Ash-ShinqitiMaryam · 19:7–10

Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic

Maryam 19:7–10

19:7Page 305

يَٰزَكَرِيَّآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَٰمٍ ٱسۡمُهُۥ يَحۡيَىٰ لَمۡ نَجۡعَل لَّهُۥ مِن قَبۡلُ سَمِيّٗا ٧

[He was told],1 "O Zechariah, indeed We give you good tidings of a boy whose name will be John. We have not assigned to any before [this] name."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا زَكَرِيّا إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾

فِي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ حَذْفٌ دَلَّ المَقامُ عَلَيْهِ، وتَقْدِيرُهُ: فَأجابَ اللَّهُ دُعاءَهُ فَنُودِيَ: ﴿يازَكَرِيّا﴾ الآيَةَ [مريم: ٧]، وقَدْ أوْضَحَ جَلَّ وعَلا في مَوْضِعٍ آخَرَ هَذا الَّذِي أجْمَلَهُ هُنا، فَبَيَّنَ أنَّ الَّذِي ناداهُ بَعْضُ المَلائِكَةِ، وأنَّ النِّداءَ المَذْكُورَ وقَعَ وهو قائِمٌ يُصَلِّي في المِحْرابِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ وهو قائِمٌ يُصَلِّي في المِحْرابِ أنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وسَيِّدًا وحَصُورًا ونَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ٣٩]، وقَوْلُـهُ تَعالى: ﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ﴾، قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: أطْلَقَ المَلائِكَةَ وأرادَ جِبْرِيلَ، ومَثَّلَ بِهِ بَعْضُ عُلَماءِ الأُصُولِ العامَّ المُرادَ بِهِ الخُصُوصُ قائِلًا: إنَّهُ أرادَ بِعُمُومِ المَلائِكَةِ خُصُوصَ جِبْرِيلَ، وإسْنادُ الفِعْلِ لِلْمَجْمُوعِ مُرادًا بَعْضُهُ قَدْ بَيَّنّا فِيما مَضى مِرارًا.

وَقَوْلُـهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿اسْمُهُ يَحْيى﴾، يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ هو الَّذِي سَمّاهُ، ولَمْ يَكِلْ تَسْمِيَتَهُ إلى أبِيهِ، وفي هَذا مَنقَبَةٌ عَظِيمَةٌ لِيَحْيى.

وَقَوْلُـهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾، اعْلَمْ أوَّلًا أنَّ السَّمِيَّ يُطْلَقُ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ إطْلاقَيْنِ: الأوَّلُ قَوْلُهم: فُلانٌ سَمِيُّ فَلانٍ أيْ: مُسَمًّى بِاسْمِهِ، فَمَن كانَ اسْمُهُما واحِدًا فَكِلاهُما سَمِيُّ الآخَرِ، أيْ: مُسَمًّى بِاسْمِهِ.

والثّانِي: إطْلاقُ السَّمِيِّ يَعْنِي المُسامِيَّ، أيِ: المُماثِلَ في السُّمُوِّ والرِّفْعَةِ (p-٣٦٨)والشَّرَفِ، وهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مُفاعِلٍ مِنَ السُّمُوِّ بِمَعْنى العُلُوِّ والرِّفْعَةِ، ويَكْثُرُ في اللُّغَةِ إتْيانُ الفَعِيلِ بِمَعْنى المُفاعِلِ، كالقَعِيدِ والجَلِيسِ بِمَعْنى المُقاعِدِ والمُجالِسِ، والأكِيلِ والشَّرِيبِ بِمَعْنى المُؤاكِلِ والمُشارِبِ، وكَذَلِكَ السَّمِيُّ بِمَعْنى المُسامِيِّ، أيِ: المُماثِلِ في السُّمُوِّ، فَإذا عَلِمْتَ ذَلِكَ فاعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ هُنا: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٧]، أيْ: لَمْ نَجْعَلْ مِن قَبْلِهِ أحَدًا يَتَسَمّى بِاسْمِهِ، فَهو أوَّلُ مَن كانَ اسْمُهُ يَحْيى، وقَوْلُ مَن قالَ: إنَّ مَعْناهُ لَمْ نَجْعَلْ لَهُ سَمِيًّا، أيْ: نَظِيرًا في السُّمُوِّ والرِّفْعَةِ غَيْرُ صَوابٍ لِأنَّهُ لَيْسَ بِأفْضَلَ مِن إبْراهِيمَ ومُوسى ونُوحٍ، فالقَوْلُ الأوَّلُ هو الصَّوابُ، ومِمَّنْ قالَ بِهِ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ وابْنُ أسْلَمَ وغَيْرُهم، ويُرْوى القَوْلُ الثّانِي عَنْ مُجاهِدٍ وابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وإذا عَلِمْتَ أنَّ الصَّوابَ أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾، أيْ: لَمْ نُسَمِّ أحَدًا بِاسْمِهِ قَبْلَهُ فاعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما فاعْبُدْهُ واصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥]، مَعْناهُ: أنَّهُ تَعالى لَيْسَ لَهُ نَظِيرٌ ولا مُماثِلٌ يُسامِيهِ في العُلُوِّ والعَظَمَةِ والكَمالِ عَلى التَّحْقِيقِ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾، هَلْ تَعْلَمُ أحَدًا يُسَمّى بِاسْمِهِ الرَّحْمَنِ جَلَّ وعَلا، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

19:8Page 305

قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَٰمٞ وَكَانَتِ ٱمۡرَأَتِي عَاقِرٗا وَقَدۡ بَلَغۡتُ مِنَ ٱلۡكِبَرِ عِتِيّٗا ٨

He said, "My Lord, how will I have a boy when my wife has been barren and I have reached extreme old age?"

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا وقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكِبَرِ عِتِيًّا﴾ .

ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ زَكَرِيّا لَمّا بُشِّرَ بِيَحْيى قالَ: ﴿رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا وقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكِبَرِ عِتِيًّا﴾ [مريم: ٨]، وهَذا الَّذِي ذَكَرَ أنَّهُ قالَهُ هُنا ذَكَرُهُ أيْضًا في ”آلِ عِمْرانَ“ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وقَدْ بَلَغَنِيَ الكِبَرُ وامْرَأتِي عاقِرٌ﴾ [آل عمران: ٤٠]، وقَوْلُـهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكِبَرِ عِتِيًّا﴾ [مريم: ٨]، قَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ”عِتِيًّا“ بِكَسْرِ العَيْنِ اتِّباعًا لِلْكَسْرَةِ الَّتِي بَعْدَها، ومُجانَسَةً لِلْياءِ وقَرَأهُ الباقُونَ ”عُتِيًّا“ بِضَمِّها عَلى الأصْلِ. ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكِبَرِ عِتِيًّا﴾، أنَّهُ بَلَغَ غايَةَ الكِبَرِ في السِّنِّ، حَتّى نُحِلَّ عَظْمُهُ ويَبِسَ، قالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: يَقُولُ وقَدْ عَتَوْتُ مِنَ الكِبَرِ فَصِرْتُ نَحِيلَ العِظامِ يابِسَها، يُقالُ مِنهُ لِلْعُودِ اليابِسِ: عُودٌ عاتٍ وِعاسٍ، وقَدْ عَتا يَعْتُو عُتُوًّا وعِتِيًّا، وعَسا يَعْسُو عِسِيًّا وعُسُوًّا، وكُلُّ مُتَناهٍ إلى غايَةٍ في كِبَرٍ أوْ فَسادٍ أوْ كُفْرٍ فَهو عاتٍ وعاسٍ.

* *

(p-٣٦٩)تَنْبِيهٌ

فَإنْ قِيلَ: ما وجْهُ اسْتِفْهامِ زَكَرِيّا في قَوْلِهِ: ﴿أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾، مَعَ عِلْمِهِ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى عَلى كُلِّ شَيْءٍ.

فالجَوابُ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ قَدْ ذَكَرْناها في كِتابِنا ( دَفْعُ إيهامِ الِاضْطِرابِ عِنْدَ آياتِ الكِتابِ ( في سُورَةِ ”آلِ عِمْرانَ“ وواحِدٌ مِنها فِيهِ بُعْدٌ وإنْ رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ والسُّدِّيِّ وغَيْرِهِما.

الأوَّلُ: أنَّ اسْتِفْهامَ زَكَرِيّا اسْتِفْهامُ اسْتِخْبارٍ واسْتِعْلامٍ؛ لِأنَّهُ لا يَعْلَمُ هَلِ اللَّهُ يَأْتِيهِ بِالوَلَدِ مِن زَوْجَةِ العَجُوزِ عَلى كِبَرِ سِنِّهِما عَلى سَبِيلِ خَرْقِ العادَةِ، أوْ يَأْمُرُهُ بِأنْ يَتَزَوَّجَ شابَّةً، أوْ يَرُدُّهُما شابَّيْنِ ؟ فاسْتَفْهَمَ عَنِ الحَقِيقَةِ لِيَعْلَمَها، ولا إشْكالَ في هَذا، وهو أظْهَرُها.

الثّانِي: أنَّ اسْتِفْهامَهُ اسْتِفْهامُ تَعَجُّبٍ مِن كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى.

الثّالِثُ: وهو الَّذِي ذَكَرْنا أنَّ فِيهِ بُعْدًا هو ما ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ والسُّدِّيِّ: مِن أنَّ زَكَرِيّا لَمّا نادَتْهُ المَلائِكَةُ وهو قائِمٌ يُصَلِّي في المِحْرابِ أنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى، قالَ لَهُ الشَّيْطانُ: لَيْسَ هَذا نِداءُ المَلائِكَةِ، وإنَّما هو نِداءُ الشَّيْطانِ، فَداخَلَ زَكَرِيّا الشَّكُّ في أنَّ النِّداءَ مِنَ الشَّيْطانِ، فَقالَ عِنْدَ ذَلِكَ الشَّكِّ النّاشِئِ عَنْ وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ قَبْلَ أنْ يَتَيَقَّنَ أنَّهُ مِنَ اللَّهِ: ﴿أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ [مريم: ٨]، ولِذا طَلَبَ الآيَةَ مِنَ اللَّهِ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ الآيَةَ [مريم: ١٠]، وإنَّما قُلْنا: إنَّ هَذا القَوْلَ فِيهِ بُعْدٌ؛ لِأنَّهُ لا يَلْتَبِسُ عَلى زَكَرِيّا نِداءُ المَلائِكَةِ بِنِداءِ الشَّيْطانِ.

وَقَوْلُـهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿عِتِيًّا﴾ أصْلُهُ عُتُوًّا، فَأُبْدِلَتِ الواوُ ياءً، ومِن إطْلاقِ العِتِيِّ الكِبَرِ المُتَناهِي قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎إنَّما يُعْذَرُ الوَلِيدُ ولا يُعْ ذَرُ مَن كانَ في الزَّمانِ عِتِيًّا

وَقِراءَةُ ”عِسِيًّا“ بِالسِّينِ شاذَّةٌ لا تَجُوزُ القِراءَةُ بِها، وقالَ القُرْطُبِيُّ: وبِها قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وهي كَذَلِكَ في مُصْحَفِ أُبَيٍّ.

19:9Page 305

قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٞ وَقَدۡ خَلَقۡتُكَ مِن قَبۡلُ وَلَمۡ تَكُ شَيۡـٔٗا ٩

[An angel] said, "Thus [it will be]; your Lord says, 'It is easy for Me, for I created you before, while you were nothing.'"

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ كَذَلِكَ قالَ رَبُّكَ هو عَلَيَّ هَيِّنٌ وقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ ولَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ .

هَذا الَّذِي ذَكَرَهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ذَكَرُهُ أيْضًا في ”آلِ عِمْرانَ“ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ [آل عمران: ٤٠]، وقَوْلِـهِ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ”كَذَلِكَ“ لِلْعُلَماءِ في إعْرابِهِ أوْجُهٌ:

(p-٣٧٠)الأوَّلُ: أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وتَقْدِيرُهُ، الأمْرُ كَذَلِكَ، ولا مَحالَةَ أنْ تَلِدَ الغُلامَ المَذْكُورَ، وقِيلَ، الأمْرُ كَذَلِكَ أنْتَ كَبِيرٌ في السِّنِّ، وامْرَأتُكَ عاقِرٌ، وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿قالَ رَبُّكَ﴾ [مريم: ٩]، ابْتِداءُ كَلامٍ:

الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ ”كَذَلِكَ“ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِـ ”قالَ“ وعَلَيْهِ فالإشارَةُ بِقَوْلِهِ ”ذَلِكَ“ إلى مُبْهَمٍ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ: ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾، ونَظِيرُهُ عَلى هَذا القَوْلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَضَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ [الحجر: ٦٦]، وغَيْرُ هَذَيْنِ مِن أوْجُهِ إعْرابِهِ تَرَكْناهُ لِعَدَمِ وُضُوحِهِ عِنْدَنا، وقَوْلُهُ: ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾، أيْ: يَسِيرٌ سَهْلٌ.

وَقَوْلُـهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ ولَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ أيْ: ومَن خَلَقَكَ ولَمْ تَكُ شَيْئًا فَهو قادِرٌ عَلى أنْ يُرْزُقَكَ الوَلَدَ المَذْكُورَ كَما لا يَخْفى، وهَذا الَّذِي قالَهُ هُنا لِزَكَرِيّا: مِن أنَّهُ خَلَقَهُ ولَمْ يَكُ شَيْئًا أشارَ إلَيْهِ بِالنِّسْبَةِ إلى الإنْسانِ في مَواضِعَ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ: ﴿أوَلا يَذْكُرُ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ ولَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: ٦٧]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان: ١] .

وَقَوْلُـهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾، دَلِيلٌ عَلى أنَّ المَعْدُومَ لَيْسَ بِشَيْءٍ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النور: ٣٩]، وهَذا هو الصَّوابُ، خِلافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ القائِلِينَ: إنَّ المَعْدُومَ المُمْكِنَ وُجُودُهُ شَيْءٌ، مُسْتَدِلِّينَ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]، قالُوا: قَدْ سَمّاهُ اللَّهُ شَيْئًا قَبْلَ أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، وهو يَدُلُّ عَلى أنَّهُ شَيْءٌ قَبْلَ وُجُودِهِ، ولِأجْلِ هَذا قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: لِأنَّ المَعْدُومَ لَيْسَ بِشَيْءٍ، أوْ لَيْسَ شَيْئًا يُعْتَدُّ بِهِ، كَقَوْلِهِمْ: عَجِبْتُ مِن لا شَيْءَ، وقَوْلِ الشّاعِرِ:

؎وَضاقَتِ الأرْضُ حَتّى كانَ هارِبُهم إذا رَأى غَيْرَ شَيْءٍ ظَنَّهُ رَجُلًا

لِأنَّ مُرادَهُ بِقَوْلِهِ: غَيْرَ شَيْءٍ، أيْ: إذا رَأى شَيْئًا تافِهًا لا يُعْتَدُّ بِهِ كَأنَّهُ لا شَيْءَ لِحَقارَتِهِ ظَنَّهُ رَجُلًا؛ لِأنَّ غَيْرَ شَيْءٍ بِالكُلِّيَّةِ لا يَصِحُّ وُقُوعُ الرُّؤْيَةِ عَلَيْهِ، والتَّحْقِيقُ هو ما دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ وأمْثالُها في القُرْآنِ: مِن أنَّ المَعْدُومَ لَيْسَ بِشَيْءٍ ؟ والجَوابُ عَنِ اسْتِدْلالِهِمْ بِالآيَةِ: أنَّ ذَلِكَ المَعْدُومَ لَمّا تَعَلَّقَتِ الإرادَةُ بِإيجادِهِ، صارَ تَحَقُّقُ وُقُوعِهِ كَوُقُوعِهِ بِالفِعْلِ، كَقَوْلِهِ: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١]، وقَوْلِـهِ: ﴿وَنُفِخَ في الصُّورِ﴾ [الكهف: ٩٩]، وقَوْلِـهِ: ﴿وَأشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِ رَبِّها ووُضِعَ الكِتابُ وجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ﴾ الآيَةَ [الزمر: ٦٩]، (p-٣٧١)وَقَوْلِـهِ: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآيَةَ [الزمر: ٧٣]، وقَوْلِـهِ: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾، وأمْثالِ ذَلِكَ، كُلُّ هَذِهِ الأفْعالِ الماضِيَةِ الدّالَّةِ عَلى الوُقُوعِ بِالفِعْلِ فِيما مَضى أُطْلِقَتْ مُرادًا بِها المُسْتَقْبَلُ؛ لِأنَّ تَحَقُّقَ وُقُوعِ ما ذُكِرَ صَيَّرَهُ كالواقِعِ بِالفِعْلِ، وكَذَلِكَ تَسْمِيَتُهُ شَيْئًا قَبْلَ وُجُودِهِ لِتَحَقُّقِ وجُودِهِ بِإرادَةِ اللَّهِ تَعالى.

وَقَوْلُـهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ﴾، قَرَأهُ عامَّةُ السَّبْعَةِ ما عَدا حَمْزَةَ والكِسائِيَّ ”خَلَقْتُكَ“ بِتاءِ الفاعِلِ المَضْمُومَةِ الَّتِي هي تاءُ المُتَكَلِّمِ، وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”وَقَدْ خَلَقْناكَ“ بَنُونٍ بَعْدَها ألِفٌ، وصِيغَةُ الجَمْعِ فِيها لِلتَّعْظِيمِ.

19:10Page 305

قَالَ رَبِّ ٱجۡعَل لِّيٓ ءَايَةٗۖ قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلَٰثَ لَيَالٖ سَوِيّٗا ١٠

[Zechariah] said, "My Lord, make for me a sign." He said, "Your sign is that you will not speak to the people for three nights, [being] sound."1

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ ألّا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا﴾ .

المُرادُ بِالآيَةِ هُنا العَلامَةُ، أيِ: اجْعَلْ لِي عَلامَةً أعْلَمُ بِها وُقُوعَ ما بُشِّرْتُ بِهِ مِنَ الوَلَدِ، قالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: طَلَبَ الآيَةَ عَلى ذَلِكَ لِتَتِمَّ طُمَأْنِينَتُهُ بِوُقُوعِ ما بُشِّرَ بِهِ، ونَظِيرُهُ عَلى هَذا القَوْلِ قَوْلُهُ تَعالى عَنْ إبْراهِيمَ: ﴿قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى قالَ أوَلَمْ تُؤْمِن قالَ بَلى ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]، وقِيلَ: أرادَ بِالعَلّامَةِ أنْ يَعْرِفَ ابْتِداءَ حَمْلِ امْرَأتِهِ؛ لِأنَّ الحَمْلَ في أوَّلِ زَمَنِهِ يَخْفى.

وَقَوْلُـهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿آيَتُكَ ألّا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا﴾ أيْ: عَلامَتُكَ عَلى وُقُوعِ ذَلِكَ ألّا تُكَلِّمَ النّاسَ، أيْ: أنْ تُمْنَعَ الكَلامَ فَلا تُطِيقُهُ ثَلاثَ لَيالٍ بِأيّامِهِنَّ في حالِ كَوْنِكَ سَوِيًّا، أيْ: سَوِيَّ الخَلْقِ، سَلِيمَ الجَوارِحِ، ما بِكَ خَرَسٌ ولا بُكْمٌ ولَكِنَّكَ مَمْنُوعٌ مِنَ الكَلامِ عَلى سَبِيلِ خَرْقِ العادَةِ، كَما قَدَّمْنا في ”آلِ عِمْرانَ“، أمّا ذِكْرُ اللَّهِ فَلَيْسَ مَمْنُوعًا مِنهُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ في ”آلِ عِمْرانَ“: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وسَبِّحْ بِالعَشِيِّ والإبْكارِ﴾ [آل عمران: ٤١]، وقَوْلُ مَن قالَ: إنَّ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى، ﴿ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا﴾، أيْ: ثَلاثَ لَيالٍ مُتَتابِعاتٍ غَيْرُ صَوابٍ، بَلْ مَعْناهُ هو ما قَدَّمْنا مِن كَوْنِ اعْتِقالِ لِسانِهِ عَنْ كَلامِ قَوْمِهِ لَيْسَ لِعِلَّةٍ ولا مَرَضٍ حَدَثَ بِهِ، ولَكِنْ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وقَدْ قالَ تَعالى هُنا ﴿ثَلاثَ لَيالٍ﴾ ولَمْ يَذْكُرْ مَعَها أيّامَها، ولَكِنَّهُ ذَكَرَ الأيّامَ في ”آلِ عِمْرانَ“، في قَوْلِهِ: ﴿قالَ آيَتُكَ ألّا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أيّامٍ﴾ [آل عمران: ٤١]، فَدَلَّتِ الآيَتانِ عَلى أنَّها ثَلاثُ لَيالِي بِأيّامِهِنَّ.

وَقَوْلُـهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ألّا تُكَلِّمَ النّاسَ﴾، يَعْنِي إلّا بِالإشارَةِ أوِ الكِتابَةِ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ هُنا: ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ أنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ [مريم: ١١]، وقَوْلُـهُ في ”آلِ (p-٣٧٢)عِمْرانَ“: ﴿قالَ آيَتُكَ ألّا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أيّامٍ﴾ [آل عمران: ٤١]؛ لِأنَّ الرَّمْزَ: الإشارَةُ والإيماءُ بِالشَّفَتَيْنِ والحاجِبِ، والإيحاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ أنْ سَبِّحُوا﴾ الآيَةَ، قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: هو الإشارَةُ وهو الأظْهَرُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﴿إلّا رَمْزًا﴾ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا، ومِمَّنْ قالَ بِأنَّ الوَحْيَ في الآيَةِ الإشارَةُ: قَتادَةُ، والكَلْبِيُّ، وابْنُ مُنَبِّهٍ، والعُتْبِيُّ، كَما نَقَلَهُ عَنْهُمُ القُرْطُبِيُّ وغَيْرُهُ، وعَنْ مُجاهِدٍ، والسُّدِّيِّ ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ﴾، أيْ: كَتَبَ لَهم في الأرْضِ، وعَنْ عِكْرِمَةَ: كَتَبَ لَهم في كِتابٍ، والوَحْيُ في لُغَةِ العَرَبِ يُطْلَقُ عَلى كُلِّ إلْقاءٍ في سُرْعَةٍ وخَفاءٍ، ولِذَلِكَ أطْلَقَ عَلى الإلْهامِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأوْحى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ﴾ الآيَةَ [النحل: ٦٨]، وعَلى الإشارَةِ كَما هو الظّاهِرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ أنْ سَبِّحُوا﴾ الآيَةَ [مريم: ١١]، ويُطْلَقُ عَلى الكِتابَةِ كَما هو القَوْلُ الآخَرُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، وإطْلاقُ الوَحْيِ عَلى الكِتابَةِ مَشْهُورٌ في كَلامِ العَرَبِ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدِ بْنِ رَبِيعَةَ في مُعَلَّقَتِهِ:

؎فَمَدافِعُ الرَّيّانِ عُرِّيَ رَسْمُها خَلَقًا كَما ضَمِنَ الوُحِيُّ سِلامُها

فَقَوْلُهُ ”الوُحِيُّ“ بِضَمِّ الواوِ وكَسْرِ الحاءِ وتَشْدِيدِ الياءِ، جَمْعُ وحَيٍ بِمَعْنى الكِتابَةِ.

وَقَوْلُ عَنْتَرَةَ:

؎كَوَحْيِ صَحائِفَ مِن عَهْدِ كِسْرى ∗∗∗ فَأهْداها لِأعْجَمَ طِمْطِمِي

وَقَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ:

؎سِوى الأرْبَعِ الدُّهْمِ اللَّواتِي كَأنَّها ∗∗∗ بَقِيَّةٌ وُحِيٍّ في ونِّ الصَّحائِفِ

وَقَوْلُ جَرِيرٍ:

؎كَأنَّ أخا الكِتابِ يَخُطُّ وحَيًا ∗∗∗ بِكافٍ في مَنازِلِها ولامِ

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском