Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic
Maryam 19:26–34, continued
(p-٤١٠)قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ: الَّذِي يَظْهَرُ لِي رُجْحانُهُ في المَسْألَةِ: أنَّ الإشارَةَ إنْ دَلَّتْ عَلى المَعْنى دَلالَةً واضِحَةً لا شَكَّ في المَقْصُودِ مَعَها أنَّها تَقُومُ مَقامَ النُّطْقِ مُطْلَقًا، ما لَمْ تَكُنْ في خُصُوصِ اللَّفْظِ أهَمِّيَّةٌ مَقْصُودَةٌ مِن قِبَلِ الشّارِعِ، فَإنْ كانَتْ فِيهِ فَلا تَقُومُ الإشارَةُ مَقامَهُ كَأيْمانِ اللِّعانِ، فَإنَّ اللَّهَ نَصَّ عَلَيْها بِصُورَةٍ مُعَيَّنَةٍ، فالظّاهِرُ أنَّ الإشارَةَ لا تَقُومُ مَقامَها وكَجَمِيعِ الألْفاظِ المُتَعَبَّدِ بِها فَلا تَكْفِي فِيها الإشارَةُ، واللَّهُ جَلَّ وعَلا أعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾، أيْ: إمْساكًا عَنِ الكَلامِ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، والصَّوْمُ في اللُّغَةِ: الإمْساكُ، ومِنهُ قَوْلُ نابِغَةَ ذُبْيانَ:
؎خَيْلٌ صِيامٌ وخَيْلٌ غَيْرُ صائِمَةٍ ∗∗∗ تَحْتَ العَجاجِ وأُخْرى تَعْلُكُ اللُّجُما
فَقَوْلُهُ: ”خَيْلٌ صِيامٌ“ أيْ: مُمْسِكَةٌ عَنِ الجَرْيِ، وقِيلَ عَنِ العَلَفِ ”وَخَيْلٌ غَيْرُ صائِمَةٍ“ أيْ: غَيْرُ مُمْسِكَةٍ عَمّا ذُكِرَ.
وَقَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎كَأنَّ الثُّرَيّا عُلِّقَتْ في مَصامِها ∗∗∗ بِأمْراسِ كَتّانٍ إلى صُمِّ جَنْدَلِ
فَقَوْلُهُ: ”في مَصامِها“ أيْ: مَكانَ صَوْمِها، يَعْنِي إمْساكَها عَنِ الحَرَكَةِ، وهَذا القَوْلُ هو الصَّحِيحُ في مَعْنى الآيَةِ، أنَّ المُرادَ بِالصَّوْمِ الإمْساكُ عَنِ الكَلامِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَعْدَهُ: ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ اليَوْمَ إنْسِيًّا﴾، وهو قَوْلُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ، وقالَ ابْنُ حَجَرٍ) في الفَتْحِ في بابِ اللِّعانِ (وقَدْ ثَبَتَ مِن حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وأنَسِ بْنِ مالِكٍ: أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ أيْ: صَمْتًا، أخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ وغَيْرُهُ. اهـ. وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: المُرادُ بِالصَّوْمِ في الآيَةِ: هو الصَّوْمُ الشَّرْعِيُّ المَعْرُوفُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣]، وعَلَيْهِ فالمُرادُ أنَّهم كانُوا إذا صامُوا في شَرِيعَتِهِمْ حَرُمَ عَلَيْهِمُ الكَلامُ كَما يَحْرُمُ عَلَيْهِمُ الطَّعامُ، والصَّوابُ في مَعْنى الآيَةِ الأوَّلُ، وعَلَيْهِ فَهَذا النَّذْرُ الَّذِي نَذَرَتْهُ ألّا تُكَلِّمَ اليَوْمَ إنْسِيًّا كانَ جائِزًا في شَرِيعَتِهِمْ، أمّا في الشَّرِيعَةِ الَّتِي جاءَنا بِها نَبِيُّنا ﷺ فَلا يَجُوزُ ذَلِكَ النَّذْرُ ولا يَجِبُ الوَفاءُ بِهِ، قالَ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ: حَدَّثَنا مُوسى بْنُ إسْماعِيلَ، حَدَّثَنا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنا أيُّوبُ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «بَيْنا النَّبِيُّ يَخْطُبُ إذا هو بَرَجُلٍ قائِمٍ فَسَألَ عَنْهُ فَقالُوا: أبُو إسْرائِيلَ نَذَرَ أنْ يَقُومَ ولا يَقْعُدُ ولا يَسْتَظِلُّ ولا يَتَكَلَّمُ ويَصُومُ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ، ”مُرْهُ فَلْيَتَكَلَّمْ، ولْيَسْتَظِلَّ ولْيَقْعُدْ ولْيُتِمَّ صَوْمَهُ“» قالَ عَبْدُ الوَهّابِ: حَدَّثَنا أيُّوبُ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ (p-٤١١)النَّبِيِّ ﷺ . اهـ.
وَقالَ ابْنُ حَجَرٍ ”في الفَتْحِ“ في الكَلامِ عَلى هَذا الحَدِيثِ وفي حَدِيثِهِ أنَّ السُّكُوتَ عَنِ المُباحِ لَيْسَ مِن طاعَةِ اللَّهِ، وقَدْ أخْرَجَ أبُو داوُدَ مِن حَدِيثِ عَلِيٍّ «وَلا صَمْتَ يَوْمٍ إلى اللَّيْلِ» وتَقَدَّمَ في السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ قَوْلُ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ إنَّ هَذا - يَعْنِي الصَّمْتَ - مِن فِعْلِ الجاهِلِيَّةِ، وفِيهِ أنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَتَأذّى بِهِ الإنْسانُ ولَوْ مَآلًا مِمّا لَمْ يَرِدْ بِمَشْرُوعِيَّتِهِ كِتابٌ أوْ سُنَّةٌ، كالمَشْيِ حافِيًا، والجُلُوسِ في الشَّمْسِ لَيْسَ هو مِن طاعَةِ اللَّهِ، فَلا يَنْعَقِدُ بِهِ النَّذْرُ، فَإنَّهُ ﷺ أمَرَ أبا إسْرائِيلَ بِإتْمامِ الصَّوْمِ دُونَ غَيْرِهِ، وهو مَحْمُولٌ عَلى أنَّهُ عَلِمَ أنَّهُ لا يَشُقُّ عَلَيْهِ، وأمَرَهُ أنْ يَقْعُدَ ويَتَكَلَّمَ ويَسْتَظِلَّ، قالَ القُرْطُبِيُّ: في قِصَّةِ أبِي إسْرائِيلَ: هَذِهِ أوْضَحُ الحُجَجِ لِلْجُمْهُورِ في عَدَمِ وُجُوبِ الكَفّارَةِ عَلى مَن نَذَرَ مَعْصِيَةً، أوْ ما لا طاعَةَ فِيهِ، قالَ مالِكٌ لَمّا ذَكَرَهُ: ولَمْ أسْمَعْ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أمَرَهُ بِالكَفّارَةِ، انْتَهى كَلامُ صاحِبِ) فَتْحِ البارِي (وقَدْ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِها: وقَدْ نَهى ﷺ عَنْ صَوْمِ الصَّمْتِ، فَقالَ ابْنُ حَجَرٍ في) الكافِي الشّافْ في تَخْرِيجِ أحادِيثِ الكَشّافْ (: لَمْ أرَهُ هَكَذا، وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ مِن حَدِيثِ جابِرٍ بِلَفْظِ «لا صَمْتَ يَوْمٍ إلى اللَّيْلِ» وفِيهِ حِزامُ بْنُ عُثْمانَ وهو ضَعِيفٌ، ولِأبِي داوُدَ مِن حَدِيثِ عَلِيٍّ مِثْلُهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في تَفْسِيرِ سُورَةِ ”النِّساءِ“ .
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿فَإمّا تَرَيِنَّ﴾، مَعْناهُ فَإنْ تَرَيْ مِنَ البَشَرِ أحَدًا، فَلَفَظَةُ ”إمّا“ مُرَكَّبَةٌ مِن ”إنْ“ الشَّرْطِيَّةِ و ”ما“ المَزِيدَةِ لِتَوْكِيدِ الشَّرْطِ، والأصْلُ تَرْأيَيْنَ عَلى وزْنِ تَفْعَلَيْنَ، تَحَرَّكَتِ الياءُ الَّتِي هي لامُ الكَلِمَةِ وانْفَتَحَ ما قَبْلَها وجَبَ قَلْبُها ألِفًا فَصارَتْ تَرْآيْنَ، فَحُذِفَتِ الهَمْزَةَ ونُقِلَتْ حَرَكَتُها إلى الرّاءِ؛ لِأنَّ اللُّغَةَ الفُصْحى الَّتِي هي الأغْلَبُ في كَلامِ العَرَبِ حَذْفُ هَمْزَةِ رَأى في المُضارِعِ والأمْرِ، ونَقْلُ حَرَكَتِها إلى الرّاءِ فَصارَتْ تَرايْنَ، فالتَقى السّاكِنانِ فَحُذِفَ الأوَّلُ وهو الألِفُ، فَصارَ تَرَيْنَ فَدَخَلَتْ عَلَيْهِ نُونُ التَّوْكِيدِ الثَّقِيلَةُ فَحُذِفَتْ نُونُ الرَّفْعِ مِن أجْلِها هي، والجازِمُ الَّذِي هو ”إنْ“ الشَّرْطِيَّةُ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما بِانْفِرادِهِ يُوجِبُ حَذْفَ نُونِ الرَّفْعِ، فَصارَ تَرَيْنَ، فالتَقى ساكِنانِ هُما الياءُ السّاكِنَةُ والنُّونُ الأُولى السّاكِنَةُ مِن نُونِ التَّوْكِيدِ المُثَقَّلَةِ؛ لِأنَّ كُلَّ حَرْفٍ مُشَدَّدٍ فَهو حَرْفانِ، فَحُرِّكَتِ الياءُ بِحَرَكَةٍ تُناسِبُها وهي الكَسْرَةُ فَصارَتْ تَرَيْنَ، كَما أشارَ إلى هَذا ابْنُ مالِكٍ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ:
؎واحْذِفْهُ مِن رافِعِ هاتَيْنِ وفي ∗∗∗ واوٍ ويا شَكْلٌ مُجانِسٌ قُفِي
؎نَحْوِ اخْشَيْنَ يا هِنْدُ بِالكَسْرِ ويا ∗∗∗ قَوْمِ اخْشَوُنْ واضْمُمْ وقِسْ مُسْوِيا
(p-٤١٢)وَما ذَكَرْنا مِن أنَّ هَمْزَةَ ”رَأى“ تُحْذَفُ في المُضارِعِ والأمْرِ هو القِياسُ المُطَّرِدُ في كَلامِ العَرَبِ وبَقاؤُها عَلى الأصْلِ مَسْمُوعٌ، ومِنهُ قَوْلُ سُراقَةَ بْنِ مِرْداسٍ البارِقِيِّ الأصْغَرِ:
؎أُرِي عَيْنَيَّ ما لَمْ تَرْأياهُ ∗∗∗ كِلانا عالِمٌ بِالتُّرَّهاتِ
وَقَوْلُ الأعْلَمِ بْنِ جَرادَةَ السَّعْدِيِّ، أوْ شاعِرٍ مِن تَيْمِ الرَّبابِ:
؎ألَمْ تَرْأ ما لاقَيْتُ والدَّهْرُ أعْصُرُ، ∗∗∗ ومَن يَتَمَلَّ الدَّهْرَ يَرْأ ويَسْمَعِ
وَقَوْلُ الآخَرِ:
؎أحِنُّ إذا رَأيْتُ جِبالَ نَجْدٍ ∗∗∗ ولا أرْأى إلى نَجْدٍ سَبِيلا
وَنُونُ التَّوْكِيدِ في العَمَلِ المُضارِعِ بَعْدَ ”إمّا“ لازِمَةٌ عِنْدَ بَعْضِ عُلَماءِ العَرَبِيَّةِ، ومِمَّنْ قالَ بِلُزُومِها بَعْدَ ”إمّا“ كَقَوْلِهِ هُنا: ﴿فَإمّا تَرَيِنَّ مِنَ البَشَرِ أحَدًا﴾،: المُبَرِّدُ والزَّجّاجُ، ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ والفارِسِيِّ وجَماعَةٍ أنَّ نُونَ التَّوْكِيدِ في الفِعْلِ المُضارِعِ بَعْدَ ”إمّا“ غَيْرُ لازِمَةٍ، ويَدُلُّ لَهُ كَثْرَةُ وُرُودِهِ في شِعْرِ العَرَبِ، كَقَوْلِ الأعْشى مَيْمُونِ بْنِ قَيْسٍ:
؎فَإمّا تَرَيْنِي ولِي لِمَّةٌ ∗∗∗ فَإنَّ الحَوادِثَ أرْدى بِها
وَقَوْلِ لَبِيدِ بْنِ رَبِيعَةَ:
؎فَإمّا تَرَيْنِي اليَوْمَ أصْبَحْتُ سالِمًا ∗∗∗ فَلَسْتُ بِأحْيا مِن كِلابٍ وجَعْفَرِ
وَقَوْلِ الشَّنْفَرى:
؎فَإمّا تَرَيْنِي كابْنَةِ الرَّمْلِ ضاحِيًا ∗∗∗ عَلى رِقَّةٍ أُحْفِي ولا أتَنَعَّلُ
وَقَوْلِ الأفْوَهِ الأوْدِيِّ:
؎إمّا تَرَيْ رَأْسِي أزْرى بِهِ ∗∗∗ مَأْسَرُ زَمانٍ ذِي انْتِكاسٍ مَئُوسِ
وَقَوْلِ الآخَرِ:
؎زَعَمَتْ تُماضِرُ أنَّنِي إمّا أمُتْ ∗∗∗ يُسَدِّدْ بُنَيُّوها الأصاغِرُ خَلَّتِي
وَقَوْلِ الآخَرِ:
؎يا صاحِ إمّا تَجِدُنِي غَيْرَ ذِي جَدَّةٍ ∗∗∗ فَما التَّخَلِّي عَنِ الخُلّانِ مِن شِيَمِي
وَأمْثالُ هَذا كَثِيرَةٌ في شِعْرِ العَرَبِ.
والمُبَرِّدُ والزَّجّاجُ يَقُولانِ: إنَّ حَذْفَ النُّونِ في الأبْياتِ المَذْكُورَةِ ونَحْوِها إنَّما هو لِضَرُورَةِ الشِّعْرِ، ومَن خالَفَهم كَسِيبَوَيْهَ والفارِسِيِّ (p-٤١٣)يَمْنَعُونَ كَوْنَهُ لِلضَّرُورَةِ، ويَقُولُونَ: إنَّهُ جائِزٌ مُطْلَقًا، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
19:27Page 307
فَأَتَتۡ بِهِۦ قَوۡمَهَا تَحۡمِلُهُۥۖ قَالُواْ يَٰمَرۡيَمُ لَقَدۡ جِئۡتِ شَيۡـٔٗا فَرِيّٗا ٢٧
Then she brought him to her people, carrying him. They said, "O Mary, you have certainly done a thing unprecedented.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ ﴿يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أبُوكِ امْرَأ سَوْءٍ وما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾، لَمّا اطْمَأنَّتْ مَرْيَمُ بِسَبَبِ ما رَأتْ مِنَ الآياتِ الخارِقَةِ لِلْعادَةِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها آنِفًا أتَتْ بِهِ ) أيْ بِعِيسى (قَوْمَها تَحْمِلُهُ غَيْرَ مُحْتَشِمَةٍ ولا مُكْتَرِثَةٍ بِما يَقُولُونَ، فَقالُوا لَها: ﴿يامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٧]، قالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وغَيْرُ واحِدٍ: ”فَرِيًّا“، أيْ: عَظِيمًا، وقالَ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ: ”فَرِيًّا“ أيْ: مُخْتَلَقًا مُفْتَعَلًا، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ والأخْفَشُ: ”فَرِيًّا“ أيْ: عَجِيبًا نادِرًا.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ: الَّذِي يُفْهَمُ مِنَ الآياتِ القُرْآنِيَّةِ أنَّ مُرادَهم بِقَوْلِهِمْ ﴿لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾، أيْ: مُنْكَرًا عَظِيمًا؛ لِأنَّ ”الفَرِيَّ“ فَعِيلٌ مِنَ الفِرْيَةِ، يَعْنُونَ بِهِ الزِّنى؛ لِأنَّ ولَدَ الزِّنى كالشَّيْءِ المُفْتَرى المُخْتَلَقِ؛ لِأنَّ الزّانِيَةَ تَدَّعِي إلْحاقَهُ بِمَن لَيْسَ أباهُ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ مُرادَهم بِقَوْلِهِمْ ”فَرِيًّا“ الزِّنى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١٥٦]، لِأنَّ ذَلِكَ البُهْتانَ العَظِيمَ الَّذِي هو ادِّعاؤُهم أنَّها زَنَتْ، وجاءَتْ بِعِيسى مِن ذَلِكَ الزِّنى) حاشاها وحاشاهُ مِن ذَلِكَ (هو المُرادُ بِقَوْلِهِمْ لَها: ﴿لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾، ويَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى بَعْدَهُ: ﴿ياأُخْتَ هارُونَ ما كانَ أبُوكِ امْرَأ سَوْءٍ وما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾، والبَغِيُّ الزّانِيَةُ كَما تَقَدَّمَ، يَعْنُونَ كانَ أبَواكِ عَفِيفَيْنِ لا يَفْعَلانِ الفاحِشَةَ، فَما لَكِ أنْتِ تَرْتَكِبِينَها ! ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ ولَدَ الزِّنى كالشَّيْءِ المُفْتَرى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أيْدِيهِنَّ وأرْجُلِهِنَّ﴾ [الممتحنة: ١٢]، قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أيْدِيهِنَّ وأرْجُلِهِنَّ﴾، أيْ: ولا يَأْتِينَ بِوَلَدِ زِنًى يَقْصِدْنَ إلْحاقَهُ بِرَجُلٍ لَيْسَ أباهُ، هَذا هو الظّاهِرُ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ القُرْآنُ في مَعْنى الآيَةِ، وكُلُّ عَمَلٍ أجادَهُ عامِلُهُ فَقَدْ فَراهُ لُغَةً، ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ وهو زُرارَةُ بْنُ صَعْبِ بْنِ دَهْرٍ: ∗∗∗ وَقَدْ أطْعَمْتِنِي دَقْلًا حَوْلِيّا مُسَوَّسًا مُدَوَّدًا حَجَرِيّا
؎قَدْ كُنْتِ تَفْرِينَ بِهِ الفَرِيّا
يَعْنِي: تَعْمَلِينَ بِهِ العَمَلَ العَظِيمَ، والظّاهِرُ أنَّهُ يَقْصِدُ أنَّها تُؤَكِّلُهُ أكْلًا لَمًّا عَظِيمًا.
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿ياأُخْتَ هارُونَ﴾، لَيْسَ المُرادُ بِهِ هارُونَ بْنَ (p-٤١٤)عِمْرانَ أخا مُوسى، كَما يَظُنُّهُ بَعْضُ الجَهَلَةِ، وإنَّما هو رَجُلٌ آخَرُ صالِحٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ يُسَمّى هارُونَ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ لَيْسَ هارُونَ أخا مُوسى ما رَواهُ مُسْلِمٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى في صَحِيحِهِ: حَدَّثَنا أبُو بَكْرِ بْنُ أبِي شَيْبَةَ، ومُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وأبُو سَعِيدٍ الأشَجُّ، ومُحَمَّدُ بْنُ المُثَنّى العَنْزِيُّ - واللَّفْظُ لِابْنِ نُمَيْرٍ - قالُوا: حَدَّثَنا ابْنُ إدْرِيسَ عَنْ أبِيهِ، عَنْ سِماكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وائِلٍ، «عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قالَ: لَمّا قَدِمْتُ نَجْرانَ سَألُونِي فَقالُوا: إنَّكم تَقْرَءُونَ: ﴿ياأُخْتَ هارُونَ﴾، ومُوسى قَبْلُ عِيسى بِكَذا وكَذا، فَلَمّا قَدِمْتُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَألْتُهُ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: ”إنَّهم كانُوا يُسَمُّونَ بِأنْبِيائِهِمْ والصّالِحِينَ قَبْلَهم“» اهـ، هَذا لَفْظُ مُسْلِمٍ في الصَّحِيحِ، وهو دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ رَجُلٌ آخَرُ غَيْرُ هارُونَ أخِي مُوسى، ومَعْلُومٌ أنَّ هارُونَ أخا مُوسى قَبْلَ مَرْيَمَ بِزَمَنٍ طَوِيلٍ، وقالَ ابْنُ حَجَرٍ في) الكافِي الشّافْ في تَخْرِيجِ أحادِيثِ الكَشّافْ ( في قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ: إنَّما عَنَوْا هارُونَ النَّبِيَّ، ما نَصُّهُ: لَمْ أجِدْهُ هَكَذا إلّا عِنْدَ الثَّعْلَبِيِّ بِغَيْرِ سَنَدٍ، ورَواهُ الطَّبَرِيُّ عَنِ السُّدِّيِّ قَوْلَهُ، ولَيْسَ بِصَحِيحٍ، فَإنَّ عِنْدَ مُسْلِمٍ والنَّسائِيِّ والتِّرْمِذِيِّ «عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قالَ: بَعَثَنِي النَّبِيُّ ﷺ إلى نَجْرانَ فَقالُوا لِي: أرَأيْتُمْ شَيْئًا تَقْرَءُونَهُ ﴿ياأُخْتَ هارُونَ﴾ وبَيْنَ مُوسى وعِيسى ما شاءَ اللَّهُ مِنَ السِّنِينَ، فَلَمْ أدْرِ ما أُجِيبُهم. فَقالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ: ”هَلّا أخْبَرْتَهم أنَّهم كانُوا يُسَمُّونَ بِأسْماءِ أنْبِيائِهِمْ والصّالِحِينَ مِن قَبْلِهِمْ“» ورَوى الطَّبَرِيُّ مِن طَرِيقِ ابْنِ سِيرِينَ: نُبِّئْتُ أنَّ كَعْبًا قالَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿ياأُخْتَ هارُونَ﴾، لَيْسَ بِهارُونَ أخِي مُوسى، فَقالَتْ لَهُ عائِشَةُ: كَذَبْتَ. فَقالَ لَها: يا أُمَّ المُؤْمِنِينَ، إنْ كانَ النَّبِيُّ ﷺ قالَ فَهو أعْلَمُ، وإلّا فَإنِّي أجِدُ بَيْنَهُما سِتَّمِائَةِ سَنَةٍ. انْتَهى كَلامُ ابْنِ حَجَرٍ.
وَقالَ صاحِبُ الدُّرِّ المَنثُورِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأُخْتَ هارُونَ﴾: أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ حِبّانَ والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قالَ: «بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى نَجْرانَ» . . .، إلى آخِرِ الحَدِيثِ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا، وبِهَذا الحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي رَأيْتَ إخْراجَ هَؤُلاءِ الجَماعَةِ لَهُ، وقَدْ قَدَّمْناهُ بِلَفْظِهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ في صَحِيحِهِ تَعْلَمُ أنَّ قَوْلَ مَن قالَ: إنَّ المُرادَ هارُونُ أخُو مُوسى، باطِلٌ سَواءٌ قِيلَ إنَّها أُخْتُهُ، أوْ أنَّ المُرادَ بِأنَّها أُخْتُهُ أنَّها مِن ذُرِّيَّتِهِ، كَما يُقالُ لِلرَّجُلِ: يا أخا تَمِيمٍ، والمُرادُ يا أخا بَنِي تَمِيمٍ؛ لِأنَّهُ مِن ذُرِّيَّةِ تَمِيمٍ، ومِن هَذا القَبِيلِ قَوْلُهُ: ﴿واذْكُرْ أخا عادٍ﴾ [الأحقاف: ٢١]؛ لِأنَّ هُودًا إنَّما قِيلَ لَهُ أخُو عادٍ لِأنَّهُ مِن ذُرِّيَّتِهِ، فَهو أخُو بَنِي عادٍ، وهُمُ المُرادُ بِعادٍ في الآيَةِ؛ لِأنَّ (p-٤١٥)المُرادَ بِها القَبِيلَةُ لا الجِدُّ، وإذا حَقَّقْتَ أنَّ المُرادَ بِهارُونَ في الآيَةِ غَيْرُ هارُونَ أخِي مُوسى، فاعْلَمْ أنَّ بَعْضَ العُلَماءِ، قالَ: إنَّ لَها أخًا اسْمُهُ هارُونَ، وبَعْضَهم يَقُولُ: إنَّ هارُونَ المَذْكُورَ رَجُلٌ مِن قَوْمِها مَشْهُورٌ بِالصَّلاحِ، وعَلى هَذا فالمُرادُ بِكَوْنِها أُخْتَهُ أنَّها تُشْبِهُهُ في العِبادَةِ والتَّقْوى، وإطْلاقُ اسْمِ الأخِ عَلى النَّظِيرِ المُشابِهِ مَعْرُوفٌ في القُرْآنِ وفي كَلامِ العَرَبِ، فَمِنهُ في القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما نُرِيهِمْ مِن آيَةٍ إلّا هي أكْبَرُ مِن أُخْتِها﴾ الآيَةَ [الزخرف: ٤٨]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ المُبَذِّرِينَ كانُوا إخْوانَ الشَّياطِينِ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ٢٧]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإخْوانُهم يَمُدُّونَهم في الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٢]، ومِنهُ في كَلامِ العَرَبِ قَوْلُهُ:
؎وَكُلُّ أخٍ يُفارِقُهُ أخُوهُ ∗∗∗ لَعَمْرُ أبِيكَ إلّا الفَرْقَدانِ
فَجَعَلَ الفَرْقَدَيْنِ أخَوَيْنِ.
وَكَثِيرًا ما تُطْلِقُ العَرَبُ اسْمَ الأخِ عَلى الصَّدِيقِ والصّاحِبِ، ومِن إطْلاقِهِ عَلى الصّاحِبِ قَوْلُ القُلاخِ بْنِ حَزْنٍ:
؎أخا الحَرْبِ لَبّاسًا إلَيْها جِلالَها ∗∗∗ ولَيْسَ بِوَلّاجِ الخَوالِفِ أعْقَلا
فَقَوْلُهُ: ”أخا الحَرْبِ“ يَعْنِي صاحِبَها.
وَمِنهُ قَوْلُ الرّاعِي، وقِيلَ لِأبِي ذُؤَيْبٍ:
؎عَشِيَّةَ سُعْدى لَوْ تَراءَتْ لِراهِبٍ ∗∗∗ بِدَوْمَةٍ تَجْرٌ دُونَهُ وحَجِيجُ
؎قَلى دِينَهُ واهْتاجَ لِلشَّوْقِ إنَّها ∗∗∗ عَلى النَّأْيِ إخْوانُ العَزاءِ هَيُوجُ
فَقَوْلُهُ ”إخْوانُ العَزاءِ“ يَعْنِي أصْحابَ الصَّبْرِ.
19:28Page 307
يَٰٓأُخۡتَ هَٰرُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمۡرَأَ سَوۡءٖ وَمَا كَانَتۡ أُمُّكِ بَغِيّٗا ٢٨
O sister [i.e., descendant] of Aaron, your father was not a man of evil, nor was your mother unchaste."
No commentary for this ayah
19:29Page 307
فَأَشَارَتۡ إِلَيۡهِۖ قَالُواْ كَيۡفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي ٱلۡمَهۡدِ صَبِيّٗا ٢٩
So she pointed to him. They said, "How can we speak to one who is in the cradle a child?"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأشارَتْ إلَيْهِ﴾ .
مَعْنى إشارَتِها إلَيْهِ: أنَّهم يُكَلِّمُونَهُ فَيُخْبِرُهم بِحَقِيقَةِ الأمْرِ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّ هَذا هو مُرادُها بِإشارَتِها إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى بَعْدَهُ: ﴿قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كانَ في المَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم: ٢٩]، فالفِعْلُ الماضِي الَّذِي هو ”كانَ“ بِمَعْنى الفِعْلِ المُضارِعِ المُقْتَرِنِ بِالحالِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
19:30Page 307
قَالَ إِنِّي عَبۡدُ ٱللَّهِ ءَاتَىٰنِيَ ٱلۡكِتَٰبَ وَجَعَلَنِي نَبِيّٗا ٣٠
[Jesus] said, "Indeed, I am the servant of Allāh. He has given me the Scripture and made me a prophet.
قَوْلُهُ تَعالى:
﴿قالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الكِتابَ وجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ ﴿وَجَعَلَنِي مُبارَكًا أيْنَ ما كُنْتُ وأوْصانِي بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا﴾ ﴿وَبَرًّا بِوالِدَتِي ولَمْ يَجْعَلْنِي جَبّارًا شَقِيًّا﴾ ﴿والسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ ويَوْمَ أمُوتُ ويَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ .
(p-٤١٦)ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ أوَّلَ كَلِمَةٍ نَطَقَ لَهم بِها عِيسى وهو صَبِيٌّ في مَهْدِهِ أنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ، وفي ذَلِكَ أعْظَمُ زَجْرٍ لِلنَّصارى عَنْ دَعْواهم أنَّهُ اللَّهُ أوِ ابْنُهُ أوْ إلَهٌ مَعَهُ وهَذِهِ الكَلِمَةُ الَّتِي نَطَقَ بِها عِيسى في أوَّلِ خِطابِهِ لَهم ذَكَرَها اللَّهُ جَلَّ وعَلا عَنْهُ في مَواضِعَ أُخَرَ،
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقالَ المَسِيحُ يابَنِي إسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ [المائدة: ٧٢]،
• وقَوْلِهِ في ”آلِ عِمْرانَ“: ﴿إنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [آل عمران: ٥١]،
• وقَوْلِهِ في ”الزُّخْرُفِ“ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿إنَّ اللَّهَ هو رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الزخرف: ٦٢ - ٦٤]،
• وقَوْلِهِ هُنا في سُورَةِ ”مَرْيَمَ“: ﴿وَإنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [مريم: ٣٩]،
وقَوْلِهِ: ﴿ما قُلْتُ لَهم إلّا ما أمَرْتَنِي بِهِ أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿آتانِيَ الكِتابَ وجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾، التَّحْقِيقُ فِيهِ إنْ شاءَ اللَّهُ: أنَّهُ عَبَّرَ بِالماضِي عَمّا سَيَقَعُ في المُسْتَقْبَلِ تَنْزِيلًا لِتَحَقُّقِ الوُقُوعِ مَنزِلَةَ الوُقُوعِ، ونَظائِرُهُ في القُرْآنِ كَثِيرَةٌ،
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنُفِخَ في الصُّورِ فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإذا هم قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ ﴿وَأشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِ رَبِّها ووُضِعَ الكِتابُ وجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ والشُّهَداءِ وقُضِيَ بَيْنَهم بِالحَقِّ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الزمر: ٦٨ - ٧١]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ [الزمر: ٧٣] .
فَهَذِهِ الأفْعالُ الماضِيَةُ المَذْكُورَةُ في الآياتِ بِمَعْنى المُسْتَقْبَلِ، تَنْزِيلًا لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ مَنزِلَةَ الوُقُوعِ بِالفِعْلِ، ونَظائِرُها كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ، وهَذا الَّذِي ذَكَرْنا مِن أنَّ الأفْعالَ الماضِيَةَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿آتانِيَ الكِتابَ﴾ . . . إلَخْ، بِمَعْنى المُسْتَقْبَلِ هو الصَّوابُ إنْ شاءَ اللَّهُ، خِلافًا لِمَن زَعَمَ أنَّهُ نُبِّئَ وأُوتِيَ الكِتابَ في حالِ صِباهُ لِظاهِرِ اللَّفْظِ، وقَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلَنِي مُبارَكًا﴾، أيْ: كَثِيرَ البَرَكاتِ؛ لِأنَّهُ يَعْلَمُ الخَيْرَ ويَدْعُو إلى اللَّهِ، ويُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ ويُحْيِي المَوْتى بِإذْنِ اللَّهِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿مُبارَكًا أيْنَ ما كُنْتُ﴾ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: نَفّاعًا حَيْثُ كُنْتُ، وقالَ ابْنُ حَجَرٍ في ) الكافِي الشّافِي (: أخْرَجَهُ أبُو نُعَيْمٍ ) في الحِلْيَةِ (في تَرْجَمَةِ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ بِهَذا وأتَمَّ، وقالَ: تَفَرَّدَ بِهِ هُشَيْمٌ عَنْ يُونُسَ، وعَنْهُ شُعَيْبُ بْنُ مُحَمَّدٍ الكُوفِيُّ، ورَواهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن هَذا الوَجْهِ. اهـ.
وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ﴿وَبَرًّا بِوالِدَتِي﴾ قالَ الحَوْفِيُّ وأبُو البَقاءِ: هو (p-٤١٧)مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلَنِي مُبارَكًا﴾، وقالَ أبُو حَيّانَ) في البَحْرِ (: وفِيهِ بُعْدٌ لِلْفَصْلِ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِالجُمْلَةِ الَّتِي هي ”أوْصانِي“ ومُتَعَلِّقِها، والأوْلى أنَّهُ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، أيْ: وجَعَلَنِي بَرًّا بِوالِدَتِي، ولَمّا قالَ بِوالِدَتِي ولَمْ يَقُلْ بِوالِدَيَّ عُلِمَ أنَّهُ أمْرٌ مِن قِبَلِ اللَّهِ، كَما ذَكَرَهُ القُرْطُبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، وقَدْ قَدَّمَنا مَعْنى ”الجَبّارِ والشَّقِيِّ“ وقالَ القُرْطُبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: ”شَقِيًّا“ أيْ: خائِبًا مِنَ الخَيْرِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عاقًّا، وقِيلَ عاصِيًا لِرَبِّهِ، وقِيلَ: لَمْ يَجْعَلْنِي تارِكًا لِأمْرِهِ فَأشْقى كَما شَقِيَ إبْلِيسُ. انْتَهى كَلامُ القُرْطُبِيِّ.
* *
تَنْبِيهٌ
احْتَجَّ مالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى القَدَرِيَّةِ، قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: قالَ مالِكُ بْنُ أنَسٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ: ما أشَدَّها عَلى أهْلِ القَدَرِ ! أخْبَرَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِما قُضِيَ مِن أمْرِهِ وبِما هو كائِنٌ إلى أنْ يَمُوتَ. اهـ.
19:31Page 307
وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيۡنَ مَا كُنتُ وَأَوۡصَٰنِي بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ مَا دُمۡتُ حَيّٗا ٣١
And He has made me blessed wherever I am and has enjoined upon me prayer and zakāh as long as I remain alive
No commentary for this ayah
19:32Page 307
وَبَرَّۢا بِوَٰلِدَتِي وَلَمۡ يَجۡعَلۡنِي جَبَّارٗا شَقِيّٗا ٣٢
And [made me] dutiful to my mother, and He has not made me a wretched tyrant.
No commentary for this ayah
19:33Page 307
وَٱلسَّلَٰمُ عَلَيَّ يَوۡمَ وُلِدتُّ وَيَوۡمَ أَمُوتُ وَيَوۡمَ أُبۡعَثُ حَيّٗا ٣٣
And peace is on me the day I was born and the day I will die and the day I am raised alive."
No commentary for this ayah
19:34Page 307
ذَٰلِكَ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَۖ قَوۡلَ ٱلۡحَقِّ ٱلَّذِي فِيهِ يَمۡتَرُونَ ٣٤
That is Jesus, the son of Mary - the word of truth about which they are in dispute.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾، اعْلَمْ أنَّ هَذا الحَرْفَ فِيهِ قِراءَتانِ سَبْعِيَّتانِ: قَرَأهُ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”قَوْلُ الحَقِّ“ [مريم: ٣٤] بِضَمِّ اللّامِ، وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ ﴿قَوْلَ الحَقِّ﴾ بِالنَّصْبِ.
والإشارَةُ في قَوْلِهِ ”ذَلِكَ“ راجِعَةٌ إلى المَوْلُودِ المَذْكُورِ في الآياتِ المَذْكُورَةِ قَبْلَ هَذا، وقَوْلُهُ ”ذَلِكَ“ مُبْتَدَأٌ، ”وَعِيسى“ خَبَرُهُ، و ”ابْنُ مَرْيَمَ“ نَعْتٌ لِـ ”عِيسى“ وقِيلَ: بَدَلٌ مِنهُ، وقِيلَ: خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ.
وَقَوْلُهُ: ﴿قَوْلَ الحَقِّ﴾ عَلى قِراءَةِ النَّصْبِ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ، وإلى نَحْوِهِ أشارَ ابْنُ مالِكٍ بِقَوْلِهِ في الخُلاصَةِ:
؎والثّانِي كابْنِي أنْتَ حَقًّا صِرْفا
وَقِيلَ: مَنصُوبٌ عَلى المَدْحِ. وأمّا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِالرَّفْعِ فَـ ”قَوْلُ الحَقِّ“ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ - أيْ: هو - أيْ: نِسْبَتُهُ إلى أُمِّهِ فَقَطْ قَوْلُ الحَقِّ، قالَهُ أبُو حَيّانَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وارْتِفاعُهُ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أوْ بَدَلٌ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ: اعْلَمْ أنَّ لَفْظَةَ ”الحَقِّ“ في قَوْلِهِ هُنا ”قَوْلَ الحَقِّ“ فِيها لِلْعُلَماءِ وجْهانِ:
(p-٤١٨)الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ بِالحَقِّ ضِدُّ الباطِلِ بِمَعْنى الصِّدْقِ والثُّبُوتِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وهو الحَقُّ﴾، وعَلى هَذا القَوْلِ فَإعْرابُ قَوْلِهِ ”قَوْلَ الحَقِّ“ عَلى قِراءَةِ النَّصْبِ أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ كَما تَقَدَّمَ، وعَلى قِراءَةِ الرَّفْعِ فَهو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ كَما تَقَدَّمَ، ويَدُلُّ لِهَذا الوَجْهِ قَوْلُهُ تَعالى في ”آلِ عِمْرانَ“ في القِصَّةِ بِعَيْنِها: ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ [آل عمران: ٦٠] .
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالحَقِّ في الآيَةِ اللَّهُ جَلَّ وعَلا؛ لِأنَّ مِن أسْمائِهِ ”الحَقَّ“
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَيَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ المُبِينُ﴾ [النور: ٢٥]،
• وقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ﴾ الآيَةَ [الحج: ٦٢]، وعَلى هَذا القَوْلِ فَإعْرابُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قَوْلَ الحَقِّ﴾ [مريم: ٣٤] عَلى قِراءَةِ النَّصْبِ أنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى المَدْحِ، وعَلى قِراءَةِ الرَّفْعِ فَهو بَدَلٌ مِن ”عِيسى“ أوْ خَبَرٌ، وعَلى هَذا الوَجْهِ فَـ ”قَوْلَ الحَقِّ“، هو ”عِيسى“ كَما سَمّاهُ اللَّهُ كَلِمَةً في قَوْلِهِ: ﴿وَكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ﴾ [النساء: ١٧١]،
• وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنهُ اسْمُهُ المَسِيحُ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ٤٥]، وإنَّما سُمِّيَ ”عِيسى“ كَلِمَةً لِأنَّ اللَّهَ أوْجَدَهُ بِكَلِمَتِهِ الَّتِي هي ”كُنْ“ فَكانَ، كَما قالَ: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ﴾ [آل عمران: ٥٩]،
والقَوْلُ والكَلِمَةُ عَلى هَذا الوَجْهِ مِنَ التَّفْسِيرِ بِمَعْنًى واحِدٍ.
وَقَوْلُهُ: ﴿الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ أيْ: يَشُكُّونَ، فالِامْتِراءُ افْتِعالٌ مِنَ المِرْيَةِ وهي الشَّكُّ، وهَذا الشَّكُّ الَّذِي وقَعَ لِلْكُفّارِ نَهى اللَّهُ عَنْهُ المُسْلِمِينَ عَلى لِسانِ نَبِيِّهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٩ - ٦٠]، وهَذا القَوْلُ الحَقُّ الَّذِي أوْضَحَ اللَّهُ بِهِ حَقِيقَةَ الأمْرِ في شَأْنِ عِيسى عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعْدَ نُزُولِهِ عَلى نَبِيِّنا ﷺ أمَرَهُ رَبُّهُ أنْ يَدْعُوَ مَن حاجَّهُ في شَأْنِ عِيسى إلى المُباهَلَةِ، ثُمَّ أخْبَرَهُ أنَّ ما قَصَّ عَلَيْهِ مِن خَبَرِ عِيسى هو القَصَصُ الحَقُّ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن حاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أبْناءَنا وأبْناءَكم ونِساءَنا ونِساءَكم وأنْفُسَنا وأنْفُسَكم ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلى الكاذِبِينَ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَهو القَصَصُ الحَقُّ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ٦١ - ٦٢]، ولَمّا نَزَلَتْ ودَعا النَّبِيُّ ﷺ وفْدَ نَجْرانَ إلى المُباهَلَةِ خافُوا الهَلاكَ وأدَّوُا [ الجِزْيَةَ ] كَما هو مَشْهُورٌ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences