Ash-ShinqitiMaryam · 19:35–45

Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic

Maryam 19:35–45

19:35Page 307

مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٖۖ سُبۡحَٰنَهُۥٓۚ إِذَا قَضَىٰٓ أَمۡرٗا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ٣٥

It is not [befitting] for Allāh to take a son; exalted is He!1 When He decrees an affair, He only says to it, "Be," and it is.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ سُبْحانَهُ إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ .

(p-٤١٩)اعْلَمْ أوَّلًا أنَّ لَفْظَ ”ما كانَ“ يَدُلُّ عَلى النَّفْيِ، فَتارَةً يَدُلُّ ذَلِكَ النَّفْيُ مِن جِهَةِ المَعْنى عَلى الزَّجْرِ والرَّدْعِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانَ لِأهْلِ المَدِينَةِ ومَن حَوْلَهم مِنَ الأعْرابِ أنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ [التوبة: ١٢٠]، وتارَةً يَدُلُّ عَلى التَّعْجِيزِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أمْ ما يُشْرِكُونَ﴾ ﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ لَكم مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها﴾ الآيَةَ [النمل: ٥٩ - ٦٠] .

وَتارَةً يَدُلُّ عَلى التَّنْزِيهِ، كَقَوْلِهِ هُنا: ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ﴾، وقَدْ أعْقَبَهُ بِقَوْلِهِ: سُبْحانَهُ أيْ: تَنْزِيهًا لَهُ عَنِ اتِّخاذِ الوَلَدِ وكُلِّ ما لا يَلِيقُ بِكَمالِهِ وجَلالِهِ، فَقَوْلُهُ: ما كانَ لِلَّهِ بِمَعْنى: ما يَصِحُّ ولا يَتَأتّى ولا يُتَصَوَّرُ في حَقِّهِ جَلَّ وعَلا أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا، سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، والآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ [مريم: ٩٢] وفي هَذِهِ الآيَةِ الرَّدُّ البالِغُ عَلى النَّصارى الَّذِينَ زَعَمُوا المُحالَ في قَوْلِهِمْ ”عِيسى ابْنُ اللَّهِ“ وما نَزَّهَ عَنْهُ جَلَّ وعَلا نَفْسَهُ هُنا مِنَ الوَلَدِ المَزْعُومِ كَذِبًا - كَعِيسى - نَزَّهَ عَنْهُ نَفْسَهُ في مَواضِعَ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّما اللَّهُ إلَهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ﴾ الآيَةَ [النساء: ١٧١]، والآياتُ الدّالَّةُ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾ ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾ ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ ﴿أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا﴾ ﴿وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ [مريم: ٨٨ - ٩١] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ كَما تَقَدَّمَ مُسْتَوْفًى في سُورَةِ ”الكَهْفِ“ .

وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿إذا قَضى أمْرًا﴾ [مريم: ٣٥] أيْ: أرادَ قَضاءَهُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]، وحَذْفُ فِعْلِ الإرادَةِ لِدَلالَةِ المَقامِ عَلَيْهِ كَثِيرٌ في القُرْآنِ وفي كَلامِ العَرَبِ، ومِن أمْثِلَتِهِ في القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ﴾ الآيَةَ [المائدة: ٦] أيْ: إذا أرَدْتُمُ القِيامَ إلَيْها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨]، أيْ: إذا أرَدْتَ قِراءَةَ القُرْآنِ، كَما تَقَدَّمَ مُسْتَوْفًى.

وَقَوْلُهُ تَعالى في الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِها: ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ﴾ زِيدَتْ فِيهِ لَفْظَةُ ”مِن“ قَبْلَ المَفْعُولِ بِهِ لِتَأْكِيدِ العُمُومِ، وقَدْ تَقَرَّرَ في الأُصُولِ أنَّ النَّكِرَةَ في سِياقِ النَّفْيِ (p-٤٢٠)إذا زِيدَتْ قَبْلَها لَفْظَةُ ”مِن“ لِتَوْكِيدِ العُمُومِ كانَتْ نَصًّا صَرِيحًا في العُمُومِ، وتَطَّرِدُ زِيادَتُها لِلتَّوْكِيدِ المَذْكُورِ قَبْلَ النَّكِرَةِ في سِياقِ النَّفْيِ في ثَلاثَةِ مَواضِعَ: قَبْلَ الفاعِلِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما أتاهم مِن نَذِيرٍ﴾ [القصص: ٤٦]، وقَبْلَ المَفْعُولِ، كَهَذِهِ الآيَةِ، وكَقَوْلِهِ: ﴿وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ إلّا نُوحِي إلَيْهِ أنَّهُ﴾ الآيَةَ [الأنبياء: ٢٥]، وقَبْلَ المُبْتَدَأِ كَقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَقالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ .

19:36Page 307

وَإِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُوهُۚ هَٰذَا صِرَٰطٞ مُّسۡتَقِيمٞ ٣٦

[Jesus said], "And indeed, Allāh is my Lord and your Lord, so worship Him. That is a straight path."

No commentary for this ayah

19:37Page 307

فَٱخۡتَلَفَ ٱلۡأَحۡزَابُ مِنۢ بَيۡنِهِمۡۖ فَوَيۡلٞ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن مَّشۡهَدِ يَوۡمٍ عَظِيمٍ ٣٧

Then the factions differed [concerning Jesus] from among them, so woe to those who disbelieved - from the scene of a tremendous Day.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، أظْهَرُ الأقْوالِ في ”الأحْزابِ“ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم فِرَقُ اليَهُودِ والنَّصارى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا في شَأْنِ عِيسى، فَقالَتْ طائِفَةٌ: هو ابْنُ زِنًى، وقالَتْ طائِفَةٌ: هو ابْنُ اللَّهِ، وقالَتْ طائِفَةٌ: هو اللَّهُ، وقالَتْ طائِفَةٌ: هو إلَهٌ مَعَ اللَّهِ.

ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَوَعَّدَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم بِالوَيْلِ لَهم مِن شُهُودِ يَوْمِ القِيامَةِ، وذَلِكَ يَشْمَلُ مَن كَفَرَ بِالتَّفْرِيطِ في عِيسى كالَّذِي قالَ إنَّهُ ابْنُ زِنًى، ومَن كَفَرَ بِالإفْراطِ فِيهِ كالَّذِينَ قالُوا إنَّهُ اللَّهُ أوِ ابْنُهُ، وقَوْلُهُ ”وَيْلٌ“ كَلِمَةُ عَذابٍ، فَهو مَصْدَرٌ لا فِعْلَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، وسَوَّغَ الِابْتِداءَ بِهِ وهو نَكِرَةٌ كَوْنُهُ في مَعْنى الدُّعاءِ، والظّاهِرُ أنَّ المَشْهَدَ في الآيَةِ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ، أيْ: فَوَيْلٌ لَهم مِن شُهُودِ ذَلِكَ اليَوْمِ - أيْ حُضُورِهِ - لِما سَيُلاقُونَهُ فِيهِ مِنَ العَذابِ، خِلافًا لِمَن زَعَمَ أنَّ المَشْهَدَ في الآيَةِ اسْمُ مَكانٍ، أيْ: فَوَيْلٌ لَهم مِن ذَلِكَ المَكانِ الَّذِي يَشْهَدُونَ فِيهِ تِلْكَ الأهْوالَ والعَذابَ، والأوَّلُ هو الظّاهِرُ وهو الصَّوابُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وهَذا المَعْنى الَّذِي ذَكَرَهُ هُنا ذَكَرَهُ أيْضًا في سُورَةِ ”الزُّخْرُفِ“ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَمّا جاءَ عِيسى بِالبَيِّناتِ قالَ قَدْ جِئْتُكم بِالحِكْمَةِ ولِأُبَيِّنَ لَكم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿إنَّ اللَّهَ هو رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ﴿فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِن عَذابِ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ [الزخرف: ٦٣ - ٦٤]، وما أشارَ إلَيْهِ في الآيَتَيْنِ مِن أنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالإفْراطِ أوِ التَّفْرِيطِ في عِيسى عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ، أنَّهُ لَمْ يُعاجِلْهم بِالعَذابِ، وأنَّهُ يُؤَخِّرُ عَذابَهم إلى الوَقْتِ المُحَدَّدِ لِذَلِكَ - أشارَ لَهُ في مَواضِعَ أُخَرَ،

• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ إنَّما يُؤَخِّرُهم لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ﴾ [إبراهيم: ٤٢]

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما نُؤَخِّرُهُ إلّا لِأجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ [هود: ١٠٤]،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْلا أجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ العَذابُ ولَيَأْتِيَنَّهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٣] .

وَبِالجُمْلَةِ فاللَّهُ تَعالى يُمْهِلُ الظّالِمَ إلى وقْتِ عَذابِهِ، ولَكِنَّهُ لا يُهْمِلُهُ، وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ (p-٤٢١)عَنْهُ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «”إنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظّالِمِ حَتّى إذا أخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ“ ثُمَّ قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿وَكَذَلِكَ أخْذُ رَبِّكَ إذا أخَذَ القُرى وهي ظالِمَةٌ إنَّ أخْذَهُ ألِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢]، وقالَ تَعالى: ﴿وَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ أمْلَيْتُ لَها وهي ظالِمَةٌ ثُمَّ أخَذْتُها وإلَيَّ المَصِيرُ﴾ [الحج: ٤٨] .»

وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ﴾ [مريم: ٣٧]، قالَ أبُو حَيّانَ في ) البَحْرِ (: ومَعْنى قَوْلِهِ ”مِن بَيْنِهِمْ“ أنَّ الِاخْتِلافَ لَمْ يَخْرُجْ عَنْهم بَلْ كانُوا هُمُ المُخْتَلِفِينَ. انْتَهى مَحِلُّ الغَرَضِ مِنهُ.

19:38Page 307

أَسۡمِعۡ بِهِمۡ وَأَبۡصِرۡ يَوۡمَ يَأۡتُونَنَا لَٰكِنِ ٱلظَّٰلِمُونَ ٱلۡيَوۡمَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٣٨

How [clearly] they will hear and see the Day they come to Us, but the wrongdoers today are in clear error.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا لَكِنِ الظّالِمُونَ اليَوْمَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾، قَوْلُهُ: ﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ﴾ صِيغَتا تَعَجُّبٍ، ومَعْنى الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ الكُفّارَ يَوْمَ القِيامَةِ يَسْمَعُونَ ويُبْصِرُونَ الحَقائِقَ الَّتِي أخْبَرَتْهم بِها الرُّسُلُ سَمْعًا وإبْصارًا عَجِيبَيْنِ، وأنَّهم في دارِ الدُّنْيا في ضَلالٍ وغَفْلَةٍ لا يَسْمَعُونَ الحَقَّ ولا يُبْصِرُونَهُ، وهَذا الَّذِي بَيَّنَهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بَيَّنَهُ في مَواضِعَ أُخَرَ،

• كَقَوْلِهِ في سَمْعِهِمْ وإبْصارِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ: ﴿وَلَوْ تَرى إذِ المُجْرِمُونَ ناكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أبْصَرْنا وسَمِعْنا فارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا إنّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ١٢]،

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢]،

• وكَقَوْلِهِ في غَفْلَتِهِمْ في الدُّنْيا وعَدَمِ إبْصارِهِمْ وسَمْعِهِمْ: ﴿اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهم وهم في غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ١]،

• وقَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا وهم عَنِ الآخِرَةِ هم غافِلُونَ﴾ [الروم: ٧]،

• وقَوْلِهِ: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهم لا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٨]،

• وقَوْلِهِ: ﴿مَثَلُ الفَرِيقَيْنِ كالأعْمى والأصَمِّ والبَصِيرِ والسَّمِيعِ﴾ الآيَةَ [هود: ٢٤]،

والمُرادُ بِالأعْمى والأصَمِّ: الكُفّارُ، والآياتُ بِمِثْلِ هَذا كَثِيرَةٌ، واعْلَمْ أنَّ صِيغَةَ التَّعَجُّبِ إذا كانَتْ عَلى وزْنِ ”أفْعِلْ بِهِ“ فَهي فِعْلٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وأكْثَرُهم يَقُولُونَ إنَّهُ فِعْلٌ ماضٍ جاءَ عَلى صُورَةِ الأمْرِ، وبَعْضُهم يَقُولُ: إنَّهُ فِعْلُ أمْرٍ لِإنْشاءِ التَّعَجُّبِ، وهو الظّاهِرُ مِنَ الصِّيغَةِ، ويُؤَيِّدُهُ دُخُولُ نُونِ التَّوْكِيدِ عَلَيْهِ، كَقَوْلِ الشّاعِرِ:

؎وَمُسْتَبْدِلٍ مِن بَعْدِ غَضْيا صُرَيْمَةً فَأحْرِ بِهِ لِطُولِ فَقْرٍ وأحْرِيا

لِأنَّ الألِفَ في قَوْلِهِ: ”وَأحْرِيا“ مُبْدَلَةٌ مِن نُونِ التَّوْكِيدِ الخَفِيفَةِ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ في الخُلاصَةِ:

؎وَأبْدِلْنَها بَعْدَ فَتْحٍ ألِفًا ∗∗∗ وقْفا كَما تَقُولُ في قِفَنْ قِفا

(p-٤٢٢)والجُمْهُورُ أيْضًا عَلى أنَّ صِيغَةَ التَّعَجُّبِ الأُخْرى الَّتِي هي: ”ما أفْعَلَهُ“ فِعْلٌ ماضٍ، خِلافًا لِجَماعَةٍ مِنَ الكُوفِيِّينَ في قَوْلِهِمْ: إنَّها اسْمٌ بِدَلِيلِ تَصْغِيرِها في قَوْلِ العَرَجِيِّ:

؎يا ما أُمَيْلِحَ غِزْلانًا شَدَنَّ لَنا ∗∗∗ مِن هَؤُلَيّاءِ بَيْنَ الضّالِ والسَّمُرِ

قالُوا: والتَّصْغِيرُ لا يَكُونُ إلّا في الأسْماءِ، وأجابَ مَن خالَفَهم بِأنَّ تَصْغِيرَها في البَيْتِ المَذْكُورِ شاذٌّ يُحْفَظُ ولا يُقاسُ عَلَيْهِ.

19:39Page 308

وَأَنذِرۡهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡحَسۡرَةِ إِذۡ قُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ وَهُمۡ فِي غَفۡلَةٖ وَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ٣٩

And warn them, [O Muḥammad], of the Day of Regret, when the matter will be concluded;1 and [yet], they are in [a state of] heedlessness, and they do not believe.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْذِرْهم يَوْمَ الحَسْرَةِ إذْ قُضِيَ الأمْرُ وهم في غَفْلَةٍ وهم لا يُؤْمِنُونَ﴾، الحَسْرَةُ: أشَدُّ النَّدَمِ والتَّلَفِ عَلى الشَّيْءِ الَّذِي فاتَ ولا يُمْكِنُ تَدارَكُهُ، والإنْذارُ: الإعْلامُ المُقْتَرِنُ بِتَهْدِيدٍ، أيْ: أنْذِرِ النّاسَ يَوْمَ القِيامَةِ، وقِيلَ لَهُ: يَوْمُ الحَسْرَةِ؛ لِشِدَّةِ نَدَمِ الكُفّارِ فِيهِ عَلى التَّفْرِيطِ، وقَدْ يَنْدَمُ فِيهِ المُؤْمِنُونَ عَلى ما كانَ مِنهم مِنَ التَّقْصِيرِ، وقَدْ أشارَ تَعالى إلى هَذا المَعْنى في مَواضِعَ أُخَرَ كَقَوْلِهِ: ﴿وَأنْذِرْهم يَوْمَ الآزِفَةِ إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ كاظِمِينَ﴾ الآيَةَ [غافر: ١٨]، وقَوْلِهِ: ﴿إنْ هو إلّا نَذِيرٌ لَكم بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبإ: ٤٦] .

وَأشارَ إلى ما يَحْصُلُ فِيهِ مِنَ الحَسْرَةِ في مَواضِعَ أُخَرَ،

• كَقَوْلِهِ: ﴿أنْ تَقُولَ نَفْسٌ ياحَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ [الزمر: ٥٦]،

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ حَتّى إذا جاءَتْهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً قالُوا ياحَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها﴾ الآيَةَ [الأنعام: ٣١]،

• وقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أعْمالَهم حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وما هم بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾ [البقرة: ١٦٧]،

إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَهم في غَفْلَةٍ﴾، أيْ: في غَفْلَةِ الدُّنْيا مُعْرِضُونَ عَنِ الآخِرَةِ، وجُمْلَةُ ”وَهم في غَفْلَةٍ“ حالِيَّةٌ، والعامِلُ فِيها ”أنْذِرْهم“ أيْ: أنْذِرْهم في حالِ غَفْلَتِهِمْ غَيْرَ مُؤْمِنِينَ، خِلافًا لِمَن قالَ: إنَّ العامِلَ في الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ قَوْلُهُ قَبْلَ هَذا ”في ضَلالٍ مُبِينٍ“، وقَدْ جاءَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ هُنا ”إذْ قُضِيَ الأمْرُ“ أيْ: ذُبِحَ المَوْتُ.

قالَ البُخارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ في صَحِيحِهِ: ) بابُ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَأنْذِرْهم يَوْمَ الحَسْرَةِ﴾، حَدَّثَنا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِياثٍ، حَدَّثَنا أبِي، حَدَّثَنا الأعْمَشُ، حَدَّثَنا أبُو صالِحٍ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”يُؤْتى بِالمَوْتِ كَهَيْئَةِ كَبْشٍ أمْلَحَ فَيُنادِي مُنادٍ: يا أهْلَ الجَنَّةِ، فَيَشْرَئِبُّونَ ويَنْظُرُونَ، فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذا ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ هَذا المَوْتُ، وكُلُّهم قَدْ رَآهُ، ثُمَّ يُنادى: يا أهْلَ النّارِ، فَيَشْرَئِبُّونَ ويَنْظُرُونَ، فَيَقُولُ: هَلْ (p-٤٢٣)تَعْرِفُونَ هَذا ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ هَذا المَوْتُ، وكُلُّهم قَدْ رَآهُ، فَيُذْبَحُ، ثُمَّ يَقُولُ: يا أهْلَ الجَنَّةِ خُلُودٌ فَلا مَوْتَ ويا أهْلَ النّارِ خُلُودٌ فَلا مَوْتَ“، ثُمَّ قَرَأ ﴿وَأنْذِرْهم يَوْمَ الحَسْرَةِ إذْ قُضِيَ الأمْرُ وهم في غَفْلَةٍ﴾» [مريم: ٣٩]، وهَؤُلاءِ في غَفْلَةِ الدُّنْيا وهم لا يُؤْمِنُونَ " انْتَهى مِن صَحِيحِ البُخارِيِّ.

والحَدِيثُ مَشْهُورٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وقِراءَةُ النَّبِيِّ ﷺ الآيَةَ بَعْدَ ذِكْرِهِ ذَبْحَ المَوْتِ تَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ ﴿إذْ قُضِيَ الأمْرُ﴾ أيْ: ذُبِحَ المَوْتُ، وفي مَعْناهُ أقْوالٌ أُخَرَ غَيْرُ هَذا تَرَكْناها لِدَلالَةِ الحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَلى المَعْنى الَّذِي ذَكَرْنا.

19:40Page 308

إِنَّا نَحۡنُ نَرِثُ ٱلۡأَرۡضَ وَمَنۡ عَلَيۡهَا وَإِلَيۡنَا يُرۡجَعُونَ ٤٠

Indeed, it is We who will inherit the earth and whoever is on it, and to Us they will be returned.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا نَحْنُ نَرِثُ الأرْضَ ومَن عَلَيْها وإلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾، مَعْنى قَوْلِهِ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ يَرِثُ الأرْضَ ومَن عَلَيْها: أنَّهُ يُمِيتُ جَمِيعَ الخَلائِقِ السّاكِنِينَ بِالأرْضِ، ويَبْقى هو جَلَّ وعَلا لِأنَّهُ الحَيُّ الَّذِي لا يَمُوتُ، ثُمَّ يَرْجِعُونَ إلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ، وقَدْ أشارَ إلى هَذا المَعْنى في مَواضِعَ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ: كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ ويَبْقى وجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلالِ والإكْرامِ [الرحمن: ٢٦ - ٢٧]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنّا لَنَحْنُ نُحْيِي ونُمِيتُ ونَحْنُ الوارِثُونَ﴾ [الحجر: ٢٣]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

19:41Page 308

وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ إِبۡرَٰهِيمَۚ إِنَّهُۥ كَانَ صِدِّيقٗا نَّبِيًّا ٤١

And mention in the Book [the story of] Abraham. Indeed, he was a man of truth and a prophet.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ إبْراهِيمَ إنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ يا أبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ ﴿يا أبَتِ إنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ العِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فاتَّبِعْنِي أهْدِكَ صِراطًا سَوِيًّا﴾ ﴿يا أبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ ﴿يا أبَتِ إنِّي أخافُ أنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ ولِيًّا﴾، أمَرَ اللَّهُ جَلَّ وعَلا نَبِيَّهُ ”مُحَمَّدًا“ ﷺ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنْ يَذْكُرَ في الكِتابِ الَّذِي هو القُرْآنُ العَظِيمُ المُنَزَّلُ إلَيْهِ مِنَ اللَّهِ ”إبْراهِيمَ“ عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ، ويَتْلُو عَلى النّاسِ في القُرْآنِ نَبَأهُ مَعَ قَوْمِهِ ودَعْوَتَهُ لَهم إلى عِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ وتَرْكِ عِبادَةِ الأصْنامِ الَّتِي لا تَسْمَعُ ولا تُبْصِرُ ولا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ، وكَرَّرَ هَذا المَعْنى المَذْكُورَ في هَذِهِ الآياتِ في آياتٍ أُخَرَ مِن كِتابِهِ جَلَّ وعَلا، فَهَذا الَّذِي أمَرَ بِهِ نَبِيَّهُ هُنا مِن ذِكْرِهِ في الكِتابِ إبْراهِيمَ: ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ ياأبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ﴾ الآيَةَ [مريم: ٤٢]، أوْضَحَهُ في سُورَةِ ”الشُّعَراءِ“ في قَوْلِهِ: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ إبْراهِيمَ﴾ ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ﴾ [الشعراء: ٦٩ - ٧٠] .

فَقَوْلُهُ هُنا: ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ﴾، هو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ إبْراهِيمَ﴾، وزادَ في ”الشُّعَراءِ“ أنَّ هَذا الَّذِي قالَهُ لِأبِيهِ مِنَ النَّهْيِ عَنْ عِبادَةِ الأوْثانِ قالَهُ أيْضًا لِسائِرِ قَوْمِهِ، وكَرَّرَ (p-٤٢٤)تَعالى الإخْبارَ عَنْهُ بِهَذا النَّهْيِ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ عَنْ عِبادَةِ الأوْثانِ في مَواضِعَ أُخَرَ،

• كَقَوْلِهِ: ﴿وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ آزَرَ أتَتَّخِذُ أصْنامًا آلِهَةً إنِّي أراكَ وقَوْمَكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٧٤]،

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿قالُوا نَعْبُدُ أصْنامًا فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾ ﴿قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكم إذْ تَدْعُونَ﴾ ﴿أوْ يَنْفَعُونَكم أوْ يَضُرُّونَ﴾ ﴿قالُوا بَلْ وجَدْنا آباءَنا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ ﴿قالَ أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ ﴿أنْتُمْ وآباؤُكُمُ الأقْدَمُونَ﴾ ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٧٠ - ٧٧]،

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ما هَذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أنْتُمْ لَها عاكِفُونَ﴾ ﴿قالُوا وجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ﴾ ﴿قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أنْتُمْ وآباؤُكم في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿قالُوا أجِئْتَنا بِالحَقِّ أمْ أنْتَ مِنَ اللّاعِبِينَ﴾ ﴿قالَ بَل رَبُّكم رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وأنا عَلى ذَلِكم مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٥١ - ٥٦]،

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ إنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ﴾ ﴿إلّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف: ٢٦ - ٢٧]،

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإبْراهِيمَ﴾ ﴿إذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ﴾ ﴿أئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ ﴿فَما ظَنُّكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [الصافات: ٨٣ - ٨٧]،

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ كانَتْ لَكم أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ في إبْراهِيمَ والَّذِينَ مَعَهُ إذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إنّا بُرَآءُ مِنكم ومِمّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنا بِكم وبَدا بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ العَداوَةُ والبَغْضاءُ أبَدًا حَتّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وحْدَهُ إلّا قَوْلَ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ لَأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ الآيَةَ [الممتحنة: ٤٠]،

إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ﴾، الظَّرْفُ الَّذِي هو ”إذْ“ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن ”إبْراهِيمَ“ في قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ إبْراهِيمَ﴾، كَما تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ مَرْيَمَ إذِ انْتَبَذَتْ﴾ الآيَةَ [مريم: ١٦]، وقَدْ قَدَّمَنا هُناكَ إنْكارَ بَعْضِهِمْ لِهَذا الإعْرابِ، وجُمْلَةُ: ﴿إنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ [مريم: ٤١]، مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ عَلى الإعْرابِ المَذْكُورِ، والصِّدِّيقُ صِيغَةُ مُبالَغَةٍ مِنَ الصِّدْقِ، لِشِدَّةِ صِدْقِ إبْراهِيمَ في مُعامَلَتِهِ مَعَ رَبِّهِ وصِدْقِ لَهْجَتِهِ، كَما شَهِدَ اللَّهُ لَهُ بِصِدْقِ مُعامَلَتِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وَإبْراهِيمَ الَّذِي وفّى﴾ [النجم: ٣٧]، وقَوْلِهِ: ﴿وَإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأتَمَّهُنَّ قالَ إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾ [البقرة: ١٢٤] .

وَمِن صِدْقِهِ في مُعامَلَتِهِ رَبَّهُ: رِضاهُ بِأنْ يَذْبَحَ ولَدَهُ، وشُرُوعُهُ بِالفِعْلِ في ذَلِكَ طاعَةً لِرَبِّهِ، مَعَ أنَّ الوَلَدَ فِلْذَةٌ مِنَ الكَبِدِ.(p-٤٢٥)

؎لَكِنَّما أوْلادُنا بَيْنَنا أكْبادُنا تَمْشِي عَلى الأرْضِ

قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ ﴿وَنادَيْناهُ أنْ ياإبْراهِيمُ﴾ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ الآيَةَ [الصافات: ١٠٣ - ١٠٥] .

وَمِن صِدْقِهِ في مُعامَلَتِهِ مَعَ رَبِّهِ: صَبْرُهُ عَلى الإلْقاءِ في النّارِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿قالُوا حَرِّقُوهُ وانْصُرُوا آلِهَتَكم إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ٦٨]، وقالَ: ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أوْ حَرِّقُوهُ فَأنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النّارِ﴾ الآيَةَ [العنكبوت: ٢٤] .

وَذَكَرَ عُلَماءُ التَّفْسِيرِ في قِصَّتِهِ أنَّهم لَمّا رَمَوْهُ إلى النّارِ لَقِيَهُ جِبْرِيلُ فَسَألَهُ: هَلْ لَكَ حاجَةٌ ؟ فَقالَ: أمّا إلَيْكَ فَلا، وأمّا إلى اللَّهِ فَنَعَمْ، فَقالَ لَهُ: لِمَ لا تَسْألُهُ ؟ فَقالَ: عِلْمُهُ بِحالِي كافٍ عَنْ سُؤالِي.

وَمِن صِدْقِهِ في مُعامَلَتِهِ رَبَّهُ: صَبْرُهُ عَلى مُفارَقَةِ الأهْلِ والوَطَنِ فِرارًا بِدِينِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وقالَ إنِّي مُهاجِرٌ إلى رَبِّي﴾ [العنكبوت: ٢٦]، وقَدْ هاجَرَ مِن سَوادِ العِراقِ إلى دِمَشْقَ: وقَدْ بَيَّنَ جَلَّ وعَلا في مَواضِعَ أُخَرَ أنَّهُ لَمْ يَكْتَفِ بِنَهْيِهِمْ عَنْ عِبادَةِ الأوْثانِ وبَيانِ أنَّها لا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ، بَلْ زادَ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ كَسَرَها وجَعَلَها جُذاذًا وتَرَكَ الكَبِيرَ مِنَ الأصْنامِ، ولَمّا سَألُوهُ هَلْ هو الَّذِي كَسَرَها قالَ لَهم: إنَّ الَّذِي فَعَلَ ذَلِكَ كَبِيرُ الأصْنامِ، وأمَرَهم بِسُؤالِ الأصْنامِ إنْ كانَتْ تَنْطِقُ، كَما قالَ تَعالى عَنْهُ: ﴿وَتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكم بَعْدَ أنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ ﴿فَجَعَلَهم جُذاذًا إلّا كَبِيرًا لَهم لَعَلَّهم إلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ ﴿قالُوا مَن فَعَلَ هَذا بِآلِهَتِنا إنَّهُ لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهم يُقالُ لَهُ إبْراهِيمُ﴾ ﴿قالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلى أعْيُنِ النّاسِ لَعَلَّهم يَشْهَدُونَ﴾ ﴿قالُوا أأنْتَ فَعَلْتَ هَذا بِآلِهَتِنا ياإبْراهِيمُ﴾ ﴿قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا فاسْألُوهم إنْ كانُوا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿فَرَجَعُوا إلى أنْفُسِهِمْ فَقالُوا إنَّكم أنْتُمُ الظّالِمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ ما هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ﴾ ﴿قالَ أفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكم شَيْئًا ولا يَضُرُّكُمْ﴾ ﴿أُفٍّ لَكم ولِما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٧ - ٦٧]، وقالَ تَعالى: ﴿فَراغَ إلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ ألا تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ما لَكم لا تَنْطِقُونَ﴾ ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِاليَمِينِ﴾ ﴿فَأقْبَلُوا إلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ ﴿قالَ أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ ﴿واللَّهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٢]، فَقَوْلُهُ: ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِاليَمِينِ﴾، أيْ: مالَ إلى الأصْنامِ يَضْرِبُها ضَرْبًا بِيَمِينِهِ حَتّى جَعَلَها جُذاذًا، أيْ: قِطَعًا مُتَكَسِّرَةً مِن قَوْلِهِمْ: جَذَّهُ: إذا قَطَعَهُ وكَسَرَهُ.

وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: إنَّهُ كانَ صِدِّيقًا، أيْ: كَثِيرُ الصِّدْقِ، يُعْرَفُ (p-٤٢٦)مِنهُ أنَّ الكَذِباتِ الثَّلاثَ المَذْكُورَةَ في الحَدِيثِ عَنْ إبْراهِيمَ كُلَّها في اللَّهِ تَعالى، وأنَّها في الحَقِيقَةِ مِنَ الصِّدْقِ لا مِنَ الكَذِبِ بِمَعْناهُ الحَقِيقِيِّ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ زِيادَةُ إيضاحٍ لِهَذا في سُورَةِ ”الأنْبِياءِ“ .

وَقَوْلُهُ تَعالى عَنْ إبْراهِيمَ: يا أبَتِ، التّاءُ فِيهِ عِوَضٌ عَنْ ياءِ المُتَكَلِّمِ، فالأصْلُ: يا أبِي كَما أشارَ لَهُ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ:

؎وَفِي النِّدا ”أبَتِ أُمَّتِ“ عَرِّضْ ∗∗∗ واكْسِرْ أوِ افْتَحْ ومِنَ الياءِ التّا عِوَضْ

وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ: لِمَ تَعْبُدُ أصْلُهُ ”ما“ الِاسْتِفْهامِيَّةُ، فَدَخَلَ عَلَيْها حَرْفُ الجَرِّ الَّذِي هو ”اللّامُ“ فَحُذِفَ ألِفُها عَلى حَدِّ قَوْلِهِ في الخُلاصَةِ:

؎وَما في الِاسْتِفْهامِ إنْ جُرَّتْ حُذِفْ ∗∗∗ ألِفُها وأوْلِها الها إنْ تَقِفْ

وَمَعْلُومٌ أنَّ القِراءَةَ سُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ لا تَجُوزُ بِالقِياسِ، ولِذا يُوقَفُ عَلى ”لِمَ“ بِسُكُونِ المِيمِ لا بِهاءِ السَّكْتِ كَما في البَيْتِ، ومَعْنى عِبادَتِهِ لِلشَّيْطانِ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ﴾ طاعَتُهُ لِلشَّيْطانِ في الكُفْرِ والمَعاصِي، فَذَلِكَ الشِّرْكُ شِرْكُ طاعَةٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكم يابَنِي آدَمَ أنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ﴿وَأنِ اعْبُدُونِي هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [يس: ٦٠ - ٦١]، كَما تَقَدَّمَ هَذا المَبْحَثُ مُسْتَوْفًى في سُورَةِ ”الإسْراءِ“ وغَيْرِها.

والآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الكُفّارَ المُعَذَّبِينَ يَوْمَ القِيامَةِ أوْلِياءُ الشَّيْطانِ، لِقَوْلِهِ هُنا: ﴿إنِّي أخافُ أنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ ولِيًّا﴾ [مريم: ٤٥]، والآياتُ الدّالَّةُ عَلى أنَّ الكُفّارَ أوْلِياءُ الشَّيْطانِ كَثِيرَةٌ، وقَدْ قَدَّمْنا كَثِيرًا مِن ذَلِكَ في سُورَةِ الكَهْفِ وغَيْرِها،

• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقاتِلُوا أوْلِياءَ الشَّيْطانِ﴾ الآيَةَ [النساء: ٧٦]،

• وقَوْلِهِ: ﴿إنَّما ذَلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ١٧٥]، أيْ: يُخَوِّفُكم أوْلِياءَهُ،

• وقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ٣٠]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ كَما تَقَدَّمَ، وكُلُّ مَن كانَ الشَّيْطانُ يُزَيِّنُ لَهُ الكُفْرَ والمَعاصِيَ فَيَتَّبِعُهُ في ذَلِكَ في الدُّنْيا فَلا ولِيَّ لَهُ في الآخِرَةِ إلّا الشَّيْطانُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿تاللَّهِ لَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم فَهو ولِيُّهُمُ اليَوْمَ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [النحل: ٦٣]،

ومَن كانَ لا ولِيَّ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ إلّا الشَّيْطانُ، تَحَقَّقَ أنَّهُ لا ولِيَّ لَهُ يَنْفَعُهُ يَوْمَ القِيامَةِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿إنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ العِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ﴾ [مريم: ٤٣]، (p-٤٢٧)يَعْنِي ما عَلَّمَهُ اللَّهُ مِنَ الوَحْيِ وما ألْهَمَهُ وهو صَغِيرٌ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٥١]، ومُحاجَّةُ إبْراهِيمَ لِقَوْمِهِ كَما ذَكَرْنا بَعْضَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلَيْها أثْنى اللَّهُ بِها عَلى إبْراهِيمَ، وبَيَّنَ أنَّها حُجَّةُ اللَّهِ آتاها نَبِيَّهُ إبْراهِيمَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ٨٣]، وقالَ تَعالى: ﴿وَحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أتُحاجُّونِّي في اللَّهِ وقَدْ هَدانِي﴾ الآيَةَ [الأنعام: ٨٠]، وكَوْنُ الآياتِ المَذْكُورَةِ وارِدَةً في مُحاجَّتِهِ لَهُمُ المَذْكُورَةِ في سُورَةِ ”الأنْعامِ“ لا يُنافِي ما ذَكَرْنا؛ لِأنَّ أصْلَ المُحاجَّةِ في شَيْءٍ واحِدٍ، وهو تَوْحِيدُ اللَّهِ جَلَّ وعَلا وإقامَةُ الحُجَّةِ القاطِعَةِ عَلى أنَّهُ لا مَعْبُودَ إلّا هو وحْدَهُ جَلَّ وعَلا في سُورَةِ ”الأنْعامِ“ وفي غَيْرِها، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

19:42Page 308

إِذۡ قَالَ لِأَبِيهِ يَٰٓأَبَتِ لِمَ تَعۡبُدُ مَا لَا يَسۡمَعُ وَلَا يُبۡصِرُ وَلَا يُغۡنِي عَنكَ شَيۡـٔٗا ٤٢

[Mention] when he said to his father, "O my father, why do you worship that which does not hear and does not see and will not benefit you at all?

No commentary for this ayah

19:43Page 308

يَٰٓأَبَتِ إِنِّي قَدۡ جَآءَنِي مِنَ ٱلۡعِلۡمِ مَا لَمۡ يَأۡتِكَ فَٱتَّبِعۡنِيٓ أَهۡدِكَ صِرَٰطٗا سَوِيّٗا ٤٣

O my father, indeed there has come to me of knowledge that which has not come to you, so follow me; I will guide you to an even path.

No commentary for this ayah

19:44Page 308

يَٰٓأَبَتِ لَا تَعۡبُدِ ٱلشَّيۡطَٰنَۖ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ كَانَ لِلرَّحۡمَٰنِ عَصِيّٗا ٤٤

O my father, do not worship [i.e., obey] Satan. Indeed Satan has ever been, to the Most Merciful, disobedient.

No commentary for this ayah

19:45Page 308

يَٰٓأَبَتِ إِنِّيٓ أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٞ مِّنَ ٱلرَّحۡمَٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيۡطَٰنِ وَلِيّٗا ٤٥

O my father, indeed I fear that there will touch you a punishment from the Most Merciful so you would be to Satan a companion [in Hellfire]."

No commentary for this ayah

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском