْخَرِمَ ذَلِكَ القَرْنُ»، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدّارِمِيِّ، أخْبَرَنا أبُو اليَمانِ أخْبَرَنا شُعَيْبٌ، ورَواهُ اللَّيْثُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خالِدِ بْنِ مُسافِرٍ، كِلاهُما عَنِ الزُّهْرِيِّ بِإسْنادِ مَعْمَرٍ كَمِثْلِ حَدِيثِهِ، حَدَّثَنِي هارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وحَجّاجُ بْنُ الشّاعِرِ قالا: حَدَّثَنا حَجّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قالَ: قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أخْبَرَنِي أبُو الزُّبَيْرِ أنَّهُ «سَمِعَ جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ قَبْلَ أنْ يَمُوتَ بِشَهْرٍ: ”تَسْألُونِي (p-٣٣٠)عَنِ السّاعَةِ وإنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ، وأقْسَمَ اللَّهُ ما عَلى الأرْضِ مِن نَفْسٍ مَنفُوسَةٍ تَأْتِي عَلَيْها مِائَةُ سَنَةٍ»“ حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ حاتِمٍ، حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أخْبَرَنا ابْنُ جُرَيْجٍ بِهَذا الإسْنادِ ولَمْ يَذْكُرْ ”قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَهْرٍ“ .

حَدَّثَنِي يَحْيى بْنُ حَبِيبٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأعْلى، كِلاهُما عَنِ المُعْتَمِرِ قالَ ابْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمانَ، قالَ: سَمِعْتُ أبِي، حَدَّثَنا أبُو نَضْرَةَ «عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ ذَلِكَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَهْرٍ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ: ”ما مِن نَفْسٍ مَنفُوسَةٍ اليَوْمَ تَأْتِي مِائَةُ سَنَةٍ وهي حَيَّةٌ يَوْمَئِذٍ“»، وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ صاحِبِ السِّقايَةِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِ ذَلِكَ، وفَسَّرَها عَبْدُ الرَّحْمَنِ قالَ: نَقَصُ العُمُرِ، حَدَّثَنا أبُو بَكْرِ بْنُ أبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنا يَزِيدُ بْنُ هارُونَ، أخْبَرَنا سُلَيْمانُ التَّيْمِيُّ بِالإسْنادَيْنِ جَمِيعًا مِثْلَهُ.

حَدَّثَنا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنا أبُو خالِدٍ عَنْ داوُدَ واللَّفْظُ لَهُ) ح (وحَدَّثَنا أبُو بَكْرِ بْنُ أبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنا سُلَيْمانُ بْنُ حَيّانَ عَنْ داوُدَ عَنْ أبِي نَضْرَةَ عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: «لَمّا رَجَعَ النَّبِيُّ ﷺ مِن تَبُوكَ سَألُوهُ عَنِ السّاعَةِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”لا تَأْتِي مِائَةٌ وعَلى الأرْضِ نَفْسٌ مَنفُوسَةٌ اليَوْمَ»“ حَدَّثَنِي إسْحاقُ بْنُ مَنصُورٍ، أخْبَرَنا أبُو الوَلِيدِ، أخْبَرَنا أبُو عَوانَةَ عَنْ حُصَيْنٍ عَنْ سالِمٍ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”ما مِن نَفْسٍ مَنفُوسَةٍ تَبْلُغُ مِائَةَ سَنَةٍ“ فَقالَ سالِمٌ: تَذاكَرْنا ذَلِكَ عِنْدَهُ: إنَّما هي كُلُّ نَفْسٍ مَخْلُوقَةٍ يَوْمَئِذٍ» ا هـ مِنهُ بِلَفْظِهِ.

فَهَذا الحَدِيثُ الصَّحِيحُ الَّذِي رَواهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ابْنُ عُمَرَ، وجابِرٌ، وأبُو سَعِيدٍ فِيهِ تَصْرِيحُ النَّبِيِّ ﷺ بِأنَّهُ لا تَبْقى نَفْسٌ مَنفُوسَةٌ حَيَّةً عَلى وجْهِ الأرْضِ بَعْدَ مِائَةِ سَنَةٍ، فَقَوْلُهُ ”نَفْسٌ مَنفُوسَةٌ“ ونَحْوُها مِنَ الألْفاظِ في رِواياتِ الحَدِيثِ نَكِرَةٌ في سِياقِ النَّفْيِ فَهي تَعُمُّ كُلَّ نَفْسٍ مَخْلُوقَةٍ عَلى الأرْضِ، ولا شَكَّ أنَّ ذَلِكَ العُمُومَ بِمُقْتَضى اللَّفْظِ يَشْمَلُ الخَضِرَ؛ لِأنَّهُ نَفْسٌ مَنفُوسَةٌ عَلى الأرْضِ، وقالَ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ: حَدَّثَنا أبُو اليَمانِ، أخْبَرَنا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: حَدَّثَنِي سالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وأبُو بَكْرِ بْنُ أبِي حَثْمَةَ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قالَ: «صَلّى النَّبِيُّ ﷺ صَلاةَ العِشاءِ في آخِرِ حَياتِهِ، فَلَمّا سَلَّمَ قامَ النَّبِيُّ ﷺ فَقالَ: ”أرَأيْتُكم لَيْلَتَكم هَذِهِ، فَإنَّ رَأْسَ مِائَةٍ لا يَبْقى مِمَّنْ هو اليَوْمَ عَلى ظَهْرِ الأرْضِ أحَدٌ“ فَوَهَلَ النّاسُ في مَقالَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى ما يَتَحَدَّثُونَ مِن هَذِهِ الأحادِيثِ عَنْ مِائَةٍ سَنَةٍ: وإنَّما قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”لا يَبْقى مِمَّنْ هو اليَوْمَ عَلى ظَهْرِ الأرْضِ“ يُرِيدُ بِذَلِكَ أنَّها تَخْرِمُ ذَلِكَ القَرْنَ» انْتَهى مِنهُ بِلَفْظِهِ، وقَدْ بَيَّنّا وجْهَ دَلالَتِهِ عَلى المُرادِ قَرِيبًا.

(p-٣٣١)الرّابِعُ: أنَّ الخَضِرَ لَوْ كانَ حَيًّا إلى زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ لَكانَ مِن أتْباعِهِ، ولَنَصَرَهُ وقاتَلَ مَعَهُ؛ لِأنَّهُ مَبْعُوثٌ إلى جَمِيعِ الثَّقَلَيْنِ الإنْسِ والجِنِّ، والآياتُ الدّالَّةُ عَلى عُمُومِ رِسالَتِهِ كَثِيرَةٌ جِدًّا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ ياأيُّها النّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨]، وقَوْلِـهِ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿وَما أرْسَلْناكَ إلّا كافَّةً لِلنّاسِ﴾ [سبإ: ٢٨]، ويُوَضِّحُ هَذا أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في سُورَةِ ”آلِ عِمْرانَ“: أنَّهُ أخَذَ عَلى جَمِيعِ النَّبِيِّينَ المِيثاقَ المُؤَكَّدَ أنَّهم إنْ جاءَهم نَبِيُّنا ﷺ مُصَدِّقًا لِما مَعَهم أنْ يُؤْمِنُوا بِهِ ويَنْصُرُونَهُ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكم مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكم لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أأقْرَرْتُمْ وأخَذْتُمْ عَلى ذَلِكم إصْرِي قالُوا أقْرَرْنا قالَ فاشْهَدُوا وأنا مَعَكم مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ ﴿فَمَن تَوَلّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ٨١ - ٨٢] .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском