Ash-ShinqitiMaryam · 19:19–23

Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic

Maryam 19:19–23

19:19Page 306

قَالَ إِنَّمَآ أَنَا۠ رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَٰمٗا زَكِيّٗا ١٩

He said, "I am only the messenger of your Lord to give you [news of] a pure boy [i.e., son]."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكِ لِأهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾، ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ ذَلِكَ الرُّوحَ الَّذِي هو جِبْرِيلُ قالَ لَها إنَّهُ رَسُولُ رَبِّها لِيَهَبَ لَها، أيْ: لِيُعْطِيَها غُلامًا، أيْ: ولَدًا ”زَكِيًّا“ أيْ: طاهِرًا مِنَ الذُّنُوبِ والمَعاصِي، كَثِيرَ البَرَكاتِ، وبَيَّنَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ كَثِيرًا مِن صِفاتِ هَذا الغُلامِ المَوْهُوبِ لَها، وهو عِيسى عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ، كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنهُ اسْمُهُ المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ وجِيهًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ ومِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ ﴿وَيُكَلِّمُ النّاسَ في المَهْدِ وكَهْلًا ومِنَ الصّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ٤٥ - ٤٦]، وقَوْلِهِ: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الكِتابَ والحِكْمَةَ والتَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ ﴿وَرَسُولًا إلى بَنِي إسْرائِيلَ أنِّي قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكم أنِّي أخْلُقُ لَكم مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإذْنِ اللَّهِ وأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ وأُحْيِي المَوْتى بِإذْنِ اللَّهِ وأُنَبِّئُكم بِما تَأْكُلُونَ وما تَدَّخِرُونَ في بُيُوتِكُمْ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ٤٨ - ٤٩]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ المُشْتَمِلَةِ عَلى صِفاتِ هَذا الغُلامِ، وقَرَأ هَذا الحَرْفَ أبُو عَمْرٍو ووَرْشٌ عَنْ نافِعٍ وقالُونُ عَنْهُ أيْضًا بِخُلْفٍ عَنْهُ ”لِيَهَبَ“ بِالياءِ المَفْتُوحَةِ بَعْدَ اللّامِ أيْ: لِيَهَبَ لَكِ هو، أيْ رَبُّكِ ”غُلامًا زَكِيًّا“ وقَرَأ الباقُونَ ”لِأهَبَ“ بِهَمْزَةِ المُتَكَلِّمِ أيْ: لِأهَبَ لَكِ أنا أيُّها الرَّسُولُ مِن رَبِّكِ غُلامًا زَكِيًّا، وفي مَعْنى إسْنادِهِ الهِبَةَ إلى نَفْسِهِ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ خِلافٌ مَعْرُوفٌ بَيْنَ العُلَماءِ، وأظْهَرُ الأقْوالِ في ذَلِكَ عِنْدِي: أنَّ المُرادَ بِقَوْلِ جِبْرِيلَ لَها ﴿قالَ إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكِ لِأهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾، أيْ: لِأكُونَ سَبَبًا في هِبَةِ الغُلامِ (p-٣٨٧)بِالنَّفْخِ في الدِّرْعِ الَّذِي وصَلَ إلى الفَرْجِ، فَصارَ بِسَبَبِهِ حَمْلُها عِيسى، وبَيَّنَ تَعالى في سُورَةِ ”التَّحْرِيمِ“ أنَّ هَذا النَّفْخَ في فَرْجِها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِن رُوحِنا﴾ الآيَةَ [التحريم: ١٢]، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ”فِيهِ“ راجِعٌ إلى فَرْجِها ولا يُنافِي ذَلِكَ قَوْلَهُ تَعالى في ”الأنْبِياءِ“: ﴿والَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيها مِن رُوحِنا﴾ [الأنبياء: ٩١]؛ لِأنَّ النَّفْخَ وصَلَ إلى الفَرْجِ فَكانَ مِنهُ حَمْلُ عِيسى، وبِهَذا فَسَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ في الكَشّافِ الآيَةَ.

وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: قَوْلُ جِبْرِيلَ ﴿لِأهَبَ لَكِ غُلامًا﴾، حِكايَةٌ مِنهُ لِقَوْلِ اللَّهِ جَلَّ وعَلا، وعَلَيْهِ فالمَعْنى: إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكَ، وقَدْ قالَ لِي أرْسَلْتُكَ لِأهَبَ غُلامًا. والأوَّلُ أظْهَرُ، وفي الثّانِي بُعْدٌ عَنْ ظاهِرِ اللَّفْظِ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: جَعَلَ الهِبَةَ مِن قِبَلِهِ لَمّا كانَ الإعْلامُ بِها مِن قِبَلِهِ، وبِهَذا صَدَّرَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ، وأظْهَرُها الأوَّلُ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

19:20Page 306

قَالَتۡ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَٰمٞ وَلَمۡ يَمۡسَسۡنِي بَشَرٞ وَلَمۡ أَكُ بَغِيّٗا ٢٠

She said, "How can I have a boy while no man has touched me and I have not been unchaste?"

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَتْ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ولَمْ أكُ بَغِيًّا﴾، ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ مَرْيَمَ لَمّا بَشَّرَها جِبْرِيلُ بِالغُلامِ الزَّكِيِّ عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَتْ: ﴿أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ [مريم: ٢٠]، أيْ: كَيْفَ ألِدُ غُلامًا والحالُ أنِّي لَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ، تَعْنِي: لَمْ يُجامِعْنِي زَوْجٌ بِنِكاحٍ، ﴿وَلَمْ أكُ بَغِيًّا﴾، أيْ: لَمْ أكُ زانِيَةً، وإذا انْتَفى عَنْها مَسِيسُ الرِّجالِ حَلالًا وحَرامًا فَكَيْفَ تَحْمِلُ، والظّاهِرُ أنَّ اسْتِفْهامَها اسْتِخْبارٌ واسْتِعْلامٌ عَنِ الكَيْفِيَّةِ الَّتِي يَكُونُ فِيها حَمْلُ الغُلامِ المَذْكُورِ؛ لِأنَّها مَعَ عَدَمِ مَسِيسِ الرِّجالِ لَمْ تَتَّضِحْ لَها الكَيْفِيَّةُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِفْهامُها تَعَجُّبٌ مِن كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، وهَذا الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ جَلَّ وعَلا عَنْها أنَّها قالَتْهُ هُنا ذَكَرَهُ عَنْها أيْضًا في سُورَةِ ”آلِ عِمْرانَ“ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يامَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنهُ اسْمُهُ المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ وجِيهًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ ومِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ ﴿وَيُكَلِّمُ النّاسَ في المَهْدِ وكَهْلًا ومِنَ الصّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ٤٥]، ﴿قالَتْ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي ولَدٌ ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ [آل عمران: ٤٧] واقْتِصارُها في آيَةِ ”آلِ عِمْرانَ“ عَلى قَوْلِها: ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾، يَدُلُّ عَلى أنَّ مَسِيسَ البَشَرِ المَنفِيَّ عَنْها شامِلٌ لِلْمَسِيسِ بِنِكاحٍ والمَسِيسِ بِزِنًى، كَما هو الظّاهِرُ، وعَلَيْهِ فَقَوْلُها في سُورَةِ ”مَرْيَمَ“: ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ولَمْ أكُ بَغِيًّا﴾ [مريم: ٢٠]، يَظْهَرُ فِيهِ أنَّ قَوْلَها ﴿وَلَمْ أكُ بَغِيًّا﴾: تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ؛ لِأنَّ مَسِيسَ البَشَرِ يَشْمَلُ الحَلالَ (p-٣٨٨)والحَرامَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في الكَشّافِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى هُنا: ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ولَمْ أكُ بَغِيًّا﴾: جَعَلَ المَسَّ عِبارَةً عَنِ النِّكاحِ الحَلالِ لِأنَّهُ كِنايَةٌ عَنْهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٧٣]، ﴿أوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ﴾ [النساء: ٤٣]، والزِّنى لَيْسَ كَذَلِكَ، إنَّما يُقالُ فِيهِ: فَجَرَ بِها، وخَبُثَ بِها وما أشْبَهَ ذَلِكَ، ولَيْسَ بِقَمِنٍ أنْ تُراعى فِيهِ الكِناياتُ والآدابُ. اهـ.

والأظْهَرُ الأوَّلُ، وآيَةُ آلِ عِمْرانَ تَدُلُّ عَلَيْهِ، ويُؤَيِّدُهُ أنَّ لَفْظَةَ ”بَشَرٌ“ نَكِرَةٌ في سِياقِ النَّفْيِ فَهي تَعُمُّ كُلَّ بَشَرٍ، فَيَنْتَفِي مَسِيسُ كُلِّ بَشَرٍ كائِنًا مَن كانَ. والبَغِيُّ: المُجاهِرَةُ المُشْتَهِرَةُ بِالزِّنى، ووَزْنُهُ فَعُولٌ عِنْدَ المُبَرِّدِ، اجْتَمَعَتْ فِيهِ واوٌ وياءٌ سُبِقَتْ إحْداهُما بِالسُّكُونِ، فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتْ في الياءِ وكُسِرَ ما قَبْلَها لِأجْلِ الياءِ كَما كُسِرَتْ في عِصِيٍّ ودِلِيٍّ جَمْعُ عَصًا ودَلْوٍ، كَما قَدَّمْنا هَذا مِرارًا، والقائِلُ بِأنَّ أصْلَ ”البَغِيِّ“ فَعُولٌ، يَقُولُ: لَوْ كانَ أصْلُهُ ”فَعِيلًا“ لَلَحِقَتْهُ هاءُ التَّأْنِيثِ؛ لِأنَّها لازِمَةٌ في ”فَعِيلٍ“ بِمَعْنى ”فاعِلٍ“ وقالَ ابْنُ جِنِّيٍّ في كِتابِ التَّمامِ: أصْلُ البَغِيِّ عَلى وزْنِ ”فَعِيلٍ“ ولَوْ كانَ ”فَعُولًا“ لَقِيلَ: بَغُوٌّ، كَما قِيلَ: فُلانٌ نَهُوٌّ عَنِ المُنْكَرِ، وعَلى هَذا القَوْلِ فَقَدْ يُجابُ عَنْ عَدَمِ لُحُوقِ تاءِ التَّأْنِيثِ، بِأنَّ البَغِيَّ وصْفٌ مُخْتَصٌّ بِالإناثِ، والرَّجُلُ يُقالُ فِيهِ باغٍ لا بَغِيٌّ، كَما قالَهُ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ، والأوْصافُ المُخْتَصَّةُ بِالإناثِ لا تَحْتاجُ إلى تاءِ الفَرْقِ بَيْنَ الذَّكَرِ والأُنْثى كَحائِضٍ، كَما عَقَدَهُ ابْنُ مالِكٍ في الكافِيَةِ بِقَوْلِهِ:

؎وَما مِنَ الصِّفاتِ بِالأُنْثى يُخَصّ عَنْ تاءٍ اسْتَغْنى لِأنَّ اللَّفْظَ نَصّ

19:21Page 306

قَالَ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٞۖ وَلِنَجۡعَلَهُۥٓ ءَايَةٗ لِّلنَّاسِ وَرَحۡمَةٗ مِّنَّاۚ وَكَانَ أَمۡرٗا مَّقۡضِيّٗا ٢١

He said, "Thus [it will be]; your Lord says, 'It is easy for Me, and We will make him a sign to the people and a mercy from Us. And it is a matter [already] decreed.'"

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ كَذَلِكِ قالَ رَبُّكِ هو عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ .

قَدْ قَدَّمْنا تَفْسِيرَ هَذِهِ الآيَةِ مُسْتَوْفًى في قِصَّةِ زَكَرِيّا، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ هُنا.

وَقَوْلُ جِبْرِيلَ لِمَرْيَمَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿قالَ كَذَلِكِ قالَ رَبُّكِ هو عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ [مريم: ٢١]، أيْ: وسَتَلِدِينَ ذَلِكَ الغُلامَ المُبَشَّرَ بِهِ مِن غَيْرِ أنْ يَمَسَّكِ بَشَرٌ، وقَدْ أشارَ تَعالى إلى مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ ”آلِ عِمْرانَ“ في قَوْلِهِ: ﴿قالَتْ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي ولَدٌ ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٤٧] .

* *

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ ورَحْمَةً مِنّا وكانَ أمْرًا مَقْضِيًّا﴾، ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ مِن حِكَمِ خَلْقِهِ عِيسى مِنِ امْرَأةٍ بِغَيْرِ زَوْجٍ لِيَجْعَلَ ذَلِكَ آيَةً لِلنّاسِ، أيْ عَلامَةً دالَّةً عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ، وأنَّهُ تَعالى يَخْلُقُ ما يَشاءُ كَيْفَ (p-٣٨٩)يَشاءُ: إنْ شاءَ خَلَقَهُ مِن أُنْثى بِدُونِ ذَكَرٍ كَما فَعَلَ بِعِيسى، وإنْ شاءَ خَلَقَهُ مِن ذَكَرٍ بِدُونِ أُنْثى كَما فَعَلَ بِحَوّاءَ، كَما نَصَّ عَلى ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَخَلَقَ مِنها زَوْجَها﴾ [النساء: ١]، أيْ: خَلَقَ مِن تِلْكَ النَّفْسِ الَّتِي هي آدَمُ زَوْجَها حَوّاءَ، وإنْ شاءَ خَلَقَهُ بِدُونِ الذَّكَرِ والأُنْثى مَعًا كَما فَعَلَ بِآدَمَ، وإنْ شاءَ خَلَقَهُ مِن ذَكَرٍ وأُنْثى كَما فَعَلَ بِسائِرِ بَنِي آدَمَ، فَسُبْحانَ اللَّهِ العَظِيمِ القادِرِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، وما ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِن كَوْنِهِ جَعَلَ عِيسى آيَةً حَيْثُ ولَدَتْهُ أُمُّهُ مِن غَيْرِ زَوْجٍ، أشارَ لَهُ أيْضًا في ”الأنْبِياءِ“ بِقَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلْناها وابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ٩١]، وفي ”الفَلاحِ“ بِقَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلْنا ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ آيَةً وآوَيْناهُما﴾ الآيَةَ [ ٢٣

] .

وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ﴾ [مريم: ٢١]، فِيهِ حَذْفٌ دَلَّ المَقامُ عَلَيْهِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في الكَشّافِ: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ﴾ تَعْلِيلٌ مُعَلَّلُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: ولِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ فَعَلْنا ذَلِكَ، أوْ هو مَعْطُوفٌ عَلى تَعْلِيلٍ مُضْمَرٍ، أيْ: لِنُبَيِّنَ بِهِ قُدْرَتَنا ولِنَجْعَلَهُ آيَةً، ونَحْوُهُ: ﴿وَخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ ولِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [الجاثية: ٢٢]، وقَوْلُهُ: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ ولِنُعَلِّمَهُ﴾ [يوسف: ٢١] اهـ.

وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَرَحْمَةً مِنّا﴾، أيْ: لِمَن آمَنَ بِهِ، ومَن كَفَرَ بِهِ فَلَمْ يَبْتَغِ الرَّحْمَةَ لِنَفْسِهِ، كَما قالَ تَعالى في نَبِيِّنا ﷺ: ﴿وَما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] .

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكانَ أمْرًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: ٢١]، أيْ: وكانَ وُجُودُ ذَلِكَ الغُلامِ مِنكِ أمْرًا مَقْضِيًّا، أيْ: مُقَدَّرًا في الأزَلِ، مَسْطُورًا في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ لا بُدَّ مِن وُقُوعِهِ، فَهو واقِعٌ لا مَحالَةَ.

19:22Page 306

۞ فَحَمَلَتۡهُ فَٱنتَبَذَتۡ بِهِۦ مَكَانٗا قَصِيّٗا ٢٢

So she conceived him, and she withdrew with him to a remote place.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَحَمَلَتْهُ فانْتَبَذَتْ بِهِ مَكانًا قَصِيًّا﴾ ﴿فَأجاءَها المَخاضُ إلى جِذْعِ النَّخْلَةِ قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذا وكُنْتُ نَسْيًا مَنسِيًّا﴾، ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ مَرْيَمَ حَمَلَتْ عِيسى، فَقَوْلُهُ: ﴿فَحَمَلَتْهُ﴾، أيْ: عِيسى ﴿فانْتَبَذَتْ بِهِ﴾، أيْ: تَنَحَّتْ بِهِ وبَعُدَتْ مُعْتَزِلَةً عَنْ قَوْمِها ﴿مَكانًا قَصِيًّا﴾، أيْ: في مَكانٍ بَعِيدٍ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ المَكانَ المَذْكُورَ بَيْتُ لَحْمٍ، وفِيهِ أقْوالٌ أُخَرُ غَيْرُ ذَلِكَ. وقَوْلُهُ: ﴿فَأجاءَها المَخاضُ﴾، أيْ: ألْجَأها الطَّلْقُ إلى جِذْعِ النَّخْلَةِ، أيْ: جِذْعِ نَخْلَةٍ في ذَلِكَ المَكانِ، والعَرَبُ تَقُولُ: جاءَ فُلانٌ، و: أجاءَهُ غَيْرُهُ: إذا حَمَلَهُ عَلى المَجِيءِ، (p-٣٩٠)وَمِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:

؎وَجارٍ سارَ مُعْتَمِدًا إلَيْنا أجاءَتْهُ المَخافَةُ والرَّجاءُ

وَقَوْلُ حَسّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:

؎إذْ شَدَدْنا شَدَّةً صادِقَةً فاجَأْناكم ∗∗∗ إلى سَفْحِ الجَبَلِ والمَخاضُ

: الطَّلْقُ، وهو وجَعُ الوِلادَةِ، وسُمِّيَ مَخاضًا مِنَ المَخْضِ، وهو الحَرَكَةُ الشَّدِيدَةُ لِشِدَّةِ تَحَرُّكِ الجَنِينِ في بَطْنِها إذا أرادَ الخُرُوجَ.

وَقَوْلُهُ: ﴿قالَتْ يالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذا وكُنْتُ نَسْيًا مَنسِيًّا﴾ [مريم: ٢٣]، تَمَنَّتْ أنْ تَكُونَ قَدْ ماتَتْ قَبْلَ ذَلِكَ ولَمْ تَكُنْ شَيْئًا يُذْكَرُ، فَإذا عَرَفْتَ مَعْنى هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ فاعْلَمْ أنَّهُ هُنا لَمْ يُبَيِّنْ كَيْفِيَّةَ حَمْلِها بِهِ، ولَمْ يُبَيِّنْ هَلْ هَذا الَّذِي تَنَحَّتْ عَنْهم مِن أجْلِهِ، وتَمَنَّتْ مِن أجْلِهِ أنْ تَكُونَ ماتَتْ قَبْلَ ذَلِكَ وكانَتْ نَسْيًا مَنسِيًّا، وهو خَوْفُها مِن أنْ يَتَّهِمُوها بِالزِّنى، وأنَّها جاءَتْ بِذَلِكَ الغُلامِ مِن زِنًى - وقَعَتْ فِيهِ أوْ سَلِمَتْ مِنهُ، ولَكِنَّهُ تَعالى بَيَّنَ كُلَّ ذَلِكَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، فَأشارَ إلى أنَّ كَيْفِيَّةَ حَمْلِها أنَّهُ نَفَحَ فِيها فَوَصَلَ النَّفْخُ إلى فَرْجِها فَوَقَعَ الحَمْلُ بِسَبَبِ ذَلِكَ، كَما قالَ: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِن رُوحِنا﴾ [التحريم: ١٢]، وقالَ: ﴿والَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيها مِن رُوحِنا﴾ الآيَةَ [الأنبياء: ٩١]، والَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ مِنَ العُلَماءِ: أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ النَّفْخِ نَفْخُ جِبْرِيلَ فِيها بِإذْنِ اللَّهِ فَحَمَلَتْ، كَما تَدُلُّ لِذَلِكَ قِراءَةُ الجُمْهُورِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكِ لِأهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾ [مريم: ١٨]، كَما تَقَدَّمَ، ولا يُنافِي ذَلِكَ إسْنادُ اللَّهِ جَلَّ وعَلا النَّفْخَ المَذْكُورَ لِنَفَسِهِ في قَوْلِهِ: ﴿فَنَفَخْنا﴾ لِأنَّ جِبْرِيلَ إنَّما أوْقَعَهُ بِإذْنِهِ وأمْرِهِ ومَشِيئَتِهِ، وهو تَعالى الَّذِي خَلَقَ الحَمْلَ مِن ذَلِكَ النَّفْخِ، فَجِبْرِيلُ لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى أنْ يَخْلُقَ الحَمْلَ مِن ذَلِكَ النَّفْخِ ومِن أجْلِ كَوْنِهِ بِإذْنِهِ ومَشِيئَتِهِ وأمْرِهِ تَعالى، ولا يُمْكِنُ أنْ يَقَعَ النَّفْخُ المَذْكُورُ ولا وُجُودُ الحَمْلِ مِنهُ إلّا بِمَشِيئَتِهِ جَلَّ وعَلا - أسْنَدَهُ إلى نَفْسِهِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

وَقَوْلُ مَن قالَ: إنَّ فَرْجَها الَّذِي نَفَخَ فِيهِ المَلَكُ هو جَيْبُ دِرْعِها ظاهِرُ السُّقُوطِ، بَلِ النَّفْخُ الواقِعُ في جَيْبِ الدِّرْعِ وصَلَ إلى الفَرْجِ المَعْرُوفِ فَوَقَعَ الحَمْلُ.

وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى في مَواضِعَ أُخَرَ، أنَّ ذَلِكَ الَّذِي خافَتْ مِنهُ وهو قَذْفُهم لَها بِالفاحِشَةِ قَدْ وقَعَتْ فِيهِ، ولَكِنَّ اللَّهَ بَرَّأها، وذَلِكَ

• كَقَوْلِهِ عَنْهم: ﴿قالُوا يامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٧]، يَعْنُونَ الفاحِشَةَ،

• وقَوْلِهِ عَنْهم، ﴿ياأُخْتَ هارُونَ ما كانَ أبُوكِ امْرَأ سَوْءٍ وما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم: ٢٨]، (p-٣٩١)يَعْنُونَ فَكَيْفَ فَجَرْتِ أنْتِ وجِئْتِ بِهَذا الوَلَدِ ؟

• وكَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وَبِكُفْرِهِمْ

• وقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١٥٦] .

وَقَوْلُهُ: ﴿مَكانًا قَصِيًّا﴾، القَصِيُّ: البَعِيدُ، ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ:

؎لَتَقْعُدِنَّ مَقْعَدَ القَصِيِّ ∗∗∗ مِنِّيَ ذِي القاذُورَةِ المَقْلِيِّ

؎أوْ تَحْلِفِي بِرَبِّكِ العَلِيِّ ∗∗∗ أنِّي أبُو ذَيّالِكَ الصَّبِيِّ

وَهَذا المَكانُ القَصِيُّ قَدْ وصَفَهُ اللَّهُ تَعالى في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلْنا ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ آيَةً وآوَيْناهُما إلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ ومَعِينٍ﴾ [ ٢٣

]، وقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿فانْتَبَذَتْ بِهِ﴾، أيْ: انْتَبَذَتْ وهو في بَطْنِها، والإشارَةُ في قَوْلِهِ ”هَذا“ إلى الحَمْلِ والمَخاضِ الَّذِي أصابَها لِلْوَضْعِ.

وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَنْها: ﴿وَكُنْتُ نَسْيًا مَنسِيًّا﴾، النِّسْيُ والنَّسْيُ بِالكَسْرِ وبِالفَتْحِ: هو ما مِن حَقِّهِ أنْ يُطْرَحَ ويُنْسى لِحَقارَتِهِ، كَخِرَقِ الحَيْضِ، وكالوَتَدِ والعَصا، ونَحْوِ ذَلِكَ، ومِن كَلامِ العَرَبِ إذا ارْتَحَلُوا عَنِ الدّارِ قَوْلُهم: انْظُرُوا أنَساءَكم. جَمْعُ نَسْيٍ أيِ الأشْياءُ الحَقِيرَةُ الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ تُتْرَكَ وتُنْسى كالعَصا والوَتَدِ، ونَحْوِ ذَلِكَ، فَقَوْلُها ﴿وَكُنْتُ نَسْيًا﴾ أيْ شَيْئًا تافِهًا حَقِيرًا مِن حَقِّهِ أنْ يُتْرَكَ ويُنْسى عادَةً، وقَوْلُها ﴿مَنسِيًّا﴾ تَعْنِي أنَّ ذَلِكَ الشَّيْءَ التّافِهَ الَّذِي مِن عادَتِهِ أنْ يُتْرَكَ ويُنْسى قَدْ نُسِيَ وطُرِحَ بِالفِعْلِ فَوُجِدَ فِيهِ النِّسْيانُ الَّذِي هو حَقُّهُ، وأقْوالُ المُفَسِّرِينَ في الآيَةِ راجِعَةٌ إلى ما ذَكَرْنا، ومِن إطْلاقِ النَّسْيِ عَلى ما ذَكَرْنا قَوْلُ الكُمَيْتِ:

؎أتَجْعَلُنا جِسْرًا لِكَلْبِ قُضاعَةَ ∗∗∗ ولَسْتُ بِنَسْيٍ في مُعَدٍّ ولا دَخَلْ

فَقَوْلُهُ ”بِنَسْيٍ“ أيْ: شَيْءٌ تافِهٌ مَنسِيٌّ، وقَوْلُ الشَّنْفَرى:

؎كَأنَّ لَها في الأرْضِ نَسْيًا تَقُصُّهُ ∗∗∗ عَلى أمِّها وإنْ تُحَدِّثْكَ تَبْلَتِ

فَقَوْلُهُ ”نَسْيًا“ أيْ: شَيْءٌ تَرَكَتْهُ ونَسِيَتْهُ، وقَوْلُهُ ”تَبْلَتِ“ بِفَتْحِ التّاءِ وسُكُونِ الباءِ المُوَحَّدَةِ وفَتْحِ اللّامِ بَعْدَها تاءُ التَّأْنِيثِ، أيْ: تَقْطَعُ كَلامَها مِنَ الحَياءِ، والبَلْتُ في اللُّغَةِ: القَطْعُ.

وَقَرَأ نافِعٌ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ ﴿يالَيْتَنِي مِتُّ﴾ بِكَسْرِ المِيمِ، وقَرَأ الباقُونَ ”مُتُّ“ بِضَمِّ المِيمِ، وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وحَمْزَةُ ”وَكُنْتُ نَسْيًا“ بِفَتْحِ النُّونِ، والباقُونَ بِكَسْرِها، وهُما لُغَتانِ فَصِيحَتانِ، وقِراءَتانِ صَحِيحَتانِ.

* *

(p-٣٩٢)تَنْبِيهٌ

قِراءَةُ ”مِتُّ“ بِكَسْرِ المِيمِ كَثِيرًا ما يَخْفى عَلى طَلَبَةِ العِلْمِ وجْهُها؛ لِأنَّ لُغَةَ ”ماتَ يَمُوتُ“ لا يَصِحُّ مِنها ”مِتُّ“ بِكَسْرِ المِيمِ، ووَجْهُ القِراءَةِ بِكَسْرِ المِيمِ أنَّهُ مِن ماتَ يَماتُ، كَخافَ يَخافُ، لا مِن ماتَ يَمُوتُ، كَقالَ يَقُولُ. فَلَفْظُ ”ماتَ“ فِيها لُغَتانِ عَرَبِيَّتانِ فَصِيحَتانِ، الأُولى مِنهُما مَوَتَ بِفَتْحِ الواوِ فَأُبْدِلَتِ الواوُ ألِفًا عَلى القاعِدَةِ التَّصْرِيفِيَّةِ المُشارِ لَها بِقَوْلِهِ في الخُلاصَةِ:

؎مِن ياءٍ أوْ واوٍ بِتَحْرِيكٍ أصِلْ ألِفًا ابْدِلْ بَعْدَ فَتْحٍ مُتَّصِلْ

إنْ حُرِّكَ الثّانِي. . . إلَخْ،وَمُضارِعُ هَذِهِ المَفْتُوحَةِ ”يَمُوتُ“ بِالضَّمِّ عَلى القِياسِ وفي هَذِهِ ونَحْوِها إنْ أُسْنِدَ الفِعْلُ إلى تاءِ الفاعِلِ أوْ نُونِهِ سَقَطَتِ العَيْنُ بِالِاعْتِلالِ وحُرِّكَتِ الفاءُ بِحَرَكَةٍ تُناسِبُ العَيْنَ، والحَرَكَةُ المُناسِبَةُ لِلْواوِ هي الضَّمَّةُ، فَتَقُولُ ”مُتُّ“ بِضَمِّ المِيمِ، ولا يَجُوزُ غَيْرُ ذَلِكَ.

الثّانِيَةُ أنَّها ”مَوِتَ“ بِكَسْرِ الواوِ، أُبْدِلَتِ الواوُ ألِفًا لِلْقاعِدَةِ المَذْكُورَةِ آنِفًا، ومُضارِعُ هَذِهِ ”يَماتُ“ بِالفَتْحِ؛ لِأنَّ ”فَعِلَ“ بِكَسْرِ العَيْنِ يَنْقاسُ في مُضارِعِها بِـ ”فَعَلَ“ بِفَتْحِ العَيْنِ، كَما قالَ ابْنُ مالِكٍ في اللّامِيَّةِ:

؎وافْتَحْ مَوْضِعَ الكَسْرِ في المَبْنِيِّ مِن فَعَلا

وَيُسْتَثْنى مِن هَذِهِ القاعِدَةِ كَلِماتٌ مَعْرُوفَةٌ سَماعِيَّةٌ تُحْفَظُ ولا يُقاسُ عَلَيْها، والمُقَرَّرُ في فَنِّ الصَّرْفِ أنَّ كُلَّ فِعْلٍ ثُلاثِيٍّ أجْوَفَ - أعْنِي مُعْتَلَّ العَيْنِ - إذا كانَ عَلى وزْنِ فَعِلَ بِكَسْرِ العَيْنِ، أوْ فَعُلَ بِضَمِّها، فَإنَّهُ إذا أُسْنِدَ إلى تاءِ الفاعِلِ أوْ نُونِهِ تَسْقُطُ عَيْنُهُ بِالِاعْتِلالِ وتُنْقَلُ حَرَكَةُ عَيْنِهِ السّاقِطَةِ بِالِاعْتِلالِ إلى الفاءِ فَتُكْسَرُ فاؤُهُ إنْ كانَ مِن فَعِلَ بِكَسْرِ العَيْنِ، وتُضَمُّ إنْ كانَ مِن فَعُلَ بِضَمِّها، مِثالُ الأوَّلِ ”مِتُّ“ مِن ماتَ يَماتُ؛ لِأنَّ أصْلَها ”مَوِتَ“ بِالكَسْرِ وكَذَلِكَ خافَ يَخافُ، ونامَ يَنامُ، فَإنَّكَ تَقُولُ فِيها ”مِتُّ“ بِكَسْرِ المِيمِ، و ”نِمْتُ“ بِكَسْرِ النُّونِ، ”وَخِفْتُ“ بِكَسْرِ الخاءِ؛ لِأنَّ حَرَكَةَ العَيْنِ نُقِلَتْ إلى الفاءِ وهي الكَسْرَةُ، ومِثالُهُ في الضَّمِّ ”طالَ“ فَأصْلُها ”طَوُلَ“ بِضَمِّ الواوِ فَتَقُولُ فِيها ”طُلْتُ“ بِالضَّمِّ لِنَقْلِ حَرَكَةِ العَيْنِ إلى الفاءِ، أمّا إذا كانَ الثُّلاثِيُّ مِن فَعَلَ بِفَتْحِ العَيْنِ كَماتَ يَمُوتُ، وقالَ يَقُولُ، فَإنَّ العَيْنَ تَسْقُطُ بِالِاعْتِلالِ وتُحَرَّكُ الفاءُ بِحَرَكَةٍ مُناسِبَةٍ لِلْعَيْنِ السّاقِطَةِ فَتُضَمُّ الفاءُ إنْ كانَتِ العَيْنُ السّاقِطَةُ واوًا كَماتَ يَمُوتُ، وقالَ يَقُولُ، فَتَقُولُ مُتُّ وقُلْتُ، بِالضَّمِّ. وتُكْسَرُ الفاءُ إنْ (p-٣٩٣)كانَتِ العَيْنُ السّاقِطَةُ ياءً، كَباعَ وسارَ، فَتَقُولُ: بِعْتُ وسِرْتُ بِالكَسْرِ فِيهِما، وإلى هَذا أشارَ ابْنُ مالِكٍ في اللّامِيَّةِ بِقَوْلِهِ:

؎وانْقُلْ لِفاءِ الثُّلاثِيِّ

؎فِي شَكْلِ عَيْنٍ إذا اعْتَلَّتْ ∗∗∗ وكانَ بِـ ”نا“ الإضْمارِ

؎مُتَّصِلا أوْ نَوِّنْهُ وإذا فُتِحا يَكُونُ مِنهُ ∗∗∗ اعْتَضَّ مُجانِسَ تِلْكَ العَيْنِ مُنْتَقِلا

واعْلَمْ أنَّ ماتَ يَماتُ، مِن فَعِلَ بِالكَسْرِ يَفْعَلُ بِالفَتْحِ لُغَةٌ فَصِيحَةٌ، ومِنها قَوْلُ الرّاجِزِ:

؎بُنَيَّتِي سَيِّدَةَ البَناتِ ∗∗∗ عِيشِي ولا نَأْمَنُ أنْ تَماتِ

وَأمّا ماتَ يَمِيتُ فَهي لُغَةٌ ضَعِيفَةٌ، وقَدْ أشارَ إلى اللُّغاتِ الثَّلاثِ - الفَصِيحَتَيْنِ والرَّدِيَّةِ - بَعْضُ أُدَباءِ قُطْرِ شِنْقِيطَ في بَيْتِ رَجَزٍ هو قَوْلُهُ:

؎مَن مَنَعَتْ زَوْجَتُهُ مِنهُ المَبِيتَ ∗∗∗ ماتَ يَمُوتُ ويَماتُ ويَمِيتُ

وَأقْوالُ العُلَماءِ في قَدْرِ المُدَّةِ الَّتِي حَمَلَتْ فِيها مَرْيَمُ بِعِيسى قَبْلَ الوَضْعِ لَمْ نَذْكُرْها؛ لِعَدَمِ دَلِيلٍ عَلى شَيْءٍ مِنها، وأظْهَرُها أنَّهُ حَمْلٌ كَعادَةِ حَمْلِ النِّساءِ وإنْ كانَ مَنشَؤُهُ خارِقًا لِلْعادَةِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

19:23Page 306

فَأَجَآءَهَا ٱلۡمَخَاضُ إِلَىٰ جِذۡعِ ٱلنَّخۡلَةِ قَالَتۡ يَٰلَيۡتَنِي مِتُّ قَبۡلَ هَٰذَا وَكُنتُ نَسۡيٗا مَّنسِيّٗا ٢٣

And the pains of childbirth drove her to the trunk of a palm tree. She said, "Oh, I wish I had died before this and was in oblivion, forgotten."

No commentary for this ayah

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском