Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic
Maryam 19:63–70
19:63Page 309
تِلۡكَ ٱلۡجَنَّةُ ٱلَّتِي نُورِثُ مِنۡ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّٗا ٦٣
That is Paradise, which We give as inheritance to those of Our servants who were fearing of Allāh.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِن عِبادِنا مَن كانَ تَقِيًّا﴾، الإشارَةُ في قَوْلِهِ: تِلْكَ [مريم: ٦٣]، إلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ ولا يُظْلَمُونَ شَيْئًا جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدَ الرَّحْمَنُ عِبادَهُ بِالغَيْبِ﴾ الآيَةَ، وقَدْ بَيَّنَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ يُورِثُ المُتَّقِينَ مِن عِبادِهِ جَنَّتَهُ، وقَدْ بَيَّنَ هَذا المَعْنى أيْضًا في مَواضِعَ أُخَرَ،
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ - إلى قَوْلِهِ - ﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ١١]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَسارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكم وجَنَّةٍ عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ الآياتِ [آل عمران: ١٣٣]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم إلى الجَنَّةِ زُمَرًا﴾ الآيَةَ [الزمر: ٧١]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَنُودُوا أنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَمَعْنى إيراثِهِمُ الجَنَّةَ: الإنْعامُ عَلَيْهِمْ بِالخُلُودِ فِيها في أكْمَلِ نَعِيمٍ وسُرُورٍ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في ) الكَشّافِ (: نُورِثُ أيْ: نُبْقِي عَلَيْهِ الجَنَّةَ كَما نُبْقِي عَلى الوارِثِ مالَ المَوْرُوثِ، ولِأنَّ الأتْقِياءَ يَلْقَوْنَ رَبَّهم يَوْمَ القِيامَةِ قَدِ انْقَضَتْ أعْمالُهم، وثَمَرَتُها باقِيَةٌ وهي الجَنَّةُ، فَإذا أدْخَلَهُمُ الجَنَّةَ فَقَدْ أوْرَثَهم مِن تَقْواهم كَما يُورِثُ الوارِثُ المالَ مِنَ المُتَوَفّى، وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: مَعْنى إيراثِهِمُ الجَنَّةَ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ لِكُلِّ نَفْسٍ مَنزِلًا في الجَنَّةِ، ومَنزِلًا في النّارِ، فَإذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ؛ أراهم مَنازِلَهم في النّارِ لَوْ كَفَرُوا وعَصَوُا اللَّهَ لِيَزْدادَ سُرُورُهم وغِبْطَتُهم؛ وعِنْدَ ذَلِكَ يَقُولُونَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا وما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أنْ هَدانا اللَّهُ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ٤٣]، وكَذَلِكَ يَرى أهْلُ النّارِ مَنازِلَهم في الجَنَّةِ لَوْ آمَنُوا واتَّقَوُا اللَّهَ لِتَزْدادَ نَدامَتُهم وحَسْرَتُهم، وعِنْدَ ذَلِكَ يَقُولُ الواحِدُ مِنهم: (p-٤٧٢)﴿لَوْ أنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى يَجْعَلُ مَنازِلَ أهْلِ الجَنَّةِ في النّارِ لِأهْلِ النّارِ، ومَنازِلَ أهْلِ النّارِ في الجَنَّةِ لِأهْلِ الجَنَّةِ فَيَرِثُونَ مَنازِلَ أهْلِ النّارِ في الجَنَّةِ، وهَذا هو مَعْنى الإيراثِ المَذْكُورِ عَلى هَذا القَوْلِ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ: قَدْ جاءَ حَدِيثٌ يَدُلُّ لِما ذُكِرَ مِن أنَّ لِكُلِّ أحَدٍ مَنزِلًا في الجَنَّةِ ومَنزِلًا في النّارِ، إلّا أنَّ حَمْلَ الآيَةِ عَلَيْهِ غَيْرُ صَوابٍ؛ لِأنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يَرِثُونَ مِنَ الجَنَّةِ مَنازِلَهُمُ المُعَدَّةَ لَهم بِأعْمالِهِمْ وتَقْواهم، كَما قَدْ قالَ تَعالى: ﴿وَنُودُوا أنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣]، ونَحْوِها مِنَ الآياتِ، ولَوْ فَرَضْنا أنَّهم يَرِثُونَ مَنازِلَ أهْلِ النّارِ فَحَمْلُ الآيَةِ عَلى ذَلِكَ يُوهِمُ أنَّهم لَيْسَ لَهم في الجَنَّةِ إلّا ما أُورِثُوا مِن مَنازِلِ أهْلِ النّارِ والواقِعُ بِخِلافِ ذَلِكَ كَما تَرى، والحَدِيثُ المَذْكُورُ هو ما رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ في المُسْنَدِ، والحاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ «كُلُّ أهْلِ الجَنَّةِ يَرى مَقْعَدَهُ مِنَ النّارِ فَيَقُولُ: لَوْلا أنَّ اللَّهَ، هَدانِي فَيَكُونُ لَهُ أشْكْرَ، وكُلُّ أهْلِ النّارِ يَرى مَقْعَدَهُ مِنَ الجَنَّةِ فَيَقُولُ: لَوْ أنَّ اللَّهَ هَدانِي، فَيَكُونُ عَلَيْهِ حَسْرَةً» اهـ، وعَلَّمَ في الجامِعِ الصَّغِيرِ عَلى هَذا الحَدِيثِ عَلامَةَ الصِّحَّةِ، وقالَ شارِحُهُ المُناوِيُّ: قالَ الحاكِمُ: صَحِيحٌ عَلى شَرْطِهِما وأقَرَّهُ الذَّهَبِيُّ، وقالَ الهَيْثَمِيُّ رِجالُ أحْمَدَ رِجالُ الصَّحِيحِ. اهـ.
19:64Page 309
وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمۡرِ رَبِّكَۖ لَهُۥ مَا بَيۡنَ أَيۡدِينَا وَمَا خَلۡفَنَا وَمَا بَيۡنَ ذَٰلِكَۚ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّٗا ٦٤
[Gabriel said],1 "And we [angels] descend not except by the order of your Lord. To Him belongs that before us and that behind us and what is in between. And never is your Lord forgetful -
No commentary for this ayah
19:65Page 310
رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَا فَٱعۡبُدۡهُ وَٱصۡطَبِرۡ لِعِبَٰدَتِهِۦۚ هَلۡ تَعۡلَمُ لَهُۥ سَمِيّٗا ٦٥
Lord of the heavens and the earth and whatever is between them - so worship Him and have patience for His worship. Do you know of any similarity to Him?"
No commentary for this ayah
19:66Page 310
وَيَقُولُ ٱلۡإِنسَٰنُ أَءِذَا مَا مِتُّ لَسَوۡفَ أُخۡرَجُ حَيًّا ٦٦
And man [i.e., the disbeliever] says, "When I have died, am I going to be brought forth alive?"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَقُولُ الإنْسانُ أئِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ ﴿أوَلا يَذْكُرُ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ ولَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ .
قالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ، وجَدَ عِظامًا بالِيَةً فَفَتَّتَها بِيَدِهِ وقالَ: زَعَمَ مُحَمَّدٌ أنّا نُبْعَثُ بَعْدَ المَوْتِ ؟ قالَهُ الكَلْبِيُّ، وذَكَرَهُ الواحِدِيُّ والثَّعْلَبِيُّ، وقالَ المَهْدَوِيُّ: نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وأصْحابِهِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في العاصِ بْنِ وائِلٍ، وقِيلَ: في أبِي جَهْلٍ، وعَلى كُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأقْوالِ فَقَدْ أسْنَدَ تَعالى هَذا القَوْلَ لِجِنْسِ الإنْسانِ وهو صادِرٌ مِن بَعْضِ أفْرادِ الجِنْسِ؛ لِأنَّ مِن أسالِيبِ العَرَبِيَّةِ إسْنادَ الفِعْلِ إلى المَجْمُوعِ، مَعَ أنَّ فاعِلَهُ بَعْضُهم لا جَمِيعُهم، ومِن أظْهَرِ الأدِلَّةِ القُرْآنِيَّةِ في ذَلِكَ قِراءَةُ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ: فَإنْ قَتَلُوكم فاقْتُلُوهم [البقرة: ١٩١]، مِنَ القَتْلِ في الفِعْلَيْنِ، أيْ: فَإنْ قَتَلُوا بَعْضَكم فَلْيَقْتُلْهم بَعْضُكُمُ الآخَرُ، كَما تَقَدَّمَ مِرارًا، ومِن أظْهَرِ الشَّواهِدِ العَرَبِيَّةِ في ذَلِكَ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ:
؎فَسَيْفُ بَنِي عَبْسٍ وقَدْ ضَرَبُوا بِهِ نَبا بِيَدَيْ ورْقاءَ عَنْ رَأْسِ خالِدِ
(p-٤٧٣)فَقَدْ أسْنَدَ الضَّرْبَ إلى بَنِي عَبْسٍ، مَعَ أنَّهُ صَرَّحَ بِأنَّ الضّارِبَ الَّذِي بِيَدِهِ السَّيْفُ هو ورْقاءُ وهو ابْنُ زُهَيْرِ بْنِ جَذِيمَةَ العَبْسِيُّ، وخالِدٌ هو ابْنُ جَعْفَرٍ الكِلابِيُّ، وقِصَّةُ قَتْلِهِ لِزُهَيْرٍ المَذْكُورِ مَشْهُورَةٌ.
وَقَدْ بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ: أنَّ هَذا الإنْسانَ الكافِرَ يَقُولُ مُنْكِرًا البَعْثَ: ﴿أئِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ زَعْمًا مِنهُ أنَّهُ إذا ماتَ لا يُمْكِنُ أنْ يَحْيا بَعْدَ المَوْتِ، وقَدْ رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ مَقالَتَهُ هَذِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿أوَلا يَذْكُرُ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ ولَمْ يَكُ شَيْئًا﴾، يَعْنِي: أيَقُولُ الإنْسانُ مَقالَتَهُ هَذِهِ في إنْكارِ البَعْثِ، ولا يَذْكُرُ أنّا أوْجَدْناهُ الإيجادَ الأوَّلَ ولَمْ يَكُ شَيْئًا، بَلْ كانَ عَدَمًا فَأوْجَدْناهُ، وإيجادُنا لَهُ المَرَّةَ الأُولى دَلِيلٌ قاطِعٌ عَلى قُدْرَتِنا عَلى إيجادِهِ بِالبَعْثِ مَرَّةً أُخْرى.
وَهَذا البُرْهانُ الَّذِي أشارَ لَهُ هُنا قَدْ قَدَّمَنا الآياتِ الدّالَّةَ عَلَيْهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ والنَّحْلِ وغَيْرِهِما،
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا ونَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ ﴿قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ وهو بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٨ - ٧٩]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّلِ بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [ق: ١٥]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٦٢]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وهو أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ الآيَةَ [الروم: ٢٧]،
• وقَوْلِهِ: ﴿فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الإسراء: ٥١]،
• وقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ فَإنّا خَلَقْناكم مِن تُرابٍ﴾ الآيَةَ [الحج: ٥]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وعْدًا عَلَيْنا إنّا كُنّا فاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ.
وَفِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي يَرْوِيهِ ﷺ عَنْ رَبِّهِ: ”«يَقُولُ اللَّهُ تَعالى كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ ولَمْ يَكُنْ لَهُ أنْ يُكَذِّبَنِي، وآذانِي ابْنُ آدَمَ ولَمْ يَكُنْ لَهُ أنْ يُؤْذِيَنِي، أمّا تَكْذِيبُهُ إيّايَ فَقَوْلُهُ لَنْ يُعِيدَنِي كَما بَدَأنِي؛ ولَيْسَ أوَّلُ الخَلْقِ أهْوَنَ عَلَيَّ مِن آخِرِهِ، وأمّا أذاهُ إيّايَ، فَقَوْلُهُ إنَّ لِي ولَدًا، وأنا الأحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ“»، فَإنْ قِيلَ: أيْنَ العامِلُ في الظَّرْفِ الَّذِي هو إذا، فالجَوابُ: أنَّهُ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ دَلَّ عَلَيْهِ جَزاءُ الشَّرْطِ؛ وتَقْدِيرُهُ: أأُخْرَجُ حَيًّا إذا ما مِتُّ ؟ أيْ: حِينَ يَتَمَكَّنُ فِيَّ المَوْتُ والهَلاكُ أُخْرَجُ حَيًّا، يَعْنِي لا يُمْكِنُ ذَلِكَ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا تَقُولُ بِأنَّهُ مَنصُوبٌ بِـ أُخْرَجُ، المَذْكُورِ في (p-٤٧٤)قَوْلِهِ: ﴿لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾، عَلى العادَةِ المَعْرُوفَةِ، مِن أنَّ العامِلَ في ”إذا“ هو جَزاؤُها ؟ فالجَوابُ: أنَّ لامَ الِابْتِداءِ في قَوْلِهِ: ﴿لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾، مانِعَةٌ مِن عَمَلِ ما بَعْدَها فِيما قَبْلَها كَما هو مَعْلُومٌ في عِلْمِ العَرَبِيَّةِ، فَلا يَجُوزُ أنْ تَقُولَ: اليَوْمَ لَزَيْدٌ قائِمٌ؛ تَعْنِي لَزَيْدٌ قائِمٌ اليَوْمَ، وما زَعَمَهُ بَعْضُهم مِن أنَّ حَرْفَ التَّنْفِيسِ الَّذِي هو سَوْفَ مانِعٌ مِن عَمَلِ ما بَعْدَهُ فِيما قَبْلَهُ أيْضًا، حَتّى إنَّهُ عَلى قِراءَةِ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ: ”أئِذا ما مِتُّ سَأُخْرَجُ حَيًّا“ بِدُونِ اللّامِ يَمْتَنِعُ نَصْبُ ”إذا“ بِـ ”أُخْرَجُ“ المَذْكُورَةِ؛ فَهو خِلافُ التَّحْقِيقِ.
والتَّحْقِيقُ أنَّ حَرْفَ التَّنْفِيسِ لا يَمْنَعُ مِن عَمَلِ ما بَعْدَهُ فِيما قَبْلَهُ، ودَلِيلُهُ وُجُودُهُ في كَلامِ العَرَبِ؛ كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎فَلَمّا رَأتْهُ أُمُّنا هانَ وجْدُها ∗∗∗ وقالَتْ أبُونا هَكَذا سَوْفَ يَفْعَلُ
فَقَوْلُهُ ”هَكَذا“ مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ ”يَفْعَلُ“ كَما أوْضَحَهُ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ، وعَلَيْهِ فَعَلى قِراءَةِ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ فَقَوْلُهُ: ”إذا“ مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ: ”أُخْرَجُ“ لِعَدَمِ وُجُودِ اللّامِ فِيها وعَدَمِ مَنعِ حَرْفِ التَّنْفِيسِ مِن عَمَلِ ما بَعْدَهُ فِيما قَبْلَهُ.
* *
تَنْبِيهٌ
فَإنْ قُلْتَ: لامُ الِابْتِداءِ الدّاخِلَةُ عَلى المُضارِعِ تُعْطِي مَعْنى الحالِ، فَكَيْفَ جامَعَتْ حَرْفَ التَّنْفِيسِ الدّالَّ عَلى الِاسْتِقْبالِ ؟ فالجَوابُ: أنَّ اللّامَ هُنا جُرِّدَتْ مِن مَعْنى الحالِ، وأُخْلِصَتْ لِمَعْنى التَّوْكِيدِ فَقَطْ، ولِذَلِكَ جامَعَتْ حَرْفَ الِاسْتِقْبالِ كَما بَيَّنَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ في الكَشّافِ، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ المُحِيطِ بِأنَّ مِن عُلَماءِ العَرَبِيَّةِ مَن يَمْنَعُ أنَّ اللّامَ المَذْكُورَةَ تُعْطِي مَعْنى الحالِ، وعَلى قَوْلِهِ يَسْقُطُ الإشْكالُ مِن أصْلِهِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
19:67Page 310
أَوَلَا يَذۡكُرُ ٱلۡإِنسَٰنُ أَنَّا خَلَقۡنَٰهُ مِن قَبۡلُ وَلَمۡ يَكُ شَيۡـٔٗا ٦٧
Does man not remember that We created him before, while he was nothing?
No commentary for this ayah
19:68Page 310
فَوَرَبِّكَ لَنَحۡشُرَنَّهُمۡ وَٱلشَّيَٰطِينَ ثُمَّ لَنُحۡضِرَنَّهُمۡ حَوۡلَ جَهَنَّمَ جِثِيّٗا ٦٨
So by your Lord, We will surely gather them and the devils; then We will bring them to be present around Hell upon their knees.1
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهم والشَّياطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهم حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾، لَمّا أقامَ اللَّهُ جَلَّ وعَلا البُرْهانَ عَلى البَعْثِ بِقَوْلِهِ: ﴿أوَلا يَذْكُرُ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ ولَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: ٦٧]، أقْسَمَ جَلَّ وعَلا بِنَفْسِهِ الكَرِيمَةِ، أنَّهُ يَحْشُرُهم - أيِ: الكافِرِينَ المُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ - وغَيْرَهم مِنَ النّاسِ، ويَحْشُرُ مَعَهُمُ الشَّياطِينُ الَّذِينَ كانُوا يُضِلُّونَهم في الدُّنْيا، وأنَّهُ يُحْضِرُهم حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا، وهَذانِ الأمْرانِ اللَّذانِ ذَكَرَهُما في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أشارَ إلَيْهِما في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، أمّا حَشْرُهُ لَهم ولِشَياطِينِهِمْ فَقَدْ أشارَ إلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهم وما كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٢ - ٢٣]، (p-٤٧٥)عَلى أحَدِ التَّفْسِيراتِ، وقَوْلِهِ: ﴿أوَلا يَذْكُرُ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ ولَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ [الزخرف: ٣٨] .
وَأمّا إحْضارُهم حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا، فَقَدْ أشارَ لَهُ في قَوْلِهِ: ﴿وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إلى كِتابِها اليَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٨]، وقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: جِثِيًّا، جَمْعُ جاثٍ، والجاثِي: اسْمُ فاعِلِ: جَثا يَجْثُو جُثُوًّا، وجَثى يَجْثِي جِثِيًّا: إذا جَلَسَ عَلى رُكْبَتَيْهِ أوْ قامَ عَلى أطْرافِ أصابِعِهِ، والعادَةُ عِنْدَ العَرَبِ: أنَّهم إذا كانُوا في مَوْقِفِ ضَنْكٍ وأمْرٍ شَدِيدٍ، جَثَوْا عَلى رُكَبِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُ بَعْضِهِمْ:
فَمَن لِلْحُماةِ ومَن لِلْكُماةِ إذا ما الكُماةُ جَثَوْا لِلرُّكَبْ إذا قِيلَ ماتَ أبُو مالِكٍ فَتى المُكْرَماتِ قَرِيعُ العَرَبْ وكَوْنُ مَعْنى قَوْلِهِ: جِثِيًّا في هَذِهِ الآيَةِ، وقَوْلِهِ: ﴿وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً﴾ الآيَةَ [الجاثية: ٢٨]، أنَّهُ جِثِيُّهم عَلى رُكَبِهِمْ هو الظّاهِرُ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِ، وهو الإطْلاقُ المَشْهُورُ في اللُّغَةِ؛ ومِنهُ قَوْلُ الكُمَيْتِ:
؎هم تَرَكُوا سَراتَهم جِثِيًّا وهم دُونَ السَّراةِ مُقَرَّنِينا
وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: جِثِيًّا، أنَّ مَعْناهُ: جَماعاتٍ، وعَنْ مُقاتِلٍ جِثِيًّا، أيْ: جَمْعًا جَمْعًا، وهو عَلى هَذا القَوْلِ جَمْعُ ”جُثْوَةٍ“ مُثَلَّثَةُ الجِيمِ، وهي الحِجارَةُ المَجْمُوعَةُ والتُّرابُ المَجْمُوعُ، فَأهْلُ الخَمْرِ يَحْضُرُونَ حَوْلَ جَهَنَّمَ عَلى حِدَةٍ، وأهْلُ الزِّنى عَلى حِدَةٍ؛ وأهْلُ السَّرِقَةِ عَلى حِدَةٍ.؛ وهَكَذا، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ طَرَفَةَ بْنِ العَبْدِ في مُعَلَّقَتِهِ:
؎تَرى جُثْوَتَيْنِ مِن تُرابٍ عَلَيْهِما ∗∗∗ صَفائِحُ صُمٌّ مِن صَفِيحٍ مُنَضَّدِ
هَكَذا قالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ، ولَكِنَّهُ يَرِدُ عَلَيْهِ أنَّ ”فُعْلَةً“ كَجُثْوَةٍ، لَمْ يُعْهَدْ جَمْعُها عَلى فُعُولٍ كَجُثِيٍّ، وقَرَأ هَذا الحَرْفَ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ جِثِيًّا بِكَسْرِ الجِيمِ إتْباعًا لِلْكَسْرَةِ بَعْدَهُ وقَرَأ الباقُونَ: ”جُثِيًّا“ بِضَمِّ الجِيمِ عَلى الأصْلِ.
19:69Page 310
ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمۡ أَشَدُّ عَلَى ٱلرَّحۡمَٰنِ عِتِيّٗا ٦٩
Then We will surely extract from every sect those of them who were worst against the Most Merciful in insolence.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أيُّهم أشَدُّ عَلى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أعْلَمُ بِالَّذِينَ هم أوْلى بِها صِلِيًّا﴾ .
قَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: لَنَنْزِعَنَّ [مريم: ٦٩]، أيْ: لَنَسْتَخْرِجَنَّ (p-٤٧٦)﴿مِن كُلِّ شِيعَةٍ﴾، أيْ: مِن كُلِّ أُمَّةٍ أهْلِ دِينٍ واحِدٍ، وأصْلُ الشِّيعَةِ فِعْلَةٌ كَفِرْقَةٍ، وهي الطّائِفَةُ الَّتِي شاعَتْ غَيْرَها، أيْ: تَبِعَتْهُ في هُدًى أوْ ضَلالٍ؛ تَقُولُ العَرَبُ: شاعَهُ شِياعًا: إذا تَبِعَهُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيُّهم أشَدُّ عَلى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾، أيْ: لَنَسْتَخْرِجَنَّ ولَنُمَيِّزَنَّ مِن كُلِّ طائِفَةٍ مِن طَوائِفِ الغَيِّ والفَسادِ أعَصاهم فَأعْصاهم، وأعْتاهم فَأعْتاهم، فَيُبْدَأُ بِتَعْذِيبِهِ وإدْخالِهِ النّارَ عَلى حَسَبِ مَراتِبِهِمْ في الكُفْرِ، والإضْلالِ والضَّلالِ، وهَذا هو الظّاهِرُ في مَعْنى الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ الرُّؤَساءَ القادَةَ في الكُفْرِ يُعَذَّبُونَ قَبْلَ غَيْرِهِمْ ويُشَدَّدُ عَلَيْهِمُ العَذابُ لِضَلالِهِمْ وإضْلالِهِمْ.
وَقَدْ جاءَتْ آياتٌ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى تَدُلُّ عَلى هَذا،
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهم عَذابًا فَوْقَ العَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ﴾ [النحل: ٨٨]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهم وأثْقالًا مَعَ أثْقالِهِمْ ولَيُسْألُنَّ يَوْمَ القِيامَةِ عَمّا كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [العنكبوت: ١٣]،
• وقَوْلِهِ: ﴿لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ [النحل: ٢٥]، ولِأجْلِ هَذا كانَ في أُمَمِ النّارِ أُولى وأُخْرى، فالأُولى: الَّتِي يُبْدَأُ بِعَذابِها وبِدُخُولِها النّارَ، والأُخْرى الَّتِي تَدْخُلُ بَعْدَها عَلى حَسَبِ تَفاوُتِهِمْ في أنْواعِ الكُفْرِ والضَّلالِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿قالَ ادْخُلُوا في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم مِنَ الجِنِّ والإنْسِ في النّارِ كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها حَتّى إذا ادّارَكُوا فِيها جَمِيعًا قالَتْ أُخْراهم لِأُولاهم رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ ولَكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَقالَتْ أُولاهم لِأُخْراهم فَما كانَ لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف: ٣٨ - ٣٩] .
وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أعْلَمُ بِالَّذِينَ هم أوْلى بِها صِلِيًّا﴾ [مريم: ٧٠]، يَعْنِي: أنَّهُ جَلَّ وعَلا أعْلَمُ بِمَن يَسْتَحِقُّ مِنهم أنْ يَصْلى النّارَ، ومَن هو أوْلى بِذَلِكَ، وقَدْ بَيَّنَ أنَّ الرُّؤَساءَ والمَرْءُوسِينَ كُلَّهم مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾ الآيَةَ، والصِّلِيُّ: مَصْدَرُ صَلِيَ النّارَ - كَرَضِيَ - يَصْلاها صِلِيًّا ) بِالضَّمِّ والكَسْرِ ( إذا قاسى ألَمَها، وباشَرَ حَرَّها.
واخْتَلَفَ العُلَماءُ في وجْهِ رَفْعِ ”أيُّ“ مَعَ أنَّهُ مَنصُوبٌ؛ لِأنَّهُ مَفْعُولُ لَنَنْزِعَنَّ، فَذَهَبَ سِيبَوَيْهِ ومَن تَبِعَهُ إلى أنَّ لَفْظَةَ ”أيُّ“ مَوْصُولَةٌ، وأنَّها مَبْنِيَّةٌ عَلى الضَّمِّ إذا كانَتْ مُضافَةً وصَدْرُ صِلَتِها ضَمِيرٌ مَحْذُوفٌ كَما هُنا، وعَقَدَهُ ابْنُ مالِكٍ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ:(p-٤٧٧)
؎أيٌّ كَما وأُعْرِبَتْ ما لَمْ تُضَفْ وصَدْرُ وصْلِها ضَمِيرٌ انْحَذَفْ
؎وَبَعْضُهم أعْرَبَ مُطْلَقًا. . . ∗∗∗ . . . . . . .
إلَخْ.
وَيَدُلُّ عَلى صِحَّةِ قَوْلِ سِيبَوَيْهَ رَحِمَهُ اللَّهُ قَوْلُ غَسّانَ بْنِ وعْلَةَ:
؎إذا ما لَقِيتَ بَنِي مالِكٍ ∗∗∗ فَسَلِّمْ عَلى أيُّهم أفْضَلُ
والرِّوايَةِ بِضَمِّ ”أيُّهم“، وخالَفَ الخَلِيلُ ويُونُسُ وغَيْرُهُما سِيبَوَيْهِ في ”أيُّ“ المَذْكُورَةِ، فَقالَ الخَلِيلُ: إنَّها في الآيَةِ اسْتِفْهامِيَّةٌ مَحْكِيَّةٌ بِقَوْلٍ مُقَدَّرٍ والتَّقْدِيرُ: ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ الَّذِي يُقالُ فِيهِ أيُّهم أشَدُّ؛ وأنْشَدَ الخَلِيلُ لِهَذا المَعْنى الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎وَلَقَدْ أبِيتُ مِنَ الفَتاةِ بِمَنزِلٍ ∗∗∗ فَأبِيتُ لا حَرِجٌ ولا مَحْرُومُ
أيْ: فَأبِيتُ بِمَنزِلَةِ الَّذِي يُقالُ لَهُ: لا هو حَرِجٌ ولا مَحْرُومٌ.
وَأمّا يُونُسُ فَذَهَبَ إلى أنَّها اسْتِفْهامِيَّةٌ أيْضًا؛ لَكِنَّهُ حَكَمَ بِتَعْلِيقِ الفِعْلِ قَبْلَها بِالِاسْتِفْهامِ لِأنَّ التَّعْلِيقَ عِنْدَهُ لا يَخْتَصُّ بِأفْعالِ القُلُوبِ، واحْتَجَّ لِسِيبَوَيْهَ عَلى الخَلِيلِ ويُونُسَ ومَن تَبِعَهُما بِبَيْتِ غَسّانَ بْنِ وعْلَةَ المَذْكُورِ آنِفًا؛ لِأنَّ الرِّوايَةَ فِيهِ بِضَمِّ ”أيُّهم“، مَعَ أنَّ حُرُوفَ الجَرِّ، لا يُضْمَرُ بَيْنَها وبَيْنَ مَعْمُولِها قَوْلٌ ولا تَعَلُّقٌ عَلى الأصْوَبِ، وإنْ خالَفَ فِيهِ بَعْضُهم بِبَعْضِ التَّأْوِيلاتِ، ومِمّا ذَكَرْنا تَعْلَمُ أنَّ ما ذَكَرَهُ بَعْضُهم مِن أنَّ جَمِيعَ النَّحْوِيِّينَ غَلَّطُوا سِيبَوَيْهَ في قَوْلِهِ هَذا في ”أيُّ“ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ خِلافُ التَّحْقِيقِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
وَقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عِتِيًّا بِكَسْرِ العَيْنِ، و صِلِيًّا بِكَسْرِ الصّادِ لِلْإتْباعِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالضَّمِّ فِيهِما عَلى الأصْلِ.
19:70Page 310
ثُمَّ لَنَحۡنُ أَعۡلَمُ بِٱلَّذِينَ هُمۡ أَوۡلَىٰ بِهَا صِلِيّٗا ٧٠
Then, surely it is We who are most knowing of those most worthy of burning therein.
No commentary for this ayah
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences